إسلام ويب

تفسير سورة النساء [116-124]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التفسير هو الطريق لمعرفة كيفية التعبد وتطبيق القرآن.. وسورة النساء من أعظم السور، وقد تضمنت أحكاماً عدة، منها: تقرير التوحيد، وتزكية النفوس، والتحذير من عمل الشيطان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ.. )

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    فيقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116].

    قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ). أي: لا يغفر للعبد إذا مات على الشرك، أما إذا أشرك العبد بالله، وتاب من هذا الشرك؛ تاب الله عليه، وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أهل شرك وعبّاد أوثان، فلما تابوا من الشرك تاب الله عليهم.

    إذاً: فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ أي: إذا مات العبد على الشرك، أما إذا تاب منه قبل موته غفر له، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإسلام يهدم ما قبله، والتوبة تهدم ما قبلها) وعلى ذلك فلا تعارض بين هذه الآية: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ )، وبين قوله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53]، فقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) تتنزل على أحد وجهين:

    الأول: أن الله يغفر الذنوب جميعاً بما فيها الشرك إذا تاب العبد منها في الدنيا.

    والوجه الثاني: أن الله يغفر الذنوب جميعاً إذا شاء في الآخرة إلا الشرك إذا مات عليه العبد، والله أعلم.

    فتقدم أن من العلماء من قال: إن هذه الآية: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) من أعظم آيات الرجاء في كتاب الله عز وجل، وبها يستدل على القائلين: بأن القتل لا يغفر، فإن القتل كبيرة دون الشرك.

    ويستدل بها على الخوارج القائلين بالتكفير بالمعاصي.

    وأفادت الآية -أيضاً- أن الله عز وجل قد يغفر للعبد وإن لم يقل العبد: أستغفر الله، فإنك قد تذنب -أيها العبد- ذنباً ولا تستغفر الله منه ومع ذلك -أي: مع عدم الاستغفار- يغفر الله عز وجل لك تفضلاً منه سبحانه، وهذا مبدأ من مبادئ أهل السنة والجماعة وأصل من أصولهم.

    فأهل السنة يقولون: إن الله عز وجل قد يغفر للعبد إن شاء، وإن لم يتب العبد من هذا الذنب، وإن لم يقل العبد: أستغفر الله، وقد ورد ما يؤيد ذلك في قصة البغي التي كانت تزني فمرت يوماً بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش فنزعت موقها فملأته فسقته، فشكر الله لها صنيعها فغفر لها، وهي لم تقل: أستغفر الله.

    واشترط فريق من المعتزلة أن يقول العبد: أستغفر الله، وليس على ذلك الاشتراط كبير دليل.

    وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ [النساء:116]، الضلال: هو الذهاب عن القصد.

    ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا [النساء:116] أي: ذهب عن طريق الصواب مذهباً بعيداً، يعني: صار في اتجاه بعيد عن الصواب، فالضلال الذهاب والبعد عن القصد.

    ويطلق الضلال على التفرق والتيه كما تقدم: وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [السجدة:10] أي: إذا متنا وتفرقت عظامنا في الأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا...)

    قال الله سبحانه وتعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا [النساء:117]، إن: بمعنى (ما)، وهي نافية، والمعنى: ما يدعون، (من دونه) أي: من دون الله، (إلا إناثاً) والمراد بالإناث هنا: الأوثان.

    ومن العلماء من قال: إن كل صنم فيه جنية، واستدل البعض لذلك: بأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل خالد بن الوليد رضي الله عنه كي يقتل العزى، فلما أقبل خالد على العزى إذا امرأة ناشرة شعرها، فقال الكهنة الذين حولها: يا عزى! خبليه، -خبليه: أي: أصيبيه بالخبل والجنون- يا عزى! عوريه -وعوّريه أي: أصيبيه بالعور وافقئي عينه- وأمعنوا في الجهل، فذهب خالد وكسرها، فرجع إلى الرسول عليه الصلاة والسلام فقال: ما صنعت شيئاً، وأرسله ثانية فوجد امرأة ناشرة لشعرها فتغشاها بالسيف، فقال بعض أهل العلم: إن خالداً قتل العزى لهذا الحديث.

    الشاهد: أن قوله تعالى: (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا) أي: إلا أوثاناً، و(يدعون) هنا بمعنى (يعبدون)، أي: ما يعبدون من دونه إلا إناثاً.

    لقائل أن يقول: إن الدعاء هنا بمعنى: العبادة، لقوله: مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ [يوسف:40]، وعليه فمعنى قوله: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا [النساء:117] أي: ما يعبدون من دونه إلا إناثاً، والدعاء أحد أفراد العبادة، والعبادة أوسع من الدعاء، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدعاء هو العبادة) ، من باب تعظيم شأن الدعاء، وأن له قدراً كبيراً من العبادة، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: (الحج عرفة)، فللوقوف بعرفة قدرٌ كبير وعظيم من الحج لا يتم الحج إلا به، والحج أوسع وأشمل من الوقوف بعرفة؛ ففيه طواف، وسعي، ورمي جمار، ومبيت عند المشعر الحرام، ومبيت بمنىً ونحر... إلى غير ذلك، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة)، يبين أهمية الوقوف بعرفة من الحج.

    كذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الدعاء هو العبادة)، يبين أهمية الدعاء بالنسبة للعبادة، وقد دلّت أدلة على أن الدعاء عبادة. منها: قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: (الدعاء هو العبادة)، ومنها: قول الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ [مريم:48-49] وقد قدم قوله: وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ [مريم:48]، على قوله: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ [مريم:49]، فاستدل به على أن الدعاء بمعنى العبادة، وكذلك استدل بقوله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي [غافر:60]، وهذا أمر بالدعاء، أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60]، فأفادت الآية أن الدعاء عبادة أيضاً.

    فذلك قول الفتية أصحاب الكهف: رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ [الكهف:14]، قال عددٌ من المفسرين: أي: لن نعبد غيره، فالدعاء في قوله تعالى: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا [النساء:117] بمعنى العبادة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا)

    قال تعالى: لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا [النساء:118]. سؤال: هل يستحب الإكثار من لعن الشيطان أو أن الذي ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُتبع؟ وهل يستحب بدلاً منه: الإكثار من ذكر الله؟

    الجواب: الظاهر الأخير، أنه يستحب الإكثار من ذكر الله عز وجل؛ وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما في سنن أبي داود وغيره بسند صحيح: (رأى رجلاً سقط من على الحمار فلما سقط الرجل قال: تعس الشيطان -وهذه مسبة للشيطان- فقال عليه الصلاة والسلام: لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم حتى يكون مثل الجبل، وقال: بقوتي صرعته، ولكن قل: باسم الله، فإنك إذا قلت: باسم الله؛ تصاغر حتى يكون مثل الذباب)، لكن وردت مواطن لعن رسول الله فيها الشيطان.

    وهذه الآية الكريمة فيها لعن الشيطان، ولما جاء إبليس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والنبي يصلي بالليل بشهاب من نار ليقذفه في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (ألعنك بلعنة الله التامة؛ ثلاث مرات)، فالمواطن التي ورد أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن الشيطان فيها؛ نلعنه فيها، أما التوسع في ذلك كأن تجعل لك ورداً وحزباً من لعن الشيطان، فتقول: لعنة الله على الشيطان، لعنة الله على الشيطان، لعنة الله على الشيطان... فلم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.

    حكم لعن الظلمة والطواغيت

    ننتقل من مسألة لعن الشيطان إلى جزئية وهي: الإكثار من ذكر الظلمة ولعنهم:

    فهل يستحب الإكثار من ذكر الظلمة -أهل الظلم- ولعنهم؟ فتقول: لعنة الله على فلان، لعنة الله على فلان لعنة الله على فلان؟!

    الجواب: الظاهر أن ذلك لا يستحب، بل قد رأى فريقٌ من أهل العلم كراهيته، وذلك؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام: لم يكثر من قوله: لعنة الله على أبي جهل ، لعنة الله على أبي جهل ، لعنة الله على أبي جهل ، ولكن يستحب أن يستكثر العبد من ذكر الله، وبذلك ننصح إخواننا الخطباء الذين يرتادون المنابر ويلقون المحاضرات، فينبغي أن يكون ديدنهم -بالدرجة الأولى- في خطبهم الإكثار من ذكر الله عز وجل، لا الإكثار من ذكر فلان وفلان، ولعن فلان وفلان، وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الجمعة:9]، ولم يقل إلى ذكر فلان وفلان.

    ولم أقف على نصٍ صريح في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تناول شخصاً باسمه على المنبر ليلعنه عليه الصلاة والسلام: ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام: (قنت ودعا: اللهم العن فلاناً وفلاناً)، فنزل قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:128].

    حكم لعن العصاة والكفار إجمالاً

    هنا يأتي سؤال آخر: ما حكم اللعن على وجه الإجمال؟ فالجواب: اللعن على وجه الإجمال جائز، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: (لعن الله النامصة والمتنمصة، لعن الله الواصلة والمستوصلة، لعن الله المتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله)، وغيره من الأحاديث العامة في اللعن وكقول: (لعنة الله على الظالمين)، إلى غير ذلك على التعميم فهو جائز، لكن الإكثار من ذكر فلان وفلان وتناولهم باللعن بأعيانهم هو إلى الكراهية أقرب، والله تعالى أعلم.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس المؤمن بالطعان ولا باللعان ولا بالفاحش ولا البذيء)، وهذا يحدو بنا إلى أن نذكر ما ذكره العلماء بشأن اللعن، فمن العلماء من قسم اللعن إلى أقسام، قال: لعنٌ بالنسبة للكفار جملةً، ولعنٌ بالنسبة للكافر المعين، ولعنٌ بالنسبة للفساق جملةً، ولعنٌ بالنسبة للفساق المعينين أي: ذكرهم بالاسم، ولعنٌ للمؤمن.

    أما المؤمن فلعنه كقتله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم من حديث ثابت بن الضحاك: (ولعن المؤمن كقتله).

    وبالنسبة للفاسق المعين: لا يُلعن؛ لما سمعتموه من قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران:128]، وهذا يطّرد أيضاً في لعن الكافر المعين عند فريق من العلماء.

    أما الفساق جملةً فالراجح في شأنهم أنه يجوز لعنهم إن احتيج إلى ذلك، فالنامصة فاسقة لكن لا تلعن بعينها، بل تقول: (لعن الله النامصة، لعن الله المتنمصة)، لكن لا تقل (لعن الله فلانة بعينها)، فلا يشرع لك ذلك، وقد تقدم أن تنزيل الأحكام على الأشخاص بأعيانهم يحتاج إلى تريث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم: (لعن الخمر وشاربها... إلى أن عد فيها عشرة أصناف)، لكن لما جاء رجلٌ وهو شارب للخمر، قال بعض أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: لعنك الله ما أكثر ما يؤتى بك، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا تكونوا عوناً للشيطان على أخيكم)، وفي رواية: (إنه -ما علمت- يحب الله ورسوله)، أي: أن هذا الشخص يحب الله ورسوله ولكن شهوته تغلبه.

    إذاً: يتحفظ من تنزيل اللعن على الأشخاص المعينين، والله تعالى أعلم.

    فعلى ذلك: فإخواننا الخطباء ينبغي أن يكون ديدنهم على المنابر الإكثار من ذكر الله والتخويف بالنار والترغيب بالجنة، فهذا هدى رسول الله عليه الصلاة والسلام، هو ما درج عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    وأذكر في هذه البلدة -المنصورة- أيام حكم السادات في مصر كان بعض إخواننا يطلع على المنبر يخطب الجمعة ويتناول زوجة السادات بالاسم ويقول: فلانة فعلت كذا وكذا وكذا مع فلان الفلاني ويحكي حكايات على المنبر، ويظن أنه جريء وهو جاهل بسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكلامي هذا ليس دفاعاً عن السادات ولا عن زوجة السادات، إنما دفاعاً عن حوزة الدين فلابد أن تحفظ وهذا هو المطلوب شرعاً من كل مسلم، والله سبحانه وتعالى أعلم، وليس لنا دخل بالسادات ولا بزوجة السادات من ناحية الثناء والمدح ولا من ناحية السب، لكن نقول: إنه لا ينبغي أن نستخدم المنابر لمثل هذه الأغراض، ومن أراد أن يفعل ذلك فليأتنا بدليل من سنة رسول الله أو دليل من فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نمتثل، علماً أنه لم يسلك هذا المسلك إلا طائفة من أمراء السوء الذين كانوا ينالون من آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام.

    مسألة: من يطعن في سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهل يشهر به ويذكر باسمه للتحذير منه؟

    ومسألة مهمة يكثر الجدل حولها وهي: لو كان هناك شخصٌ يطعن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل يُذكر باسمه أو لا يُذكر باسمه؟

    فالجواب: التحفظ أولى، ولك أن تقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، فإن النبي عليه الصلاة والسلام طُعن في عرضه: وقد اتهم عبد الله بن أبي بن سلول أم المؤمنين عائشة -من بيت النبوة الطاهر- بالزنا، وليس هناك أبشع من ذلك، وتبعه في ذلك بعض الصحابة، فماذا كان رد الفعل من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

    قام على المنبر فقال: (من يعذرني من رجلٍ قد بلغني أذاه أهلي، فوالله! ما علمت على أهلي إلا خيراً، وما رأيت من أهلي إلا خيراً -والصحابة جالسون- فقال سعد بن معاذ : من هو يا رسول الله؟) فدليل على أن سعد بن معاذ لم يكن يعرف من هو.

    فالشاهد: أنه لا يصار إلى الذكر بالاسم إلا إذا دعت الضرورة الملحة إليه، فإذا دعت الضرورة الملحة إلى تسمية الشخص الذي يحارب السنة؛ فيُذكر بقدر ولو بتوسع في الوصف؛ لأنه من الممكن أن تكون أنت -من الناحية العقلية- تتكلم فيه، وتذكره بالاسم فيعترض عليك شخص وتحصل فوضى في بيت الله.

    أما لو قلت: (ما بال فلان) لا أحد يعترض عليك لأنك ما سميت أحداً، حتى في القوانين الوضعية أنك إذا عرضت فلا شيء عليك، لكن إذا سميت فإنهم يؤاخذونك ويتسببون في سجنك، وهذا من الجهل بسنة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام.

    الشيطان وأتباعه

    1.   

    تفسير قوله تعالى حاكياً عن الشيطان: (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ...)

    قال الله جل وعلاً: لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ [النساء:118-119] أي: لأصرفنهم عن طريق الحق، وأبعدنهم عن طريق الصواب.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه)، أي: على الطرقات، كأنك تسير في خط مستقيم، وعلى هذا الخط أحياء وأزقة متشعبة والشيطان يقعد عند مفترق الطرق يجتال عباد الله عن الصراط المستقيم، وفي هذا الحديث قعد له على طرق الخير يصده عنها: (قعد لابن آدم بأطرقه فقعد له على باب الجهاد)، على طريق الجهاد، ويقول: تجاهد! كيف تجاهد؟ (تجاهد! فتقتل فتنكح المرأة -امرأتك تتزوج بعدك- وتقسم الأموال، فعصاه فجاهد، ثم قعد له بطريق الهجرة، قال: تهاجر! تدع أرضك وأرض أبيك، فعصاه فهاجر، وقعد له بطريق الإسلام فقال له: تُسلم تذر دينك ودين آبائك ودين أجدادك، فعصاه فأسلم)، فيقعد له عند كل طريق من طرق الخير، تجده مثلاً -كما قال بعض العلماء- عند طريق النفقة: إذا أردت أن تنفق أتاك وقعد لك فيصدك ويقول: تنفق! مالك يذهب، أين حض أولادك؟ وأين حض زوجتك؟ أين حض بنيك؟ فهكذا يقعد لك عند كل طريق من طرق الخير يصدك عنها، (وعند كل طريق من طرق الشر يدعوه إليها فمن عصاه فله الجنة) -أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام-.

    يقول الشيطان: وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ [النساء:119]، أي: يمنيهم أنه سيحصل لكم كذا وكذا، والأماني في الدنيا لا تنقطع.

    تبتيك آذان الأنعام من عمل الشيطان

    قال تعالى: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ [النساء:119] أي: لأزينن لهم تبتيك أذان الأنعام؛ لأن الشيطان لا يأمر ولا ينهى في الحقيقة وإنما يشجع على فعل المعاصي ويدفع الناس إليها، كما قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا [مريم:83] أي: تدفعهم إلى المعاصي دفعاً.

    فقال: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ [النساء:119]، ما المراد بتبتيك آذان الأنعام؟

    يأتي الرجل إلى جمل من الجمال أو ناقة من النوق بموسى -وهي الشفرة ويقال لها أيضاً: السكين- ويقطع أذن الجمل، ويقول: هذا سائب أو هذه الناقة سائبة، يعني سائبة في الصحاري لا يقربها أحد لأنها وقف على الآلهة، وهذا شرك من عمل الشيطان.

    قال الله عز وجل: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ [المائدة:103]، وكل هذه الأصناف من الإبل:

    الوصيلة: هي التي تلد كذا وكذا.

    الحام: هو الذي ينكح كذا وكذا.

    البحيرة: هي التي من شأنها كذا وكذا ويسيبونها.

    وأول من سيب السوائب وحرمها على الناس عمرو بن لحي الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم يجر قصبه في النار.

    قال النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف: (رأيت النار، ورأيت فيها عمرو بن لحي يجر قصبه)، يعني: يجر أمعاءه في النار؛ لأنه أول من سيب السوائب.

    أي: أول شخص قال: هذه سائبة، وحرم على الناس ما أحله الله لهم هو عمرو بن لحي فكانت هذه عقوبته.

    وفيه دليل على أن الذي يحرم على الناس شيئاً أحله الله لهم مرتكب لجريمة، بل قد تصل هذه الجريمة إلى الكفر، والعياذ بالله، والتحليل التحريم -على وجه الخصوص- جرمٌ كبير، ولذلك فالشخص عليه أن يتحفظ -في هذا الباب- تحفظاً زائداً؛ فلا يتجرأ ويفتي بالحل والحرمة بغير برهان من كتاب الله أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: أول من سيب السوائب هو عمرو بن لحي بوحي إبليس إليه.

    1.   

    حكم تغيير خلق الله

    قوله تعالى: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ [النساء:119] تغيير خلق الله تلحق به جملةٌ من المسائل المتعلقة بالزينة، خاصة زينة النساء.

    فهناك جملة مسائل متعلقة بزينة النساء تدخل فيه هذه الآية منها:

    حكم التفلج

    مسألة التفلج: والتفلج هو: أن تأتي المرأة بمبرد -مبرد أسنان- وتبرد أسنانها، وتفرق بين الأسنان من أجل تحسين الأسنان وتحديد كل سن على حدة من أجل أن تأخذ مسحة جمال، فالرسول عليه الصلاة والسلام: (لعن الفالجة والمتفلجة)، يعني: الفاعلة والمفعول بها.

    هذا إذا كان الفلج للحسن، لكن لو فرضنا أن امرأة لها سن تؤذي لسانها إذا تكلمت، أو تؤذي شفتها إذا أكلت، فتفلجت لا للحسن إنما لدفع الضرر عنها، فإذا تفلجت وبردت أسنانها لدفع الضرر عنها فلا شيء في ذلك، وقد نص على ذلك الإمام النووي رحمه الله تعالى وغيره من أهل العلم، أي: أنها إذا لم تكن متفلجة للحسن بل لعلة جاز لها التفلج.

    وعلى ذلك: فطبيبات الأسنان لا بد أن ينتبهن؛ لأن طبيبات الأسنان ممكن بسهولة جداً أن تكون من (الفالجات) وهي لا تشعر، فتكون ملعونة على لسان نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فتنتبه ولا تفلج أسنان امرأة إلا لدفع ضرر عنها، أما التفلج للحسن فقط فلا يجوز.

    حكم إزالة شعر الجسم (النمص)

    تلحق بهذا الباب مسائل أخرى، ومنها: مسألة: إزالة الشعر من الجسم.

    إزالة الشعر من الجسم لغةً تسمى نمصاً، والمنماص هو ذيل آلة لإزالة الشعر من الجسم.

    فهل كل شعر يزال من الجسم يعد نمصاً؟

    الجواب: ليس كل شعر يزال من الجسم يعد نمصاً؛ لأن شعر العانة يزال، وإزالته سنة، وشعر الإبط يزال، وإزالته سنة وهي عادات مستحبة.

    والشعر له أحكام، وهناك كتب مؤلفة في أحكام الشعر:

    شعر الرأس -طبعاً- يزال أو لا يزال على ما تحب أنت، وقد ورد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه كان يحلق أحياناً وأحياناً أخرى يقصر شعره، لكن ثمّ شعر كشعر -مثلاً- النساء الذي يظهر في الأرجل، فهل إزالته تلحق بحكم تغيير خلق الله أو لا؟ الظاهر: أن المرأة إذا أزالته لا تكون مغيرة لخلق الله.

    فهناك عمومات تبيح ذلك كحديث: (إن الله جميل يحب الجمال)، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (أي النساء خيرٌ يا رسول الله؟ قال: التي تسره إذا نظر وتطيعه إذا أمر)، لكن في المقابل: (لعن الله النامصة)، فهل يلحق بالنمص إزالة شعر الرجل أو لا يلحق؟ النمص عند أكثر أهل العلم متعلقٌ بالحاجب، ومن العلماء من عممه على سائر شعر الوجه، أما شعر الرجلين فالراجح لدي فيه والله أعلم أنه جائز، وإن كرهه بعض أهل العلم، فلما يستغرق إزالته من وقت، ولما يحصل من كشف للعورات أثناء إزالته، فالمرأة تكشف عن فخذها لامرأة أخرى تعبث بها مدة طويلة، فهذا فيه كشف للعورة، ثم كما قال بعض المشتغلين بالطب -في هذا الباب-: إنه يضعف الجلد إذا استمرت المرأة على نتفه، والله تعالى أعلم. لكن.. ليس عندنا نص صريح صحيح يفيد أنه عملٌ محرم.

    حكم إزالة شعر الوجه بالنسبة للمرأة

    بالنسبة لشعر الوجه: إذا نبت للمرأة شارب فأزالته، هل تكون مغيرة لخلق الله؟

    من أهل العلم من رأى ذلك، ومنهم من رأى عكس ذلك، وقال: يستحب لها أن تزيله؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال)، فهذه التي تزيله تعمد إلى البعد عن التشبه بالرجال، فوجهتها محمودة، وهذا القول الأخير له وجهٌ قوي وهو قول سديد إذا اعتبرنا العلة في الحكم حديث النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن التشبه.

    فعلى ذلك: الذي يظهر -والعلم عند الله- أن إزالة شعر اللحية والشارب إذا نبتا للمرأة جائزة، إن لم يكن مستحب، أما شعر الحاجب فتحرم إزالته قطعاً، ويحرم إزالة أي شعرٍ منه؛ لأنه داخل في النمص بالدرجة الأولى، والرسول صلى الله عليه وسلم: (لعن النامصة والمتنمصة).

    حكم النمص للرجال

    الرجال الذين يذهبون إلى الحلاق فيأخذ من شعر حواجبهم: هل يلحقهم اللعن أو لا يلحقهم اللعن؟

    من العلماء من قال: هو في الرجال أشد؛ لأن المرأة وهو مطلوب منها في جانب التزين لزوجها منعت من ذلك، فالرجل من باب أولى أن يمنع من ذلك، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    يعني: ليس الحكم فيه بالنص إنما هو بطريق النظر والقياس والعلم عند الله تعالى.

    حكم الوصل

    قال عليه الصلاة والسلام: (لعن الله الواصلة والمستوصلة).

    الواصلة: هي التي تصل شعرها بشعر آخر، وهي على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ملعونة.

    لبس المرأة للباروكة

    بالنسبة للمرأة التي تضع الباروكة:

    والباروكة التي تلبسها المرأة على رأسها: هل تأخذ نفس حكم وصل الشعر أو لا تأخذ نفس الحكم؟ في الحقيقة أنها تختلف من باروكة إلى باروكة، وهذا ظاهر، فهناك باروكة يفهم تماماً أنها ليست من الشعر، وإن كان على صورة الشعر، لكن يفهم تماماً أنه ليس من شعر المرأة، فإذا كان ظاهرها أنها ليس من شعر المرأة فتخرج من حكم الوصل، والله أعلم.

    ثم ينظر إلى العلة التي من أجلها لبست هذه الباروكة.

    أما إن كانت الباروكة على هيئة شعر المرأة بالضبط، فقول من قال: إنها كالوصل -أو أنها وصلٌ- قولٌ قوي، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    إذاً: الباروكة فيها تفصيل كما تقدم، وليس فيها نص ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: فتحتاج إلى استنباط، والذي ورد عن رسول الله، هو مسألة الوصل، فما استحدث وكان في معنى الوصل له حكم الوصل، وما استحدث ولم يكن له معنى الوصل يخرج من حكم الوصل.

    حكم الوشم

    أما الواشمة: فهي التي تجرح امرأة أخرى بعض الجرح، فينزف دم من الجرح فتضع في مكان الدم كحلاً، فيبقى أثره كالشامة.

    فالواشمة: وهي التي تشم النساء والمستوشمة هي التي تطلب من غيرها أن تشمها كلتاهما ملعونة على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

    حكم حلق اللحية

    اللحية هل حلقها داخل في تغيير خلق الله أم لا؟

    رأى ذلك كثيرٌ من أهل العلم؛ لأن الله خلق الرجال وفطرهم على اللحية، فإزالتها حرام، وليس هناك نصٌ عن رسول الله يجوّز إزالتها، بل النص في المنع. قال صلى الله عليه وسلم: (قصوا الشوارب وأوفوا اللحى)، وفي رواية: (وفروا اللحى)، وفي أخرى: (اعفوا اللحى)، كل هذه النصوص تنهى عن حلقها فتلتحق عند كثير من أهل العلم بتغيير خلق الله تبارك وتعالى.

    وحلق اللحية استطرد فيه العلماء، ولا معنى للخوض هنا، قال إبليس: وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ [النساء:119] أي: يفعل ما يأمره به إبليس فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا [النساء:119] أي: ظاهراً واضحاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا)

    قال تعالى: يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ [النساء:120] يعدهم بماذا؟ فسرتها آية البقرة: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [البقرة:268].

    يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء:120] يعدهم، ليس فقط بالفقر، بل وعوده عامة، كما وعد أبانا آدم وأمنا حواء بالخلود في الجنة إذا أكلا من الشجرة، فقال لهما: أقسم لكما بالله أنكما إذا أكلتما من هذه الشجرة ستخلدان في الجنة ولا يستطيع الرب إخراجكما منها! كما قال تعالى: وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الأعراف:21]، فآدم عليه الصلاة والسلام لم يظن أبداً أن هناك شخصاً يحلف بالله كاذباً، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن غرٌ كريم، والفاجر خبٌ لئيم).

    فوعد إبليس لأبينا وأمنا بالخلود في الجنة إذا أكلا من الشجرة كان غروراً وتغريراً بهما حتى أوقعهما في معصية الله عز وجل، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء:120].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا)

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا [النساء:121] أي: مهرباً ومفراً، كما قال تعالى: فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ [ق:36]، أي: هل من مفرٍ؟! وهل من مهرب؟! فهنا: أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا [النساء:121]. أي: لا يجدون منها مهرباً ولا مفراً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ... )

    قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [النساء:122]، تكرر مراراً أن القرآن سُميّ مثاني لهذا، وهو أنه يأتي بحال أهل الشقاوة، ثم يعقب بذكر حال أهل السعادة، وأيضاً نكرر أن (عملوا الصالحات) تثبت أن المؤمن العاقل الذي يعمل الصالحات أفضل من المجنون؛ لأن المجنون لم يعمل الصالحات، فعلى هذا من يتمسحون بالمجانين جهلة، وهذا الفعل غلط.

    فالتقييد بـ(عملوا الصالحات) يبين أن المؤمن العاقل أفضل من المجنون؛ لأن المجنون أمامه اختبار عند الله يوم القيامة ينجح فيه أو لا ينجح.

    وفي قوله: (عملوا الصالحات) ردٌ على المرجئة القائلين بأن العمل لا تأثير له.

    (سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)، قال فريقٌ من العلماء (من تحتها). أي: من تحت أشجارها، ومن تحت بيوتها وكذلك عند فريق آخر، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا [النساء:122] وهذا وعد الله في مقابل وعد الشيطان، ووعد الشيطان قال عنه تعالى: وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء:120]، فهنا في المقابل: وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء:122].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ...)

    قال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ [النساء:123]. أي: ليس الأمر على ما تظنون، وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:123] ما هو الذي ليس بأمانينا ولا بأماني أهل الكتاب؟ هنا حذف دلّ عليه السياق.

    لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:123]. أي أنكم ستفعلون السوء ولا تجزون به، بل مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123] وقد ذكر فريق من أهل العلم أن هنا حذفاً فُهم من السياق، والحذف إذا فهم من السياق استسيغ، وكان له وجه وعليه أدلته في كتاب الله في جملة مواطن قد مثلنا لذلك يقول تعالى: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ [ص:32] ما هي التي توارت؟ الشمس، رُدُّوهَا عَلَيَّ [ص:33] ردوا ماذا؟ ردوا الخيل: رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ [ص:33].

    وقوله: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء:1]، لماذا قال: (وشاء)؟ لأن التمثيل به أتم.

    قال تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ [النساء:123] أي: ليس الأمر على ما تظنون أنتم وأهل الكتاب، بل (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، وردت في هذه الآية أحاديث -منازع في صحتها- أن هذه الآية شقت على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الآية أفادت: أن كل من يعمل سوءاً يجز بهذا السوء: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) وفي هذه الأحاديث التي أشرنا إلى أنه اختلف فيها، قال النبي عليه الصلاة والسلام لـأبي بكر : (يا أبا بكر ! ألست تنصب؟) يعني: تتعب، فالتعب يزيل السيئات، ألست تحزن؟ فالهم والحزن يزيلان السيئات، ألست تصيبك اللأواء؟ اللأواء والأدواء والأمراض تذهب السيئات، وفي معنى هذا حديث النبي عليه الصلاة والسلام، قال: (ما من مسلم يصيبه أذىً من مرض فما سواه إلا حط الله به من خطاياه كما تحط الشجرة ورقها)، وفي رواية: (حتى الشوكة يشاكها)، وفي رواية -نوزع في تصحيحها-: (حتى الهم يهمه)، يعني: الهم الذي تصاب به يهيل السيئات، لكن روايات الهم منازع في صحتها.

    وأيضاً يقال: إن الآية أفادت: أن أي شخص يعمل سوءاً يجز به، لكن ثَمَّ آيات قيدت، وثَمَّ آيات رفعت الحرج، قال تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، فـ(يعفو عن كثير) أفادت أن هناك من الذنوب ذنوباً لا نؤاخذ بها، كذلك في قول أهل الإيمان: وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا [البقرة:286]، قال الله: قد فعلت.

    قوله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، لابد أيضاً من النظر فيه بعيداً عن مسألة إزالة الأمراض والهموم والأحزان للذنوب، فهل يلزم أن كل من أذنب تأتيه عقوبة من الله، إما في صورة شوكة يشاكها أو مرض يمرضه أو هم؟ الصحيح: أنه لا يلزم ذلك، فإن قيل: فكيف توجهون الآية: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) فالإجابة، أن هنا تقديرٌ يفهم من السياق ومن العمومات الأخرى التي تحملنا على هذا التقدير، فيكون التقدير: (من يعمل سوءً يجز به) إلا إذا عفا الله عنه، وهذا المعنى يستقيم مع قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، ويستقيم مع قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، فالتقييد يجز به، إلا إذا عفا الله عنه: فإذا عفا الله عنه وإلا كان الأمر كقوله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، فعلى هذا تضبط الآية من وجهين:

    الوجه الأول: هو ما ذُكر في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، على قول من صححه، وهو أن الهموم والأحزان والأمراض كفارات.

    القول الثاني: أن الآية مقيدة بمغفرة الله عز وجل، وثمة قول ثالث -لكن يحتاج إلى إثبات- وهو القول بالنسخ، وأن الآية منسوخة بآيات أخرى، أفادت عفو الله عز وجل عن كثير من الذنوب، لكن القول بالنسخ لا يتأتى إلا بعد معرفة المتقدم من المتأخر، وهذا غير متيسر هنا.

    مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، من العلماء من يقول: إن الشخص قد يعد، وقد يوعد فهناك الوعد والوعيد، ومن خصال الكرام: الوفاء بالوعد وإخلاف الوعيد. ومنه قول القائل:

    وإني إن وعدته أو أوعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

    فالوفاء بالوعد محمود، وإخلاف الوعيد محمود من فعل الكرام.

    والفرق بين الوعد والوعيد: أن الوعد في الخير والوعيد في الشر والتهديد، والله تعالى أعلم على ذلك فالذي يخلف وعيده لا يذم من البشر، ولله المثل الأعلى: وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الروم:27]، قال الله تبارك وتعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123]، والسوء هو من ما يسيء الشخص، وكل المعاصي تسيء صاحبها يوم القيامة، ومنه قيل: للسوأة سوء، وللسوأتان سوأتان؛ لأن رؤيتهما تسيء للشخص المرئي، فلذلك أطلق عليهما (سوأتان).

    قال تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [النساء:123] ولياً يتولاه، ولا نصيراً ينصره. وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء:124] أي: قدر النُّقْرَةِ في ظهر النواة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم تدريس الرجل للمرأة

    الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه.

    السؤال: أنا مدرس وأعطي دروساً خصوصية بدون ظلم لأحد، ولكن يأتيني بنات من الصف الأول الإعدادي إلى الثالث، فهل هذا حرام؟ وإن كان حراماً فهل معنى هذا أن الأجر الذي آخذه يعتبر مالاً حراماً، على الرغم من أني أتعب فيه؟

    الجواب: بالنسبة لتدريس الرجل للمرأة، فأصل الحكم فيه مبني على الملابسات المحيطة به، لأنه لا دليل لدينا على أن تدريس الرجل للمرأة حرام، لكن إذا خلى الرجل بامرأة واحدة، كان الحكم بالحرمة مبنياً على أن الخلوة نفسها محرمة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (لا يخلون رجلٌ بامرأة فإن ثالثهما الشيطان).