إسلام ويب

كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين [2]للشيخ : عطية محمد سالم

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جعل الله المسح على الخفين رخصة عامة، ليست خاضعة للضرورة أو الحاجة، إلا أن هذه الرخصة لها شروط يلزم صاحبها الإتيان بها، ومن هذه الشروط: أن يلبس الخفين على طهارة قدميه طهارة بالماء من وضوء أو غسل، ومن الشروط أيضاً أن يمسح خلال مدة يوم وليلة إن كان مقيماً، وثلاثة أيام بلياليهن إن كان مسافراً، وتبدأ المرة من أول مسح يمسحه، وإذا انتهت المدة وهو على وضوء انتقض وضوءه، ولا يصلي بوضوء مسح فيه إلا خلال المدة المعتبرة.

    1.   

    مدة المسح على الخفين

    بسم الله الرحمن الرحيم

    والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله: سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    قال: [ وعن صفوان بن عسّال قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفراً ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم) أخرجه النسائي والترمذي واللفظ له، وابن خزيمة وصححاه ].

    أنهى المؤلف رحمه الله موضوع المشروعية، في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه، مع الشرط اللازم لصحة المسح على الخفين، وهو: (أدخلتهما طاهرتين) ، ثم قدم لنا كيفية المسح، ثم جاء إلى المدة، فإلى متى يمسح الإنسان على خفيه؟ هل هناك توقيت، أم ليس هناك توقيت؟

    فبدأ بحديث التوقيت: (أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم إذا كنا سفراً -جمع مسافر- أن نمسح على الخفاف ثلاثة أيام بلياليهن)، هذا إذا كنا مسافرين، فقال في الحديث: (ألاّ ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة)، لا ننزعها إلا من جنابة، ولو كان بعد ست ساعات، أو عشر ساعات، فالجنابة لا مسح فيها على الخفين، بل يجب غسل الجسم كاملاً ومن ضمنه القدمين، ولا مسح من جنابة.

    فنمضي في المسح ثلاثة أيام بلياليهن، ولا ننزع الخفين لنغسلهما، بل نستمر في المسح عليهما ثلاثة أيام، إلا إذا حدثت جنابة ولو بعد يوم واحد، وهذا في حالة السفر.

    قوله: (ولكن من غائط وبول ونوم) أي: لا ننزع الخفين إلا من جنابة، ونبقيهما من غائط وبول ونوم، أخذ العلماء القطع بأن الغائط والبول ناقضان للوضوء، وأخذوا أن النوم ناقض للوضوء من هذا الحديث، أما الغائط والبول فبالإجماع ولا نزاع في ذلك، ولكن النوم حقيقته عند العلماء أنه ليس بناقض، ولكنه مظنة النقض، ومعنى مظنة النقض: أن النوم من حيث هو غلبة النعاس على العين وعلى القلب ليس فيه حدث، ولكن حين ينام الإنسان لا يدرك ما يحدث منه، فهو مظنة أن يقع منه حدث ينقض الوضوء وهو لا يدري بسبب نومه، ولذا جاء في حديث ابن عباس: كنا ننتظر الصلاة حتى تخفق رءوسنا. وجاء في الحديث: (إنما الوضوء على من نام مضطجعاً) ، ومن نام جالساً؟ قالوا من نام جالساً ليس عليه شيء؛ لأن الجالس ولو نعس لا يتمكن الريح أن يخرج منه؛ لأن موضع خروجه لا مجال له، فإذا اضطجع سهل خروج الريح منه وهو نائم لا يدري.

    إذاً: النوم بذاته ليس حدثاً، ولكنه مظنة الحدث وهو لا يدري، ولغلبة الظن على وجود الحدث عند النوم فقد اعتبر النوم هو الناقض، ولذا من نام مضطجعاً فعليه الوضوء.

    إذاً: المسح على الخفين لا يكون من الجنابة، بل الجنابة يجب فيها نزع الخفين وغسل القدمين، وهذا الحديث أعطانا التوقيت للمسافر بأن يمسح على الخفين ثلاثة أيام بلياليهن، لكن كيف يمسح إذا كان السفر أطول من ذلك؟ بعد المدة المحددة ينزع الخفين، ويتوضأ وضوءاً كاملاً، ويلبس الخفين من جديد، ويستأنف ثلاثة أيام أخرى، وهكذا طيلة سفره له بعد كل وضوء كامل ولبس الخفين على طهارة أن يستصحب الحكم إلى ثلاثة أيام، فهذا حكم للتوقيت في المسح في السفر ثلاثة أيام، وبيان أن الجنابة ليس فيها مسح، فإنه ينزع الخفين ولو بعد اللبس بساعات معدودة، وأعتقد أن هذا القدر في بيان المسألة يكفي، وأنصح بمطالعة أضواء البيان عند آية المائدة، فالشيخ الأمين رحمه الله ناقش قضية المسح، مع قضية غسل القدمين ومسحهما، وأتى بتفريع وتعليقات ومسائل تكاد تكون قد أحاطت بموضوع الخفين من كل الجوانب، وقد أُفرِد المسح على الخفين ببعض الكتب، وبالله تعالى التوفيق.

    [ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (جعل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر, ويوماً وليلة للمقيم، يعني في المسح على الخفين) أخرجه مسلم ].

    بدأ المؤلف رحمه الله في بيان التوقيت. إلى متى يمسح الإنسان على الخفين إذا لبسهما طاهرتين؟ هل يمسح بصفة دائمة بدون توقيت بزمن، أم أن هناك تحديداً للزمن، بحيث لو انقضى هذا الزمن نزع الخفين وتوضأ وغسل القدمين، ثم إن شاء لبس الخفين مرة أخرى واستأنف المسح، وهكذا دواليك، ولو كان طول السنة؟

    العلماء يختلفون في التوقيت، فالجمهور على أن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث علي هنا، وكما سيأتي في حديث ثوبان - وقّت في المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن ما دام في سفره، وللمقيم مدة يوم وليلة، أي خمس صلوات، ويتفق الجميع على أن المسح على الخفين مطلق لا يتوقف على عذر، لا لمرض في القدمين، ولا لشدة بردٍ، ولا لشيء من ذلك، فلو كان في أشد الصيف وأشد الحر، وكانت قدماه أصح ما تكون، فإن له إذا لبس الخفين على طهارة أن يمسح، ولا يتوقف ذلك على أي عذر كان.

    وقالوا: المرأة والرجل في ذلك سواء، فالمرأة إذا لبست خفين على طهارة هي كالرجل؛ في الإقامة يوم وليلة، وفي السفر ثلاثة أيام بلياليهن، ولا يتوقف ذلك على عذر أو على صفة أو على داعٍ سوى مجرد اللبس.

    وعند مالك رحمه الله النزاع في المدة، فهناك من يروي عن مالك رحمه الله بأنه لم يوقت، وجعل المسح على الخفين بدون توقيت لا في حضر ولا في سفر، وسيأتي مأخذه في الأحاديث التي سيسوقها المؤلف، من أنه صلى الله عليه وسلم سئل: (أمسح على الخف يوماً يا رسول الله؟! قال: نعم. قال: ويومين؟ قال: نعم. قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم، وما شئت) ، فقوله: (نعم، وما شئت) أخذ منها مالك بأن هذا مطلق، أي: على مشيئته هو، والجمهور أخذوا بالتنصيص على التوقيت، وقد بحث والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه هذه المسألة في أضواء البيان عند آية الوضوء، ثم قال: هذه النصوص الموجودة مختلفة، ولا يمكن الجمع بينها؛ لأن بعض العلماء -كـابن قدامة في المغني - قال: يجمع بين هذه النصوص، فيقال: (نعم، وما شئت)، أي: إذا مضت الأيام الثلاثة،وأردت أن تمسح فاخلع الخفين، ثم اغسل، ثم البس، ثم امسح ما شئت. وهذه طريقة من طرق الجمع بين الأدلة.

    الشيخ الأمين رحمه الله يقول: هذا تخريج، ولكن الجمع هو أن تحمل الموضوع بالنصّين وتجمع بينهما دون مغايرة لهذا النص أو لذاك النص، كما لو جاء نص مطلق ونص مقيّد، فيحمل المطلق على المقيّد، مثل عتق الرقبة؛ فقد جاء مرة مطلقاً بدون قيد الإيمان، وجاء مرة (رقبة مؤمنة)، فحملنا المطلق على المقيد، وهنا يقول: لا يتأتى الجمع؛ لأن أحاديث التوقيت في السفر وفي الحضر تحدد مدة معينة، وحديث: (وما شئت) يقتضي الزيادة، والمعارضة بين الزيادة وعدم الزيادة تناقض، والمتناقضان لا يُجمع بينهما، والعلماء يقولون: إذا اختلف نصان؛ فإما أن يُعرف التاريخ فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم، وإما أنه لا يعرف ويمكن الجمع بينهما، كما جاء -مثلاً- في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة، فجاءت نصوص بأنه قد دخل وصلى، وجاءت نصوص بأنه دخل ولم يصل، فجمعوا بين النصين، وقالوا: إنه دخل الكعبة مرتين؛ مرة في فتح مكة، ومرة في حجة الوداع، فيكون الذي ذكر أنه صلى في إحدى الدخلتين، والذي ذكر أنه لم يصل يكون في الدخلة الأخرى، وليس هناك تعارض، وبهذا جمع بين النصين؛ لأن النافي والمثبت لم يذكر زمن الصلاة أو زمن عدمها، ولصحة التعارض ينبغي أن يتفق التعارض في الزمان وفي المكان وفي الفاعل، فإذاً: أمكن الجمع، فمن قال إنه لم يصل كان صادقاً؛ لأنه في هذه المرة لم يصل، ومن قال: إنه صلى كان صادقاً؛ لأنه صلى في المرة الأخرى، ولا تعارض بينهما.

    فإذا لم يمكن الجمع كان المصير إلى الترجيح، فأي النصوص أرجح، نصوص التوقيت، أم نصوص الإطلاق؟ يقول شيخنا الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه: والأرجح الذي تطمئن إليه النفس إنما هو ترجيح نصوص التوقيت؛ لأنه أحوط في العبادة؛ ولأن رواته أوثق من رواة الإطلاق، ولأن رواته أكثر عدداً من رواة الإطلاق.

    إذاً: تتعارض النصوص في توقيت مدة المسح سفراً وحضراً، وفي عدم التوقيت، فـمالك أخذ بعدم التوقيت في رواية عنه، والجمهور أخذوا بأحاديث التوقيت، وقالوا: من لبس الخفين ومسح عليهما فليلتزم بالتوقيت فإن كان مسافراً ثلاثة أيام بلياليهن، وإن كان مقيماً يوماً وليلة، فإن أراد أن يمسح نزع وتوضأ فغسل، ثم لبس واستمر في المسح ولو عشر سنين.

    1.   

    ما يلحق بالمسح على الخفين

    قال: [ وعن ثوبان رضي الله عنه قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فأمرهم أن يمسحوا على العصائب -يعني: العمائم- والتساخين -يعني: الخفاف-) رواه أحمد وأبو داود ، وصححه الحاكم ].

    حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه يخبرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، (بعث) مادة تتعدى بنفسها، وتتعدى بالحرف، فنقول: بعث بهدية.. بعث بخطاب.. بعث زيداً. ويقول علماء اللغة: إذا كان المبعوث يمكن أن يُبعث بنفسه فلا يُحتاج إلى الحرف، بعثت مبعوثاً إلى موضع كذا.. أرسلت مرسولاً إلى كذا، فلا يُحتاج أن تقول: بعثت بزيد إلى كذا، بل تقول: بعثت زيداً. أما إذا كان المبعوث لا يصلح أن يبعث بنفسه -كالخطاب، أو الهدية، أو الطعام- فتقول: بعثت لزيدٍ بالكتاب.. بعثت لزيدٍ بهدية. وهنا قال: (بعث سرية)؛ لأن السرية تنبعث بنفسها، والسرية في الاصطلاح قالوا: ما دون الأربعين، وقالوا: بل كل جمع خرج لقتال ليس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى سرية، وكل جمع خرج فيه رسول الله يسمى غزوة، ولو كان الرجال عشرة أشخاص ومعهم رسول الله تسمى غزوة، هذا اصطلاح تاريخي في السيرة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يبعث بالسرايا، وقبل أن يخرج إلى بدر بعث عدة سرايا إلى سيْف البحر، وكان فيها حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله وعكاشة بن محصن وغيرهم، فكان يرسل السرايا في اتجاهات معينة إما للاستطلاع، وإما لأنه يكون قد بلغه خبر عن جماعات يتأهبون لغزو المدينة، فيرسل إليهم سرية تعاجلهم في مكانهم. تلك السرية لما رجعت اشتكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم البرد (فأمرهم أن يمسحوا على العصائب)، والعصائب: جمع عصابة، وهو ما يعصب به الرأس، أو يعصب به الأعواد.. أو نحو ذلك، لكن في الاصطلاح: هي ما يعصب بها الرأس، ومنه سميت العصابة، فكل ما يوضع على الرأس لمصلحتها يسمى عصابة، ومنه العمامة؛ لأنها تعصّب الرأس وتدور حولها، فقالوا: كل ما تعمم به الإنسان وأداره على رأسه يصدق عليه اسم العمامة، (فأمرهم) وأصل الأمر للوجوب، ولكن أمر هنا بمعنى رخّص وأجاز؛ لأن المسح على هذه الأماكن ليس واجباً، كما سيأتي قوله: (رخّص) ، وقوله: (إن شئت).

    قال: (والتساخين)، أي: وعلى التساخين، وقالوا: التساخين: هو كل ما يسخن القدمين، أي من البرد، وقدمنا أن البرد ليس علة في الترخّص في المسح، ولكن السرية اشتكت، وصادف ذلك الترخيص في المسح، ومن هنا أخذ العلماء توسعة نطاق المسح على ملبوس القدمين، فقالوا: هناك الخف، وهناك الموق، وهناك الجرموق، وهناك الجورب، والنعل؛ كل هذه أسماء لملبوسات في القدم، أما النعل فلم يثبت أنه جاء المسح عليها، وكل أثر جاء في المسح على النعلين فلا يثبت، اللهم إلا ما جاء في المسح على النعلين والجوربين، فيكون مجموع النعلين مع الجوربين كأنهما شيء واحد؛ لأن النعل لا يغطي موضع الوضوء في القدم، ويشترط في الخف الذي يمسح عليه أن يكون مغطى وساتراً موضع الغسل من القدمين في الوضوء، والرِّجل تكون مكشوفة في النعل.

    إذاً: ما كان على هيئة الخف، والأصل في الخف أنه مصنوع من الجلد، فبعض الناس قالوا: لا يمسح إلا على الخف الذي هو من الجلد؛ لأنها رخصة، والرخصة لا تتعدى محلها، فجاء هذا الحديث: (والتساخين)، وهو ما يسخن القدمين، فإذا لبس الجرموق وهو أكبر من الخف، أو لبس الموق وهو أكبر منه ويلبس عليه، فلا مانع أن يمسح عليه. ثم جاء موضوع الجورب، فالشافعية يقولون: لا يمسح على الجورب إلا إذا كان صفيقاً منعَّلاً، ومعنى منعَّل: مجعول له نعل من الجلد من الأسفل ليشابه الخف في إمكان المشي عليه، وهم يتفقون ويقولون: كل ما أمكن تتابع المشي عليه جاز المسح عليه، ولكن تتابع المشي أين يكون؟ في الصحراء والخلاء، أم في البيوت؟ قالوا: في البيوت؛ لأن بعض الأماكن لا يصلح المشي عليه حتى بالحذاء الحديث، إذاً: ما يمكن تتابع المشي عليه بأن يمسك نفسه، بقينا الآن في الجورب غير المنعَّل، فعند الأحناف نوع من التوسعة في هذا الموضوع، فكل جورب لبس على القدمين يمسح عليه، والآخرون يقولون: لا. الأصل في ذلك الخف، فما كان من جورب يأخذ صفات الخف -ولو من غير الجلد- يمسح عليه، سواء أكان من الصوف أو من الشعر أو من القطن، بل حتى قال النووي في وصف الخف: ولا يشترط فيه أن يكون ساتراً للبشرة، كما لو كان من زجاج مثلاً، فالزجاج يكون متيناً ويكشف ما تحته، فإذا كان نوع الخف كما هو الحال الآن من النايلون أو البلاستيك، وبعضهم قال: ولو كان من الخشب، الخشب لا يكشف ما تحته، ولكن يقولون: في عموم ما يلبس ويأخذ صفات الخف من أن صفاقته تمنع نشع الماء من خلاله إلى القدم؛ لأنه إذا كان خفيفاً رقيقاً شفافاً يوصل الماء إلى ما تحته ماذا أنت مسحت على الجورب، فعندها سيصل الماء إلى القدم، فتكون قد مسحت القدم، فإذا كان جاء الحكم إلى القدم فالقدم حكمها الغسل، وأنت هنا لم تغسل القدم وإنما مسحت الجورب، ولكن تعدى المسح إلى القدم، والقدم من حكمها الغسل، ولهذا يقال: جميع أنواع الأحذية التي يرتفع ساقها إلى ما فوق الكعبين -وهو موضع غسل القدمين في الوضوء- وكان صفيقاً متيناً جاز المسح عليه أياً كان نوعه، ولو قدِّر أن هناك لفافات متينة من الورق على شكل طبقات بعضها فوق بعض فإنه يجوز المسح عليها، أما إذا كان خفيفاً كبعض الجوارب الموجودة الآن، والتي يلبسها الناس في الصيف، بعضها يكون مخرقاً كالشبكة، وبعضها يكون رقيقاً جداً بحيث يكشف عما تحته، ولا يمنع من وصول الماء إلى القدم، فهذا ينبغي إلا يعول عليه، ولا يمسح عليه، والله تعالى أعلم.

    1.   

    الرد على من لم يشترط المدة في المسح

    قال: [ وعن عمر رضي الله عنه موقوفاً، وعن أنس مرفوعاً: (إذا توضأ أحدكم فلبس خفيه فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة) أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه ].

    هذا الحديث من أدلة مالك رحمه الله، عمر يقول موقوفاً عليه، وأنس يرفع القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الخبر جاء موقوفاً عن عمر ، وجاء مرفوعاً من طريق أنس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر فيه توقيتاً، (إذا تطهر أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما، ولا ينزعهما إلا من جنابة) إلى متى شاء، فهذا الحديث موقوف على عمر رضي الله تعالى عنه، ومرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدون ذكر التوقيت فيه، ويقال: إن تصحيح الحاكم في هذا الحديث ملاحظ عليه، وأنه لم يثبت عن أنس ، كما يقال: إن عمر رجع عن هذا القول، وصار يقول بالتوقيت، ولكن الذي يهمنا هو وجود هذا الأثر، سواء كان موقوفاً على عمر ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، أو كان مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن كما تقدم فقد رواه الدارقطني فقط، أما هناك فقد رواه أبو داود والنسائي ، ورواه الأربعة، ورواه فلان وفلان.. فتلك أحاديث متعددة، وبروايات متعددة، وبأسانيد أقوى وأثبت من مجرد رواية الدارقطني ، وعلى هذا -كما قال والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه-: إذا لم يمكن الجمع فيصار إلى الترجيح، وأحاديث التوقيت أرجح سنداً، وأكثر قائلاً، وخروجاً من العهدة بالاحتياط في الدين. لأن من مسح بصفة دائمة ولم يأخذ بالتوقيت، بينما الآخر آخذ بالتوقيت، فلو جئنا عند مناقشة المسألة فهل أحد يختلف في صحة صلاة الذي أخذ بالتوقيت؟ لا. فالكل مجمع على صحتها. لكن من أخذوا بالتوقيت هل يصححون صلاة من لم يأخذ بالتوقيت؟ لا. إذاً: صلاته غير صحيحة ومختلف فيها عند الآخرين، والواجب على الإنسان أن يترك المختلف فيه، وأقل ما فيه: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).

    قال: [ وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما) أخرجه الدارقطني ، وصححه ابن خزيمة ].

    يروي هذا الحديث أيضاً الدارقطني ، ولكن صححه ابن خزيمة مضافاً إلى الدارقطني في أن أبا بكرة ينقل نفس الأثر، ولكن بالتوقيت، (ثلاثة أيام ولياليهن) و(يوماً وليلة).

    بالمناسبة: (أبو بكرة) بتسكين الكاف وبفتحها، فـ (البَكْرة) هي الناقة في أوائل شبابها، و(البَكَرة) هي الآلة التي يوضع عليها حبل الدلو لسحب الماء، واختلفوا في تسمية أبي بكرة ، هل الصحيح (بكْرة) أم (بكَرة)؟ وهذا الاختلاف حصل؛ لأنه كان من أهل الطائف، ولما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم الطائف تدلى من سورها على بكرة، قالوا: جاء ببكَرة وحبل وربطها في السور ونزل بها إلى المسلمين، وقيل: نزل من على السور على ظهر بكرة كانت واقفة عند السور من الخارج، فكان الاختلاف في هذا اللفظ بسبب الاختلاف في صورة نزوله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

    قال: [ وعن أبيّ بن عمارة رضي الله عنه أنه قال: (يا رسول الله! أمسح على الخفين؟ قال: نعم. قال: يوماً؟ قال: نعم. قال: ويومين؟ قال: نعم. قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم، وما شئت) أخرجه أبو داود وقال: ليس بالقوي ].

    وهنا مربط الناقة! قال: (أمسح يوماً؟ قال: نعم. قال: ويومين؟ قال: نعم. قال: وثلاثة أيام؟ قال: نعم، وما شئت).

    من أخرج هذا الحديث؟ أبو داود ، وهو ناقد، فماذا قال عنه؟ ليس بالقوي. فهل يا ترى نبني صلاتنا على ما ليس بالقوي، وأن نمسح ما شئنا بدون تحديد، مع أن الأصل ليس بقوي، أم نرجع للأصل القوي الذي صححه العلماء وهو التوقيت؟

    بعض العلماء يناقش المسألة بصورة عامة، فقوله: (نعم، وما شئت)، يقولون: هذا من باب التأكيد على الترخيص، وكما قال ابن قدامة : وما شئت بالتزام التوقيت، وهذا كلام لطيف، وقالوا: (نعم، وما شئت) نظيره: (الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنوات) ، فهل هناك من يعيش بغير ماء عشر سنوات؟ ماذا سيشرب أو يأكل؟ قالوا: هذا من باب تأكيد الترخيص؛ لأن التيمم طهارة ثابتة، ولو يستمر على ذلك عشر سنوات. إذاً: قوله: (نعم، وما شئت) تأكيد للمسح بالأيام العديدة، وفي نظري لا يخلو الأمر من أحد أمرين؛ إما الرجوع إلى الترجيح كما قاله والدنا الشيخ الأمين : ووجدنا أحاديث التوقيت أرجح سنداً، وأكثر قائلاً، وخروجاً من العهدة، واحتياطاً للصلاة، وبراءة للذمة، بخلاف القول بعدم التوقيت. أو كما قال ابن قدامة رحمه الله، وقوله وجيه، (نعم، ما شئت)، سنة.. سنتين.. امسح، ولكن هناك نقطة فهل نقول: (وما شئت) حتى لو كانت جنابة، أم أنه عند الجنابة سيخلع الخف؟ نقول: يوم..يومان..ثلاثة.. عشرة.. فهل يأخذ برخصة (نعم، وما شئت) على الإطلاق؟ يعني: إذا سافر ومسح على الخف في الصباح وأجنب في الظهر، فهل نقول له: وما شئت، أم يخلع؟ نقول: يخلع.

    إذاً: إذا كانت الجنابة ستجعله يخلع، فنقول: مضي التوقيت أيضاً يجعله يخلع.

    1.   

    مسائل في باب المسح على الخفين لم يتعرض لها المؤلف

    هناك مباحث عديدة في المسح على الخفين لم يتعرض لها المؤلف، ولابد للإنسان أن يأخذ فكرة عنها:

    حكم المسح على الخف الممزق

    أولاً: إذا كان الخف ممزقاً وفيه خروق، فهل يصح المسح عليه، أم لابد من خياطة هذه الخروق أولاً؟ الجمهور على صحة المسح عليه، وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله لو كانت تلك الشقوق أو الخروق في مجموعها تزيد على ربع الخف فلا يصلح المسح، والآخرون يقولون بعدم التحديد، وابن تيمية رحمه الله يقول من ناحية عقلية: هل كانت خفاف الصحابة كلها جديدة وليس فيها خروق، أم حسب ما هو معتاد خاصة بالنسبة للحالة الاقتصادية لكثير منهم؟ ويمكن أن يدعي إنسان أن جميع خفافهم كانت جديدة، فنقول: كان عمر يرقع قميصه أربعين رقعة، إذاً: الواقع الطبيعي لحياتهم يعطينا فكرة أنه لابد أن تكون بعض خفافهم مخرقة، وكانوا يمسحون عليها، فما دام الخف متماسكاً على القدم يجوز المسح عليه.

    متى تبدأ مدة المسح؟

    ثانياً: إنسان توضأ ومسح فله يوم وليلة، فمتى تبدأ مدة اليوم والليلة، من لبسه عند وضوئه، أم من حدثه بعد الوضوء، أم من مسحه بعد الحدث؟

    فإذا توضأ للصبح ولبس الخف في الصبح، وصلى الصبح بالوضوء الذي لبس به الخف، وبقي على وضوئه من صلاة الصبح إلى الظهر، وصلى الظهر بوضوء الصبح، وأحدث قبل العصر، فهل يا ترى! يحسب الوقت من وقت ما لبس فينتهي بصلاة الصبح من الغد أم من بعد الظهر حينما أحدث؟ أم منذ توضأ بعد دخول العصر ومسح.

    فعندنا هنا ثلاثة أوقات: من حين لبس في الصباح، ومن حين أحدث بعد الظهر، ومن حين مسح بعد دخول وقت العصر، فمتى تبدأ مدة اليوم والليلة؟

    المشهور أنه يبدأ من أول مسحة، يعني: من بعد دخول وقت العصر، والمدة التي فاتت هي على حساب الوضوء الأول؛ لأنه أمره أن يمسح يوماً وليلة، فلو اعتبرنا ما قبل المسحة الأولى نكون قد أعطيناه أقل من يوم وليلة، لا يوماً وليلة؛ لأن هناك من يقول: من حين أحدث وبطل الوضوء الأول، والقول المشهور: من أول مسحة يمسحها.

    مسألة: هل انتهاء مدة المسح ناقض للوضوء؟

    إذا اعتبرنا بداية اليوم والليلة من بعد العصر، له أن يمسح إلى أن يأتي الظهر من اليوم التالي، أو إلى قبيل العصر للنوافل، فلو مسح قبل العصر وقبل إتمام الأربع والعشرين ساعة، فبعد العصر يكون خرج عن المدة أم لا؟ خرج.

    هو على وضوئه، فقد توضأ قبل العصر وبقي على وضوئه لم ينتقض وجاء العصر، فهل يصلي العصر الواقع بعد اليوم والليلة بهذا الوضوء الذي وقع بالمسح خلال اليوم والليلة، أم أنه بانتهاء التوقيت يكون قد انتهى الوضوء؟

    هناك من يقول: يصلي؛ لأنها طهارة مكتملة ولم يأت ما ينقضها، وهو قول الحسن البصري ، فيصلي إلى أن ينتقض وضوءه الأخير، أما الجمهور فيقولون: المسح رخصة، إلى وقت محدد، فلما انتهى الوقت انتهت الرخصة.

    أنت حين تأخذ تأشيرة للسفر إلى بلد -وانتهت مدة التأشيرة- وأنت على أهبة السفر، خرجت -مثلاً- من بلدك متوجهاً إلى لندن ونزلت في عدة مطارات، فلما وصلت إلى لندن كانت التأشيرة قد انتهت بالأمس، بينما أنت انتقلت من بلدك منذ عدة أيام، فهل سيتغاضون عن الأيام السابقة، أم سيقولون لك: انتهت التأشيرة، وعليك أن ترجع؛ لأنك تحتاج إلى تأشيرة جديدة؟

    فالجمهور يقولون: إذا كان على وضوء قبل مضي المدة، ثم دخلت صلاة بعد خروج المدة المحددة فلا يصليها بذاك الوضوء. فإن قيل: هو لم ينتقض وضوءه. قالوا: لكن المدة انتهت، وأبطلت المسح الذي مسحه أثناء المدة.

    ولتلخيص ما سبق نقول: بدأت المدة من أول المسح، وتنتهي مدة المسح وصلاحيته بعد أربع وعشرين ساعة، فإذا توضأ ومسح بعد ثلاث وعشرين ساعة، فهل يكون مَسَح في المدة أم لا؟ يكون مسح في المدة، فجاء بعد سبع وعشرين ساعة ليصلي، ووضوءه الذي كان قبل بضع ساعات لا زال باقياً لم يطرأ عليه ما ينقضه، أيصلي بعد خروج المدة بثلاث ساعات بذاك الوضوء السابق في المدة، أم لا يصلح ذاك الوضوء للصلاة؟ هناك من يقول - كـالحسن البصري -: يصلي ما شاء ما دام وضوءه لم ينتقض؛ لأنه وضوء صحيح بمسح صحيح في وقته. والجمهور يقولون: لما انتهت المدة انتهت الرخصة.

    وهذا يشمل المسح سواء كان في مدة السفر أو في مدة الحضر، ولو توضأ ولبس الخف -وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق- وقبل أن يحدث خلع الخفين، ثم لبسهما مرة أخرى قبل أن يحدث، فهل يمسح عليهما أم لا؟ يمسح؛ لأنه أدخلهما طاهرتين، فلو توضأ لصلاة المغرب وصلى بوضوء المغرب العشاء وغسل القدمين عند وضوئه للمغرب، وذهب إلى المسجد وصلى العشاء، فلما دخل البيت لبس الخفين -خوفاً من البرد عند صلاة الصبح- وهو على طهره من المغرب، فلبس الخفين بعد صلاة العشاء، فهل هذا اللبس صحيح أم باطل؟ صحيح؛ لأنه أدخلهما طاهرتين، فإذا جاء الصباح وانتقض الوضوء بالنوم أو بغيره يمسح على الخفين؛ لأنه أدخلهما طاهرتين، إذاً: ليس بشرط أن يكون لبس الخفين عقب غسل القدمين في الحال، فما دام على طهره الأول ولو طال الزمن ولبس الخفين وأدخلهما طاهرتين، فله أن يمسح عليهما.

    وإذا لبس الخفين على طهارة وطال الزمن، ثم انتقض وضوءه، ولم يكن قد مسح على الخفين قبل ذلك، فخلع الخفين، هل يلبسهما على ما كان عليه، أم يستأنف وضوءاً جديداً؟ يستأنف وضوءاً جديداً. فإذا كان قد توضأ ثم انتقض وضوءه ومسح على الخفين ثم خلعهما بعد أن مسح عليهما مسحة، حينما خلعهما أيعود للبسهما، أم يجدد الوضوء؟ يجدد الوضوء؛ لأن الوضوء قد انتقض، والوضوء الموجود الآن بمسحة، والمسحة يشترط فيها طهارة القدمين دائماً، فلما خلعهما انتفت رخصة المسح وعليه أن يستأنف وضوءاً جديداً. وهناك من يقول: يغسل قدميه فقط، ولكن الجمهور على أن الطهارة لا تتجزأ، فعليه أن يستأنف وضوءاً من جديد.