إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (827)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    التوسل والوسيلة بين المشروع والممنوع

    المقدم: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    مستمعي الكرام! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أوقاتكم بكل خير.

    هذه حلقة جديدة مع رسائلكم في برنامج نور على الدرب.

    رسائلكم في هذه الحلقة نعرضها على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    مع مطلع هذه الحلقة نرحب بسماحة الشيخ، ونشكر له تفضله بإجابة السادة المستمعين، فأهلاً وسهلاً بالشيخ عبد العزيز .

    الشيخ: حياكم الله وبارك فيكم.

    المقدم: حياكم الله.

    ====السؤال: أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من المستمع (ع. ف. غ) أخونا ضمن رسالته أكثر من ثلاثين سؤالاً، يقول: إنه اقتبسها من واقع الناس، وهي -فيما يقول:- أسئلة هامة ولا سيما فيما يتعلق بأمر العقيدة، لخصت أسئلته سماحة الشيخ على النحو التالي:

    في سؤاله الأول يقول: حدثونا عن التوسل والوسيلة؟ ووضحوا لنا الشبهات والرد عليها، ولا سيما وأن هناك من يستدل بمثل قوله تعالى: وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35]، ويستدلون أيضاً بالتوسل بـالعباس رضي الله عنه؟ وما الفرق بين التوسل بالأنبياء والصالحين والتوسل بالأعمال الصالحة جزاكم الله خيرا؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    فهذا السؤال سؤال مهم وجدير بالعناية؛ لأنه يشتبه الموضوع على كثير من الناس.

    فالوسيلة وسيلتان: وسيلة جائزة بل مشروعة مأمور بها، ووسيلة ممنوعة.

    أما الوسيلة المشروعة: فهي التوسل إلى الله بالإيمان والعمل الصالح وسائر ما شرعه الله جل وعلا، وهي المراد في قوله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ [المائدة:35]، يعني: القربة إليه بطاعته: كالصلاة والصوم والصدقة والحج وإخلاص العبادة لله ونحو ذلك، فقوله سبحانه: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الإسراء:56]، يعني: من دون الله، من أصنام وأشجار وأحجار وأنبياء وغير ذلك، فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلًا [الإسراء:56]، يعني: أولئك المدعوون لا يملكوا كشف الضر عن داعيهم من مرض أو جنون أو غير ذلك، (ولا تحويلا)، يعني: ولا تحويله من حال إلى حال، من شدة إلى سهولة، أو من عضو إلى عضو، لا يملكون ذلك، بل هم عاجزون عن ذلك، وإنما هو بيد الله سبحانه وتعالى.

    ثم قال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ [الإسراء:57]، يعني: أولئك الذين يدعوهم هؤلاء المشركون من أنبياء أو صالحين أو ملائكة يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ [الإسراء:57]، يعني: هم يبتغون ليطلبوا من الله الوسيلة، وهي القربة إليه بطاعته من صلاة وصوم وصدقات وغير ذلك، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ [الإسراء:57]، ولهذا عملوا واجتهدوا في طاعته ويخافون عذابه سبحانه وتعالى.

    فهذه الوسيلة هي القيام بحقه من توحيده وطاعته بفعل الأوامر وترك النواهي، وهي الإيمان والهدى والتقوى، وهي ما بعث الله به الرسل عليهم الصلاة والسلام من قول وعمل.

    فهذه الوسيلة واجبة في الواجبات، مستحبة في المستحبات، فالتوسل إليه بتوحيده والإخلاص له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، هذا أمر لازم وفريضة في الحجة الأولى من العمر. وكذلك التوسل إليه بترك المعاصي أمر لازم فريضة.

    والتوسل إليه بالنوافل مثل صلاة النافلة وصوم النافلة وصدقة النافلة والإكثار من ذكر الله أيضاً مستحب وقربة وطاعة، وذلك جعله الله من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار.

    أما الوسيلة الأخرى التي لا تجوز: فهي التوسل إليه بدعاء الأموات والاستغاثة بالأموات، فهذه الوسيلة شركية، يسميها المشركون: وسيلة، وهي شرك أكبر، وهي المراد في قوله سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]، ويقول جل وعلا: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، يعني: يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا زلفى، فاتخذوهم وسيلة بهذا المعنى، يعني: بدعائهم وسؤالهم وطلب الشفاعة منهم والنصر على الأعداء وشفاء المرضى ونحو ذلك، وزعموا أنهم بهذا يكونون لهم وسيلة، وهذا هو الشرك الأكبر، وهذا هو دين المشركين -نسأل الله العافية- فإن المشركين يزعمون أن عبادتهم للأنبياء والملائكة والصالحين والجن وسيلة إلى مقاصدهم، وأن هذه المعبودات تشفع لهم عند الله وتقربهم إلى الله زلفى، فأبطل الله ذلك وأكذبهم في ذلك، قال تعالى .. جاء في حقهم: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18]، بعد قوله سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ [يونس:18]؛ أبطل الله ذلك بقوله: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ يعني: تخبرون الله بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18].

    وقال في آية الزمر: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ [الزمر:2-3] يعني: يقولون: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، فأكذبهم الله بقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3]، فسماهم كذبة في قولهم: إنها تقربهم إلى الله زلفى، كفرة بهذا العمل بدعائهم إياهم واستغاثتهم بهم ونذرهم لهم وذبحهم لهم ونحو ذلك.

    فالواجب على جميع المكلفين، بل على جميع الناس الحذر من هذه الوسيلة، فلا يفعلها المكلف ولا غير المكلف، يجب على المكلف أن يحذرها، وعليه أن يحذر غير المكلفين من أولاده أن يفعلها أيضاً، فالله هو الذي يعبد سبحانه وتعالى، هو الذي يدعى، هو الذي يرجى، هو الذي يسأل النصر على الأعداء والشفاء للمرضى وغير ذلك من حاجات العباد، يقول سبحانه وتعالى في كتابه العظيم: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58]، ويقول سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:21]، ويقول عن نبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [الأعراف:188]، فهو نذير وبشير ليس بمعبود من دون الله، وليس بإله مع الله سبحانه وتعالى، وقال جل وعلا: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن:18-19]، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم، كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو [الجن:19-20] يعني: قل يا محمد للناس، قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ [الجن:20-23]، بل ذلك بيده سبحانه وتعالى، هذه الأمور بيد الله هو الذي يملك النفع والضر، والعطاء والمنع، والشفاء من الأمراض، والنصر على الأعداء، هو بيده سبحانه وتعالى.

    وهناك نوع ثانٍ من الوسيلة الممنوعة: هو التوسل بجاه فلان وحق فلان، هذه الوسيلة وسيلة ممنوعة لكنها ليست شركاً أكبر، بل هي من وسائل الشرك، كأن يقول: اللهم إني أسألك بجاه محمد أو بجاه فلان أو بحق أنبيائك، هذا لا يجوز، هذه بدعة ليس عليها دليل، الله يقول: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، يدعى بأسمائه وصفاته، وهكذا يتوسل إليه بالأعمال الصالحة، مثل: الصلاة والصوم.. بر الوالدين.. صلة الرحم.. العفة عن الفواحش، هذه وسائل شرعية، كما في قصة أصحاب الغار الذين آواهم المبيت والمطر إلى غار، فدخلوا فيه، فانطبقت عليهم صخرة سدت عليهم فم الغار، فقالوا فيما بينهم: لن ينجيكم من هذا إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم، فسألوا الله وتوجهوا إليه بصالح أعمالهم، فأحدهم دعا وسأل ربه ببره لوالديه، والآخر توسل إلى الله بعفته عن الزنا بعد قدرته على المرأة، والثالث توسل إلى الله بأداء الأمانة لأجير كان له أجر عنده فنمى أجره، فلما جاء أعطاه إياه كاملاً، فانفرجت عنهم الصخرة بهذه الوسيلة الصالحة العملية، لما دعا الأول وسأل ربه ببره لوالديه، وأنه كان له أبوان شيخان كبيران لا يغبق قبلهم أهلاً ولا مالاً، وأنه نأى به طلب الشجر ذات ليلة فتأخر عليهما، فجاء إليهما بغبوقهما فوجدهما نائمين، فمكث والقدح على يده ينتظر استيقاظهما ولم يغبق أهله ولا أولاده، بل صبر ولم ير إيقاظهما لئلا يكدر عليهما نومهما، فصبر حتى استيقظا عندما برق الصبح، فسقاهما غبوقهما، ثم قال في دعائه: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك؛ فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة شيئاً لا يستطيعون معه الخروج، ثم دعا الثاني بأنه كانت له ابنة عم يحبها كأشد ما يحب الرجال النساء، وأنه أرادها عن نفسها يعني: الفاحشة، فأبت عليه، فألمت بها سنة حاجة، فجاءت إليه تطلب منه العون، فقال: لا حتى تمكنيني من نفسك؛ فوافقت على ذلك بسبب شدة حاجتها، فخاف من الله وترك الزنا وترك لها الذهب، ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك؛ فافرج عنا ما نحن فيه، يعني: تركت الفاحشة مع القدرة خوف الله، فانفرجت الصخرة بعض الشيء لكن لا يستطيعون الخروج، ثم دعا الثالث فقال: اللهم إنه كان لي أجراء، يعني: عمال لهم أجر، فأعطيت كل عامل أجره إلا واحداً بقي له أجره، فنميته له، فاشتريت منه إبلاً وبقراً وغنماً ورقيقاً، ثم جاءني فقال: يا عبد الله! أعطني أجري، فقلت له: هذا كله من أجرك، فقال: يا عبد الله! لا تستهزئ بي، فقلت له: إني لا أستهزئ بك هو مالك، فاستاقه كله، اللهم إن كنت تعلم أني فعلت هذا ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة وخرجوا يمشون، هذا من لطف الله ومن إحسانه جل وعلا ومن آياته العظيمة، أن فرج عنهم وجعل انطباق هذه الصخرة سبباً لتوسلهم بهذه الأعمال؛ ليعلم الناس فضل الأعمال الصالحة، وأنها من أسباب تفريج الكروب وتيسير الأمور، وأن الواجب على العبد أن يحذر غضب الله وأسباب عقابه، متى قدر على المعصية فليحذر وليبتعد عنها، ومتى قدر على البر والخير فليفعل.

    أما توسل عمر رضي الله عنه بـالعباس ، فهذا توسل بدعاء العباس ، فإنه كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أجدب الناس كان يسأل الله عز وجل الغيث، وكان الناس يفزعون إليه ويقولون: (يا رسول الله! استغث لنا، هلكت الأموال وانقطعت السبل، يعني: بسبب الجدب، فيستغيث الله ويسأله سبحانه أن يغيث العباد؛ فيغيثهم سبحانه وتعالى)، فلما أجدبوا في عهد عمر قال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا حين كان بين أيدينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، قم يا عباس ! فادع الله لنا، فقام العباس ودعا لهم واستغاث؛ فسقاهم الله، والعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، هذا توسل بدعاء العباس ، مثل ما كانوا يتوسلون بدعاء النبي في حياته صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على أنه بعد وفاته لا يستغاث به، ولا يطلب منه الغوث عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يستطيع ذلك، انقطع عمله المتعلق بالدنيا، ولهذا طلب عمر رضي الله عنه من العباس أن يدعو الله، وأن يغيث الناس، فقام العباس ودعا الله، فأغاث الله الناس.

    وهكذا فعل معاوية رضي الله عنه في الشام، حيث طلب من يزيد بن الأسود الصحابي الجليل أن يسأل الله الغوث، فقام يزيد وسأل الله، فأغاث الناس، هذا لا بأس به، هذه الاستغاثة لا بأس بها شرعية، أن يقول ولي الأمر أو خطيب المسجد العالم من العلماء أو بعض الأخيار: ادع الله يا فلان للمسلمين أن الله يغيثهم؛ فلا بأس، كما فعل عمر مع العباس ، وكما فعل معاوية مع يزيد بن الأسود .

    وهكذا الإنسان يقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى أن تغيثنا.. أن ترحمنا.. أن تنزل علينا المطر.. أن تغفر لنا، الله يقول سبحانه: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، فأنت تسأل وهكذا غيرك يسأل يتوسل إلى الله بأسمائه وصفاته، ويدعو الله للمسلمين في وقت الجدب وفي غيره.

    1.   

    أقسام الوسيلة

    وبهذا يتضح أن الوسيلة ثلاثة أقسام:

    قسم مشروع: وهو التوسل إلى الله بتوحيده والإيمان به والأعمال الصالحات وبأسمائه وصفاته.

    وقسم شرك: وهو التوسل إلى الله بدعاء الأموات والاستغاثة بالأموات والنذر لهم والذبح لهم، أو التوسل بالأصنام أو بالأشجار والأحجار أو بالجن فهذا شرك أكبر.

    القسم الثالث: بدعة، لا يجوز وليس بشرك، وليس مشروعاً بل هو بدعة، وهو التوسل بحق فلان أو جاه فلان أو بجاه النبي أو بجاه فلان أو حق الأنبياء، هذا هو المنكر، وهذا بدعة، ومن وسائل الشرك.

    ومن الوسائل الشرعية -كما تقدم-: التوسل بالأعمال الصالحات كما تقدم، التوسل بأسماء الله وصفاته، والتوسل بالأعمال الصالحات، هذا كله توسل مشروع. نعم.

    المقدم: جزاكم الله خيرا، هل يتعرض سماحتكم لشبه أولئك الذين يتوسلون بالمخلوقين؟

    الشيخ: هذه الشبه لا أساس لها، بل هي باطلة، بعضهم يشبه يقول: إذا جاز التوسل بجاه فلان أو حق فلان؛ دل على أنه يدعى ويسأل هذا باطل؛ لأن التوسل بالجاه ما هو بجائز بدعة، ثم لو جاز ما صلح أن يكون دليلاً على أن يستغاث بالإنسان؛ لأن التوسل بالجاه سؤال لله، يسأل من الله بجاه فلان، فهذا سؤال لله ليس سؤال لمخلوق، لكن الوسيلة هي التي منكرة بدعة بجاه فلان وحق فلان.

    أما لو سأل الله بأسمائه وصفاته، أو سأل الله ولم يتوسل بشيء قال: اللهم أنجنا من النار.. اللهم أغثنا.. اللهم أغثنا، كله طيب، وإذا قال: اللهم أغثنا بفضلك.. بأسمائك وصفاتك.. برحمتك طيب.

    أما الشبهة بأن الأنبياء لهم جاه ولهم عند الله منزلة؛ فندعوهم حتى يشفعوا لنا، هذا باطل؛ لأن جاههم ومنزلتهم التي عند الله لم يجعلها الله مسوغة للمشركين أن يعبدوهم مع الله، قد أنكر عليهم لما استغاثوا بهم وطلبوهم الشفاعة وطلبوهم أن يقربوهم إلى الله زلفى؛ أنكر عليهم ذلك، وسماهم: كذبةً كفرة، وأخبر أن ما فعلوه باطل يتنزه الله عنه، في قوله سبحانه تعالى: قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:18]، وقال عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ [الزمر:3]، فهذه الوسيلة التي فعلها المشركون مع الأصنام ومع الأنبياء ومع الجن واستغاثوا بهم ونذروا لهم وزعموا أنهم يشفعون لهم هذه باطلة، أبطلها الله وأبطلها الرسول صلى الله عليه وسلم، وحذر منها الأمة، وأمرهم أن يخصلوا العبادة لله وحده سبحانه وتعالى.

    1.   

    الحكم على حديث: (من حج ولم يزرني فقد جفاني) وبعض أحكام الزيارة

    السؤال: ننتقل إلى سؤال آخر من أسئلة أخينا (ع. ف. غ) يقول: يدور على ألسنة بعض المسلمين حديث يروونه عن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو: (من حج ولم يزرني فقد جفاني)، ما صحة هذا الحديث؟ وما علاقة الزيارة بالحج؟ وما هي آداب الزيارة؟

    الجواب: الحديث هذا موضوع عند أهل العلم كما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والحافظ ابن عبد الهادي في كتابه الصارم المنكي في الرد على السبكي، فهو حديث باطل لا صحة له، وليست الزيارة واجبة إلى المدينة ولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يكون من تركها جافياً، لا، الزيارة للمسجد النبوي مستحبة إذا شد الرحل إلى المسجد وصلى فيه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وسلم عليه؛ هذا مستحب وليس بواجب، ومن ترك هذا لا يسمى جافياً.

    والزيارة الشرعية أن يشد الرحل إلى المسجد للصلاة فيه والقراءة والاعتكاف.. مما يشرع في المسجد، وإذا زار المدينة سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وسلم على صاحبيه، مستحب له ذلك، وسلم على أهل البقيع وعلى الشهداء في أحد كل هذا سنة، لكن لا يشد الرحل لأجل ذلك، شد الرحل لأجل زيارة المسجد، وهكذا يستحب له أن يزور مسجد قباء ويصلي فيه ركعتين كما كان النبي يزوره عليه الصلاة والسلام، وهذه الزيارة ليس لها تعلق بالحج، بل يستحب زيارة المسجد مطلقاً للحاج وغير الحاج، قبل الحج وبعده سنة مستقلة، وظن بعض الحجاج أن لها صلة بالحج لا أصل له، ولكن بعض الناس يأتي من مكان بعيد لا يتيسر له الزيارة إلا مع الحج، فإذا جاء إلى الحج زار المسجد؛ لأنه أيسر عليه من تجديد سفر جديد من بلاده.

    1.   

    بطلان قياس من يقيس تبركه بالصالحين على تبرك الصحابة بالنبي عليه الصلاة والسلام

    السؤال: يقول في سؤال آخر: يقيس الذين يرون التبرك بالصالحين يقيسون عملهم بما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم من التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم وشعره وملابسه وفضلات جسمه، فبينوا لنا المعتقد الصحيح في هذا جزاكم الله خيرا؟

    الجواب: هذا القياس باطل، النبي صلى الله عليه وسلم شرع الله لنا أن نقتدي به ونتأسى به صلى الله عليه وسلم، وشرع الله جل وعلا التبرك بما مس جسده من شعر وعرق ونحو ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما حلق رأسه في حجة الوداع وزعه على الصحابة، هذا يدل على أن هذا جائز بالنسبة إليه عليه الصلاة والسلام، وهكذا ملابسه التي تلي جسده فيها بركة؛ لأن الله جعله مباركاً وجعل ما أصاب بدنه فيه بركة، أما غيره فلا يقاس عليه، ولا يدعى من دون الله، ولكن مس العرق أو مس الشعر لا بأس أن يجعل في طيب الإنسان أو يلبسه على جسده، يرجو أن الله يجعل فيه بركة له، كما جعل ماء زمزم مباركاً سبحانه وتعالى، فهذا فضل منه جل وعلا، وكما جعل في الأطعمة واللحوم بركةً للمسلمين، فليس هذا بمستنكر.

    أما أن يتبرك بثياب فلان أو شعر فلان أو عرق فلان، لا؛ لأنه لا يقاس على النبي غيره عليه الصلاة والسلام، القياس لابد أن يكون الفرع مساوياً للأصل، وليس أحد يساوي النبي صلى الله عليه وسلم، فهو أفضل الخلق وسيد الخلق، وله خصائص، ولهذا لم يفعل الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم هذا التبرك مع الصديق ولا مع عمر ولا مع عثمان ولا مع علي ولا مع غيرهم من سادات الصحابة وكبارهم؛ لعلمهم بأن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لا بغيره اللهم صل عليه، وهم القدوة والأسوة، وهم أعلم الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ورضي الله عنهم.

    1.   

    حكم تأجيل طواف الإفاضة يوماً أو أكثر

    السؤال: يسأل أخونا (ع. ف. غ) ويقول: ما حكم من أجل طواف الإفاضة حتى السادس عشر من ذي الحجة وهو ملتزم بأحكام التحلل الأكبر؟

    الجواب: لا مانع من تأجيل طواف الإفاضة، ليس له حد محدود، لكن كل ما تقدم في يوم العيد أفضل في يوم الحادي عشر أفضل من الثالث عشر وهكذا؛ كل ما تقدم فهو أفضل، وليس له حد محدود، لكن الأفضل البدار به إذا تيسر الأمر، فإذا كان هناك زحمة شديدة أو مرض أو نحو هذا وأخره؛ لا بأس.

    1.   

    حكم رمي الجمرات صباحاً في يوم الحادي عشر والثاني عشر

    السؤال: ما حكم من رمى الجمرات صباحاً في اليوم الحادي عشر والثاني عشر؟

    الجواب: لا يجوز ولا يصح، الرمي يكون بعد الزوال في أيام التشريق؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رمى بعد الزوال وقال: (خذوا عني مناسككم)، فمن رمى قبل الزوال فرميه غير صحيح، فعليه أن يعيده بعد الزوال، فإن فاتت أيام منى ولم يعد فعليه دم عن ترك هذا الواجب، يذبح في مكة للفقراء.

    1.   

    حكم رمي الجمرات جميعاً في يوم الثاني عشر

    السؤال: ما حكم من رمى الجمرات جميعاً في اليوم الثاني عشر؟

    الجواب: إذا رتبها أجزأت عند جمع من أهل العلم، إذا رمى جمرة العقبة، ثم رمى اليوم الأول الجمرات الثلاث ثم عاد ورماها عن اليوم الثاني، ثم عاد ورماها عن اليوم الثالث أجزأ، لكنه ترك السنة، السنة أن يفعلها في وقتها.

    1.   

    حكم التعجل في المسير من مزدلفة بعد منتصف الليل

    السؤال: ما حكم من تعجل المسير من مزدلفة بعد منتصف الليل قياساً على أهل الأعذار؟

    الجواب: لا حرج، لكنه ترك السنة.. ترك الأفضل؛ لأن العذر هو خوف المشقة عليهم والزحمة، والناس الآن في زحمة ومشقة، فإذا تعجل الإنسان في النصف الأخير من ليلة النحر ورمى قبل ذلك فلا حرج إن شاء الله، لكنه ترك الأفضل، والأفضل أن يكون ضحى.. أن يبقى في مزدلفة حتى يصلي الفجر وحتى يسفر، ثم يكون رميه ضحى كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فمن تعجل خوفاً من الزحام والمشقة فهو كالضعفاء.

    1.   

    بطلان اعتقاد بعض الحجاج بأن على المسلم الحج بالأنساك الثلاثة

    السؤال: بعض الحجاج يرى أن على المسلم أن يحج على الأنساك الثلاثة، بمعنى: أن يحج مرةً متمتعاً ومرةً قارناً ومرةً مفرداً، ما حكم هذا المعتقد؟

    الجواب: لا أصل له، بل الصواب أن يحج متمتعاً دائماً، هذا هو الأفضل، كما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ولما فيه من زيادة العمل والعبادة فيه الطواف والسعي للعمرة وفي الطواف السعي للحج، فيه التقصير للعمرة وفيه التقصير للحج أو الحلق، فهو أكثر عملاً، وهو الموافق لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم.

    لكن النسكان الآخران -الإفراد والقران- جائزان، لكن القران تركه أفضل إلا لمن ساق الهدي.

    المقدم: جزاكم الله خيرا.

    سماحة الشيخ! في ختام هذا اللقاء أتوجه لكم بالشكر الجزيل -بعد شكر الله سبحانه وتعالى- على تفضلكم بإجابة السادة المستمعين، وآمل أن يتجدد اللقاء وأنتم على خير.

    الشيخ: نرجو ذلك.

    المقدم: اللهم آمين مستمعي الكرام! كان لقاؤنا في هذه الحلقة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لسماحته، وأنتم يا مستمعي الكرام! شكراً لحسن متابعتكم، وإلى الملتقى، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718663

    عدد مرات الحفظ

    755989845