إسلام ويب

تفسير سورة العلقللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة العلق أول سور القرآن نزولاً على معلم الخير للبشرية عليه الصلاة والسلام، وفيها امتنان الله تعالى على الإنسان بأن علمه ما لم يكن يعلم، ولكن هذا العبد الضعيف يقابل هذه النعم بالطغيان والبعد عن سبيل الله تعالى ومحاربة أولياء الله، والله تعالى يراه ويطلع عليه ويمهله عله أن يرجع، فإن لم يرجع فلا يلومن إلا نفسه مما سيلقاه من زبانية جهنم.

    1.   

    سبب نزول الآيات الأول من سورة العلق

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد على آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

    فإن أول شيء نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5]، فهذه الآيات هي أول آيات نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ومن أهل العلم من قال: إن أول الآيات نزولاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2] .

    ولكن التحقيق يقتضي أن آيات العلق الأول هي أول ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوجيه القول الثاني بأن يقال: إن الآيات الأول من العلق نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سكن الوحي مدة طويلة، ثم نزل بعد سكون الوحي سورة المدثر، فظن الراوي أن المدثر هي أول ما نزل على رسول الله، ولكن يحمل قوله على أن أول ما نزل بعد فترة سكون الوحي هو سورة المدثر.

    وسبب نزول هذه الآيات الخمس الأول من سورة العلق: ما ذكرته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)، وعائشة لم ترَ هذا؛ بل كان هذا الحدث قبل ميلاد عائشة بخمس سنين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عقد على عائشة وهي بنت ست سنين وبنى بها وهي بنت تسع سنين، ومكث معها تسع سنين، فكان المجموع من ميلاد عائشة إلى وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة سنة.

    أما هذه الآيات فقد نزلت قبل وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام بثلاث وعشرين سنة، أي: أنها نزلت قبل ميلاد عائشة بخمس سنين، فكيف إذاً نوجه هذا؟

    نقول: عائشة رضي الله عنها روت شيئاً لم تره، وهذا يسميه العلماء: مرسل الصحابي، فهو إما أن يكون الصحابي قد أخذه من رسول الله، بأن تكون عائشة أُخبرت من رسول الله بهذا، أو أن صحابياً آخر هو الذي أخبر عائشة ، والصحابة كلهم عدول.

    ومن هذا الباب رواية أبي هريرة لجملة أحاديث حدثت لرسول الله عليه الصلاة والسلام بمكة، ورواية ابن عباس لجملة أحاديث حدثت لرسول الله بالمدينة، وابن عباس لم يهاجر؛ بل كان من المستضعفين هو وأمه بمكة.

    فالشاهد: أن كل هذه تسمى: مراسيل صحابة، والصحابة كلهم عدول، ومراسيلهم في حكم المتصل.

    قالت عائشة رضي الله عنها: (أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح)، أي: تتحقق الرؤيا كما أن الصبح يتحقق، وهذه من علامات الصلاح في الغالب، فإن صدق الرؤيا من صدق الحديث، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً)، ولا يمتنع أن يكون هناك كافر تتحقق رؤياه أيضاً كما تحققت رؤيا الملك إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ [يوسف:43] لكن من العلماء من يحملها على أن الملك وإن كان كافراً لكنه كان صادق اللهجة، وهناك ملوك كفار لكنهم في لهجتهم أهل صدق.

    قالت: (أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنث -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد)، الذي جاء في الحديث: يتحنث، والذي يقرأ الحديث يظن أن تفسير التحنث بالتعبد أنه من كلام عائشة، ولكنه ليس من كلامها؛ بل هو من كلام الزهري ، وهذا يسميه علماء الحديث: المدرج، وهو: أن تنقل كلاماً عن شخص ثم تفسر إحدى الكلمات التي تكلمها الشخص، ولا تبين أن هذا التفسير من تفسيرك، فيظن القارئ أنه من كلام ذلك الشخص.

    مثلاً: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (للعبد المملوك أجران، والذي نفسي بيده لولا الجهاد وبر أمي لأحببت أن أكون مملوكاً) فقوله: (والذي نفسي بيده لولا الجهاد وبر أمي) ليس من كلام رسول الله قطعاً؛ لأن أم الرسول صلى الله عليه وسلم كانت قد ماتت، وإنما هو من كلام أبي هريرة.

    فالإدراج: أن تدخل لفظة في الحديث تظنها من قول الذي نُقل عنه الكلام، وهي ليست من قوله.

    قالت: (ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخرج إلى حراء فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاء الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني -أي: ضمني ضماً شديداً- وقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني وغطني الثالثة، قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5] )) إلى آخر الحديث، وفي الحديث : (فرجع الرسول إلى خديجة وهو يقول: زملوني زملوني، من شدة البرد، ثم أخذته خديجة إلى ورقة بن نوفل ، فقالت: اسمع يا ابن عم من ابن أخيك، فسمع ورقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الخبر، فقال: هذا هو الناموس الذي أنزل على موسى صلى الله عليه وسلم، ليتني أكون فيها حياً إذ يخرجك قومك، ليتني فيها جذعاً، قال: أومخرجي هم؟ قال: نعم، لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي).

    فالشاهد: أن هذا سبب نزول هذه الآيات الخمس.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اقرأ باسم ربك ...)

    قال تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1] أي: اقرأ مفتتحاً القراءة باسم ربك الذي خلق، على قول بعض العلماء، وعلى ذلك هل تشرع البسملة عند ابتداء القراءة أم لا تشرع؟

    هذه الآية مستأنس لمن قال: تشرع البسملة عند الابتداء، ولقائل أن يقول أيضاً ويعزز هذا القول بقوله: (إن النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم ذكر الخير الذي أعطاه له ربه سبحانه فخرج مسروراً، فقرأ على أصحابه قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ [الكوثر:1-3]) فذكر (بسم الله الرحمن الرحيم) بين يدي سورة الكوثر كما في صحيح مسلم.

    ثم تتفرع تفريعات، منها: هل البسملة آية أم ليست بآية؟ وقد تقدمت المباحث في ذلك.

    قال تعالى: خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق:2] (العلق): جمع علقة، وهي قطعة الدم المتماسك، وأطلق عليها علقة كما قال فريق من المفسرين: لأنها تعلق بأي شيء تمر به، فهي قطعة دم إذا رميت مثلاً على التراب فإنها تلتقط التراب، وتلصق بالشيء الذي تمر به، وتعلق بها الأشياء.

    والعلقة هي الواردة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين نطلقة، ثم يكون علقة مثل ذلك... .) الحديث.

    وقوله: خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق:2] المراد بالإنسان هنا: بنو آدم، ولا يدخل فيهم آدم عليه السلام، فأحياناً يأتي ذكر الإنسان بمعنى عام، وأحياناً يأتي بمعنى خاص، فقوله: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1]، فالإنسان هنا آدم وقوله: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ [الإنسان:2] فالإنسان: بنو آدم، فأحياناً يأتي عاماً وأحياناً يأتي خاصاً.

    قال الله سبحانه وتعالى: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ [العلق:3] (الأكرم): الذي يفعل الشيء ولا ينتظر المقابل، كذا فسره بعض العلماء، يفعل المعروف ولا ينتظر جزاءً من أحد.

    قال تعالى: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:4] فهو امتنان من الله سبحانه وتعالى على خلقه إذ علمهم بالقلم، فالعلم بالقلم نعمة من الله سبحانه وتعالى على عباده، وهذا الامتنان ذُكر في سورة أخرى، قال سبحانه: خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:3-4]، فالبيان بيانان: بيان بالقلم، وبيان باللسان، فالأشياء التي تبين بها ما في نفسك وما في صدرك إما القلم وإما اللسان، ويلتحق بذلك الإشارات.

    فالتعليم بالقلم نعمة من الله سبحانه وتعالى على خلقه، وقد أفردت سورة باسم (القلم) ألا وهي سورة القلم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صححه بعض العلماء بمجموع الطرق: (أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.. ) الحديث، فهذا وجه من الوجوه.

    فإن قال قائل: لماذا لم ينعم الله على نبيه صلى الله عليه وسلم بالتعليم بالقلم؟

    فالجواب: أن الله أنعم عليه بما هو أعظم وأعز من القلم: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ [القيامة:17-19]، ثم هناك حكمة أخرى ذكرها الله في كتابه في عدم التعليم لنبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت:48] أي: لشك المبطلون، فمن تمام الإعجاز للنبي صلى الله عليه وسلم أنه رجل أمي ومع ذلك يحفظ القرآن كاملاً ويتلوه، ويخبر بما فيه من قصص الأولين وأنباء ما هو آت.. إلى غير ذلك مما هو في الكتاب العزيز.

    فعلى ذلك: التعليم بالقلم منة من الله على خلقه، أما الوارد من الأحاديث في النهي عن تعلم النساء الكتابة فهي ضعيفة جداً، بل بعضها موضوع.

    أما قول الشاعر:

    ما للنساء وللخطابة والكتابة

    هذا لنا ولهن منا أن يبتن على جنابة

    فهذا من الأشياء التالفة التي لا يحتج بها ولا كرامة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة كانت ترقي: (ارقيها وعلميها حفصة كما علمتيها الكتابة)، وهناك عمومات يستدل بها في الباب، مثل قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9] فهي نصوص عامة يستأنس بها في مشروعية العلم وأفضليته، والله أعلم.

    قال تعالى: عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:5] الإنسان كما قال الله سبحانه: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا [النحل:78]، فكل الناس خرجوا من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئاً، فالعلم بالتعلم، فلا تستحقر نفسك؛ بل أقبل على التعلم والله يوردك علم ما لم تعلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى..)

    قال تعالى: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى [العلق:6] (كلا) تحمل معنى الردع والزجر، فهي نفي لشيء تقدم، ومع أنها نفي فإنها تحمل معنى الردع والزجر، ومن العلماء من قال: إنها نفي لشيء مستتر مضمر في الآيات، فمعناها: كلا ليس، الأمر كما تزعمون من أنه لا بعث؛ بل هناك بعث.

    وقوله تعالى: إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى [العلق:6] (يطغى) أي: يتجاوز الحد في الظلم والعدوان، والطغيان: هو تجاوز الحد في الظلم، ومن تفسير الطغيان بالازدياد قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الحاقة:11] أي: ازداد الماء وعلا وارتفع.

    قال تعالى: أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:7] (رآه) ترجع إلى نفسه، أي: أن الإنسان إذا رأى نفسه مستغنياً عن الخلق بدأ في التكبر عليهم والطغيان، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ [فصلت:51]، ويؤيده أيضاً قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ [الشورى:27]، فهذا دأب الإنسان، يبدأ في الطغيان إذا رأى نفسه مستغنياً عن الناس.

    ولكن يا أيها الإنسان الطاغي: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى [العلق:8] يا من تستكبر وتتعالى لكونك رأيت نفسك مستغنياً عن الخلق اعلم إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أي: المرجع والمآب يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أرأيت الذي ينهى..)

    ثم قال الله سبحانه وتعالى مبيناً حال رجل كافر أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى [العلق:9-10] أي: ما رأيت خيبة مثل خيبة هذا الخائب، أو جرماً مثل جريمة هذا المجرم، والعبد هو أبو جهل ، والعبد المنهي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هي تعم كل ناه وكل منهي، ومناسبة ذلك: أن أبا جهل قال: (لئن رأيت محمداً يعفر رأسه بين أظهرنا لأطأن عنقه) أي: سأدوس على رقبته إذا رأيته يصلي، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لو دنا لخطفته الملائكة)، فالله يقول: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْدًا إِذَا صَلَّى وهي تنطبق على كل أب ينهى ولده عن الصلاة، وعلى كل أم تنهى ابنتها عن الصلاة وعن الاستقامة.

    قال الله تعالى: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى [العلق:11] أي: هذا العبد المنهي هو على الهدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى [العلق:12] أي: هو عبد مهتدٍ مصلٍ مستقيم يأمر بالتقوى، ومع هذه الحالة الطيبة والخصال الطيبة يأتيه شخص ويقول له: لا تصل، لا تأمر بالهدى، لا تأمر بالتقوى، ابتعد عن طريق الهدى، أمرك غريب، فالاستفهام يحمل معنى التعجب والتوبيخ لهذا الناهي، تعجب منه وتوبيخ له، أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى واحد يطبق سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، فتقول له: لا تطبقها، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أي: هذا المنهي عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى >

    ثم يتحول السياق إلى هذا الناهي، وهذا يسميه العلماء في البلاغة: الالتفات، حيث يكون الخطاب موجهاً تجاهك ثم يحول في اتجاه آخر، كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ [يونس:22] الخطاب للحاضر فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ [يونس:22] فتحول الخطاب من الحاضر إلى الغائب (وجرين بهم)، ولم يقل: (بكم)، وكما في قوله تعالى: وَسَقَاهُمْ [الإنسان:21] الضمير للغائب رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا [الإنسان:21]، ثم تحول الخطاب: إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً [الإنسان:22] ولم يقل: (كان لهم جزاءً) فتحول الخطاب، فهذا يسميه العلماء: الالتفات.

    قال الله: أَلَمْ يَعْلَمْ [العلق:14] أي: هذا الناهي بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى [العلق:14].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلا لئن لم ينته ...)

    كَلَّا [العلق:15] ليس هذا الناهي على هدى ولا خير لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ [العلق:15] عن تماديه وظلمه للعباد وعن نهيه للعباد عن الصلاة: لَنَسْفَعًا [العلق:15] السفع: هو الجلد بشدة، وهو اللطم والتسويد كذلك، فالسفعة تطلق على اللطمة، وتطلق على التسويد، ومنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في وجه جارية لـأم سلمة سفعة، أي: تغيراً وسواداً، فقوله: (لنسفعاً) معناها: لنلطمن أو لنسودن أو لنجلدن بشدة بِالنَّاصِيَةِ [العلق:15] وهي شعر مقدم الرأس، أي: لنجلدنه من ناصيته بشدة.

    قال الله تعالى: نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ [العلق:16] يقول أهل التفسير: أطلقت الناصية وأريد بها صاحب الناصية، وإذا طرح سؤال: لماذا وصفت الناصية بأنها كاذبة خاطئة؟ فالإجابة: أن العلماء من أهل التفسير قالوا: أريد صاحب الناصية أنه كاذب وخاطئ، أما إخواننا من أهل الطب فقد اكتشفوا أن الناصية فيها مركز للإحساس غير المخ إضافة إلى المخ، وثبتت أيضاً من الناحية التشريحية أن فيها مراكز إحساس ومراكز تحكم كالتي في المخ، فلا يمتنع أن يكون التشديد -على حد قوله- صدر من هذه الناصية فعلاً، هكذا ذكر، والله أعلم.

    واستشهد لذلك من أحد الجالسين بأن الشخص إذا كان يفكر بأمر فإنه يضع يديه على مقدمة رأسه، والله أعلم.

    قال تعالى: فَلْيَدْعُ نَادِيَه [العلق:17] لما هدد النبي محمد صلى الله عليه وسلم أبا جهل وقال له: (لو دنا لاختطفته الملائكة)، فقال أبو جهل: (تهددني وتتوعدني يا محمد وأنا أكثر أهل هذا الوادي نادياً)، وأهل النادي هم الذين يجالسونه في مجلسه، فقال: سأدعو العشيرة والأنصار، فقال الله: فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ [العلق:17-18] وهم ملائكة العذاب، فالله قادر على أن ينتقم، ولكنها من باب الأسباب والمسببات.

    قال الله: كَلَّا [العلق:19] ليس الأمر كما يظن أنه فائت لا تُطِعْهُ [العلق:19] فيما يأمرك به، ففي الآية نهي عن طاعة الكافرين، كما في قوله:يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1]، فالشاهد: أن هذه الآية أيضاً أصل في أن كل من دعا إلى مخالفة الشرع لا يطاع ولو كان الأب، فإذا قالت الأم لابنها: لا تصل، لا تهتدِ، لا تأمر بالتقوى، وإذا قال الأب ذلك لولده فالله يقول: لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19] أي: اقترب من ربك، فإذا أمرك الأب بشيء يبعدك عن طريق الله ويوقعك في المعاصي فلا يطاع، فالله يقول: كَلَّا لا تُطِعْهُ [العلق:19]، وفي هذا المعنى قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]، فكل من يدعو إلى خلاف هدي الله وهدي رسوله لا يطاع، قريباً كان أو بعيداً.

    وفي قوله تعالى: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ [العلق:19] قولان للعلماء:

    أحدهما: (اسجد) معناها: صل، فأحياناً يعبر عن الصلاة ببعض أجزائها، كما قال تعالى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ [الشعراء:219]، وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43] فـ(اسجد) عند بعض العلماء معناه: صل واقترب من ربك، فإن الصلاة وأنت فيها أقرب من ربك من كونك خارج الصلاة.

    والقول الثاني: (واسجد واقترب) المراد بها: السجود على الحقيقة، فإنك إذا سجدت كنت أقرب إلى الله، فإن أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002657801

    عدد مرات الحفظ

    718584824