إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب الحيض [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كرم الإسلام المرأة، وجعل لها أحكاماً خاصة فيما يتعلق بالحيض والنفاس، وهذا يدل على كمال الشريعة السمحة، وإعطائها لكل ذي حق حقه، وحسن أحكامها التي توافق العقل الصحيح المجرد عن اتباع الهوى.

    1.   

    شرح حديث: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

    قال المؤلف رحمه الله: [وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: (كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئاً). رواه البخاري وأبو داود واللفظ له].

    حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها قالت: (كنا لا نعد الكدرة ولا الصفرة شيئاً)، وفي بعض الروايات: (كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وبهذا يكون الخبر مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهو علم به وأقرهن عليه، وفي رواية: (بعد الطهر).

    ويتفق العلماء على أن المرأة إذا رأت الطهر ثم أعقب ذلك كدرة، أي: ماء مكدراً بلون الحمرة، أو ماء مكدراً بلون الصفرة، فلا تعتبر هذه الكدرة ولا الصفرة شيئاً بالنسبة للحيضة، وتبقى على طهرها الذي دخلت فيه، ويتفقون على أنها إذا رأت هذه الكدرة أو الصفرة أثناء الحيضة، بأن جاء بعدها دم أسود أو جاء بعدها دم العادة المعروف؛ فإنها تكون من أيام الحيض، فمثلاً: رأت الدم ثلاثة أيام، ورأت الكدرة والصفرة يوماً أو يومين، ثم رأت بعد ذلك الدم بقية الستة أو السبعة الأيام؛ فتلك الكدرة وتلك الصفرة في اليومين وسط العادة تعتبر حيضة لا تصلي فيها، ولا تصوم فيها، أما إذا رأت ذلك بعد أن طهرت وتطهرت واغتسلت فلا يلتفت لذلك.

    وكيف تعرف المرأة أنها طهرت من الحيض؟

    ثبت عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (أن نساء الأنصار كن يرسلن إليها في الدلجة -يعني: في غلس الليل- بالكرسف)، أي: بالقطن فيه الماء من محل الحيض، وقد اشتبه عليهن: هل هذا يعتبر طهراً أم لا؟ فتقول رضي الله عنها لهن: (لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء)، والقصة البيضاء هي: ماء أبيض ثخين، يفرزه الرحم في نهاية الحيض، فتعلم به المرأة أن الحيض قد انتهى، ويقول الأطباء: إن هذا الماء الأبيض الذي يعقب الحيض هو بمثابة التليين لجدار الرحم؛ ليكون مبطناً ملطفاً بهذا الماء؛ ليستقبل البويضة الجديدة بعد أن نبذ وأخرج البويضة القديمة التي لم تلقح، فيقولون: هو بمثابة المهاد والفراش للضيف الجديد المنتظر.

    فالحيض إذا انتهى أفرز الرحم هذه المادة البيضاء؛ ليبطن بها جدار الرحم ويلطفه، حتى إذا جاءت البويضة ووجدت هذا الماء علقت به.

    إذاً: المرأة تعرف نهاية حيضتها إذا رأت القصة البيضاء، فإذا رأت القصة البيضاء علمت أنها طهرت، وبقي عليها أن تتطهر أي: تغتسل، فإذا رأت القصة البيضاء فلا تنظر إلى ما يأتي بعد ذلك، كما قال الفقهاء رحمهم الله في الدم المسفوح: إذا ذبحت الشاة، ثم أخذ اللحم ووضع في القدر، وغلا به الماء، فربما يظهر على وجه الماء لوناً أحمر من أثر الدم الذي داخل العروق في اللحم، فهذا لا ينظر إليه، ولا يضر اللحم، ولا يقال: إنه دم نجس؛ لأنه من بقايا الدم في العروق، وليس مسفوحاً، فكذلك الكدرة أو الصفرة عندما تراها المرأة بعد أن رأت الماء الأبيض واغتسلت، فإنها لا تعتبر هذا شيئاً، ولا تترك صلاتها ولا صيامها، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)

    قال رحمه الله: وعن أنس رضي الله عنه: (أن اليهود كانت إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعوا كل شيء إلا النكاح) رواه مسلم].

    تأملوا -يا إخوان- هذا الحديث، فهو يعطينا تاريخ المرأة عند اليهود، وهي أمة ذات كتاب، قدم المسلمون المدينة فوجدوا اليهود إذا حاضت المرأة فيهم، لا يؤاكلونها، ولا يشاربونها، ولا يساكنونها في مسكن واحد، بل يعزلونها ويقولون: إنها نجسة، ولما رأى المسلمون اليهود يفعلون ذلك -وهم أهل كتاب- وقعت عندهم شبهة، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فعل اليهود، فقال لهم: (اصنعوا كل شيء) أي: من المؤاكلة والمشاربة والمضاجعة والمساكنة، وكل شيء يفعله الزوج مع زوجه افعلوه (إلا النكاح) أي: الجماع، أما: النكاح بمعنى العقد فليس هناك مانع، فيجوز أن يعقد عليها وهي حائض، لكن إلا الجماع، كما قال تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فلما بلغ هذا اليهود قالوا: والله! إن هذا الرجل ما ترك شيئاً إلا وخالفنا فيه، فكان عليه الصلاة والسلام يحرص على مخالفتهم.

    فنقول للعلمانيين ولأصحاب الحداثة وللذين لا يلتزمون بتعاليم الإسلام وللذين ينادون بتحرير المرأة وإنصافها وإعطائها حقها: انظروا إلى تاريخ المرأة عند اليهود، وهم أهل كتاب، فيعتبرونها -لأمر لا قدرة لها فيه، ولا مدخل لها في حدوثه- نجسة، وكان ينص القانون الفرنسي في عهد نابليون أو قبله: أن المرأة مخلوق نجس، ولا يحق لها أن تمس الكتاب المقدس، بينما صحف القرآن جمعها زيد بن ثابت زمن أبي بكر رضي الله تعالى عنه، ثم توفي فانتقلت إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فلما توفي كانت تلك الصحف الأساسية عند حفصة بنت عمر زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما أراد عثمان رضي الله تعالى عنه أن يكتب المصحف الأم؛ استأذنها واستعارها منها على أن يردها إليها بعد نهاية المهمة، فأهل القانون الوضعي والأوروبيون والذين يدعون الحضارة يقولون: المرأة مخلوق نجس بصفة عامة، واليهود لا يأكلون ولا يشربون معها، ولا يستخدمون الإناء الذي تأكل وتشرب منه، ولا الفراش الذي تنام عليه، فيعزلونها جانباً عن سكنهم وعن طعامهم وشرابهم؛ بحجة أنها نجسة لحيضتها.

    إذاً: من الذي يستحق أن ينكر عليه فيما يتعلق بالمرأة: اليهود ومن سار على شاكلتهم ومنوالهم أم المسلمون الذين يكرمون المرأة ويقول رسولهم صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا كل شيء إلا الجماع

    جاء في سنن البيهقي رحمه الله أن رجلاً قال لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أخبريني يا أماه! أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر أول الليل أم آخره؟ فقالت: من كل الليل أوتر: من أوله وأوسطه وآخره، قال: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، أخبريني أكان يغتسل من الجنابة قبل أن ينام أم ينام قبل أن يغتسل؟ قالت: أحياناً يغتسل ثم ينام، وأحياناً ينام ثم يغتسل، قال: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، أخبريني أكان يأكل معك وأنت حائض؟ قالت: كنت آكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآخذ اللحم أنهشه بفمي ثم أعطيه إياه فيأكل منه من بعدي، وكنت أشرب من القدح فأعطيه إياه فيضع فاه موضع فمي ويشرب، قال: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.

    فالمرأة كانت مهانة عند اليونان والرومان، وكانوا يعاملون المرأة معاملة وحشية، وكانت المرأة في بعض الشعوب تدفن مع زوجها وهي حية! ويقولون: إنها بعد موت زوجها لا قيمة لها، وكانت في الجاهلية تورث وتباع، وكانت توأد وهي حية، فجاء الإسلام فكرم المرأة حتى وهي حائض، وجعل للحائض جميع حقوق المرأة ما عدا موضع الأذى، وذلك لمصلحتها ومصلحة زوجها، قال الله: قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222]، فالجماع عند الحيض أذى على الرجل؛ لوجود التلوث بالدم، وأذى على المرأة؛ لأن أعصابها لا تحتمل الجماع.

    هذا الحديث يعنونون عليه بباب: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ وسيأتي زيادة إيضاح لذلك في حديث أم المؤمنين عائشة أنها قالت: (كانت إحدانا إذا حاضت وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم منها شيئاً أمرها أن تتزر ويباشرها).

    إذاً: كان اليهود يعاملون الحائض تلك المعاملة السيئة، فجاء الإسلام ونقض عليهم ذلك، ونبذ أحوالهم، وبين للمسلمين أن الحائض امرأة عادية، وهذا ليس بيدها، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنه أمر كتبه الله على بنات آدم).

    إذاً: يجوز للرجل من امرأته الحائض كل شيء -كما صرح الشوكاني - من التقبيل واللمس والتمتع وكل شيء إلا الجماع، والعلماء يتفقون أنما فوق سرة المرأة لزوجها أن يتمتع به، وما تحت الركبة كذلك، واختلفوا فيما بين السرة والركبة، هل له أن يتمتع بذلك؟

    قالوا: نعم له ذلك، إذا طرح على فرج المرأة ثوباً يمنعه منها، لكن الناس يختلفون في ذلك الأمر، فإذا كان الشخص يعلم من نفسه أنه يملك نفسه عن الجماع في الفرج فله ذلك، وإذا كان يعلم من نفسه أنه قد ينزلق فليبتعد.

    وعلى كلٍ، فكل شيء من الحائض جائز من المؤاكلة والمشاربة والمماتعة والمساكنة إلا الجماع، وهو نص القرآن الكريم: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222].

    ويبحث علماء التفسير في كلمة: (المحيض)، فمحيض على وزن: مفْعِل، ومفعل يطلق للزمان والمكان، مثل: مجلس موعد، تقول: هذا مجلس فلان، فهو اسم مكان، وتقول: هذا موعد مجيء فلان أو موعد جلوسه.

    فهذا اسم زمان، واسم الزمان واسم المكان والمصدر الميمي يتفقون أن صيغته على وزن: مفعل، فهل المحيض اسم مكان الحيض أو اسم زمان مدة الحيض أو مصدر ميمي؟

    ومهما يكن من شيء فإن الفقهاء متفقون على تحريم وطء الحائض كما جاء في الحديث: (إلا النكاح)، والنكاح هنا بمعنى: الجماع، والنكاح قد يطلق على العقد، ويطلق على الدخول بالمرأة، فأما العقد فلا مانع أن يعقد عليها وهي حائض، ولكن لا يجامعها وهي حائض.

    1.   

    شرح حديث: (كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمرني فأتزر)

    قال رحمه الله: [وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض) متفق عليه].

    جاء في بعض الروايات أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفراش، ففاجأتها حيضتها، فقامت من الفراش مبتعدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (ما شأنك -يا عائشة- لعلك حضت؟ قالت: نعم، قال: لا عليك، شدي عليك إزارك، وارجعي إلى فراشك).

    فالحائض تشد إزارها عليها، وتكون مع زوجها، ويباشرها من فوق الإزار كيف شاء، ويباشرها أيضاً فيما عدا ما بين السرة إلى الركبة من أعلاها وأسفلها كيف شاء، ولا شيء عليه.

    قالت أم المؤمنين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد إحدى نسائه وهي حائض، أمرها أن تتزر، وهي تقصد نفسها أو غيرها، وقد جاء ذلك أيضاً عن صفية وعن أم سلمة ، وهذا أمر سائغ، وسيأتي أنه صلى الله عليه وسلم سئل: ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ وهذا أمر غير مختص به صلى الله عليه وسلم، بل هو عام للأمة كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

    1.   

    شرح حديث: (يتصدق بدينار أو بنصف دينار)

    قال رحمه الله: [وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال: (يتصدق بدينار أو بنصف دينار) رواه الخمسة، وصححه الحاكم وابن القطان ، ورجح غيرهما وقفه].

    هذا الخبر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بأن من أتى زوجه وهي حائض أو جاريته وهي حائض، فليتصدق بدينار أو بنصف دينار، و(أو) هنا ليست للشك، ولكنها للتنويع، ففي حالة يتصدق بدينار، وفي حالة يتصدق بنصف دينار، أما الحالة التي يتصدق فيها بدينار فهي في فورة الحيضة، أي: في شدة جريان الدم، والأطباء يقولون: الحيضة في أول يوم ضعيفة، واليوم الثاني والثالث أشدها، وفي اليوم الرابع وما بعده تتناقص حتى تنقطع، وحالات النساء تختلف في هذا، فينظر في حالة الدم عندما أتاها زوجها: فإذا كان في شدته فعليه دينار، وإذا كان في ضعفه وقلته فعليه نصف دينار.

    والحديث -كما ذكر المؤلف- هناك من صححه مرفوعاً، وهناك من جعله موقوفاً على ابن عباس من قوله، ولكن مثل هذا الحكم -وهو الأمر بالصدقة- الظاهر أنه مرفوع، فإن أموال الناس معصومة، ولا يتأتى لإنسان أن يقول فيها برأيه، وأن يأتي بحكم من عنده واجتهاده، فهو إن لم يكن مرفوعاً صناعة فهو مرفوع حكماً، ولكن يذكر الشوكاني وغيره أن الحديث فيه مقالات، وأن في سنده ما يضعفه، ومن هنا اختلفوا هل هذا الدينار أو النصف الدينار واجب أو على سبيل الندب؟

    فبعض العلماء على أنه واجب لنص الحديث، وإن كان في سنده مقال، فقالوا: يتصدق بدينار إذا كان الدم شديداً، أو بنصف دينار إذا كان الدم قليلاً، وبعض العلماء يقول: ليس بواجب، ولكنه للاستحباب.

    فالزوجة أحلها الله لزوجها، وعند مجيء الدم يحرم عليه وطؤها تحريماً مؤقتاً، وكونه يجامعها وهي حائض خطيئة، وكفارة تلك الخطيئة أن يتصدق، فمن أتى أهله وهي حائض لا نقول: إنه أتى محرماً كالزنى، ولكنه ارتكب مخالفة ونهياً، ولا يبعد أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل هذا الدينار والنصف الدينار للردع من ذلك، فهم في ذلك الوقت ما كل إنسان منهم يملك ديناراً ولا نصف دينار، وإن امتلكه فليس بزائد عن حاجته، وقل من يتوفر عنده الدنانير، فيكون جعل ذلك حتى لا يقع الرجال على النساء وقت الحيض، تنفيذاً لقوله سبحانه: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222].

    ويقولون: المرأة في حالة الحيض أعصابها ونفسيتها مختلفة، وجسمها غير طبيعي، فإذا جامعها زوجها تتوتر أعصابها؛ لأن خلاياها وكل أجزاء جسمها تختل، وتختلف حالة الحيض عن حالة الطهر، وإذا انتهى الحيض وجاء الطهر كانت في أشد الاستعداد لذلك العمل.

    فهذا الحديث فيه الزجر والمنع من تطلع الرجال إلى النساء عند المحيض، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم؟)

    قال رحمه الله: [وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم؟) متفق عليه في حديث طويل].

    يبين المؤلف رحمه الله حكم الحائض بالنسبة للصلاة وللصيام؛ لأنهما أهم شيء في حياتها وفي دينها، والحديث طويل، وهو: أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر أنه اطلع على أهل النار، ووجد أكثر أهلها النساء؛ فقامت امرأة وقالت: ما شأن النساء أكثر أهل النار؟! فقال صلى الله عليه وسلم: (لأنهن يكثرن اللعن، ويكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)، وهذا على سبيل حكم الكل، وليس الكلي، ففي الجملة المرأة أنقص ديناً وعقلاً، ولكن قد يوجد بعض النساء أرجح عقلاً من عشرات الرجال، وقد يوجد في النساء من هي أرجح في الدين والعبادة والتورع من عشرات الرجال، لكن ذلك من حيث العموم، فقالت المرأة: ما نقصان عقلها ودينها؟! فقال صلى الله عليه وسلم: (أما نقصان عقلها فشهادتها نصف شهادة الرجل) كما قال الله: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، قال: (وأما نقصان دينها فأليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم؟)، وكونها لا تصلي ولا تصوم نقص في دينها، فالرجل يصلي بصفة دائمة، ويصوم بصفة دائمة، ولكنها يأتيها ما يمنعها، فقوله صلى الله عليه وسلم: (أليست المرأة إذا حاضت لا تصلي ولا تصوم؟) معناه: أن الحائض تمتنع عن الصلاة، وتمتنع عن الصيام، فلا يجوز للحائض أن تصلي، ولو استباحت ذلك لكفرت عياذاً بالله، ولا يصح لها أن تصوم، ولو صامت فلا يعتبر صيامها، ولو استحلت ذلك لكفرت عياذاً بالله.

    وهل المرأة تقضي ما فاتها من الصلوات والصيام أثناء حيضها؟

    جاءت زوج عبادة بن الصامت إلى أم المؤمنين عائشة وقالت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت: (كان يصيبنا الحيض فنقضي الصوم ولا نقضي الصلاة)، وفي بعض الروايات أنها قالت: (أعراقية أنت؟! قالت: لا، ولكني مستفسرة)، وقولها: (أعراقية)؛ لأنه كان مشتهراً عن أهل العراق أنهم أهل الجدل والقياس، والمعتزلة يقدمون العقل في كثير من قضايا الإسلام، ومن أهل البدع من يقول: إنها تقضي الصلاة، وهذا السؤال هو شبه اعتراض عقلي، أي: كيف هذا، فهذه صلاة فريضة وهذا صوم فريضة، ثم فرق بين الفريضتين، فريضة تقضيها وفريضة لا تقضيها؟!

    وهذا من استعمال القياس العقلي، فقالت لها هذا الجواب: أعراقية أنت؟! أي: أأنت قياسية، تعملين بالقياس مع وجود النص؟ وأما القياس في غير وجود النص فهو من أصول الفقه وأصول الدين، لكن إذا وجد النص فلا قياس، ويسمى عند الأصوليين: فاسد الاعتبار؛ لأن النص موجود.

    فهي سألت كيف تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة؟

    فأجابت أم المؤمنين بقولها: كنا نحيض ونؤمر بذلك، وما كنا نسأل عن السبب ولا عن العلة، فهي أمور تعبدية نتقبلها بالسمع والطاعة، ولا نسأل عن السبب ولا عن الفرق، ولكن العلماء قالوا: هناك فرق، وليس قضاء الصلاة وقضاء الصوم مستويان، ومن شرط صحة القياس أن يستوي الطرفان: المقيس مع المقيس عليه.

    فمثلاً: الربا في البر مع الشعير أو مع الذرة؛ لأنهما يستويان في كونهما قوتاً مدخراً، ولكن الصوم والصلاة ليستا متفقتين، لماذا؟

    لأن الصوم يأتي مرة واحدة في السنة، والحيض يأتي في الشهر -غالباً- مرة واحدة، فإذا حاضت خمسة أيام أو سبعة أيام في رمضان، فيسهل عليها أن تقضي السبعة أيام في بقية السنة، وهذا لا مشقة عليها فيه، وأما إذا كانت تؤمر بقضاء الصلاة فسبعة أيام تضرب في خمسة يساوي خمسة وثلاثين صلاة، فتحتاج سبعة أيام من الأيام الأخرى لتقضيها في غير أيام الحيضة، فعلى هذا؛ لما كانت الصلاة تتكرر كل يوم، وهي تحيض عدة أيام، وقد يستمر حيضها إلى أكثر مدة الحيض وهي الخمسة عشر يوماً، فستقضي الصلاة خمسة عشر يوماً مع صلاة الخمسة عشر يوماً، وتكون الفائتة بقدر الحاضرة، وهذه مشقة ظاهرة؛ ولهذا سقط عنها قضاء الصلاة.

    1.   

    شرح حديث: (افعلي ما يفعل الحاج...)

    قال رحمه الله: [وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما جئنا سرف حضت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري) متفق عليه في حديث طويل].

    هذا الحديث مثل الحديث المتقدم: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) وهنا قالت عائشة : لما جئنا سرف، وسرف على مرحلتين من مكة في طريق المدينة، وكانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، وكانت محرمة بالعمرة متمتعة، ولما دنت من مكة فاجأتها الحيضة، وكانوا قدموا مكة صبح رابعة من ذي الحجة، أي: وفي اليوم الثامن بعد أربعة أيام سيذهبون إلى عرفات، وهي لن تطهر في هذه المدة، فهي بين أحد أمرين: أن تجلس في مكة حتى تطهر وتكمل عمرتها ويفوتها الوقوف بعرفة، أو تدرك الحج، فالرسول صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي في خيمتها في سرف، فوجدها تبكي، فقال: (ما يبكيك يا عائشة؟! لعلك نفست؟ قالت: نعم) والنفاس من أسماء الحيض مثل: العراك، والفورة، والدم، فقال: (هذا أمر كتبه الله على بنات آدم)، أي: لست أنت وحدك التي يأتيك الحيض، وليس أمرك بيدك.

    ومعلوم أن الحج أعماله كلها تدور على ذكر الله، فهل لها أن تذكر الله، فتلبي، وتأتي المشعر الحرام، وتأتي عرفات، وتقول ما جاء في الحديث: (خير ما قلته أنا والنبيون قبلي في هذا اليوم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له ...) إلى آخره، وتعمل بالآية: فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [البقرة:198] أم أنها تمتنع بسبب حيضتها؟

    الحديث الأول يتعلق بأمر اليهود في أمور الدنيا، وفي الأمور الخاصة، والأمور العائلية، والمعاشرة الزوجية، وحديث عائشة في الأمور الدينية، فقال لها: (افعلي -مع وجود حيضتك- ما يفعل الحاج)، وقد أمرها أن تغتسل، وأن تدخل الحج على العمرة، فتقول: لبيك حجة في عمرة، وصارت قارنة من مكانها في سرف، واغتسلت من أجل إدخال الحج على العمرة للنسك وليس للحيضة، وأصبحت بعد ذلك قارنة، فجاز لها أن تجلس عند البيت، وتخرج مع الحجاج إلى عرفات، وتنزل من عرفات إلى المشعر الحرام، ومن المشعر الحرام إلى منى، وترمي الجمرات، ثم تنتظر، فإن طهرت في تلك الحالة اغتسلت، وطافت طواف الإفاضة عن الحج والعمرة المقترنين، وبهذا أكملت حجها، فالحديث الأول في أمور الدنيا والمعاشرة، وهذا في أمر الدين والعبادة: (افعلي ما يفعله الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري).

    وإذا نهاها عن الطواف بالبيت، فما هو أشد تطلباً للطهارة: الصلاة أم الطواف؟

    الصلاة؛ لأن الرسول قاس الطواف على الصلاة في قوله: (الطواف صلاة)، فالطواف فرع عن الصلاة، فإذا منعت من الطواف بالبيت بسبب الحيضة، فمنعها من قراءة القرآن في الصلاة من باب أولى.

    وهل تقرأ القرآن؟

    القرآن هو لب الصلاة، وجاءت الأحاديث بمنع الحائض من قراءة القرآن ومن حمل المصحف.

    إذاً: قوله: (اصنعي كل ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي بالبيت)، ونضيف إلى عدم الطواف: قراءة القرآن وحمل المصحف، وهذا يبين لنا أن الحائض تذكر الله بغير التلاوة، وتفعل كل ما يفعله الحجاج: من الأذكار، ومن الوقوف بعرفات، والوقوف بمزدلفة، وذكر الله عند المشعر الحرام، وذهابها إلى منى، ورميها الجمار، والتكبير مع كل حصاة، وتنحر أيضاً إذا كان عليها نحر إن كانت تحسن النحر أو تنيب من ينحر عنها، والنبي صلى الله عليه وسلم (نحر عن نسائه بقرة).

    1.   

    شرح حديث: (إتيان الحائض فيما فوق الإزار)

    قال رحمه الله: [وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ فقال: ما فوق الإزار) رواه أبو داود وضعفه].

    سبق أن ساق المؤلف رحمه الله حديث: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح)، وهذا عام، فله أن يصنع كل شيء حتى ما تحت السرة، ما لم يكن هناك إيلاج وجماع، وهنا سأل معاذ : ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ لم يقل: يحل له كل شيء إلا النكاح مثل الحديث السابق؛ لأنه كان في مقابلة تعامل اليهود، فاليهود منعوا التعامل معها في كل شيء، والإسلام أباح التعامل معها في كل شيء، إلا شيئاً واحداً وهو الجماع، فهو مقابل لتعنت اليهود مع الحائض، وحديث معاذ توجيه وتعليم لما هو الأكمل والأحوط للرجل، وهو ما فوق الإزار.

    وهل له ما فوق الإزار ولو كان في مقابل الفرج في منطقة الاتزار؟

    الحديث يحتمل الأمرين، والإزار العادي يكون من السرة إلى الركبة، ويكون الإزار حاجزاً وحاجباً بين الجسم والجسم، قال بعض العلماء: المباشرة تكون مكان الاتزار، وهذا هو الظاهر، أما كونه يباشر الفرج بحاجز الإزار فهذا قد يؤدي إلى إثارة المرأة، وقد يكون فيه إيذاء عليها.

    إذاً: ما فوق الإزار هو محل إزار المرأة، وهذا قول الجمهور، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: (فيأمرها فتتزر ويباشرها)، والله تعالى أعلم.

    1.   

    شرح حديث: (كانت النفساء تقعد بعد نفاسها أربعين يوماً)

    قال رحمه الله: [وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (كانت النفساء تقعد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد نفاسها أربعين يوماً) رواه الخمسة إلا النسائي واللفظ لـأبي داود ، وفي لفظ له: (ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء صلاة النفاس)، وصححه الحاكم] .

    المؤلف رحمه الله انتهى من مباحث الحيض، ولكنه لم يبين لنا مدة الحيض صراحة، ولكن ذكر حديث المستحاضة: تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، والفقهاء حددوا أقل مدة الحيض وأكثره، فالحنفية قالوا: أكثر الحيض عشرة أيام، والجمهور على أنه خمسة عشر يوماً، وأقله يوم وليلة، وغالبه سبعة أيام. فأقل الحيض وأكثره معلوم عند العلماء والحمد لله، علماً بأن حالات النساء تختلف، ولكن جعلوا هذا هو الحد الأقصى والحد الأدنى، فما كان من دم دون الحد الأدنى فليس بحيض، وما كان من دم فوق الحد الأعلى فليس بحيض.

    ودم النفاس يأخذ حكم دم الحيض في ترك الصلاة، وترك الصيام، وترك القراءة، وعدم حمل المصحف، وتحريم الوطء، فدم النفاس ودم الحيض في ذلك سواء، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحيض نفاساً كما في قوله: (لعلك نفست؟)، فإلى متى تجلس المرأة بعد نفاسها؟

    هذا الحديث يبين أقصى مدة الدم في النفاس، وأقل دم النفاس لحظة، فلو نفست اليوم وانقطع دمها غداً ولم تر شيئاً فقد طهرت، وتأخذ حكم الطاهر، وليس بلازم أن تستمر إلى أربعين يوماً إلا في الجماع من باب الندب؛ لأنها بعد الولادة ليست مستعدة للجماع، والمحل غير صالح، فإذا كملت الأربعون يوماً صار الرحم يقبل ما كان يقبله قبل الحمل، وهل هذا محل اتفاق؟

    ليس محل اتفاق، هناك من يرى أن أقصى النفاس خمسون يوماً، وبعضهم يراه ستين يوماً، والعبرة بغالب حالات النساء، وقد أشرنا أن دم الحيض ودم النفاس يختلف في أسرة دون أسرة، ويختلف في قرية دون قرية، ويختلف في إقليم دون إقليم، ويختلف في فصل دون فصل، فهو في الأيام الباردة غير الأيام الحارة.

    قالوا: أقصى ما تجلس النفساء بعد دم النفاس أربعون يوماً، وهناك من قال: خمسون، أو خمسة وخمسون، أو ستون، وليس بعد الستين خلاف.

    لو أن المرأة ولدت ونزل الدم، وفي آخر النهار انقطع عنها الدم، فهل انتهت من نفاسها أم لابد أن تجلس أربعين يوماً؟

    انتهت، وإذا ولدت ولم ينزل ولا قطرة دم فهل لازم أن تجلس أربعين يوماً أم ليس هناك دم نفاس؟

    ليس هناك شيء، وهذه ولادة الجفوف، فبعض النسوة تلد المولود ولا ينزل معه دم، فبنزول الولد ينتهي نفاسها، ولا تحتاج أن تجلس أي مدة بعد نزول الولد إذا لم يوجد الدم.

    إذاً: هذا الحديث يبين لنا الحد الأقصى الذي تجلسه المرأة في نفاسها، فإذا زاد عن الأربعين يوماً خمسة أيام فماذا نعتبر هذه الأيام الخمسة؟

    يقول الفقهاء: إن كانت الزيادة وافقت زمن حيضتها فهي حيض، أي: أنها انتقلت من نفاس إلى حيض، فتترك الصلاة والصوم، فمثلاً: كانت ترى الحيضة يوم ثلاثة وعشرين من كل شهر، فنفست، وبعد الأربعين يوماً صادف يوم ثلاثة وعشرين، وهو زمن حيضتها، فتترك الصلاة؛ لأنها انتقلت من نفاس إلى حيض.

    أما إذا كانت حيضتها تأتيها في أول الشهر أو في نصف الشهر، وانتهى دم نفاسها يوم خمسة وعشرين من الشهر، ولكن استمر الدم إلى يوم الثلاثين، فهذه الخمسة الأيام الزائدة من بعد يوم خمسة وعشرين التي هي نهاية الأربعين تكون استحاضة، والله تعالى أعلم.