إسلام ويب

تفسير سورة النساء [47-57]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أساليب القرآن الكريم في الدعوة: أسلوب الحوار والمخاطبة مع غير المسلمين، ولقد برز هذا الأسلوب في حوار اليهود، والكشف عن طواياهم السيئة وأعمالهم الخبيثة؛ كإيمانهم بالجبت والطاغوت، وتفضيلهم المشركين على المسلمين، وحسدهم العرب أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم منهم، وكفرهم بأنبيائهم السابقين مع كونهم من بني جلدتهم، وبعد هذا الكفر والعناد يرتب القرآن الكريم جزاء الكافرين المعاندين أمثال هؤلاء اليهود، وجزاء المؤمنين المصدقين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقاً لما معكم ..)

    باسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    يقول الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا * إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:47-48].

    قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ نداء إلى أهل الكتاب من اليهود والنصارى، واليهود كانوا هم غالب أهل الكتاب في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما النصارى فكانوا قلة.

    وقوله تعالى: آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا هو القرآن.

    وقوله تعالى: مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ أي: موافقاً للتوراة التي معكم.

    وقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا الطمس: المحو والإزالة، وطمس الشيء: محو أثره، ومنه قوله تعالى: فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ [المرسلات:8]، وقوله تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ [يس:66].

    فقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا قال فريق من أهل العلم: أي: نرد الوجوه كالأقفاء، فيصبح الوجه مثل القفا لا معلم فيه لعين ولا لأنف ولا لفم ولا لخد ولا للحية ولا لغير ذلك.

    ومن العلماء من قال: إن الطمس عبارة عن تغيّر الأحوال، بمعنى: أن الغني يصبح فقيراً، والعزيز يصبح ذليلاً، والقوي يصبح ضعيفاً، إلى غير ذلك.

    وثمّ قولٌ آخر ثالث وهو أنَّ المراد تقليب القلوب إلى الكفر.

    والقول الأول هو الأشهر، فقد حلّت ببني إسرائيل عقوبات من هذا القبيل، فقد مسخ فريق منهم إلى القردة، وفريق آخر إلى الخنازير، كما قال تعالى: فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ [الأعراف:166]، وقال تعالى: أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْت ، وأصحاب السبت: هم الذين اعتدوا في السبت، وهم المذكورون في قوله تعالى: وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ [الأعراف:163]، وأصل السبت: الراحة والسكون، ومنه قوله تعالى: وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا [النبأ:9] أي: راحة وسكوناً لكم، فأصل السبت: الراحة والسكون، وكان يوم السبت يوم راحة لليهود وتوقف عن الأعمال، فاعْتَدَوْا فيه كما ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الأعراف، فحلت عليهم اللعنة لاعتدائهم في السبت بعد أن نهاهم الله تعالى عن الاعتداء فيه بقوله: وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:154-155].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به...)

    ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، وهذه الآية من المحكم الذي لم ينسخ، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: (يا ابن آدم! لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ولقيتني لا تشرك بي شيئاً غفرت لك ما كان منك ولا أبالي)، أو كما قال تعالى في الحديث القدسي.

    فالآية من الآيات المحكمات، ونحوها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، قال أبو ذر : وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! قال: وإن زنى وإن سرق، قال: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذر).

    وهذه الآية ردٌ على كثير من الفرق التي ابتدعت في الإسلام، كفرقة الخوارج الذين يكفرون بالمعاصي، وكفرقة المعتزلة، وعدد من الفرق.

    فأي شخص يموت على الشرك لا يغفر له هذا الشرك، ولكن إن أشرك وتاب في الدنيا قبل الممات، فالله تعالى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل هدايتهم أهل شرك، فتابوا وأسلموا فتاب الله تعالى عليهم، فالآية أصلٌ من أصول أهل السنة والجماعة في أنه لا يلزم أن يعذب صاحب الكبيرة وإن لم يتب، فإذا ارتكب شخصٌ كبيرة، كسرقة، أو زنا، أو قتل، أو شرب خمر، ولم يتب منها فليس بلازم أن يعذب، وأمره إلى الله تعالى فإن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، خلافاً لأهل الاعتزال القائلين بوجوب الاستغفار حتى ينجو الشخص من العذاب.

    ونحو هذا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي رواه الشيخان من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف، فمن فعل ذلك فأجره على الله، ومن أتى من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله في الدنيا، فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له).

    وفي الآية ردٌ على بعض العلماء القائلين بأن القاتل لا بد وأن يعذب، ويستدل بعضهم كالحبر عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].

    ويقول: إن آية النساء الطولى نزلت بعد آية الفرقان، أي: أن هذه الآية نزلت بعد قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ [الفرقان:68-70]، فـابن عباس رضي الله عنهما يرى أنه ليس لقاتل النفس توبة، وهذه من المسائل التي خولف فيها من جماهير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    فقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48] أي: إذا مات الشخص على الشرك، فالشرك لا يغفر له كما قال تعالى في الحديث القدسي: (من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).

    وقوله تعالى: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء:48] (الدون) تطلق على الأقل، وتطلق أحياناً بمعنى (غير) ومنه قوله تعالى: وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ [المؤمنون:63]، فقوله تعالى: ( ويغفر ما دون ذلك ) أي: ما أقل من ذلك، فأي ذنب غير الشرك يغفره الله سبحانه إن شاء، وإن شاء عَذّب به.

    قال تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمَاً عَظِيماً [النساء:48] أي: اختلف واخترع إثماً عظيماً.

    فالإثم أحياناً يطلق على صغير الذنب، وأحياناً يطلق على كبير الذنب كقوله تعالى: وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [البقرة:283]، وأحياناً يطلق على الشرك كقوله تعالى هنا: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48].

    1.   

    خطر تزكية النفس وأحوال جوازها

    وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ [النساء:49]، التزكية مذمومة في الأصل، ولا يزكي الإنسان نفسه ولا غيره إلا لعلة، والأدلة على ذلك من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة، فقد أثنى رجلٌ على رجلٍ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ويحك قطعت عنق أخيك، قطعت عنق أخيك، قطعت عنق أخيك-قالها ثلاث مرات- إن كان أحدكم لا محالة فاعلاً فليقل: أحسب فلاناً كذا وكذا، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحداً)، وقال عليه الصلاة والسلام: (احثوا في وجوه المداحين التراب)، خاصةً الذين يبالغون في الثناء على الأمراء والرؤساء.

    وهذا الحديث استعمله المقداد بن الأسود لما كان جالساً عند أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، وجاء رجلٌ يثني على أمير المؤمنين ثناءً زائداً في وجهه، فأخذ المقداد الحصباء وقذف بها في وجهه، وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (احثوا في وجوه المدّاحين التراب)، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله).

    فالمبالغة في الثناء قد تخرج الشخص عن حيز الاعتدال إلى حيز الذم، وهؤلاء النصارى لما بالغوا في إطراء عيسى عليه الصلاة والسلام والثناء عليه أَلَّهوهُ وجعلوه ابناً لله عز وجل، والشيعة لما بالغوا في الثناء على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أَلَّهه فريق، وزعم فريق آخر أن علياً رضي الله عنه أحق بالرسالة من محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فالمبالغة في الثناء، والمبالغة في الإطراء، والمبالغة في التقليد تورث الشخص انهياراً وهزيمةً وعصياناً لله تعالى ولرسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.

    والظواهر التي بين أيدينا في الأزمنة المعاصرة شاهدة بذلك، وما كان عقب وفاة رسول الله عليه الصلاة والسلام أيضاً يدل على ذلك، فـالمختار بن أبي عبيد الثقفي ادعى نصرته لآل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبعه الناس واغتروا به، وصاروا يمجدونه ويمدحونه حتى آل به ذلك إلى أن ادعى النبوة، ثم ادعى الألوهية! فقتل إلى غير رحمة الله عز وجل.

    فالمبالغة في الثناء على الأشخاص أحياناً تورث شركاً، وأحياناً تورث ضلالاً مبيناً، ومن ثمّ فينبغي أن يتوسط الشخص في كل أموره وأحواله، وهذا يلحق طلاب العلم، فيلزمهم ألا يأخذوا العلم من شخص واحد أياً كان شأنه، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي لا ينطق عن الهوى، أما أن يأخذ شخص أقوال عالم من العلماء، ويسبح بحمده آناء الليل وأطراف النهار، ويصبح له مقلداً أعمى، ويتقبل كل آرائه، فهذا يورث تقليداً بغيضاً مقيتاً، ويوقع الشخص في كل الأخطاء التي وقع فيها هذا الشيخ، وأصحاب رسولنا عليه الصلاة والسلام رغم فضلهم وسعة علمهم رضي الله تعالى عنهم ما طلبوا ذلك من الناس، وكلٌ منهم صدرت منه اجتهادات جانب فيها الصواب، فإذا كانوا كذلك فغيرهم من باب أولى، فمن جاءك بالدليل من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقبله وخذه.

    وقوله تعالى: يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ [النساء:49]، الآية محتملة لأن يكون المعنى: يزكون أشخاصهم، أو يزكون غيرهم كقوله تعالى: فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ [النجم:32]، من العلماء من قال أي: لا يزكي بعضكم نفسه، ومنهم من قال: ولا يزكي بعضكم بعضاً، وإطلاق النفس على الغير وارد في كتاب الله تعالى، ومنه قوله سبحانه وتعالى: فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ [النور:61] أي: على إخوانكم.

    وقوله تعالى: وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ [الحجرات:11] أي: لا يلمز بعضكم بعضاً.

    وقوله تعالى: فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ [البقرة:54] أي: يقتل بعضكم بعضاً.

    فالتزكية الأصل فيها المنع إلا لعلة، ومن هذه العلل أن تكون التزكية حافزة على الخير، كما لو كان الرجل يُعلم من حاله أنه إذا أثني عليه بكلمة تشجع واستمر في الخير الذي هو فيه، فإذا كان الأمر كذلك، فحينئذ إذا زكي هذا الشخص حتى يستمر في الخير الذي هو فيه استحب ذلك، وقد دلت على ذلك جملة نصوص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كقوله صلى الله عليه وسلم لـعمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إن الشيطان يفر منك يا ابن الخطاب! )، وقال عليه الصلاة والسلام: (أتيت بقدح لبن فشربته ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب . قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: العلم).

    وقال صلى الله عليه وسلم: (رأيت الناس وعليهم قمص، فمنهم من يبلغ القميص إلى ثدييه، ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم ما بين ذلك ورأيت عمر وعليه ثوب يجره. قالوا: فما أوَّلْت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين).

    وقال صلى الله عليه وسلم في علي رضي الله عنه: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله يفتح الله على يديه).

    وقال صلى الله عليه وسلم في شأن أبي بكر : (ما أحدٌ أمنّ عليّ في صحبته وماله من أبي بكر الصديق) رضي لله تعالى عنه.

    وقال في أبي ذر رضي الله عنه: (ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر )، وكل ذلك من الثناء.

    وقال عثمان رضي الله تعالى عنه مثنياً على نفسه أمام الذين حاصروه: ألم تسمعوا رسول الله وقد قال: (من حفر بئر رومة فله الجنة) فحفرتها؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: (من جهّز جيش العسرة فله الجنة) فجهزته؟ فكل هذا يدل على مشروعية التزكية إن احتيج إليها، فإن لم يحتج إليها فالمنع هو الأولى -والله تعالى أعلم- لما فيه من قطع الأعناق.

    وقد درج بعض السلف على إطلاق ألقاب على بعض أهل العلم في أزمانهم، وتبعهم ذلك بعض الخلف ولا بيان لهم من كتاب الله تعالى، أو من أفعال أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم يؤيد هذا المستند، كأن يقول أحدهم: العالم الفذّ، الحجّة، وحيد دهره وسيد عصره، ويسطر سطوراً في الثناء، ولا يقول مثل هذا في أبي بكر ، ولا في عمر رضي الله تعالى عنهما ولا في التابعين!

    فالإطراء البالغ بهذه الصورة أقرب إلى الذم منه إلى المدح، والله تعالى أعلم.

    قال تعالى: بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ [النساء:49] فهذا الأمر متروكٌ لله سبحانه وتعالى فهو الذي يرفع ويخفض.

    وقوله تعالى: وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا [النساء:49] أي: لا تظنون أنكم بترككم تزكية بعضكم أن بعضكم سوف يظلم، بل الله سبحانه وتعالى يدخر الأجور للعاملين، فهو أعلم، وهو الذي يجازي، وهو الذي يثيب سبحانه وتعالى. والفتيل: هو الخيط الرفيع الذي يكون بين فلقتي نواة التمر، فقوله تعالى: (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا) أي: قدر الفتيل.

    قال تعالى: انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ [النساء:50]، أي: هؤلاء الذين يزكون أنفسهم كثير منهم يفترون على الله الكذب، وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا [النساء:50]، وهذه في شأن أقوام دون أقوام آخرين على ما سيأتي بيانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب...)

    قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء:51-52].

    قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ [النساء:51] هم أهل العلم من اليهود.

    قوله تعالى: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [النساء:51] لأهل العلم أقوال في الجبت والطاغوت، فمنهم من يقول: الجبت: الشيطان، والطاغوت: الساحر، وثمّ أقوالٌ غير ذلك.

    والأصل في معنى الطاغوت هو: كل من تجاوز الحد في الطغيان، كما قال تعالى لموسى عليه السلام: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه:24] أي: تجاوز الحد في الظلم، وقال تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ [الحاقة:11] أي: زاد الماء، وقال تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا [الشمس:11]، أي: شدة ظلمها.

    وأما الشيعة أهل الرفض، وأهل الخبث والإجرام، قاتلهم الله تعالى! فيؤولون الجبت والطاغوت بـأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويجعلون صلاتهم وتسليمهم البغيض المقيت لعن أميري المؤمنين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فيقولون: اللهم العن صنمي قريش وجبتيهما وطاغوتيها وابنتيهما، ويعنون: أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهذا تفسير في غاية البطلان، فالذي قال الله فيه: إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة:40] يقولون: إنه الجبت! فكيف يتضارب كتاب الله على هذا النحو عندهم.

    وأسقط من ذلك تفاسيرهم تفسيرهم البقرة التي أُمر قوم موسى بذبحها أنها عائشة، وهذا من عمى البصائر، فأين عائشة رضي الله عنها من زمن موسى صلى الله عليه وسلم؟!

    فالطاغوت: كل من تجاوز الحد في الظلم، شيطاناً كان أو ساحراً أو كاهناً أو حاكماً بغير ما أنزل الله أو رجلاً جباراً ظالماً قاتلاً للنفس، فكل ذلك محتمل وداخلٌ في الآية.

    ومن العلماء من قال: إنه كعب بن الأشراف؛ لأنه كان طاغوتاً مطاعاً في اليهود.

    قال تعالى: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء:51].

    قوله تعالى: وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [النساء:51] أي: من أهل مكة: هَؤُلاءِ [ النساء:51] أي: أهل مكة أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء:51].

    وقد ورد في أسانيد ينظر فيها أن أبا سفيان وبعض وجهاء مكة قالوا: نذهب إلى أهل الكتاب نسألهم عن محمد وشأن محمد، فإن هؤلاء أهل كتاب أعلم به منا، فذهبوا إلى كعب بن الأشرف وغيره من وجهاء اليهود فسألوهم: يا معشر يهود! أنحن على حق وخير أم محمد هو الذي على الحق والخير؟

    فقالت اليهود: أنتم -يا معشر قريش- أهدى من محمد وأصحاب محمد وأفضل طريقة، فأنتم تسقون الحجيج، وهم يقطعون الأرحام -بزعمهم-، إلى غير ذلك من الأساليب التي سلكها اليهود لإغواء الناس وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا [النساء:51]. قال تعالى: أُوْلَئِكَ [النساء:52] أي: هؤلاء اليهود الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [النساء:52]، ضلّال على علم، فقوله تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [النساء:52] يدل على أن اليهود كما أنهم مغضوب عليهم، فهم ملعونون، وتفسير الرسول عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7] بأن (غير المغضوب عليهم) هم اليهود، و(الضالين) النصارى؛ ليس معناه أن النصارى غير مغضوبٍ عليهم، بل هم كذلك مغضوب عليهم، وليس معناه أن اليهود غير ضالين، بل هم ضالون أيضاً، ولكنهم اختصوا بمزيد من غضب الله تعالى واللعنة عليهم جميعاً.

    ومعنى: (الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ) أي: طردهم الله من رحمته، وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء:52].

    قال تعالى: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ [النساء:53] أي: هل لهم تدخلٌ في ملك الله أو في إعطاء الملك من أحد ونزعه من أحد؟ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا [النساء:53].

    والنقير كما قال بعض العلماء: النقطة الصغيرة التي تكون على ظهر النواة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله...)

    قال تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54] فاليهود حسدوا العرب، وهم والعرب أبناء عمٍ، فأبو اليهود هو إسرائيل بن إسحاق، وإسحاق أخٌ لإسماعيل، ومن إسماعيل جاء محمد صلى الله عليه وسلم، ومن إسحاق جاءت كل أنبياء بني إسرائيل، فحسدت اليهود العرب على ما آتاهم الله من فضله، فكانوا يتوقعون أن يخرج النبي منهم، كما قال تعالى: وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [البقرة:89] أي: يقولون لهم سيخرج نبيٌ نتبعه، ونقتلكم قتل عادٍ وإرم فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا [البقرة:89] وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وكان من غيرهم، فلم يكن يهودياً، بل كان من العرب كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ [البقرة:89].

    فالناس المحسودون هنا: هم العرب، وكلمة (الناس) قد يراد بها العموم، وقد يراد بها الخصوص، فمن مجيئها بمعنى العموم قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الحج:1]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [النساء:1]، ومن مجيئها بمعنى الخصوص قوله تعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران:173]، فهنا ثلاثة أصناف من الناس، وكل صنفٍ له معنى، فالمقول لهم هم: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم، والقائلون لهم: هم أهل النفاق، والذين جمعوا لهم: هم أهل الشرك.

    فالناس المحسودون هنا: هم العرب، أو هم أهل الإسلام، أو بني هاشم، والشاهد أنهم الذين منهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا منزل على النبوة، ثم الآية عامة، فكل من حسد الآخرين داخل في الآية، اللهم إلا حسد أهل الكفر وتمني زوال النعمة عنهم، فهذا له مستندات شرعية.

    وهذه ثاني آية في كتاب الله تعالى ذكر فيها الحسد صريحاً، فالأولى: قوله تعالى في سورة البقرة: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ [البقرة:109].

    والثانية: قوله تعالى هنا: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [النساء:54].

    والثالثة: قوله تعالى في سورة الفتح: فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا [الفتح:15].

    والرابعة: قوله تعالى في سورة الفلق: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ [الفلق:5]، فالحسد ذكر في كتاب الله صريحاً في هذه الآيات، وذكر تلميحاً في آيات أخر كقوله تعالى: فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ [المائدة:27]، وقوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5]، وقوله تعالى: وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ [القلم:51]، وقوله تعالى: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31]، فهذه الآيات تلمح وتشير إلى الحسد.

    وذكر الحسد في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت في جملة أحاديث، منها: (باسم الله أرقيك، من كل شيءٍ يؤذيك، ومن شر كل نفس وعين حاسدٍ الله يشفيك)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (علام يحسد أحدكم أخاه؟)، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

    وقيل للحسن البصري رحمه الله: أيحسد المؤمن؟ قال: سبحان الله! ما أنساك لإخوة يوسف حين قال يعقوب عليه السلام: يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا [يوسف:5].

    قوله تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ [النساء:54] أي: ما أعطاهم الله تعالى من فضله، فإن كان كذلك فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [النساء:54]، أي: إن كنتم تحسدون العرب على ما آتاهم الله تعالى من نبوة فيهم، وكفرتم بهذا النبي من أجل أنه عربي وليس منكم، فما بالكم قد جاءت فيكم النبوة، إذ أنتم من آل إبراهيم، فمنكم من آمن ومنكم من صد؟! فلماذا لم تؤمنوا إذا كانت المشكلة التي حصلت هي إرسال محمد صلى الله عليه وسلم من العرب؟

    فإذا كانت هذه علتكم وحجتكم فهي علة داحضةٌ وحجة باطلة، فقد جاءكم أنبياء من آل إبراهيم ليسوا من ذرية إسماعيل، بل من ذرية إسحاق وإسرائيل، فما بالكم كفرتم بهم؟

    قال النبي عليه الصلاة والسلام: (كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، كلما مات نبي خلفه نبيٌ آخر) فكذبوا بعض هؤلاء الأنبياء، وقتلوا فريقاً منهم، فاليهود أهل الغدر والخيانات كما وصفهم الله في كتابه.

    ويؤخذ من عموم الآية أن على الشخص إذا رأى من أخيه المسلم شيئاً يعجبه أن يبرك كما قال تعالى حكاية عن الرجل الصالح: وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ [الكهف:39] أي: إذا خشيت الحسد قل: (ما شاء الله لا قوة إلا بالله).

    قوله تعالى: وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا [النساء:54]، كملك سليمان وملك داود عليهما السلام، فكان ملكاً عظيماً، وأي ملك أعظم من أن تسخر له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب، والشياطين كل بناء وغواص؟!

    وأي ملك أعظم من أن يفهم الشخص لغة الطير وسائر الدواب وكلها تخضع له بإذن الله عز وجل؟! وأي ملك أعظم من أن يلين الحديد في يد شخص يتصرف فيه بيديه كيف يشاء كالحبال وكالماء؟!

    وأي ملك أعظم من أن تقوم تسبح فتسبح الجبال معك والطير، وتسبح الدواب معك؟! ومع هذا الملك قال تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ [النساء:55]، فكفروا بسليمان عليه السلام، وقالوا: سليمان كان ساحراً وأخضع الجن بسحره، فقال تعالى: وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ [البقرة:102]، فإن كنتم لم تؤمنوا لأن محمداً صلى الله عليه وسلم فقير، فقد جاءكم نبي مَلَك الأرض بإذن الله تعالى، وملك الدواب بإذن الله تعالى، وسخرت له الريح، ومع ذلك كفرتم به ووصفتموه بأنه ساحر، وبأنه عبّد الشياطين بأنواع من السحر والشعوذة!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً...)

    قال الله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56]، هذا خبر يراد منه التهديد، والآية ردٌ قوي على القائلين بفناء النار، فرب العزة جل جلاله يقول: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:56]، كما يرد قولهم قوله تعالى: وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ [الحجر:48]، وقوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا [السجدة:20]، وجاء أنه يوقف الموت على قنطرة بين الجنة والنار في صورة كبش أملح، ثم ينادى: يا أهل النار! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. هذا الموت، وينادى: يا أهل الجنة! هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. هذا الموت، وكلهم ينظر إليه، فيذبح الموت على قنطرة بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة! خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، وتلا النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [مريم:39].

    فكل هذه الأدلة ترد على القائلين بفناء النار، وهناك ما يقرب من عشرين أو ثلاثين دليلاً على إبطال هذا القول.

    وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء:56] العزيز: هو عظيم الجناب منيع السلطان، الذي لا يمانع ولا يخالف.

    و(حكيماً) أي: في تصرفه سبحانه وتعالى، وتفسير الحكمة في حق البشر: أنها هي التي تمنع صاحبها عن كل ما يشينه ويسيء إليه، وقد يكون هذا المعنى لغوياً، وقد يكون شرعياً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات...)

    قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا [النساء:57].

    بعد أن ذكر تعالى عقاب أهل النار ذكر ثواب أهل الجنة، فأتى بهذا بعد هذا، فذكر عقوبة الكافرين، ثم ذكر جزاء المؤمنين يسميه العلماء مقابلة، وقد وصف الله القرآن بأنه مثاني، قال بعض أهل العلم: لأنه يأتي بعقوبة الكافرين ثم يأتي بجزاء المؤمنين، ونحوه قوله تعالى: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ [ص:57]، فالحميم: شديد الحرارة جداً، والغساق: شديد البرودة جداً، وثمَّ أقوال أخر في تفسير المثاني.

    وفي قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ردٌ على من قال: إن المجنون أفضل من المؤمن العاقل، وذلك لأن المؤمن العاقل عامل للصالحات، ونصوص الوعد والثواب جاءت له، ومنها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا [الكهف:107]، وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ [يونس:9]، فقيد الإيمان بالعمل الصالح، والمجنون لم يعمل صالحاً، فالقول بأنه أفضل من المؤمن العاقل الذي عمل صالحاً قولٌ بلا علم، والمجنون أمره إلى الله تعالى؛ لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أربعةٌ يدلون بحججهم عند الله سبحانه وتعالى، وذكر منهم رجلاً مجنوناً يقول: يا رب! أتى رسولك وأنا رجل لا أفقه، فيختبر بجنة ونار، ثم يؤمر باقتحام النار، فإن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، وإن لم يدخلها عُذّب)، أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    كما أن التكريم بعمل الصالحات في هذه الآية وفي غيرها يبطل أقوال المتصوفة الذين يقولون بخلاف ذلك، كمن يصلي إلى غير القبلة، ويزعم أنه ولي من أولياء الله تعالى، أو يصلي وهو يبول على نفسه في الصلاة! كما يفعله صاحب قرية ميت الكرماء واسمه: السيد العسكري، فهو يصلي إلى غير القبلة أمام الناس كلهم، ويبول في الصلاة، ويصلي في الخيش القذرة، ومع ذلك يعبده أهل ميت الكرماء إلا من رحم الله منهم، ويزعمون أنه من أولياء الله الصالحين، بل هو من الفجار في الظاهر، والحكم عند الله سبحانه وتعالى يقضي فيه بما يشاء.

    وقوله تعالى: لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ [النساء:57] الأزواج قد تطلق على النساء، وقد يأتي الزوج بمعنى الصنف، كقوله تعالى: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ:8]، ومن أهل العلم من قسر الأزواج في قوله تعالى: : وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ:8] فقال: أي: ذكراً وأنثى، ومنهم من عمم التفسير وقال: إن أزواجاً معناها أصنافاً، والتفسير الأعم أولى من التفسير ببعض المفردات في كثير من الأحيان، فالأخذ بالعموم في هذا التأويل أولى من الأخذ بالخصوص؛ لأنه يدخل فيه الخصوص، فمعنى قوله تعالى: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ:8] أي: أصنافاً، فمنكم الذكر ومنكم الأنثى، ومنكم القوي ومنكم الضعيف، ومنكم العزيز ومنكم الذليل، ومنكم الجميل ومنكم الدميم، إلى غير ذلك.

    وأحياناً يتعين التفسير بالخصوص في بعض المفردات كما في قوله تعالى هنا: لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ [النساء:57]، فالأزواج هنا لا بد أن تحمل على النساء بقرينة وهي: (مُطَهَّرَة )، ومعنى: (مُطَهَّرَة ) قال فريق من العلماء: مطهرة من البول والحيض والبزاق والتفل ونحو ذلك، وقد جاء في ذلك خبرٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو قوله: (أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، لا يبزقون فيها، ولا يبولون ولا يمتخطون)، ومن أهل العلم من قال: مطهرة أيضاً من الغل والأحقاد، وصنوف الحيل والمكر التي تتسرب إلى نساء الدنيا.

    1.   

    الأسئلة

    لبس الخاتم في الأصبع الوسطى

    السؤال: ما حكم لبس الخاتم في الإصبع الوسطى؟

    الجواب: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التختم في الوسطى والتي تليها)، وهذا بالنسبة للرجال، وأما بالنسبة للنساء فقد قال جمهور أهل العلم: إن المرأة يحق لها ويشرع لها أن تتختم في أي إصبع كان، في الأوسط أو في غير الأوسط، وحملوا حديث النبي عليه الصلاة والسلام أنه: (نهى عن التختم في الوسطى والتي تليها) على أنه خاص بالرجال.

    تشبيك الأصابع في المسجد وما ورد فيه

    السؤال: ما حكم تشبيك الأصابع في المسجد؟

    الجواب: ورد في هذا حديث فيه: (إذا عمد أحدكم إلى الصلاة أو إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه)، ومن أهل العلم من حسن هذا الحديث، وبنى عليه تحريم أو كراهية تشبيك الإصبع في المسجد وعند القدوم إلى المسجد، بينما جنح الإمام البخاري رحمه الله تعالى إلى الغمز في هذا الحديث بإيراده حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كيف بك -يا عبد الله بن عمرو- إذا بقيت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وخفت أمانتهم، وأصبحوا هكذا، وشبك النبي صلى الله عليه وسلم بين أصابعه)، وهذا من ناحية الصحة أصح بلا شك من حديث: (إذا عمد أحدكم إلى المسجد فلا يشبكن بين أصابعه)، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما أورده الإمام البخاري رحمه الله تعالى وغيره: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه)، وهذا من ناحية القوة أقوى بلا شك من حديث: (إذا عمد أحدكم إلى الصلاة فلا يشبكن بين أصابعه)، فإذا بنينا على أن حديث: (إذا عمد أحدكم إلى الصلاة فلا يشبكن بين أصابعه) حديث حسن، فإما أن يقال: إن هذا في الطريق من البيت إلى المسجد، وإما أن يقال: إن الأمر للكراهة وليس للتحريم؛ للصوارف القوية التي صرفته عن التحريم، والله تعالى أعلم.

    حديث المجروح حين اغتسل فمات

    السؤال: ما صحة حديث: (قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال) ؟

    الجواب: الحديث ضعيف لاضطرابه، وقد فصلت ذلك في تحقيق رسالة (إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد) فليراجعه من شاء.

    المسح على الجبيرة

    السؤال: ما حكم المسح على الجبيرة؟

    الجواب: بعد أن ثبت تضعيف حديث الجبيرة لضعف في أسانيده وفي متنه، بقيت مسألة المسح على الجبيرة مبنية على النظر في عمومات أخرى، فمن أهل العلم من قال: إن الشخص يتوضأ ويمسح على الجبيرة، أي: الجزء الذي جُبّس، فيتوضأ ويغسل كل الأعضاء، ويأتي إلى الجزء المجبس فيمسح عليه، واستدل بعموم قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، ومن أهل العلم من قال: يتيمم عن الجميع، فيضرب بيديه في الأرض ويمسح بهما وجهه وكفيه، فهذان قولان مشهوران للعلماء: أحدهما: أنك تتيمم وهذا التيمم يجزئ عن الوضوء كله، والآخر: أنك تتوضأ وتمسح على الجبيرة، ومنهم من قال: تتوضأ وتتيمم للجبيرة، فأصبحت ثلاثة أقوال، والدليل الصريح لا يقضي بتفضيل أحدها على الآخر، والله تعالى أعلم.

    البدء بغسل القبل والدبر عند الاستنجاء

    السؤال: هل السنة في الاستنجاء أن يُبدأ بالقبل أم بالدبر؟

    الجواب: لا أعلم في ذلك شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر -والله تعالى أعلم- أن الأمر واسع، فتبدأ بالقبل أو بالدبر، والأمر يسير، والله تعالى أعلم.

    حكم من طلق زوجته لفظاً وكتابة للمرة الثانية

    السؤال: رجلٌ طلق زوجته لفظاً وكتابةً للمرة الثانية، وانتهت مدة العدة، فهل يمكن مراجعتها؟ وما هي الطريقة؟

    الجواب: نعم. تراجع لكن بعقد جديد وبصداق جديد وبولي وشهود، ونحو هذه القصة وقعت لـمعقل بن يسار مع أخته فقد قال -كما في الصحيح-: (زوجت أختاً لي من رجل فأكرمته، فطلقها ثم تركها حتى انقضت عدتها ثم جاء يخطبها إليّ، فقلت له: زوجتك وأكرمتك، ثم طلقتها وتركتها فلم تراجعها حتى انقضت عدتها ثم جئت تخطبها إليّ! والله لا أزوجك أبداً، فأنزل الله سبحانه وتعالى: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:232].

    فيجوز له أن يرجع إليها بعقد جديد وبمهر جديد وبولي وشهود، ويبني على التطليق السابق، فله طلقة واحدة، فإن طلقها بانت منه، ولا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، لكن إن كان طلقها مرتين، ثم تزوجت بشخص آخر فدخل بها الزوج الجديد وجامعها، ثم طلقها ورجعت إلى الزوج الأول، فهذه قريبة من مسألة الهدم، وإن كانت ليست صريحة فيها، فالنكاح الجديد يهدم التطليقتين الأوليين، ويبدأ من جديد في احتساب ثلاث تطليقات.

    صلة الجار المرتكب للكبائر والمطلوب نحوه

    السؤال: جارٌ لي مريض، ولكن طبيعته سب الدين وتعاطي المخدرات والتجارة فيها ولا يصلي، فكيف أتعامل معه؟

    الجواب: نعوذ بالله تعالى! فكل الموبقات عنده مجتمعة، ولكن مع ذلك الجار له حق، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، قال القرطبي وغيره من أهل العلم: ولم يفصل النبي صلى الله عليه وسلم بين الجار المسلم وبين الجار الكافر.

    ورب العزة كذلك قال: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]، إلى قوله تعالى: وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ [النساء:36]، فالنصوص جاءت عامة تحث على الإحسان إلى الجار، ولكن إذا كان بهذه الصورة المذكورة، فالتعامل معه بما يصلحه في دينه ودنياه، فإن علمت أنك بزيارتك له تصلح من شأنه، وتخفف المفاسد التي هو فيها فصله واحتسب صلتك عند الله سبحانه وتعالى.

    وإن كنت تخشى على نفسك مضرةً في دينك، وتخشى على نفسك إن دخلت بيته أن تتلوث وتقع في فواحش مع النساء، ويسحبك الشيطان من جانب الإصلاح فيوقعك في جانب الفاحشة وأنت لا تشعر، فحينئذٍ اجتنب واتق الله تعالى ما استطعت، فالمسألة مبنية على مسألة توقع المصلحة أو المفسدة الناتجة من الزيارة، والعلم عند الله تعالى.