إسلام ويب

تأملات في سورة الطلاق [2]للشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مسألة الطلاق من المسائل المهمة التي أولتها الشريعة اهتماماً بالغاً، ومن الدلائل على أهمية هذه القضية أن خصص الله لمناقشتها سورة كاملة في كتابه العزيز ألا وهي سورة الطلاق، وبالرغم من حساسية هذه القضية إلا أن هذه السورة قد أحاطت بجل أطرافها، وفض الله فيها النزاع بين الطرفين بما يرضي كلاً منهما ويعطيه حقه وافياً.

    1.   

    تفسير الآية الأولى من سورة الطلاق

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:

    قال الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطلاق:1]، أفادت الآية الكريمة: أنه لا يحل لرجل طلق امرأة أن يخرجها من بيته، ولا يحل لها هي الأخرى أن تخرج من هذا البيت، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [الطلاق:1].

    ومن العلماء من قال: إن المراد بالفاحشة المبينة: الزنا والعياذ بالله.

    ومنهم من قال: إن المراد بالفاحشة المبينة: البذاءة على أهل الزوج.

    وأثيرت مسألة: من حدثت بينه وبين زوجته مشكلة، وخشي من تواجدها أن تتفاقم وتتصاعد القضية، فهل له أن يقول لها: اذهبي إلى بيت أبيك؛ خشية من حدوث طلاق، أم أن ذلك لا يجوز له؟

    ذكرنا أن الأولى أن يخرج هو من البيت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما غاضب نساءه اعتزلهن صلوات الله وسلامه عليه، ولم يخرجهن هو من البيت، كذلك علي لما غاضب امرأته فاطمة رضي الله عنها خرج ونام في المسجد.

    ولكن إن استأذنت هي دفعاً للمشاكل وخرجت لبيت أبيها بإذن فلا بأس بذلك أيضاً، وذلك لأن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث الإفك قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله ائذن لي أن آتي أبوي)، فأذن لها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

    قال الله سبحانه وتعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ [الطلاق:1]، هذا في المطلقة طلاقاً رجعياً، أما المطلقة المبتوتة فليس لها نفقة وسكنى، على رأي جمهور العلماء.

    ومن العلماء من أثبت لها النفقة والسكنى، وهم قلة؛ منهم: أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، لكن أصحاب هذا الرأي محجوجون بما روته فاطمة بنت قيس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لها لما طلقها زوجها فبتّ طلاقها: (لا نفقة لك ولا سكنى).

    ومن العلماء من أجاز لها السكنى دون النفقة، منهم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، لقوله تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6] الآية.

    وهذا يرد على ما يفعله العامة الآن من إخراج المرأة من بيتها لمجرد صدور الطلاق الرجعي، فهذا عملٌ ليس بصحيح وليس عملاً شرعياً، فيحرم عليه أن يخرجها، ويحرم عليها هي الأخرى أن تخرج، وذكرنا أن النكتة في نسبة البيوت إليهن في قوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ [الطلاق:1]، أنها ما دامت في العدة فالبيت بيتها لأنه نُسب إليها.

    قال الله: وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1] فيجب أن توقر هذه الحدود، لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق:1] أي: لعله يحدث شيئاً وهو رجوع من الزوج إلى زوجته، ولعله يراها بعد أن طلقت فانكسرت ورق لحالها.. يراها في حاجة إلى مراجعة وإلى عطف وحنان، يراها وقد تعلق بها أبناؤها وبناتها وأنها في حاجة إلى رجعة.

    وهي الأخرى قد ترى من حاله انكساراً بعد التطليق وأنه لا يستطيع أن يقيم نفسه، ولا أن يطهي، ولا أن يغسل ثياب نفسه، فترق هي الأخرى لحاله فيحدث تراجع منها له، أو لعله يرى منها شيئاً من جمالها يعجبه ويستدرك، وفي الحديث : (لا يفرك مؤمن مؤمنة؛ إن كره منها خلقاً رضي منها آخر) فيبدأ بالتراجع والتنازل عن شيء من حقوقه.

    وهي الأخرى كذلك ترى أنها أخطأت، أو أنها ينبغي عليها أن تصبر على زوجها؛ إذ مع مثالبه فله جملة محاسن فتتغاضى عن مثالبه بعض التغاضي حتى تستقيم المعاشرة، أو تكون هناك أمور أخر أجملت في قوله تعالى: لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق:1].

    فإذا طلقت المرأة وأُخرجت من بيتها أو خرجت هي من بيتها في العدة؛ عقوبة من الله سبحانه أن يسلط عليها صديقات السوء اللواتي يحملنها على النشوز، وعقوبة كذلك له أن يتسلط عليه أصدقاء السوء من أتباع هاروت وماروت الذين يفرقون بين المرء وزوجه.

    1.   

    حكم الإشهاد على الطلاق

    قال تعالى: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:2]، فالآية قطعاً ليس المراد بها ظاهرها؛ لأن إذا بلغت المرأة الأجل ولم تحدث رجعة انتهت منه، ولم تعد له زوجة، فالمراد بقوله: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي: قاربن بلوغ الأجل.

    فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:2]، أي: أرجعوهن إليكم ولا تجعلوا الطلاق يمضي، أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:2] أو اتركوهن حتى تنقضي العدة. وكل ذلك من المعروف.

    وهذا في الحقيقة يلقي ضوءاً على أخلاق المسلمين التي ساءت كثيراً في هذه الأزمان، فإن الله ما أباح للزوج أبداً أن يمسك إلا بالمعروف، وما أباح له أن يطلق إلا بالمعروف، فليس له خيار في هذا، فإن الله قال: فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ [البقرة:229] أي: ليس لك اختيار في هذا أبداً؛ فإما أن تمسك بمعروف وإما أن تسرح بإحسان، أما الزوج الذي يحاول الإضرار بزوجته لأنه طلقها؛ فيوقع بها أشد النكال وأشد أنواع التعذيب، فهذا محرم عليه، والله قد قال: وَلا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ [البقرة:237].

    لزوم الإشهاد على الطلاق

    قال تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] استدل به على وجوب الإشهاد عند الطلاق وعند الرجعة، فقوله: ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] أي: منكم يا أهل الإيمان، فلا يجوز لك أن تشهد كافراً، وهل يجوز لك أن تشهد امرأة أو امرأتين على الطلاق؟ أو أن تقول: أشهد أربعاً؛ فالرجل يقوم مقام امرأتين في الطلاق قياساً على الأموال؟

    أولاً: في شهادات النساء تفصيل، فشهادات النساء في الأموال مقبولة بالاتفاق كما قال الله: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [البقرة:282]، وشهادات النساء في الحدود ردها أكثر العلماء، قالوا: لأن الحدود تدفع بالشبهات، والله يقول في شأن النساء: أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [البقرة:282] فالضلال شبهة يدفع بها الحد.

    أما الطلاق والنكاح فجمهور أهل العلم على أن شهادات النساء لا تعتبر فيه، لكن من العلماء من أجازها على أن شهادة المرأة تعدل نصف شهادة الرجل.

    قال تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] أي: على الطلاق وعلى الإرجاع.

    لزوم الإخلاص لله في الشهادة

    وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [الطلاق:2] أي: أنتم يا شهود عليكم إقامة الشهادة لا لعرض من أعراض الدنيا ولا لثناء، ولكن الشهادة تقام لله، ولذلك يقول العلماء في الشهادة على وجه الخصوص: كما أن فيها حقاً للعبد ففيها حق لله سبحانه.

    وشأن الشهادات بصفة عامة يقول الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ [النساء:135] أي: شهادتكم لله إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء:135] فلا تشهد لفقير لكونه فقيراً فتقول: هذا ضعيف أشهد له. ولا تشهد لغني لكونه غنياً سوف يعطيك، بل الشهادة تقام على وجهها لله، ولا تراعى فيها العواطف، يقول الله: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا [النساء:135] فالله أرحم بهما منكم؛ ليس عليك إلا أن تقيم الشهادة.

    فعلى ذلك هنا تحول في الخطاب، صورته أن الله قال: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] فهذا خطاب لعموم المطلقين ولأهل النساء، ثم تحول الخطاب إلى الشهداء في قوله: وَأَقِيمُوا أنتم أيها الشهداء الشَّهَادَةَ لِلَّهِ فهذا يسميه العلماء: التفات في الخطاب، وله صور في كتاب الله، ومنه في سورة الإنسان إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا [الإنسان:22]، فبعد أن حكا عنهم إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً [الإنسان:22] تحول إلى الخطاب (وكان) وكذا قوله: حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [يونس:22] تحول أيضاً الخطاب.

    ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ [الطلاق:2] الوعظ يطلق على التذكير، ويطلق على الزجر كما هو هنا، ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ [الطلاق:2] أي: يزجر به، أو يذكر به، مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2] وهذه من ثمرات التقوى، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:3] فيفيد أن التقوى سبب في سعة الرزق، والوقوف على حدود الله سبب في سعة الرزق وإن توهم متوهم غير ذلك.

    وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3] أي: ومن يكل أموره إلى الله فالله كافيه وناصره وحافظه وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي: ومن يتخذ الله وكيلاً له فالله يكفيه سبحانه، فهو نعم الوكيل.

    إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ [الطلاق:3] أي: ينفذ الذي يريده سبحانه وتعالى، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3] أي أن كل شيء له قدر.

    1.   

    عدة الآيسة والصغيرة

    قال الله تعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق:4] كبيرات السن اللواتي انقطع عنهن الحيض إذا طلقن وهن كبيرات السن فلا يعتددن بالأطهار ولا بالحيضات إنما يعتددن بالشهور، قال تعالى: فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ [الطلاق:4].

    وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4] أي: واللائي لم يحضن كذلك عدتهن ثلاثة أشهر، فـوَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ [الطلاق:4] يفهمنا جواز تزويج الفتاة التي دون سنّ البلوغ، وجواز تزويج المرأة التي بها شيء من العيب والتي لا تحيض أصلاً.

    فمن قوله تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ يستفاد: القول ببطلان هذا القانون المصري الذي يلزم الفتاة أن لا تتزوج، أو يحظر على الفتاة الزواج إلا بعد بلوغ سن السادسة عشرة من عمرها، وهن تحت طائلة القوانين الدولية الباطلة التي تسن في مؤتمرات السكان والمرأة.. بل ويريدون رفع هذه السن إلى أكثر من ذلك، وهذا كله مما يساعد على تفشي الرذيلة وانتشار الفاحشة.

    والرسول عليه الصلاة والسلام قد تزوج عائشة وهي بنت ست سنين، وبنى بها وهي بنت تسع سنين عليه الصلاة والسلام، وعمر تزوج أم كلثوم بنت علي ولا يخفى عليكم مكانها من الصغر، كذلك قال الله ربنا: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى [النساء:3] أي: في صداق اليتامى، واليتم يكون قبل البلوغ، إذ لا يتم بعد احتلام، وكل هذه الأشياء تدل على بطلان هذه القوانين الوضعية التي تمنع الفتاة من الزواج حتى تبلغ سناً معينا،ً ألا وهي السادسة عشرة من عمرها.

    قال تعالى: وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ أي: واللائي لم يحضن كذلك عدتهن ثلاثة أشهر. هناك عدد أخر تختلف في شأن بعض النساء كامرأة مشركة أسلمت تعتد بحيضة واحدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس؛ فاعتددن بحيضة واحدة.

    أما المختلعة فهل تعتد بثلاث حيض أو بحيضة واحدة؟ من العلماء من قال: إن المختلعة تعتد بحيضة واحدة. وهذا منقول عن أمير المؤمنين عثمان رضي الله تعالى عنه، وهذا لإثبات براءة الرحم من الحمل.

    ومنهم من قال: حكمها حكم المطلقة تعتد بالثلاث، والله سبحانه وتعالى أعلم.

    وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أي: الحوامل من النساء أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4] فهذه الآية خاصة بالحوامل، أي: كل امرأة مطلقة وهي حامل فهل تنقضي عدتها بوضع الحمل أم أنه عام في المطلقات والمتوفى عنهن الأزواج؟

    جمهور العلماء على أن المراد في الآية النساء الحوامل سواء كن مطلقات أو متوفى عنهن الأزواج؛ لأن الله قال: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4].

    بينما ذهب فريق من أهل العلم إلى أن أولات الأحمال هنا المراد بهن المطلقات، أما المتوفى عنها زوجها فتعدد بأبعد الأجلين، وما المراد بقولهم: أبعد الأجلين؟ مرادهم أن المتوفى عنها زوجها وهي حامل ورد فيها نصان:

    النص الأول قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234] فهذا في المتوفى عنها زوجها بصفة عامة حاملاً كانت أو حائضاً، وهذه الآية تفيد أن الحامل أجلها أنت تضع الحمل.

    فلدينا امرأة حامل مات عنها زوجها، تعتد بأربعة أشهر وعشراً؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234]، أم أنها تعتد بوضع الحمل؟

    أما القول بأقرب الأجلين فهذا القول خطأ، لأن هذا القول مقتضاه أنها إذا كانت حاملاً الآن في الشهر الأول فمر عليها أربعة أشهر وعشر وهي ما زالت في السادس يحل لها على هذا القول أن تتزوج. وهذا لا يجوز بحال، فإن الرجل الجديد سيسقي ماءه زرع غيره، فلا يحل هذا بحال وهو من أكبر الكبائر، قال النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى امرأة مجح على باب فسطاط فقال: (ما شأنها؟ لعله يريد أن يلم بها؛ لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه قبره) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

    كذلك إذا وضعت، إذا قلنا: إن المرأة الآن حامل ووضعت بعد يوم واحد من وفاة زوجها، وقلنا لها: قد حللت، ألا يعكر علينا قول الله جل ذكره: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا [البقرة:234] فلهذا التعكير قال ابن عباس أو علي رضي الله عنهما: تعتد بأبعد الأجلين، يعني: إن وضعت أولاً ولم يكن قد مضى عليها أربعة أشهر وعشر فإنها تنتظر حتى تمر عليها أربعة أشهر وعشر، وإن مضت أربعة أشهر وعشر ولم تضع فإنها تنتظر حتى تضع، كرأي علي أو ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    لكن قد ورد من السنة ما يخالف هذا الرأي، ويبين أن أولات الأحمال مطلقات أو متوفى عنهن الأزواج -بصفة عامة- أجلهن أن يضعن حملهن، وذلك في قصة سبيعة الأسلمية: (فقد توفي عنها زوجها وهي حامل فما لبثت أن وضعت حملها، فجاء أبو السنابل بن بعكك فقال لها: ما لي أراك متجملة للخطاب، والله إنك لا تحلين حتى تمر أربعة أشهر وعشر، فحملت عليها ثيابها وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله! زعم أبو السنابل بن بعكك أني لا أحل للخطاب إلا بعد مضي الأربعة أشهر وعشر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد حللت حين وضعت حملك).

    فهذا من السنة يفيد أن المتوفى عنهن الأزواج وهن حوامل أجلهن بوضع الحمل.

    قال تعالى: وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4].

    إذا حدث سقط فهل هو بمثابة وضع الحمل؟ قال بذلك فريق من أهل العلم، خاصة إن كان هذا السقط قد تخلق، أي: مرت عليه أربعة أشهر التي هي مائة وعشرون يوماً التي ينفخ فيها الروح: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة...) الحديث.

    ثم قال الله: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4] فالآيات تفيد فضيلة تقوى الله، وانظر إلى ما ورد من فوائد التقوى في الآيات: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3]، ...يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4] فالتقوى مناط خير كثير، ذكر هذه الآيات كلها في الطلاق لأن الغالب في المطلقين أنهم لا يتقون الله، حتى الملتحين الذين يصفون أنفسهم بأهل السنة، هم في الطلاق لا يتورعون، وينسون كل فضل كان بينهم، تجد أخاً ملتحياً ولا يخاف الله فيمن كانت يوماً زوجة له فيهينها، وهي الأخرى تشرده وتشنع عليه -والعياذ بالله- حتى هؤلاء كل يطعن في الآخر، فضلاً عن عامة المسلمين الذين يوشك أحدهم أن يذبح مطلقته، والله يقول: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4].

    والمرأة هي الأخرى قد تبادر وتقول: مرت علي ثلاث حيض ولا تكون قد مرت، فتكذب، وهذا شيء بينها وبين ربها سبحانه وتعالى: ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ [الطلاق:5].. وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [الطلاق:5]، هذا أيضاً في بيان فائدة تقوى الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    حقوق المرأة وطفلها بعد الطلاق

    قال تعالى: أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ [الطلاق:6] أي: على قدر سعتكم.

    ثم قال: وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ [الطلاق:6] أي: إن كن حوامل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق:6] أي: أجر الرضاع إن هي أرضعت لك ولدك.

    فالذي يطلق امرأته ويتركها تنفق على أولادها وتسعى وتكد من أجلهم آثم؛ فإن الرضاع الذي هو بثدي المرأة واللبن الذي هو من ثديها تؤتى عليه أجراً إذا أرضعت للزوج.

    قال تعالى: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:6] وَأْتَمِرُوا من المؤتمر، أي: تشاور أيها الزوج مع هذه الزوجة التي طلقت منك في شأن الولد الصغير بالمعروف، وابحث أيها الزوج مع هذه الزوجة عن الصالح لهذا الولد، وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق:6] فهل يفعل ذلك الناس الآن؟ هل يقول: يا أم فلان! تعالي نتفاهم؟ ما هو الأنفع لهذا الولد؟ وما هو الأصلح له؟ لا يحدث هذا في كثير من الأحيان، بل يبتعد الولد عن أبيه وهو يحاول الإضرار بها ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

    وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ [الطلاق:6] يعني: لم تتفقوا على شيء، وكنت أيها الزوج معسراً بإعطاء الأجر للأم المرضعة فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى [الطلاق:6] وإن أتى بامرأة أخرى لترضع فهي على حسابه إلا إذا كانت متطوعة.

    هناك نساء يطلقن بعد وضعهن مباشرة، فهل هؤلاء النساء اللاتي يطلقن بعد الوضع مباشرة ويردن الزواج، هل هن ملومات؟ وهل عليهن تثريب؟ وما قد حدث في هذه البلدة من أن امرأة مات عنها زوجها، وبمجرد انقضاء العدة مباشرة تزوجت، فالناس من أهل البلدة لاموها لوماً شديداً، والأمر أوسع من ذلك، فهي إنما فعلت شيئاً مباحاً لها خشية الوقوع في الحرام، لأن سبيعة الأسلمية لما وضعت ثم اكتحلت وتجملت ما عاب ذلك عليها النبي صلى الله عليه وسلم، والأمر واسع بين المسلمين.

    أما العادات فإن لم تخالف شرعاً فلا بأس، لكن هذه يقال: الأفضل لها كذا، والأفضل لها كذا.. هناك مصالح عامة ومصالح خاصة، وكل حال له ما يقتضيه.

    قال الله تعالى: لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق:7] أي: على قدر السعة التي لديه، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق:7] أي: ضيق عليه في الرزق، فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا [الطلاق:7] فالآية فيها رفع الحرج عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    ولقلة الذمم في هذا الزمان أقيمت المحاكم لفض النـزاعات، وألزمت الدولة الزوج بنفقة معينة على قدر راتبه أو دخله، فأنت تقول هذا صحيح ويعد من المصالح المرسلة؟ فإذا قلنا للزوج: ادفع ما يجب عليك. قال: هذه عشرة.

    فلقلة الذمم وخرابها رأت المحاكم أن تقدر دخل الزوج، والقاضي يتحرى في ذلك؛ فيرسل المخبرين وترسل النيابات المخبرين والمباحث للبحث عن حال الزوج، وعن مصادر دخل هذا الزوج؛ ومن ثمََّ يقدرون النفقة.

    ثم بيّن ربنا سبحانه التحذير لمن يخالفون أمره في الطلاق وغيره وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ [الطلاق:8] أي: وكم من قرية، عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ [الطلاق:8] في الطلاق وغيره؛ فالآية جاءت عقب آيات الطلاق وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا [الطلاق:8].

    فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا [الطلاق:9] أي: عاقبة تكذيبها.

    وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا [الطلاق:9-10] وهذه الآيات ذيلت بها آيات الطلاق كما ذيلت آيات المواريث، في قوله: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:14]، وهنا فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ [الطلاق:9-10] أي: يا أصحاب العقول! اعتبروا وقفوا عند حدود الله في مسائل النكاح، والطلاق، وعموم الشرع.

    فهذه القرى قد أهلكت فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:9-12] فلا تخفى عليه تصرفاتكم، ولا يخفى عليه أمركم، ولا شيء من شئونكم.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.