إسلام ويب

تفسير سورة النساء [22-23]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • عدد الله في كتابه الكثير من المحرمات، ومن تلك المحرمات: نساء يحرم على الرجل نكاحهن، وهن سبع من النسب وسبع من الرضاع وأربع من المصاهرة، كل ذلك حفاظاً للأنساب وصيانة للأعراض، ومخالفة لما كان عليه أهل الجاهلية من الاستهانة بذلك، وقد اعتنى أهل العلم ببيان ذلك خاصة بالمحرمات من الرضاع؛ لكثرة خلط الناس فيها، واشتباه الأمور فيها على كثير من الناس.

    1.   

    حكم نكاح زوجة الأب

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    وبعد:

    يقول الله سبحانه في كتابه الكريم في بيان المحرمات من النساء: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22].

    المراد بالنكاح في قوله تعالى: مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاء عقد التزويج، فإذا عقد الأب على امرأة حرمت هذه المرأة على جميع أولاده بالإجماع، سواء دخل بها الأب أو لم يدخل بها.

    وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ أي: لا تتزوجوا من تزوجهن آباؤكم، سواء دخل الآباء بهن أو لم يدخلوا.

    إن ذلك كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا .

    فإن قال قائل: لماذا صُدِّرت المحرمات بقوله تعالى: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ولم تصُدَّر بتحريم الأمهات، مع أن نكاح الأمهات أخطر وأشد جرماً من نكاح امرأة الأب، فرجل تزوج امرأة أبيه أقل جرماً من رجل تزوج بأمه، فلماذا صُدِّرت الآية بتحريم امرأة الأب؟

    قال فريق من أهل العلم: صدرت الآية بتحريم نكاح امرأة الأب؛ لأن المشركين كانوا يحرمون ما حرم الله ورسوله إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فجاءت الآية علاجاً لوضع تفشّى في الناس، ولذلك قدمت امرأة الأب على الأم، ولم نجد أحداً من المشركين تزوج أمه إلا طائفة من الهنود وأهل الزيغ من البهرة الذين يثنون على إمامهم، فيقولون:

    أحل البنات مع الأمهات ومن فضله زاد حل الصبي

    فالذين يحلون نكاح الأمهات طائفة من الهنود وطائفة من المجوس، أما المشركون فكانوا يحرمون الأمهات، لكن لا يحرمون امرأة الأب، ولا يحرمون الجمع بين الأختين، فصدرت المحرمات بقوله تعالى: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22] ، قال بعض أهل العلم: (إلا) هنا بمعنى لكن، أي: لكن ما قد سلف منكم في جاهليتكم فقد عفونا لكم عنه إذا فارقتموهن.

    (إنه) أي: إن نكاح امرأة الأب كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا ، فقد تزوج عمرو بن أمية الضمري امرأة أبيه، وكان له أخ من أبيه يقال له: أبو العيش ، فمات أبوه فتزوج عمرو بن أميه الضمري امرأة أبيه التي هي أم أبي العيش ، فولدت له مسافراً ، فكان مسافر أخاً لـأبي العيش من الأم، وأبو العيش عمه إذ هو أخو أبوه، فكان هذا يسبب مقتاً -عياذاً بالله منه- وقد قال البراء بن عازب : (رأيت خالي الحارث ومعه لواء قد عقد، فقلت له: إلى أين تذهب؟ قال: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلان عرَّس بامرأة أبيه كي أضرب عنقه) . هذا ما يتعلق بهذه الآية الكريمة، والله أعلم.

    حكم المرأة التي زنى بها الأب

    تأتي تفريعات على ما سبق، منها: إذا زنى الأب بامرأة هل يجوز لولده أن يتزوجها؟

    هذا مبني على تفسير النكاح في قوله تعالى: مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ، هل المراد بالنكاح الوطء، أم المراد به عقد التزويج؟

    قال كثير من أهل العلم: إن المراد به عقد التزويج. ولكن منع كثير منهم زواج الرجل من المرأة التي زنى بها أبوه تَكْرُمة للأب. وقال الآخرون: إن الحرام لا يحرم حلالاً، ولم يرد نص صريح يحرم التي زنى بها الأب، وكيف نكرّم أباً زانياً؟!! فلا كرامة له أصلاً.

    1.   

    المحرمات من النساء

    المحرمات في الشرع على ثلاثة أقسام:

    محرمات بالنسب، ومحرمات بالرضاع، ومحرمات بالمصاهرة.

    المحرمات من النساء بالنسب

    أما المحرمات بالنسب: فسبع، والمحرمات بالرضاع: سبع أيضاً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، والمحرمات بالمصاهرة: أربع: امرأة الأب، وامرأة الابن، وأم الزوجة، وبنت الزوجة، هؤلاء المحرمات بالمصاهرة، وامرأة الأب سواء دخل بها الأب أو لم يدخل، قال سبحانه: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [النساء:23]، وهذا في بيان المحرمات بالنسب، فقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ، نص قطعي الدلالة بالتحريم، وقد تقدم أن النصوص التي تحرم على قسمين: نصوص ظنية الدلالة في التحريم، ونصوص قطعية الدلالة في التحريم.

    فقوله تعالى: (حُرِّمَتْ): نص قطعي الدلالة في التحريم، لكن إذا قال لك قائل: هل السجائر حرام أو ليست بحرام؟ فإن قلت: إنها حرام، فهو استنباط من النصوص؛ كحديث (لا ضرر ولا ضرار)، وقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، وقوله تعالى: إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ [الإسراء:27]، هذه النصوص ليست قطعية الدلالة في التحريم إنما هي ظنية الدلالة.

    فنصوص التحريم على قسمين: إما قطعي الدلالة؛ كأحل الله كذا أو حرم الله كذا، أو ظني الدلالة كالذي سمعتموه، فقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)، أي: حرم عليكم نكاح أمهاتكم، فهنا مقدر محذوف في الآية، لابد أن تقدر شيئاً، فالرضاع من أمهاتنا حلال، فلا يقول شخص: حرم عليكم الرضاع من أمهاتكم، ولا يقول شخص: حرمت عليكم السكنى مع أمهاتكم، لكن هنا مقدر اتفق عليه العلماء وهو: حرم عليكم نكاح أمهاتكم، أو حرمت عليكم أمهاتكم أن تنكحوهن، والتقدير المحذوف يرد كثيراً في القرآن، بل وفي لغة العرب، وقد مُلئت لغة العرب بالتقديرات المحذوفة التي فهمت من السياق، كما في قول الشاعر:

    وسبحت المدينة لا تلمها رأت قمراً بسوقهم نهارا

    أي: فسبح أهل المدينة، ومثل: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف:82] أي: واسأل أهل القرية.

    قال الله سبحانه وتعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ) والمراد بالأم هنا: الأم التي ولدت، وهي مبهمة لا تحل بأي حال من الأحوال، وليس هناك أي منطق تحل به الأم، وليست هناك أي وسيلة تستطيع بها أن تتزوج أمك، فسميت مبهمة لانسداد الطرق الموصلة إلى نكاحها، فلا تحل بأي حالٍ من الأحوال.

    ويقصد الأم وإن علت، أم الأم، وأم الأب، وأم الجد، وهي أولى المحرمات بالنسب.

    وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23]، المراد بهن: البنات للأصلاب ليس المراد بنات التبني، فإذا تبنيت طفلة وألحقتها بك يحل لك أن تتزوجها، فالتبني لا يحرم إنما المحرم هنا البنت للصلب -يرحمك الله- وهي أيضاً مبهمة، أي: أن ابنتك لا تحل لك بأي حال من الأحوال.

    ويلحق بالبنت هنا مسألةٌ نبهنا من قبل على أن قدم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى زلت فيها، وهي مسألة البنت المخلوقة من ماء الزاني، يعني رجلٌ زنى بامرأة فولدت له بنتاً، هذه بنت الزنا هل يحل للزاني أن يتزوجها؟

    الجمهور من العلماء قالوا: لا، بل يحرم عليه أن يتزوجها، والإمام الشافعي رحمه الله وعفا عنه يرى جواز ذلك، وقاس النكاح على الميراث، قال: كما أنها لا ترث شرعاً إذاً يجوز التزوج بها كما أنها لا ترث، إذاً: فهي أجنبية ويجوز التزوج بها، فتعقب بتعقباتٍ لاذعة، إلى أن قال الشاعر الذي يتستر ويخفي مذهبه:

    إن يسألوا عن مذهبي لم أبح به وأكتمه كتمانه لي أسلم

    إلى أن قال:

    فإن شافعياً قلت قالوا: بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم

    فهذا مراده بهذه الجزئية، (أبيح نكاح البنت) أي: المخلوقة من ماء الزاني، والبنت تحرم، ومن العلماء من قال: إن الشافعي قال: إنني أكره نكاحها ولم يقطع بالتحريم أو بالإباحة، ولكن هذا هو الثابت عند الشافعية، وقد حاول الحافظ ابن كثير -باعتباره شافعي المذهب- أن ينتصر بعض الانتصار أو يومئ بعض الإيماء إلى سلامة ما اختاره الشافعي في هذا، لكن المشهور عند الشافعية الإباحة، أما الجمهور فعلى المنع، وقد احتج شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله للمنع بما حاصله: ليست كل من لا ترث يحل الزواج بها؛ فأمك من الرضاعة لا ترث ولا يحل لك أن تتزوج بها، وابنتك من الرضاعة لا ترث ولا يحل لك الزواج بها، وأطال النفس في تعقباته على هذا الرأي، والله أعلم.

    حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23]، وهي الثانية من المحرمات، وهي مبهمة أيضاً من المحرمات بالنسب.

    وَأَخَوَاتُكُمْ [النساء:23] سواء الأخت الشقيقة أو الأخت لأم أو الأخت لأب محرمة، وهي مبهمة أيضاً، أي: لا تستطيع أن تصل إلى الزواج بها بأي حال من الأحوال.

    وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ [النساء:23]، عمتك وإن علت أو عمة أبيك أو عمة جدك أو عمة أمك.

    (وخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ [النساء:23] والخالة وإن علت كما سبق في العمة، وكذلك بنات الأخ سواء كان أخاً شقيقاً أو أخاً لأمك أو أخاً لأبيك وبنات الأخت كذلك.

    فهؤلاء السبع: أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت من المحرمات بالنسب.

    المحرمات من النساء بالرضاع

    ثم قال الله سبحانه وتعالى: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء:23]، وكم رضعة أرضعتك حتى تحرم عليك؟

    هنا بحوث نذكرها بسرعة: الأول: ما هي عدد الرضعات المحرمات؟ والثاني: ما هي صفة الرضاع المحرم؟ والثالث: ما هو وقت الرضاع المحرم؟ والرابع: يتعلق بمسألةٍ يسميها العلماء: لبن الفحل.

    أما عدد الرضعات المحرمات، فقد تقدم الكلام عليها بما حاصله: أن الجمهور على أنها رضعة واحدة، لقوله تعالى: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [النساء:23] ولم يذكر عدداً: وفريق من أهل العلم يقول: إن الذي يحرم هو ثلاث رضعات مشبعات لقول النبي عليه الصلاة والسلام (لا تحرم المصة ولا المصتان، ولا الإملاجة ولا الإملاجتان)، قالوا: إذاً الذي يحرم ثلاث، والقول الثالث: أن الذي يحرم خمس رضعات لما رواه مسلم من حديث عائشة قالت: (كان فيما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم: عشر رضعات يحرمن فنسخَ بخمس رضعات معلومات يحرمن، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يتلى من القرآن). والذي يظهر من هذه الأقوال أن أصحها -والله أعلم- قول من قال: إن الخمس رضعات هي التي تحرم، فهي خمس رضعات على ما اختاره فريقٌ من أهل العلم.

    ووقت هذه الرضعات في الصغر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الرضاع ما فتق الأمعاء وأنبت اللحم ...)، وقال عليه الصلاة والسلام (إنما الرضاعة من المجاعة)، أي: الرضاعة المعتبرة هي التي تسد الجوع، ولا يكن هناك طعامٌ غيرها، وليس هناك بديل عنها.

    وقد رأت أم المؤمنين عائشة أن رضاع الكبير يحرم، مستدلة بحديث سهلة : أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: (يا رسول الله! إن سالماً مولى أبي حذيفة كان مما حيث تعلم -تربى في بيت أبي حذيفة - وإنه شب وبلغ مبلغ الشباب، وإني أرى في وجه أبي حذيفة الكراهية من دخول سالم علينا، فقال: أرضعيه -يا سهلة- تحرمي عليه، قالت: كيف أرضعه وهو ذو لحية يا رسول الله؟! قال: قد علمت، أرضعيه -يا سهلة- تحرمي عليه؛ فأرضعته فأذهب الله ما في وجه أبي حذيفة من الكراهية).

    فكانت أم المؤمنين عائشة تستدل بهذا الحديث على أن رضاع الكبير يحرم، فكانت إذا أرادت أن يدخل عليها شخصٌ أمرت إحدى قريباتها أن ترضعه فيكون محرماً لـعائشة، وأبى ذلك سائر أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، كما في سنن النسائي بسند صحيح قلن: (والله لا يدخل علينا أحدٌ أبداً بتلك الرضعة، إنما هذا شيءٌ خاصٌ بـ سالم).

    فالجمهور منعوا من إرضاع الكبير، وقالوا: مطلقاً، إن رضاع الكبير لا اعتبار له على الإطلاق، وأم المؤمنين عائشة رأت جوازه على الإطلاق، وتوسط قومٌ فقالوا: له اعتبار عند الضرورات، والجمهور استدلوا بقوله تعالى: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233]، قالوا: فتمام الرضاعة عند الحولين ولا اعتبار للرضاعة بما بعدها، والله أعلم.

    أما صفة الرضاع المحرم: فالجمهور من العلماء على أن كل رضاع يحرم، سواء مص الصبي اللبن من ثدي المرأة، أو وضع له اللبن في كوب وشربه، أو صنع له مع طعام وخلط له مع طعامٍ وأكله، كل ذلك يحرم. أما ابن حزم رحمه الله فتمسك بمعنى الرضاع اللغوي، فقال: لا يحرم إلا إذا مصه الطفل من الثدي، فعلى ذلك قال: لو وضع له لبن المرأة في كوب ثم شربه لا تحرم عليه المرأة، وهذا مبنيٌ على ظاهريته المشهورة، كالمسألة المشهورة عنه في البول في الماء الراكد، قال: إن النبي نهى عن البول في الماء الراكد، لكن إذا بلت في كوب وخلطت الكوب في الماء الراكد فلا حرج. وهذه ظاهرية جلدة لا يوافق عليها أبو محمد ابن حزم بحالٍ من الأحوال، وأبشع منها ظاهريته المنقولة في مسألة استئذان البكر والثيب، يقول: إن البكر إذا طُلبت للنكاح واستأذنت فإن قالت: أنا موافقة، فالعقد باطل! وإن قالت: غير موافقة، فالعقد باطل! ماذا تقول إذاً؟! قال: تسكت؛ لأن الرسول قال: (تستأذن البكر، قيل: إنها تستحي يا رسول الله! قال: إذنها صماتها)، فقال ابن حزم : إذا تكلمت سواء رفضاً أو إيجاباً فالعقد باطل، وهذه من الزلات الخطيرة، فلو أمعن النظر في الحديث لوجد أن فيه: أن البكر تستحي، فقال: (إذنها صمتها)، أي: إذن التي تستحي صمتها، أما التي لا تستحي فتقول: أنا موافقة، وهذا من الشذوذ ومن الفقه البارد في هذه الجزئية، نسأل الله العافية والسلامة! لكن لا يمنع أن يكون لـابن حزم آراء مسددة في كثير من المسائل.

    إذاً: يحصل الرضاع: سواء رضع اللبن في قدر، أو خلط بطعامٍ، أو شربه الطفل من الثدي، كل ذلك يحرم إذا انطبقت سائر الشروط.

    أما مسألة لبن الفحل فقد تقدم شرحها، وصورة لبن الفحل نضرب لها مثالاً واحداً وليس على سبيل الحصر: رجلٌ له زوجتان، الزوجة الأولى أرضعت ولداً أجنبياً بعيداً عن الزوج وعن الزوجة الثانية، والزوجة الثانية أرضعت بنتاً أجنبية فهذا الولد الأجنبي لم يجتمع على الثدي مع الطفلة، إنما هو رضع من امرأة والطفلة رضعت من امرأة، لكن اللبن الذي در لهذه المرأة إنما جاء بسبب الفحل وهو الرجل، فيكون هذا الولد أخاً لتلك البنت من الأب في الرضاعة فيحرم عليها. وهذه المسألة يسميها العلماء لبن الفحل، دليلها من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخرجه البخاري وغيره من حديث عائشة : أن أفلح أخا أبي القعيص جاء يستأذن عليها فلم تأذن له، وأبو القعيص هو زوج المرأة التي رضعت منها عائشة إذاً: أبو القعيص نفسه أبو عائشة من الرضاعة؛ لأنها رضعت من لبن زوجته، ويكون أفلح عم عائشة من الرضاعة، فجاء أفلح يستأذن على عائشة فرفضت أن تدخله البيت، فلما جاء الرسول عليه الصلاة والسلام قالت: (يا رسول الله! إن أفلح أخا أبي القعيص يستأذن أن يدخل عليَّ قال: ائذني له إنه عمك، قالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل يا رسول الله! قال: قد علمت؛ إنه عمك فليلج عليك) أي: ليدخل عليك.

    تلخص من مسألة لبن الفحل: أن كل من اجتمع على ثدي المرأة فهم إخوة لبعضهم البعض من الرضاع، ولبن الفحل ينشر الحرمة والله أعلم، هذا بالنسبة لمسألة الرضاع وما يتعلق بها.

    قال الله: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23]، ذكر في الآية صنفان فقط من المحرمات بالرضاعة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، والمحرم من النسب سبع، والمحرم من الرضاع كذلك سبع، فأمك من الرضاعة حرام وكذلك أختك وعمتك وخالتك وبنات الأخ وبنات الأخت.

    المحرمات من النساء بالمصاهرة

    قال الله تعالى: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23]، يعني: إذا عقدت على امرأة حرمت عليك أمها عند الجمهور، سواء دخلت بالبنت أم لم تدخل، فأمها تحرم عليك تحريماً مؤبداً؛ لأن الله قال: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ، ولم يذكر دخلتم بهن أو لم تدخلوا بهن.

    لكن إذا عقدت على امرأة ولها بنت فلا تحرم البنت إلا إذا دخلت بأمها، لا ينعكس، فإذا عقدت على بنت حرمت عليك أمها مباشرةً دخلت بها أو لم تدخل.

    قال الله: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23]، (وربائبكم): الربيبة: بنت الزوجة.

    وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [النساء:23]، فبنت الزوجة التي دخل الشخص بأمها حرام على الشخص، وهنا في قوله تعالى: رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ، لفظ في حجوركم: هل له مفهوم أو أنه خرج مخرج الغالب؟ الجمهور يقولون: خرج مخرج الغالب، سواء كانت الربيبة في الحجر أو ليست في الحجر فهي حرام عليك إذا دخلت بأمها، لكن علي بن أبي طالب يرى غير ذلك، فقد جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين علي فوجده حزيناً قال: (إني تزوجت امرأة وماتت، فقال له علي رضي الله عنه: ألها ابنة؟ قال: نعم، قال: أين هي؟ قال: هي بالطائف -يعني: في بلد أخرى- قال: فتزوجها، قال: كيف أتزوجها وأمها كانت عندي؟ قال: إن الله يقول: رَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ [النساء:23]، فهي لم تكن في حجرك فلم تتربى عندك) فهذا رأي أمير المؤمنين علي، وهو رأي أبي محمد بن حزم ، أما الجمهور فقالوا: إنها خرجت مخرج الغالب، فمن الغالب أن الربيبة تكون في الحجر، كما في قوله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا [النور:33]، يعني لا تكره الفتاة -التي هي الأمة- على الزنا إن أرادت عفةً وتحصناً، فهب أن الفتاة التي عندك لم ترد تحصناً، هل يجوز لك أن تكرهها على البغاء؟ لا يجوز ذلك في أي حال من الأحوال، فـ(إن أردنَّ تحصناً) خرجت مخرج الغالب، فلو أن البنت قالت: لن أزني لأن الأجر قليل، لا لأنها تريد عفة، هل يجوز لك أن تجبرها؟ لا يجوز أبداً.

    ومما خرج مخرج الغالب قوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا [النساء:19] لوفرض أن امرأة مات زوجها لا يحل لك أن ترثها سواء بإذنها أو بغير إذنها، إنما المال لأوليائها.

    وكقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130] فـ(أضعافاً مضاعفة) خرجت مخرج الغالب، فيمن يقرض الآخر مبلغاً وإذا حل وقت الدين قال: سدد، قال: ما عندي سداد، قال: أؤخرك عاماً والمائة بمائتين، فنزلت الآية: لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً [آل عمران:130]، لكن ليس معناها أنه يجوز لي أن آكل الربا نصف الضعف، ومثله قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ [الإسراء:31].

    هل يجوز لي أن أقتل ولدي بغير خشية الإملاق؟ لا يجوز بحال.

    فالجمهور قالوا: إن هذه الأشياء خرجت مخرج الغالب، ومنها قوله تعالى: اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ، ولكل من القولين وجه، ورأي أمير المؤمنين أصح.

    قال الله سبحانه وتعالى: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23]، هذا في المحرمات بالمصاهرة: الربيبة، وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم، والتقييد بقوله تعالى: الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ لإخراج أبناء التبني، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإسلام متبنياً لـزيد بن حارثة، فكان يقال له: زيد بن محمد ، وكان في الجاهلية يحرم على الرجل أن يتزوج زوجة ابنه! فلما تزوج رسول الله زينب بنت جحش شنع المشركون على رسول الله تشنيعاً بليغاً، وقالوا: محمد تزوج زوجة ابنه، يعني زوجة زيد بن حارثة ؛ لأنه كان يقال له: زيد بن محمد ؛ فنزل قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ [الأحزاب:37]؛ لأنهم ليسوا أبناء حقيقيين، فهنا جاء الاحتراز بقوله تعالى: الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:23].

    فالمحرمات بالمصاهرة أربع: امرأة الأب، وامرأة الابن، وأم الزوجة، وبنت الزوجة. أما أم الزوجة فتحرم بمجرد العقد على ابنتها، لكن البنت لا تحرم إلا بالدخول بأمها، وأن تكون في حجر وليها على رأي أمير المؤمنين علي، أما زوجة الابن فتحرم بمجرد عقد الولد عليها، عند عقد الولد على امرأة أو على بنت حرمت البنت على أبيه مطلقاً، سواء دخل الولد بالبنت أو لم يدخل؛ لأن الله ما قيدها بالدخول، بل قال: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ ، وكذلك زوجة الأب، وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:23].

    وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، وجزاكم الله خيراً.

    1.   

    الأسئلة

    وجه تخصيص النكاح بالنساء

    السؤال: لِمَ قال الله عز وجل: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:22]، هل يمكن أن ينكح غير النساء؟

    الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، ما قرأت توجيه العلماء لهذه الجزئية بالذات، لكن على شاكلتها جزئيات كما في قوله تعالى: وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ [الأنعام:38]، وأي طائرٍ إذا طار يطير بجناحيه! فقالوا: إنها ذكرت تأكيداً والله أعلم، لكن لعل للعلماء في هذه الجزئية شيئاً آخر.

    التفريق بين الجامع بين الأختين وناكح زوجة أبيه

    السؤال: هل فرق الرسول بين من جمع بين الأختين ومن نكح زوجة أبيه بعد نزول آية التحريم؟

    الجواب: نعم، ثبت التفريق بذلك، لكن الأسانيد لا يحضرني الحكم عليها الآن.

    صورة إرث النساء كرهاً

    السؤال: لماذا حرم الله أن نرث النساء كرهاً؟

    الجواب: كانت المرأة إذا مات زوجها يتسابق الورثة إليها، فإذا ألقى أحدهم ثوبه عليها قبل الآخر أصبحت ملكاً له، يتصرف فيها كيف شاء، يزوجها يطلقها يعضلها يتزوجها هو، فقال الله سبحانه: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ [الأنفال:75]، فأبوها أولى بها منك لأنك أجنبي، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    موقف الشرع من الأحكام العرفية

    السؤال: ما الحكم في الجلسات العرفية التي تقام لفض المنازعات بين الناس، حيث يحكم فيها بمبلغ من المال للمظلوم؟

    الجواب: إن كانت الجلسات العرفية تقضي بشيءٍ يخالف كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مخالفة صريحة وواضحة فهي حرام، وإن كانت لا تقضي بشيء يخالف كتاب الله وسنة رسول الله فهي من الإصلاح ما لم تحرم حلالاً أو تحلل حراماً، والله أعلم.

    حكم الزواج بالأخت من الرضاعة

    السؤال: هل يجوز للرجل أن يتزوج فتاةً مع رضاعه من أمها مع العلم أنه رضع مع أختها؟

    الجواب: لا، لا يجوز، فإذا كان رضع وهو كبير يجوز، أما إذا كان رضع وهو صغير فلا يجوز، ولو اجتمع على الثدي مع المرأة سواءً الآن أو بعد عشرين سنة، يعني امرأة أرضعت طفلاً الآن وبعد عشرين سنة أرضعت طفلة فهو أخوها من الأم من الرضاعة، والله أعلم.

    موقف الشرع من المحاكمات العسكرية

    السؤال: ما رأي الشرع في المحاكمات العسكرية؟

    الجواب: المحاكم العسكرية الظاهر أنها لا تحكم بالكتاب ولا بالسنة، فما دامت لا تحكم بالكتاب ولا بالسنة فأي محكمة عسكرية أو وضعية أو أي محكمة لا تحكم بالكتاب والسنة فأحكامها شرعاً باطلة، وهي كما قال القائل:

    حكوا باطلاً وانتظوا صارمـاً فقالوا: صدقنا فقلنـا: نعم

    أمسكوا بسيف ظالم، وتكلموا كلاماً غليظاً ثم قالوا: هل نحن صح أو غلط؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    إن الله هو الذي يكشف الغم، واعلم تمام العلم أن الذي يسلط قوماً على قوم هو الله، فاطلب من ربك سبحانه وتعالى أن يفرج الهم، هو الذي يكف أذى قوم عن آخرين، فلو جئت بالأمثلة من الناحية العقلية، ما الذي يمنع أمريكا أن تحتل مصر؟ وما الذي يمنع إسرائيل أن تدخل علينا بالصواريخ والقنابل الذرية التي موجودة عندها الآن؟ هو الله، ليست قوتنا ولا شيء، فادع الله سبحانه وتعالى أن يزيل ما بك من هم وغم.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصبحه وسلم.