إسلام ويب

الصوتيات

  1. الرئيسية
  2. محاضرات مقروءة للشيخ مصطفى العدوي
  3. صفات وغرائز خلق الله وبعض أحكام الشتاء وزكاة النقدين

صفات وغرائز خلق الله وبعض أحكام الشتاء وزكاة النقدينللشيخ : مصطفى العدوي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جرت سنة الله سبحانه في الحياة الدنيا على المفاضلة بين الخلق في كل شيء، فلذلك ترى اختلافاً كثيراً بين مخلوقات الله كافة، وليس بين بني آدم فحسب، حتى إن التمايز والتفاضل يشمل الجان والملائكة والدواب والنباتات وغيرها، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى وتدبيره.

    1.   

    سنة المفاضلة بين الخلق

    الحمد لله الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له خلق كل شيء فقدره تقديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله سبحانه وتعالى بالهدى ودين الحق وجعله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، عليه أفضل صلاة وأتم تسليم، وعلى آله وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين.

    وبعد:

    فكما لا يخفى على كل لبيب أن الله سبحانه وتعالى خلق الدنيا للابتلاء وللاختبار، قال الله سبحانه: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ [الملك:2]، لهذا خلقت الحياة الدنيا، وقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم إذ بعثه: (إني مبتليك ومبتلٍ بك) ، فجرت سنة الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة الدنيا وعلى هذه الحياة الدنيا أنها للابتلاء وللاختبار، وجرت سنة الله أيضاً على المفاضلة بين الخلق في كل شيء، وعلى المفاضلة بين كل الأشياء كذلك كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21]، وكما قال تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:165] ، وكما قال سبحانه: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32] ، فجرت سنة الله سبحانه على المفاضلات بين الخلق، فترى اختلافاً كثيراً بين الخلق، وليس بين بني آدم فحسب، بل بين الدواب وبين الأشجار والنباتات وبين الأسماك وبين الجان وبين الملائكة، وقد قدمنا لذلك نماذج مراراً، ولا بأس للتذكير ثانية: فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55] وابتداءً فقد قال تعالى: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29]، فكل ما في الأرض خلق لبني آدم، سواء للانتفاع به أو للاعتبار به والادكار، فإذا نظرنا في عالم الحيوانات سنرى تباينات لا يحصيها إلا خالقها سبحانه وتعالى، فترى حيواناً يؤلف، وآخر شرساً لا يؤلف بحال من الأحوال، ترى شاة متواضعة منكسرة، وترى جملاً متعالياً متكبراً، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (السكينة والوقار في أهل الغنم -قال العلماء: لاقتباسهم من أخلاقها- والكبر والخيلاء في الفدادين أهل الإبل) فأهل الإبل أهل كبر واختيال اقتبسوا أخلاقهم من صفات ما يعايشونه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (على ذروة سنام كل بعير شيطان)، وترى قطاً قد يؤلف، وترى نمراً لا يؤلف بحال من الأحوال، وترى أسداً كريماً عند افتراسه للفريسة لا يأكل منها إلا إذا قتلها، وترى نمراً دنيئاً يتلذذ بتمزيق الذبيحة وهي حية قبل أن تموت، ترى خنزيراً -عياذاً بالله- قد فقد غيرته ولا يبالي بعرضه، وترى ديكاً غيوراً شديد الغيرة على الدجاج التي معه ويقاتل من أجل الدجاج أشد القتال، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى جرت في هذه البهائم والدواب، ترى نحلاً منظماً مرتباً في عمله، وترى فراشاً طائشاً ساعياً هاهنا وهاهنا بعضه يركب بعضاً، ترى جراداً منتشراً يمشي في أسراب، وترى فراشات تقذف بنفسها إلى النار، ولله الأمر من قبل ومن بعد، ترى حيواناً ذكياً كالقرد، وترى آخر ضعيف الرأي كالفيل، سنن لله سبحانه في الخلق من الدواب وغيرها حتى نعتبر وندكر بها.

    والحيوانات فيها ما لا يحصيه إلا الله، فترى خفاشاً خلق من لحم ودم لا يرى في النهار ولا في الليل إلا ساعة واحدة بعد الفجر وساعة أخرى بعد غروب الشمس، وما سوى ذلك لا يرى فيه، ومن عجيب قدرة الله وعظيم صنعته فيه أن أنثاه تحيض، فمع أنه يحيض ويلد إلا أنه يطير، ومع طيرانه لا يبيض، وتراه يضحك ويبكي! فهذه سنن لله في الخلق، لعل معتبراً أن يعتبر ولعل مدكراً أن يدكر.. ترى حيَّة نصبت عداوتها لبني آدم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الحيات: (والله ما سالمناهن منذ حاربناهن) وكما قال تعالى في شأنهن أيضاً عند بعض المفسرين: اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ [البقرة:36] قالوا: إن ضمير الجمع لبني آدم وللشيطان وللحيات، والله تعالى أعلم.

    كذلك يمتد الأمر إلى النباتات: فترى نباتات كلها طيبة الطعم، وأخرى حامضة مرة لا تستساغ بحال من الأحوال، وترى نباتات أكلها يقوي البدن وأخرى تفتك بالأجسام، وترى نباتات كريمة ضربها النبي مثلاً للمؤمن فقال عليه الصلاة والسلام: (إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن) وهي النخلة، وترى أخرى قال النبي صلى الله عليه وسلم فيها: (إنها من شجر اليهود) وهي الغرقد، سنة جرت لله سبحانه وتعالى في الخلق: صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد:4] .

    أما الأسماك فشأنها أعجب من ذلك، وأما الجن فالجن أيضاً طرائق متعددة فمنهم الأبله، ومنهم الشيطان المارد، ومنهم الجاهل، ومنهم الغبي، ومنهم الذكي، كما قالوا عن أنفسهم: وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:11] .

    المفاضلة بين بني آدم

    وبنو آدم على هذا أيضاً، لم تختلف سنة الله فيهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله قبض قبضة من جميع الأرض فخلق منها آدم -صلى الله عليه وسلم- فجاء بنوه الأحمر والأسود وبين ذلك، وجاء بنوه الطيب والخبيث وبين ذلك)، فترى من بني آدم أقواماً من ذوي القلوب اللينة الطيبة، وترى من بني آدم أقواماً من ذوي القلوب التي هي أشد من الحجارة قسوة، كما قال تعالى في شأن أقوام: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة:74]، وترى من بني آدم رجلاً كريماً في غاية الكرم، وآخر بخيلاً في غاية البخل، ترى من بني آدم رجلاً شجاعاً في غاية الشجاعة لا يبالي بحال من الأحوال، وترى من بني آدم رجلاً جباناً في غاية الجبن، ترى من بني آدم رجلاً ماكراً كمكر الثعالب بل أشد، وترى من بني آدم رجلاً ساذجاً لا ينم إلا عن سجية طيبة ولا يكاد يضمر شراً لأحد، وتراهم في الألوان على هذا النمط، فترى من بني آدم من هو من ذوي السواد الداكن الشديد، وترى الأبيض الأمهق، ترى من بني آدم رجلاً خفيف الدم تحبه وتستسيغه لأول وهلة تراه، وترى من بني آدم رجلاً ثقيلاً بغيظاً تكرهه من أول وهلة تراه، ترى من بني آدم أقواماً جبلت ألسنتهم على إخراج الكلمة الطيبة، وترى آخرين من بني آدم جبلت ألسنتهم على إخراج الكلام الخبيث، كما قال تعالى: الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26]، ومن أمثل ما قيل في تفسيرها: الكلمات الطيبة تخرج من الطيبين، والكلمات الخبيثة تخرج من الخبيثين.

    ترى من بني آدم رجالاً خيرين طيبين يسعون لإعمار بيوت الله بأموالهم وأجسامهم، وترى من بني آدم أقواماً مفسدين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه ويسعون في خرابها، ترى من بني آدم رجالاً يسعون لرعاية الأيتام والإنفاق عليهم، وترى من بني آدم من يأكل أموال اليتامى ظلماً، هذه سنن لله جرت في الخلق وجبل عليها الخلق، وإلا لما خلق الله النار، ولما فاضل بين الدرجات، ولما باعد بين الدركات، قال تعالى: انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا [الإسراء:21]. ترى حتى في خير القرون قرن النبي محمد عليه الصلاة والسلام وصرفاً للنظر عن الجبابرة وأهل الكفر: كـأبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف، بغض النظر عن هؤلاء الكفرة الفجرة، فإنك إذا نظرت بين صفوف المسلمين وبين صفوف متبعي رسول الله في الظاهر رأيت أخلاقاً شتى، فترى رجلاً كريماً جواداً كـعدي بن حاتم الطائي وكـسعد بن عبادة وكـجعفر بن أبي طالب الذي يقول فيه أبو هريرة : ( ما رأيت رجلاً أكرم من جعفر بن أبي طالب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنا نذهب إليه يطعمنا ما عنده، فإذا لم يجد شيئاً يعصر القربة التي فيها السمن حتى يستخرج كل ما فيها، ثم يقطع لنا القربة حتى نلعق ما بداخلها، من شدة الجوع الذي أصابنا) ترى قوماً كهؤلاء الكرام، وفي المقابل ترى من هم أشحة، فقد قالت هند لرسول الله: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي) وهو زوجها، فمع سيادته لقومه إلا أنه يؤثر عنه البخل، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من سيدكم يا بني سلمة؟ قالوا: سيدنا الجد بن قيس على أنَّا نبخله يا رسول الله! ققال عليه الصلاة والسلام: وأي داء أدوى من البخل؟) ترى من أصحاب رسول الله من هو مشهور بالشجاعة العظمى كـحمزة وعلي وخالد رضي الله تعالى عنهم، وترى من أثر عنه بعض الهلع في الغزوات كـحسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه، وفي الوقت ذاته تراه شاعراً كريماً جليلاً ينافح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقد تسربت إلى خير القرون قرن النبي صلى الله عليه وسلم بعض الأمور التي لا ينفك عنها البشر، ومن رحمة الله بنا أنه سبحانه وتعالى بينها لنا بياناً شافياً وبين لنا طرق العلاج فيها حتى لا نفاجأ بأمور تحدث في أوساط الطيبين ومن ثم نستنكر سيرة الطيبين كلها، كلا؛ فرسولنا محمد عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم وخير نبي وقد بعث في خير أمة أخرجت للناس، وأصحابه خير الناس رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ولكنهم بشر لا ينفكون أبداً عن بشريتهم، فثبت أن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من ارتكب فاحشة الزنا إذ هو بشر؛ ولكنه ندم وأقلع وأناب، فأتى إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام مضحياً بنفسه وبحياته كي يطهر نفسه ويوافي ربه سبحانه وتعالى وليس عليه إثم، فلا يخفى عليكم أمر ماعز إذ جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام معترفاً بذنبه وبجريمته ويقول: ( إن الأبعد قد زنى يا رسول الله!) فيأتي إلى الرسول من على اليمين فينصرف عنه الرسول إلى الشمال، فيستدير مع الرسول إلى الشمال ويقول: ( إنه قد زنى يا رسول الله!) فينصرف الرسول عنه إلى الناحية الثالثة، فيأتي إلى الرسول من تلقاء وجهه ويقول: (إنه قد زنى يا رسول الله!) فيقول الرسول: (لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت)، حتى أقر الرجل بجريمته وجريرته فأقيم عليه الحد حد الرجم ومات إلى رحمة الله طاهراً من ذنبه، وترى آخر يمارس الزنا زمن الرسول عليه الصلاة والسلام ويزني بنساء المجاهدين في سبيل الله، ويخرج النبي صلى الله عليه وسلم في مغازيه فيرجع وإذا بقوم من أهل النفاق تخلفوا وعبثوا بنساء المسلمين الذين ذهبوا للجهاد، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما بالنا نخرج غزاة في سبيل الله فيتخلف أقوام نرجع وقد منح أحدهم الكثبة من اللبن للمرأة لفعل الفاحشة معها، له نبيب كنبيب التيس في نسائنا! من وجدته يفعل ذلك لأنكلن به)، فكان قوم من هذا الصنف زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وكان قوم من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام أعطاهم الله فضلاً كبيراً هائلاً في جانب، ولم يعطهم في جوانب أخر، فهذا أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه في شأنه: (ما أقلت الغبراء -أي: ما حملت الأرض- ولا أظلت الخضراء -أي: ما أظلت السماء- أصدق لهجة من أبي ذر )، ومع ذلك يقول له الرسول عليه الصلاة والسلام: (يا أبا ذر! إني أراك ضعيفاً فلا تتأمرن على اثنين، ولا تتولين مال يتيم)مع صدق لهجته، لكن هذا جانب لا يجيده أبو ذر رضي الله تعالى عنه، ويسأل أبو ذر رسول الله: كيف أفعل مع أمراء الظلم؟ فيرشده الرسول صلى الله عليه وسلم إلى البعد عن الفتن، وإلى كسر سيفه إذا وجد قتالاً بين أهل الإسلام.

    فكان من أصحاب رسول الله قوم برعوا في جانب غاية البراعة، ولم يبرعوا في جوانب أخر، سنة لله جرت في الخلق، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (الناس كإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة).

    وقد كان هناك قوم يسعون إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام بقلوب طيبة يسألونه عن أبواب الخير كي يقوموا بها ويتنافسوا في ذلك أشد التنافس، وكان هناك قوم مفسدين يطعنون في المسلمين، وليس في المسلمين فحسب، بل يطعنون في الرسول نفسه، يشتمون الرسول ويقولون عنه وعن أصحابه: ( ما نرى أصحابنا هؤلاء إلا أكذبنا ألسنة، وأوسعنا بطوناً، وأجبننا عند اللقاء) وكان قوم من أهل البخل والنفاق إذا رءوا محسناً تصدق بكثير قالوا: ما تصدق بالكثير إلا رياء، وإذا تصدق بقليل قالوا: إن الله غني عن درهمه! فقال تعالى: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [التوبة:79] بل لم يقف أمرهم على الطعن في الصحابة، بل طعنوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ [التوبة:58]، يطعن فيك -يا محمد- ويقول فيك: إنك تغل وتأخذ الصدقة لنفسك! فقال تعالى في كتابه الكريم مدافعاً عن نبيه: وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ [آل عمران:161]، أبداً لا ينبغي أن يكون من خلق الأنبياء أن أحدهم يغل، بل أشد وأنكى من ذلك: طعنوا في عرضه واتهموا امرأته بالزنا وهو سيد ولد آدم وهي الطيبة الطاهرة، وكل ذلك لم يعكر على مسيرة رسولنا عليه الصلاة والسلام، بل قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف:9]، فكانت مسيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام لا تخلو أبداً من ابتلاءات ولا من نكد، ومضت مسيرة رسول الله منذ أن بعثه الله سبحانه وتعالى إلى أن قبضه الله عز وجل، فمنذ أن بعثه الله وهو يلاقي عناء بعد عناء صلوات الله وسلامه عليه، وعند قبضه يقول لأصحابه: (هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً)، فيختلف الصحابة فيما بينهم، يقول العباس : ( قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً ) ويقول عمر : ( حسبنا كتاب الله، إن الرسول في سكرات الموت) فماذا يقول الرسول وهو ينازع ويئن؟ فللموت سكرات كما قال عليه الصلاة والسلام، وماذا يقول الرسول أمام هذا الاختلاف بين فضلاء أصحابه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (قوموا عني فوالله! للذي أنا فيه خير مما أنتم فيه)، ثم قبض الرسول عليه الصلاة والسلام، قال ابن عباس : ( إن الرزية كل الرزية ما حال بين الرسول وبين أن يكتب لأصحابه ذلك الكتاب).

    1.   

    ضرورة الامتثال لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ظاهراً وباطناً

    ذكرنا هذا حتى لا يتصور أن إخواننا الملتحين ملائكة، فهم بشر تجري عليهم أحكام البشر كلها، وإن امتثلوا سنة الرسول عليه الصلاة والسلام في لحيتهم فإن هناك أخلاقاً أخرى غير اللحية يجب أن تمتثل أيضاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه ثم أقوام جبلت ألسنتهم على الغيبة والطعن في الأعراض، ثم هداهم الله إلى سنة النبي في اللحية فالتحوا، ولكن مازالت باقية فيهم سنة الغيبة والطعن في الأعراض، فليس هذا بضائر لدين الله أبداً وليس بضائر لعموم سنة رسول الله فإن الله قال: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، لكن جدير بمن امتثل سنة رسول الله في الظاهر أن يمتثلها أيضاً باطناً، وأن يتأدب بأخلاق النبي حتى لا تزل قدم بعد ثبوتها، فكم من شخص أراد الاستقامة ورامها فإذا وجد شخصاً ملتحياً يطعن في إخوانه المسلمين يقول: هؤلاء بعضهم ينحر في بعض! إذا وجد أخاً ملتحياً يغش في بيعه وفي شرائه قال: هؤلاء سنيون! وينتكس ولا يصل الأمر عند تركه للحية بل يترك الصلاة ويطعن في المصلين كذلك، وقد علمنا من كتاب ربنا أن الله قال: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164]، وفي كتاب ربنا: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا [الأنعام:164] وقال الله سبحانه: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى [النجم:36-40]، فيا من امتثلتم سنة نبيكم عليه الصلاة والسلام في الظاهر التزموا أخلاق نبيكم كذلك، وتأدبوا بأخلاق النبي، ولا تظن أبداً أن السنة تكمن فقط في اللحية أو في الثوب، ماذا ينفعك امتثالك للسنة في أمر اللحية وأنت مغتاب للمسلمين والمسلمات؟ ماذا ينفعك امتثالك للسنة في أمر اللحية وقلبك أسود مظلم وأنت قاطع للأصحاب؟ إنه ثم أمور من أمور ديننا العظمى التي يجب أن تمتثل ولا يتخلى عنها، فالتخلي عنها يعتبر تخلياً عن ديننا.

    فيا معشر الإخوة! التمسوا سنن نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام، فأنتم تعلمون أن الخلق بينهم اختلافات طويلة، في الأخلاق وفي الأرزاق وفي الآداب وفي المعاملات وفي الذكاء وفي الغباء وفي الطول وفي القصر، فلتكن لنا مرجعية نرجع إليها لتحديد أي خلق نتخلق به ونقيس عليها الأمور، ولا مرجعية للمسلم إلا كتاب ربه وسنة نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، فلزاماً علينا كمسلمين رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً أن نقف على أوامر الله وأوامر رسوله، ننظر بأي الأخلاق نتخلق؟ وبأي الآداب نتأدب؟ وهل نحن على الجادة وعلى الطريق المستقيم؟ أم نحن في طريق يردينا؟ فلزاماً أن ندرك ذلك ابتداءً وعموماً.

    معذرة -معشر المسلمين- لما يصدر من بعض الملتحين من زلات، معذرة إلى الله وإلى شرع الله من خطأ المخطئين، بل من خطأ أنفسنا، فدين الله يؤخذ من كتاب الله ويؤخذ من سنة رسول الله، ويفترض أنه يؤخذ من أهل الامتثال للكتاب والسنة، ولكن إن صدر خلق مشين فإن الله قال: وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا [الأنعام:164]، كما قد علمتم.

    مسيرة نبيكم انظروها واقتبسوا من معينها، واقتبسوا من أخلاق نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام ترشدوا وتهتدوا، ولزاماً أن يرضى كل منكم بما قضاه الله له، وإلا إذا لم يرض بما قضاه الله له فسيقع فيما لا طاقة له به، وسيهلك، ولا نقول: ارض بالأخلاق الدنيئة! أبداً، فلا ينبغي أن يستمر أحد على أخلاقه الدنيئة، بل ثم أمور لا طاقة لك بها كأن تكون خلقت فقيراً، أو خلقت ضعيف الخلق، أو خلقت دنيئاً، فهذه أمور لا طاقة لك بها، فقد جرت سنة الله على الاختلاف، حتى الاختلاف الجبلي: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ [الروم:22] أي: من آياته الدالة على كمال قدرته.

    فمن آيات الله سبحانه: أن ترى هذا جميلاً في غاية الجمال، ترى امرأة عليها مسحة جمال كأنها قطعة قمر، وترى امرأة في غاية الدمامة تسرب إليها الشيب قبل المشيب، وتسرب إليها الانحناء قبل الكبر والهرم، فتتعجب من إرادة الله! ولكن كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [الفرقان:20]، فمثل هذه الأمور التي لا طاقة لك بها وإنما جبلت عليها على الشخص أن يكون راضياً بقضاء الله، فلا تقل أبداً: لماذا أضفى الله على هذا الشخص وجاهة ولم يضفها علي؟ لماذا وسع الله على هذا في الرزق؟ لماذا تفوق هذا الولد ولم يتفوق ولدي؟ كل هذه أمور قسمها الله، وهناك آباء يضربون أبناءهم ضرباً شديداً إذا أتى في الامتحان بـ(90%)! لم تضربه يا أخي؟! يقول: كان يجب أن يأتي بـ(95%)! يجب على من؟! إن النسيان واجب في حق بني آدم، فقد يذاكر الشخص الدرس غاية المذاكرة ثم ينساه، فهذا نبينا محمد قد نسي، قال عليه الصلاة والسلام: (يرحم الله فلاناً! لقد أذكرني آية كذا وكذا من سورة كذا وكذا كنت أنسيتها)، والناسي لا يعاتب أمام الله، فكيف تضرب ولدك وتقول له: لماذا أتيت بـ(90%) وكان ينبغي أن تأتي بـ(95%)؟! فأنت لا تملك أمر نفسك، وإن الله قادر على إذهاب عقلك فضلاً عن عقل ولدك، وإن الله قادر على أن ينسى ولدك كلما ذاكره في وقت هو في أشد الاحتياج إلى تذكره.

    فيا معشر الإخوة! علينا أن نوطن أنفسنا على الرضا بقضاء الله وبقدره، فكم من شخص تقلد أرقى المناصب وضره -والله- منصبه؟! وكم من شخص جمع أكثر الأموال وضرته -والله- أمواله؟! ولا يخفى عليكم أن الذي تقلد أرقى المناصب زمن الخليل إبراهيم قال للخليل إبراهيم: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة:258]، والذي تقلد أرقى المناصب زمن موسى عليه السلام يقول: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]، ويقول: يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، ويقول عن نبي مرسل كريم من أولي العزم من الرسل: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52]، هكذا صنع به المنصب أن يقول هذه المقولة، وأما المال فلا يخفى عليكم أنه بلغ برجل أن قال: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا [الكهف:35] ثم قال:(وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً [الكهف:36]، هكذا حمله المال على الكفر والجحود إذ قال: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً ، ثم تطاول على رب العباد فقال: وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا [الكهف:36]، هكذا حمل المال أهله وأصحابه، وحملت الوجاهة قوماً على الكفر والاعتراض على رسالة محمد إذ بعث فيهم النبي عليه الصلاة والسلام فقالوا مقالتهم: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:31-32].

    فيا عباد الله! افقهوا عن الله سبحانه أمره، وافقهوا عن الله فعله، وافقهوا عن الله تدبيره، وكونوا راضين بقضاء الله، إن الكبر والغرور والعجب والحقد حملت إبليس على الاستنكاف عن السجود لآدم، وإن الحقد والحسد حمل إخوة يوسف على قتل أخيهم يوسف، وعلى تخطئة أبيهم يعقوب.

    فارضوا بقضاء ربكم، ووطنوا أنفسكم على اتباع سنة نبيكم محمد عليه الصلاة والسلام، واستغفروا ربكم إنه كان غفاراً.

    1.   

    بعض أحكام الشتاء

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

    فبين يدي فصل الشتاء وفي ثناياه نذكر ببعض الأحكام الفقهية المتعلقة به:

    ابتداءً يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يارب! أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون في الصيف من حرها، وأشد ما تجدون في الشتاء من بردها)، فعلى ذلك ينبغي أن نتذكر ما أعد الله للعصاة في النار إذ الله قال: هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ * وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص:57-58] (والحميم): ما بلغ أعلى درجات حرارته، (والغساق): ما انحط إلى أخفض درجات برودته، وأهل النار يتداول عليهم هذا النوع من العذاب: (حميم وغساق)، وإنك إذا شربت مشروباً ساخناً وأتبعته بماء بارد توشك أسنانك أن تقع، وأهل النار -عياذاً بالله منها- يذوقونه حميم وغساق، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص:58]، أي: أصناف شتى من المتضادات ومن المتشابهات أيضاً.

    وهذه بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بالشتاء:

    يسن المسح على النعلين عند الوضوء إذا كنت لبست نعليك على طهارة، وتوقيت ذلك: يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليها للمسافر، وكذلك يسن لك إذا أنت لبست خفيك على طهارة أن تمسح عليها يوماً وليلة إذا كنت مقيماً، وثلاثة أيام بلياليها إذا كنت مسافراً، واليوم والليلة يعني: خمس صلوات، هذا وكما لا يخفى عليكم أن الخفين غير النعلين، فالخف: ما يغطى به الكعب، ولست أعني بالكعب العقب، إنما الكعب الذي أمر الله بغسله في الوضوء، فالخف: ما غطى الكعب، أما النعل: فما كان دون الكعب أو ما كان محاذياً له، فهناك ثلاثة أحكام بالنسبة للمسح:

    المسح على الخف، وهذا بالاتفاق، ويعتبره العلماء من معتقدات أهل السنة والجماعة، ومن معالم أهل السنة والجماعة، فيقول أهل السنة: ومعتقدنا جواز المسح على الخفين، فبالاتفاق يجوز المسح على الخفين بالتوقيت السالف ذكره.

    أما المسح على النعلين التي هي دون الكعبين: ففيه نزاع بين العلماء، إلا أن الأحاديث تكاد أن ترتقي بمجموع طرقها إلى إثبات المسح على النعلين، وإن كان الأمر لا يخلو من نزاع في شأن النعلين، لكن جوز كثير من أهل العلم المسح على النعلين.

    أما الجوربين: فالأحاديث التي وردت فيها عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أعلها العلماء الأولون، وقد أعلها عشرة من أهل العلم كما نقل عنهم النووي رحمه الله في كتابه المجموع شرح المهذب، ولكن ومع إعلالها، وبعض النزاع الوارد في صحتها إلا أن الجمهور يقولون بالمسح على الجوربين، لورود ذلك عن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد صح عن طائفة من صحابة النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وسلم المسح على الجوربين.

    ومن العلماء من يشترط في الجوارب شروطاً من ناحية السماكة ومنهم من لا يشترط، وأما الخبر عن رسول الله فليس ثم خبر يحدد شروطه، فمدار الاشتراطات على أقوال للفقهاء، والأظهر أن ما يطلق عليه جورب عموماً يمسح عليه، والله تبارك وتعالى أعلم.

    هذه ثلاثة أحكام بالنسبة للمسح. تأتي مسألة متفرعة من هذا وهي: إذا توضأ شخص ولبس جوربيه أو لبس خفيه على طهارة ثم بعد ذلك خلع الجوربين أو الخفين هل ينتقض الوضوء أم لا؟ أو شخص توضأ وغسل رجليه ثم لبس الجوربين على طهارة، ثم بعد ذلك نقض الوضوء فتوضأ ومسح على الجوربين، ثم بعد ذلك خلع الجوربين، فهل ينتقض الوضوء، أو هل يلزمه غسل الرجلين أم لا؟ هذه المسألة محل اختلاف بين العلماء:

    فمن العلماء من يقول: ينتقض الوضوء بخلعه للجوربين وعليه أن يعيد.

    وثم آخرون قاسوا ذلك على حلق الشعر، قالوا: كما أن المتوضئ إذا مسح على شعره ثم حلق الشعر لا ينتقض وضوءه فليكن كذلك الجورب، فهذان وجهان لأهل العلم في هذه المسألة.

    ننتقل إلى مسألة: في المطر، أمر النبي أن يقول المنادي في اليوم المطير: (صلوا في رحالكم، صلوا في رحالكم)، حتى يرخص للقوم في الصلاة في بيوتهم، (فصلوا في رحالكم) ورد من حديث ابن عباس أنها بعد: حي على الفلاح، وورد من حديث ابن عمر أنها مكان (حي على الصلاة، حي على الصلاة)، فهذا يحمل على التنوع، فإن قال أحد مكان حي على الصلاة: (صلوا في رحالكم) جاز ذلك، وإن قال أحد بعد حي على الفلاح: (صلوا في رحالكم) جاز له ذلك، فالمراد بالرحال: البيوت، فهكذا يكون هناك ترخيص في التخلف حتى عن الجماعة إذا قال المؤذن: (صلوا في رحالكم)، أما إذا لم يقلها المؤذن فليس ثم وجه للتخلف عن الجماعة، وقد قال النبي: (هل تسمع النداء؟ قال: نعم. قال: فأجب، أو لا أجد لك رخصة).

    1.   

    أحكام زكاة النقدين

    معشر الإخوة! ننبه على أمر عارض على وجه السرعة -ونعتذر للإطالة- وهو ما يتعلق بنصاب الزكوات:

    بالنسبة لنصاب الذهب، نصاب الذهب هو: عشرون مثقالاً، وهذا رأي جمهور العلماء، والمثقال هو الدينار، والذي عليه الجمهور أنه الدينار الذي صكه عبدالملك بن مروان ، وقال البعض: إنه لم يتغير في جاهلية ولا إسلام، فالدينار وزنه مترجماً بالجرامات كما ترجمه فريق من أهل الاختصاص في هذا الصدد: أربعة جرامات وربع، فعلى هذا تكون العشرون مثقالاً، أي: العشرون ديناراً تعادل خمسة وثمانين جراماً من الذهب، فنصاب الذهب: خمسة وثمانون جراماً، لكن هذا من الذهب الخام، أي: الخالص الصافي، وكما لا يخفى عليكم أن الذهب كي يستعمل ويشكل تشكيلاً جيداً تضاف إليه بعض سبائك النحاس حتى يلين ويسهل في التشكيل، فكلما ازدادت نسبة الإضافات من النحاس كلما سهل تشكيله، فيضعون نسبة من النحاس حتى يخفض الذهب إلى عيار واحد وعشرين من أربعة وعشرين، فالذهب الذي مع أكثر الناس عياره واحد وعشرون، فإذا ترجمنا الخمسة والثمانين جراماً من الذهب الصافي الخام -كما يسمونه- إلى الذهب الذي هو عيار واحد وعشرين كانت النسبة تقريباً سبعة وتسعين جراماً، وما يعادل (15% أو 20%)، أي: سبعة وتسعين جراماً واثنين من عشرة على وجه التقريب، فهذا نصاب الذهب الذي هو واحد وعشرون جراماً، فالقول الذي يقوله كثير من الناس: إن نصاب الذهب خمسة وثمانون جراماً صحيح؛ ولكن هذا من الذهب الخام الخالص الصافي، أما الذهب عيار واحد وعشرين فتضرب في النسبة: أربعة وعشرين على واحد وعشرين، أعني: تضرب الخمسة وثمانين جراماً في النسبة أربعة وعشرين على واحد وعشرين؛ فينتج تقريباً سبعة وتسعين واثنين من عشرة، وهذا نصاب الذهب، أما إذا نزلت للذهب الذي هو عيار ثمانية عشر فهذا قد أضيفت إليه نسبة نحاس أكثر فتضرب في النسبة: في أربعة وعشرين على ثمانية عشر، فينتج لك النصاب من الذهب الذي هو عيار ثمانية عشر.

    أما نصاب الفضة: فهو خمس أواق، والنبي يقول: (ليس فيما دون خمس أواق صدقة)وترجمتها بالجرامات: ما يعادل خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً من الفضة، فعلى ذلك إذا جئنا نقيس الزكوات على التي معنا بالنسبة للزكوات زمن الرسول، فقد كان الذي عنده ذهب يخرج ذهباً بنصاب الذهب، والذي عنده فضة يخرج فضة، لكن أمر العملة الورقية الموجودة الآن أمر نازل بالمسلمين حيث لم يكن في زمن الرسول، فعلى أي شيء نقيس؟ البعض يقول: نقيس على نصاب الذهب إذا كان الذهب رصيداً للعملة الورقية، أما الآن وقد ألغي في كثير من الدول الذهب كرصيد للعملة الورقية فبقي الأمر قائماً، فإذا قست على نصاب الفضة فإن جرام الفضة سعره يقارب سبعين قرشاً، فعلى ذلك سيكون: خمسمائة وخمسة وتسعين في سبعين قرشاً تعادل أربعمائة وعشرين جنيهاً على وجه التقريب، فسيكون الذي زاد معه المبلغ على هذا القدر سيزكي إذا بنى على نصاب الفضة، أما إذا بنى على نصاب الذهب فعلى القدر الذي سمعتموه.

    فالذي عنده ذهب يزكي على نصاب الذهب، والذي عنده فضة يزكي على نصاب الفضة، والذي عنده عملة ورقية هو بالخيار، وإن كان الأنفع له في دينه أن يزكي على نصاب الفضة؛ لكونه أنفع للفقير، هذا والله أعلم.

    اللهم! أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً. اللهم! أقر أعيننا بالنظر إلى وجهك يوم نلقاك، اللهم! أقر أعيننا بالنظر إلى وجهك يوم نلقاك، اللهم! أقر أعيننا بالنظر إلى وجهك يوم نلقاك، واسقنا من حوض نبيك محمد شربة لا نظمأ بعدها أبداً.

    ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا واغفر لنا وارحمنا فأنت خير الراحمين!

    اللهم! وحد بين قلوب المسلمين وبين صفوفهم، اللهم! وحد بين قلوبهم وبين صفوفهم وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين!

    اللهم! زلزل أقدام اليهود وأهل الشرك والنصارى يا رب العالمين!

    اللهم! من كاد للإسلام وأهله فخذه أخذة واحدة أخذة عزيز مقتدر، ومن عمل وسعى لرفعة راية الإسلام والمسلمين فأيده بتأييدك وانصره بنصرك واحفظه من بين يديه ومن خلفه إنك سميع الدعاء مجيب السائلين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.