إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ عطية محمد سالم
  3. كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء [1]

كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء [1]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • معرفة نواقض الوضوء مهمة لكل مسلم، حتى لا تفسد عبادته وهو لا يشعر، ولهذا كانت الطهارة من أهم الأشياء في حياة المسلم، سواء كانت طهارة معنوية وهي طهارة القلب، أو طهارة حسية وهي طهارة البدن، فواجب على كل مسلم أن يعرف الطهارة وشروطها ونواقضها حتى تكون عبادته صحيحة.

    1.   

    انتقاض الوضوء بالنوم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه.

    وبعد:

    قال المصنف رحمه الله: [ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون) أخرجه أبو داود ، وصححه الدارقطني ، وأصله في مسلم .

    نأتي إلى المسألة الأولى التي صدر بها المؤلف هذا الباب: (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم).

    الخفق: هو ميلان الرأس على الصدر في أول النعاس، فإذا كان الإنسان جالساً ثم أتاه النعاس فإنه يخفق برأسه ويميل، فإذا مال رأسه ينتبه حالاً، وهذه هي حالة أوائل النعاس، وفي أصل الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في بعض الليالي متأخراً في ثلث الليل، وقد نام ونعس بعضهم، وأخذت رءوس بعضهم تخفق، وهذه الألفاظ جاءت في حديث ابن عباس في خروج النبي صلى الله عليه وسلم تلك الليلة وفيه أنه قال: (إنه لوقتها لولا أن أشق عليكم، إنه لا يوجد أحد على وجه الأرض مثلكم) أي: أنكم على طهارة وتنتظرون الصلاة ولا يوجد على وجه الأرض من ينتظر الصلاة مثلكم، فكان في هذا تسلية لهم عن تأخير الصلاة، وبياناً منه صلى الله عليه وسلم أن الأفضل في وقتها التأخير، ولكنه قال: (لولا أن أشق)، فرفع المشقة هو الذي جعل التبكير بصلاة العشاء.

    وفي مسألة النوم نجد كما يقول الشراح ومنهم ابن حجر والنووي كما في شرح مسلم ، ونقل ذلك عنه الشوكاني يقولون: في هذه المسألة ثمانية أقوال: فهناك من يقول: مطلق النوم ناقض، وهذا مبني على أن النوم بذاته حدث، وصاحب هذا القول كـالحسن البصري ومن وافقه لا يراعي أي حالة ولا صفة للإنسان عند نومه، لا قليلاً ولا كثيراً، مطلق النوم عندهم إذا خامر رأس الإنسان فقد انتقض وضوءه، وعليه أن يتوضأ؛ واستُدل على ذلك بإجماع المسلمين على أن غيبة العقل بسكر أو بمخدر أو بإغماء أو بأي سبب من الأسباب فإنه يتوضأ صاحبه بجميع الأقوال، ولا يخالف في ذلك أحد؛ لأن العقل يغيب عن الحس والإدراك، فقالوا: وكذلك النوم، فإن النوم يجعل صاحبه غائباً عن الحس.

    القول الثاني: مقابل لهذا: وهو أن النوم بذاته ليس حدثاً، وإنما هو مظنة الحدث، كما سيأتي الحديث في ذلك، وكان من الأنسب أن يقدمه المؤلف هنا، وإنما أخره إلى ما قبل آخر الباب بحديث واحد، وهو حديث معاوية وعلي مرفوعاً: (العين وكاء السه -والسه: اسم لحلقة الدبر- فإذا نامت العينان استطلق الوكاء) يعني: أن الإنسان ما دام مستيقظاً فالسه مربوط، والوكاء هو: الرباط، ووكاء القربة هو الذي يربطها حتى لا يتدفق الماء منها، فكذلك العين هي وكاء السه، وإذا نامت العينان استطلق الوكاء، فيخرج ما في تلك القربة وهو لا يشعر.

    إذاً: من منطوق هذا الحديث: (العين وكاء السه)، وأحاديث أخرى، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الوضوء على من نام مضطجعاً) ذكروا في هذه المسألة عدة أقوال:

    القول الأول: مطلق النوم ينقض، وهذا على أن النوم ناقض بذاته.

    والقول الثاني: قول الجمهور: وهو أن النوم بذاته ليس ناقضاً، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوتر، ثم اضطجع ونام، ثم جاء المنادي لصلاة الصبح، فقام وصلى الصبح ولم يتوضأ. فقلت له: يا رسول الله! أتصلي وقد نمت؟! فقال: يا عائشة ! تنام عيناي ولا ينام قلبي) فعلى هذا إذا استطلق وكاء فهناك وكاء آخر؛ لأن القلب يقظان في حقه صلى الله عليه وسلم، فلو أنه اعتبر النوم بذاته حدثاً لكان عليه أن يتوضأ، ولكنه اعتبر أن النوم بذاته ليس ناقضاً، وأنه يقظ بقلبه، فلو كان قد حدث حدث أثناء نومه لشعر به؛ كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قصة مبيته عند خالته ميمونة ، قال: (فقام صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فتوضأ فصلى) يعني: بأنه نام وأدرك بأنه أحدث فقام وتوضأ وصلى.

    وعلى هذا: إذا كان النوم هو مظنة الحدث فأي أنواع النوم هو المقصود؟

    فيه ثمانية أقوال -كما ذكرها الشوكاني وذكرها قبله النووي في شرح مسلم- وكلها تدور حول نقطة واحدة، وهي: تحقيق المناط في أنه قد حصل نوم فعلاً.

    فهناك من يقول: من نعس -والنعاس أوائل النوم- وهو جالس فلا وضوء عليه؛ لأن جلوسه يجعله متمكناً ولا يخرج منه شيء إلا إذا شعر به.

    وهناك من يقول: إن من نام مضطجعاً واتكأ على جنبه وتمدد فعليه الوضوء؛ لأنه إذا نام متمدداً مضطجعاً فليس هناك ما يمنع خروج شيء من مخرجه؛ لأن الحال أنه نائم.

    وهناك من يقول: من نام في الصلاة فلا وضوء عليه؛ لما جاء في بعض الآثار: (إن العبد إذا نام وهو ساجد يقول الله تعالى لملائكته: انظروا عبدي، روحه عندي وجسده بين يدي) فقالوا: (نام وهو ساجد)، أثبت له النوم وهو ساجد وأثبت له صحة السجود.

    وكذلك إذا نام وهو راكع، أو نام وهو جالس يتشهد، أو نام وهو قائم يقرأ، قالوا: كل نوم في الصلاة لا ينقض الوضوء.. ولماذا لا ينقض؟ قالوا: لأن النوم يكون خفيفاً، فإذا كان النوم ثقيلاً خرج عن هذه الصورة، ولذا عند مالك رحمه الله: أن الإنسان إذا نعس وهو قائم أو راكع فإنه لا ينتقض وضوءه، وأما إذا نعس وهو ساجد فينتقض.

    وما الفرق بين السجود والركوع؟ قال: إن نام الإنسان وهو راكع فيحتاج إلى إدراك وإحساس يحفظ به توازنه، وأما إذا كان ساجداً فهو يسجد على أربعة أطراف، ومهما أخذه النوم وأغرق فيه فإنه لن يسقط؛ لأنه متمكن على أربعة أطراف. إذاً: النوم في الركوع لا يكون ناقضاً لخفته، والنوم في السجود يكون ناقضاً لتمكن صاحبه من عدم السقوط، وكل ذلك راجع إلى تحقيق المناط في حصول النوم.

    وقد جاء عن أبي موسى الأشعري أنه صلى الظهر ونام، وأصحابه حوله إلى أن أُذن للعصر فأيقظوه، فسألهم: هل سمعتم شيئاً؟ قالوا: لا، قال: أشممتم ريحاً؟ قالوا: لا، فقام فصلى؛ وهذا بناء على أن العين وكاء السه، وأن هناك حراساً، فلما لم يسمعوا شيئاً ولم يشموا ريحاً تأكد بأنه لم يحدث في نومه وإلا لأخبره أصحابه بذلك.

    وعلى كل فتلك الأقوال الثمانية بالصور المختلفة في حقيقة النوم إنما ترجع إلى تحقيق المناط في أن النائم قد استغرق في النوم، بحيث لو خرج منه شيء لم يشعر به، إلا صورة واحدة عند الشافعي وهي: ما لو جلس ممكناً مقعدته من الأرض بحيث لا تسمح بخروج شيء، ولو استغرق في النوم ورأى المنامات فإنه لا ينتقض وضوءه.

    إذاً: هل النوم من حيث هو ناقض بذاته أو أنه مظنة حدوث الناقض؟

    الحسن ومن وافقه قالوا: هو ناقض بذاته؛ بناءً على أن زوال العقل بالأسباب الأخرى ناقض إجماعاً، والجمهور على أن النوم بذاته ليس ناقضاً، وإنما هو مظنة حدوث الحدث الذي ينقض الوضوء، ومتى يكون مظنة ذلك؟ يرجع هذا إلى تحقيق المناط في أنه نام إلى الحد الذي لو خرج منه ريح لم يشعر به، وهذا أيضاً هو رأي الجمهور.

    والله تعالى أعلم.

    1.   

    الاستحاضة وأحكامها

    قال المؤلف رحمه الله: [ قال: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي) وللبخاري : (ثم توضئي لكل صلاة) وأشار مسلم إلى أنه حذفها عمداً ].

    وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: أن فاطمة بنت أبي حبيش .

    وفاطمة هذه كانت إحدى ثلاث كن يستحضن بالإضافة إلى حمنة وأخرى، والاستحاضة كما بين النبي صلى الله عليه وسلم قد تلتبس على المرأة بالحيضة.

    أقسام الدماء عند النساء

    والدماء الخارجة من النسوة: إما دم حيض، وإما دم نفاس، وإما دم استحاضة. ودم الحيض كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم دم أسود يُعرَف أو يعرِف، يُعرَف من المعرفة، ويعرِف من العرف وهو الرائحة، أي: أن له رائحة تعرفها النسوة.

    وسبب الحيض -كما يقال- هو دورة الرحم، وللرحم دورتان: دورة شهرية، ودورة سنوية، فالدورة الشهرية هي دورة الحيضة، والدورة السنوية هي النفاس، وقد يكون نفاس بلا دم وتسمى (الجفوف). فإذا جاءت الحيضة ثم تواصل الدم بعدها فهذا الدم الزائد عن الحيضة يسمى (استحاضة).

    فلما قالت: (إني أستحاض) عرفت أنها ليست بحائض، ولكنها ظنت أن استمرار دم الاستحاضة يجعلها غير طاهرة، فسألت: أأترك الصلاة في هذه الحالة؛ لأني (أستحاض فلا أطهر) أي: لا يقف الدم؟ أجابها صلى الله عليه وسلم وقال لها: (لا؛ إنما ذلك عرق) أي: لا علاقة له بالطهر وعدم الطهر؛ ولذا نجد في القرآن الكريم -كما يقال- درس الألفاظ قال تعالى: حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ [البقرة:222] فطهر المرأة ليس بيدها كما هو الاغتسال، ولذا قال: يطهرن ؛ لأنه رفع الدم، وقال: فإذا تطهرن وزاد في الأحرف؛ لأن التطهر هو حركة الماء والغسل والتدليك، وهذا بيد المرأة، فهنا أرشدها النبي صلى الله عليه وسلم وقال لها: (فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة -لأنك غير طاهرة- وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم -أي: دم الحيضة- واغتسلي وصلي) أو (توضئي وصلي) جاءت ألفاظ عديدة في هذه القصة.

    والجمهور يقولون: إذا كان أول مجيء الحيض فإنها تعرفه، ولذا قال: (إذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة) وهذا الإقبال معروف، ولكن إذا أدبرت فكيف تعرف أنها قد أدبرت والدم متواصل؟ فأجابوا وقالوا: قد بين لها صلى الله عليه وسلم وأرشدها إلى أمور عديدة، وهي: إما أن يكون الدم متغيراً، بأن يكون دم الحيض أسود يعرف، وبعد انتهائه يكون دم العرق أحمر صافياً، أو أن يكون دم الحيض ليس أسود، بل عادياً، فترجع إلى أيام حيضتها قبل الاستحاضة كما قال صلى الله عليه وسلم: (فتربصي قدر ما كانت تحبسك حيضتك) فإذا كنت تحيضين في الشهر أربعة أو خمسة أيام فأمسكي عن الصلاة أربعة أو خمسة أيام، فإذا تعدت المدة التي كنت متعودة عليها فاغتسلي واغسلي عنك الدم وصلي، ولوكان الدم يجري؛ لأنه بعد مضي مدة حيضتك التي تعودتها يكون الدم خارجاً باستحاضة.

    وأما إذا كانت المرأة قد نسيت حيضتها، أو كانت في أول أمرها والتبس عليها فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تحيضي كما تحيض النساء في علم الله سبعة أيام أو ستة أيام، ثم اغسلي عنك الدم واغتسلي وصلي) .

    أكثر الحيض وأقله والخلاف في ذلك

    قال الفقهاء: الحيض له أقله وأكثره، والطهر بين الحيضتين له أقله، ولا حد لأكثره، فيقول الفقهاء: إذا رأت الدم أقل مدة الحيض فلتمسك عن الصلاة والصيام إلى أكثر مدته عندهم، فإن تجاوزت أقصى مدة الحيض عندهم فعليها أن تغتسل وتصلي وتعتبر الزائد استحاضة.

    فما هو أقل الحيض وما هو أكثره؟

    المسألة فيها خلاف، فعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله أقل مدة الحيض ثلاثة أيام، فإذا رأت الدم ليوم فيقول: هذا دم فاسد، ويلزمها الصلاة عند ذلك، وهكذا إذا رأته ليومين، فإذا كان ثلاثة أيام فهو حيض عنده.

    وعند الشافعي وأحمد : أقل مدة الحيض يوم وليلة، فإذا رأت المرأة الدم يوماً وليلة فهو حيض، ولا يصح لها أن تصوم ولا أن تصلي، فإذا ذهب عنها الدم اغتسلت، ولو رأت الدم أقل من يوم وليلة قلنا لها: هذا دم فاسد؛ لأنه لم يكتمل أقل مدته.

    وعند مالك رحمه الله - تفصيل بين العبادات والعدة، فقال في حق العبادات: يكون الحيض إذا رأت الدم ولو لحظة، بمعنى: لو أن المرأة رأت الدم في نهار رمضان خمس دقائق، ثم ارتفع عنها ولم تره إلى المغرب قال: فسد صومها وعليها قضاؤه.

    وكذلك: إذا رأته في وقت المغرب ولم يرتفع عنها حتى طلع الفجر، فهذا أقل من يوم وليلة، فتسقط عنها صلاة المغرب والعشاء، وهكذا اعتبر الحيض بالنسبة للعبادات بمجرد رؤية الدم ولو لحظة.

    أما إذا كانت مطلقة وتعتد بالحيض فلا تكون الحيضة المعتبرة في العدة إلا بيوم وليلة.

    وعلى هذا فقد اختلفوا في أقل مدته، فمن رأت الدم أقل من أقله فهو دم فاسد، وإذا رأته لأقله فهي حيضة معتبرة، لا تصلي ولا تصوم.

    وأما أكثره فهو عند أكثر الأئمة خمسة عشر يوماً.

    وعلى هذا إذا استمر الدم أكثر من خمسة عشر يوماً قيل لها: ما زاد عن أكثره فإنه استحاضة، فعليك عند آخر اليوم الخامس عشر، أن تغسلي ثم بعد ذلك يعتبر ما زاد عن هذه الفترة استحاضة تصلين وتصومين معها.

    وسيأتي زيادة توضيح لما يتعلق بالحيض والاستحاضة، ويهمنا في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبره ناقضاً، وأمرها بالوضوء لكل صلاة.

    وسيأتي النقاش أيضاً في أنها هل تتوضأ لكل صلاة أو تغتسل؟ لأن في بعض الروايات (توضئي لكل صلاة) وفي بعضها: (اغتسلي واغسلي عنك الدم وصلي) فكانت تغتسل لكل صلاة، وقيل: كانت تجمع بين الصلاتين جمعاً صورياً باغتسال في كل أوقاتها، وسيأتي تحقيق ذلك في باب الحيض.

    إذاً: ما خرج من السبيلين على غير هيئة معتادة كسلس الدم باستحاضة، أو سلسل البول من الرجل أو المرأة، أو سلسل الريح: وهو أن يخرج بدون تحكم من صاحبه بل يغلبه عليه، فإنه يتوضأ عند دخول الوقت لكل صلاة، فإذا خرج بعد ذلك وهو على غير حالة معتادة، وبغير اختيار منه يكون قد انتقض وضوءه، وعليه وضوء آخر.

    1.   

    حكم السائل الذي يخرج من الفرج

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (كنت رجلاً مذاءً، فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال: فيه الوضوء) متفق عليه واللفظ للبخاري ].

    صفة المذي وحكمه

    يقول المؤلف رحمه الله: (وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: (كنت رجلاً مذاءً، فأمرت المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم) وفي رواية أخرى: (فأمرت بلالاً) وهناك رواية أخرى دون ذكر علي (أن المقداد سأل رسول الله عن المذي)، وفي رواية لـعلي قال: (كنت رجلاً مذاءً فكنت أغتسل في الشتاء حتى تشقق ظهري، واستحييت أن أسأل رسول الله لمكانة ابنته مني، فسأله فقال: فيه الوضوء) وفي بعض الروايات: (توضأ وانضح فرجك) وبعض الروايات: (واغسل ذكرك وأنثييك) .

    وإلى هنا يتفق العلماء بلا نزاع على أن في المذي الوضوء، وأنه ناقض للوضوء كالبول. وقوله: (مذاء) مذاء على وزن فعّال (صيغة مبالغة) أي: كثير المذي.

    والماء الذي يخرج من الرجل وكذلك المرأة خلاف البول: المني، والودي، والمذي، وتزيد المرأة على الرجل بماء قبل الولادة يسمى (الهاد) أي: الهادي إلى أوائل الولادة.

    ويتفقون على أن المذي هو عن طريق المني، لكنه لم ينضج ولم يكتمل حتى يصير منياً يخرج دفقاً، ولكنه يخرج بدون دفق كما يخرج غيره، وهو لا يكون إلا عند الشباب في كمال الصحة.

    وسببه: إما اشتغال الفكر وإما وقوع النظر -يعني: بسبب حركة نفسية جنسية- وهو دون الملامسة، أو حصلت ملامسة ولكن لم يحصل هناك دفق للمني.

    ولونه ولون المني سواء، فيه مادة لزجة، والمذي يتفقون على أنه نجس كالبول يجب غسله.

    وبقي الخلاف في الألفاظ التي جاءت مع الغسل، فقوله: (وانضح فرجك) النضح: قد يطلق على الغسل، ومنه الحديث: (ويغسل أنثييه) وبعض العلماء يقول: (انضح فرجك) يعني: محل خروج المذي كما يغسل محل خروج البول. والآخرون يقولون: (انضح فرجك) أي: كامل العضو. وكذلك الأنثيين مع الذكر، والذين قالوا بهذا قالوا: إن الأمر بغسل هذه الأعضاء راجع إلى حالة صحية للإنسان؛ لأن المذي طريقه طريق المني إلا أنه لم ينضج، والمذي يخرج خروجاً عادياً، وأهم أعضاء خروج المني بالنسبة للرجل هي أنثياه مع فرجه، فقد تكون هناك إثارة جنسية كان مقتضاها خروج المني، ولكن جاء مانع منع خروج المني ففتر، وتغير الحال في مجراه ولم يصل الماء إلى درجة المني وبقي مذياً.

    تلك الأعضاء يقولون: يحصل لها تفاعل، فإذا ما تركت ربما يحصل هناك التهاب كما يحدث لكثير من الشباب، يكون في حالة احتلام فيستيقظ ولم يستكمل خروج الماء منه فيحصل عنده التهاب؛ بسبب عدم استكمال خروج هذا الماء من مكانه، فقالوا: في غسل الذكر والأنثيين تلطيف لهذا المحل يجنب صاحبه الالتهابات أو الأخطار الصحية التي قد تنتج بسبب عدم اكتمال المني وخروجه.

    إذاً: الغَسل هنا ليس له علاقة بالنقض ولكن له علاقة بصحة الإنسان، والذين قالوا: هو أمر تعبدي يغسل مع الوضوء قالوا: سواءً قبل الوضوء أو بعده بشرط إذا كان بعد الوضوء: أن يكون على اليد حائل، ولا حاجة إلى هذا كله، وإنما يغسل المحل، ثم بعد ذلك يتوضأ وضوءه للصلاة.

    إذاً: المذي ناقض للوضوء وليس فيه غسل، وحكمه حكم البول في وجوب غسله.

    صفة الودي وحكمه

    أما الودي: فهو ماء أبيض ثقيل، غالباً يأتي في حالات الإمساك عند قضاء الحاجة، ولعل السبب في ذلك هو ضغط الإمساك على البروستاتا عند الرجل، فيكون هناك إفراز مثل هذا الماء، وهو كذلك كالمذي لكن ليس فيه الأمر بغسل الأنثيين؛ لأنه لا علاقة له بالأنثيين، وإنما يخرج في حالة وجود إمساك عند الإنسان، ويخرج قبل خروج الإمساك أو في عقبه، وهذا الماء حكمه أيضاً كحكم البول، أي: أنه نجس يجب غسله من الثوب والاستنجاء منه، والوضوء بسببه.