إسلام ويب

فتاوى نور على الدرب (42)للشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
    1.   

    حكم من قام لصلاة الفجر وشك هل صلى العشاء؟

    المقدم: أيها السادة المستمعون! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحباً بكم في هذا اللقاء الذي نستضيف فيه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    لدينا مجموعة كبيرة من هذه الأسئلة والاستفسارات، ولعل في مقدمتها رسالة عبد الله السليمان من منفوحة، ومحمد ماجد السليمان ، ومحمد أحمد محمد الشمراني من بلاد شمران من باشوت، ودحيم محمد أحمد عسيري و علي أحمد زاهد الفيفي .

    ====

    السؤال: ونبدأ برسالة المستمع سليمان محمد التميمي الرياض، يقول:

    إذا قمت لصلاة الصبح فشكيت هل أديت صلاة العشاء؟ فما الحكم إذا كان الراجح عندي أني صليت، وإذا كان الراجح أني لم أصل، وإذا تساوى الأمران؟

    الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.

    أما بعد:

    الذي يظهر أن الشرع المطهر أن الإنسان إذا شك هل أدى واجباً أو لم يؤده؛ أن عليه أن يؤدي الواجب، إذا كان من عادته أنه قد يتساهل فيها وقد يضيعها وقد يتساهل فيها؛ فالذي ينبغي له أن يبادر بقضائها أولاً ثم يصلي الفجر، أما إذا كان ليس من عادته ذلك بل يصلي الصلاة في وقتها مع المسلمين أو في وقتها في البيت ولديه بعض الأعذار، وإن كان لا يجوز أن يصليها في البيت، فالواجب على المسلم أن يصليها في الجماعة في المساجد، ولا يجوز لأحد أن يصليها في البيت إلا من عذر شرعي كالمرض أو الخوف الذي يمنعه من الخروج كأن يخشى على نفسه، لكن إذا كان من عادته أنه يصليها مع الجماعة أو يصليها في البيت لعذر من الأعذار فلا ينبغي أن ينظر إلى هذا الشك، بل ينبغي أن يطرح هذا الشك ولا يلتفت إليه، أما إذا كان تارة وتارة، قد يؤخرها وقد يمسي وما فعلها، وقد يشغل عنها، فإذا كان ما تحقق ولا جزم أنه فعلها فليقضها ثم يصلي الفجر بعد ذلك، أما إذا كانت أوهام وظنون لا أساس لها بل من عادته ومن طريقته العناية بها وفعلها في وقتها والصلاة كما شرع الله؛ فهذه وساوس لا يلتفت إليها ولا يعمل بها، بل يصلي الفجر ويحمل أمره على أنه فعلها والحمد لله كعادته المتبعة.

    1.   

    مشروعية إقامة المطلقة رجعياً في بيت زوجها

    السؤال: أيضاً هذه وردتنا من منفوحة من عبد الله بن سليمان يقول: إذا طلقت المرأة طلاقاً رجعياً؛ فما حكم إقامتها في بيتي، أو في بيت زوجها مدة عدتها؛ لأن كثيراً من الناس يرى ذلك منكراً، أفيدونا وفقكم الله، وجعل في إجابتكم السداد والصلاح لجميع المسلمين؟

    الجواب: المطلقة الرجعية عليها أن تعتد في بيت زوجها، وليس لها الخروج من بيت زوجها إلا إذا أتت فاحشة مبينة فإنها تخرج وتخرج، أما ما دامت على السداد والعافية فإنها تبقى في بيت زوجها، وهذا من وسائل رجوعه إليها وجمع الشمل بها وترك الاستمرار في طلاقها، وقد أمر الله جل وعلا ببقائها في البيت ونهى عن إخراجها، قال جل وعلا: يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق:1] هذه الآية الكريمة في الرجعيات؛ لأنها هي التي قد يحدث لها أمر بالمراجعة، بخلاف المطلقة طلاقاً بائناً فإن هذه لا يرجى فيها حدوث أمر أو يبدو له مراجعتها؛ لأنها لا تراجع إذا كانت قد بانت، فالطلاق المذكور في هذه الآية في الرجعيات، التي طلقها طلقة واحدة أو طلقها طلقتين فله مراجعتها ما دامت في العدة، فالواجب عليه إبقاءها في البيت وألا يخرجها وألا يرضى بإخراجها، ولو طلب أهلها خروجها ينبغي له أن يأبى، وينبغي لأهلها ألا يطلبوها، بل عليهم أن يساعدوا على بقائها في البيت؛ لهذه الآية الكريمة: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ، فإذا كانت المرأة على السداد وليس فيها أذى لأهل البيت ولم تأت الفاحشة فإنها تبقى في البيت، وربما ندم فراجعها قبل خروجها من العدة، وينبغي لها أيضاً كما قال جماعة من العلماء أن تتحسن له وأن تتزين له وأن تتعرض له حتى يراها إذا دخل وإذا خرج، فربما تاقت نفسه إليها، وربما رغب في مراجعتها إذا رآها في حالة حسنة، هكذا ينبغي.

    فبقاؤها في البيت أمر واجب، وعلى الزوج أن يبقيها، وعلى أهلها أن يوافقوا على ذلك، وعليها هي أن تبقى أيضاً في البيت، وينبغي لها أن تتحسن لزوجها وأن تتعرض له لعله يندم.. لعله يراجع قبل أن تخرج من العدة، هذا هو المشروع في هذه المسألة، وإن كان الغالب على الناس ترك ذلك والجهل بذلك، ولكن جهلهم وعملهم إذا خالف الشرع لا يحتج به.

    المقدم: لكن بقاؤها في البيت تكون متغطية أو متحجبة أو..؟

    الشيخ: لا، غير متحجبة، بل تكشف وجهها، وتلبس الملابس الحسنة، وتريه من نفسها ما يرغبه كإظهار شعرها وإظهار محاسنها من يديها ورجليها ووجهها وشعرها ونحو ذلك؛ لأنها زوجة، طلاقها الرجعي لا يحرمها عليه، بل لا تزال زوجة حتى تخرج من العدة، وإظهار محاسنها له وتحسنها وتطيبها له من أعظم الأسباب في رجوعه إليها.

    1.   

    تحريم وطء الزوجة في الدبر وبيان خطأ من أجاز ذلك

    السؤال: هذه رسالة المرسل محمد ماجد سليمان ، يقول في رسالته: سؤالي حول وطء الزوجة في دبرها، فقد قرأت في كتاب المغني لـابن قدامة الجزء السابع، صفحة (22) فصل: ولا يحل وطء الزوجة في الدبر في قول أكثر أهل العلم منهم علي وعبد الله وأبو الدرداء وابن عباس وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة ، وبه قال سعيد بن المسيب وأبو بكر بن عبد الرحمن ومجاهد وعكرمة والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر ، ورويت إباحته عن ابن عمر وزيد بن أسلم ونافع ومالك ، وروي عن مالك أنه قال: ما أدركت أحداً أقتدي به في ديني يشك في أنه حلال، وأهل العراق من أصحاب مالك ينكرون ذلك، واحتج من أجله بقول الله تعالى نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223]، وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:5-6]، فما رأي الدين في قول الذين أباحوا ذلك واحتجاج الإمام مالك بالآيتين الكريمتين؟ أرجو بيان حكم الدين بذلك، وفي قول الإمام مالك وابن عمر وزيد بن أسلم ونافع ؟! والسلام عليكم ورحمة الله.

    الجواب: هذه المسألة مما قامت الأدلة الصحيحة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام بالدلالة على تحريمها، وهي مسألة: الوطء في الدبر، هذه هي اللوطية المعروفة، ويقال لها: اللوطية الصغرى، فهي محرمة، هذه المسألة محرمة ومنكرة ومن الكبائر، وقد جاءت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحذر من ذلك، وتبين أن وطء الدبر من الزوجة أمر محرم ومنكر، وبه قال عامة أهل العلم وجمهورهم للأحاديث الواردة في ذلك، منها: قوله عليه الصلاة والسلام: (لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها) رواه الترمذي والنسائي بإسناد صحيح وأحمد رحمة الله عليهم، ومنها قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن -وفي لفظ: في أعجازهن-)، ويروى عنه عليه الصلاة والسلام: (ملعون من أتى امرأة في دبرها) في أحاديث كثيرة كلها دالة على تحريم الوطء في الدبر.

    أما قوله جل وعلا: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم [البقرة:223]، فهي كما دلت عليه الأحاديث؛ الحرث: هو الفرج، هذا محل الحرث، هو القبل، أما الدبر فليس محل حرث، ولكنه محل قذر.. محل غائط، فليس محل الحرث، وإنما حرث الإنسان قبل زوجته.. محل الولادة.. محل البذر يطؤها فيه، ثم إذا أراد الله شيئاً انعقد ذلك المني مع منيها وجاء الولد، فالقبل هو محل الحرث وليس الدبر، الدبر محل القذر.. محل النجاسة، والقبل هو محل الحرث، وفي الحديث الآخر: (مقبلات..) لما قالت اليهود: إن الرجل إذا أتى امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول، أكذبهم الله وأنزل قوله سبحانه: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم [البقرة:223]، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كان في صمام واحد) يعني: في القبل، هو الصمام، يعني: محل الحرث.

    فالحاصل أن الأحاديث الصحيحة وأقوال أئمة العلم من الصحابة ومن بعدهم كلها تدل على تحريم الوطء في الدبر، أما ما يروى عن ابن عمر أنه أجازه فهو غلط على ابن عمر ، والصواب أنه لا يثبت عن ابن عمر، وإنما أراد ابن عمر أنه يجوز أن تؤتى من قفاها في قبلها، يعني: يأتيها من دبرها في قبلها، يعني يكون إلى الدبر وهي مثلاً على جنبها أو كالساجدة فيأتيها من جهة قفاها في قبلها في الفرج لا في الدبر نفسه، فغلط بعض الناس فظن أنه يجيز الوطء في الدبر، وإنما يأتيها مدبرة في قبلها لا في دبرها، هذا هو الذي أراده ابن عمر وغيره ممن نقل عنه ذلك، ولو فرضنا أن بعض التابعين أو من بعدهم أجاز ذلك صريحاً وتوهم وغلط في هذا فقوله مردود وباطل لا يلتفت إليه؛ لأنه مصادم للآية الكريمة ومصادم للأحاديث الصحيحة، وكل قول يخالف ما قاله الله ورسوله فهو واجب الاطراح وواجب الترك، ولا يجوز أن تعارض به السنة الثابتة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما لا يجوز أن يعارض به ما قاله الله عز وجل، فالله قال: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم [البقرة:223] فالحرث هو محله القبل فقط، وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن) وقال: (لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلاً أو امرأة في دبرها)، ويروى عنه عليه الصلاة والسلام: (ملعون من أتى امرأة في دبرها)، وقد جاء في حديث ابن عمر ومن حديث عبد الله بن عمرو بسند جيد موقوفاً ومرفوعاً أنه سئل عن الوطء في الدبر فقال: (اللوطية الصغرى).

    فالحاصل أنه محرم بالنص وبقول أهل العلم الذي هو كالإجماع، وما يروى عن ابن عمر أو زيد بن أسلم أو مالك كله لا أصل له ولا صحة له، ولا يثبت عن مالك إباحته فيما نعلم، وإنما أوهام وأغلاط من بعض الرواة عنه والمنتسبين إليه، أما المحفوظ عنه رحمه الله فهو المنع وعدم جواز الوطء في الدبر، وهكذا المحفوظ عن ابن عمر هو المنع وليس الجواز، وإنما توهم بعض الناس في بعض الروايات عنه أنها تؤتى من دبرها في قبلها، فظنوا أنه يجيز الوطء في الدبر، وإنما أراد أن تؤتى من جهة الدبر في القبل نفسه.. في الفرج نفسه لا في الدبر الذي هو محل القذر، هذا هو الحق، وهو كالإجماع من أهل العلم، والخلاف الذي في هذا عن بعض السلف شاذ لا يلتفت إليه ولا يعول عليه بل هو منكر وباطل.

    1.   

    حكم قضاء الصلاة مع عدم معرفة عدد الصلوات المتروكة

    السؤال: هذه رسالة وردت من المستمع محمد أحمد محمد الشمراني من بلاد شمران باشوت يقول: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وخاتم النبيين، وبعد: فأبعث لكم برسالتي هذه أرجو من الله ثم منكم عرضها على فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز ، نقول لك محمد : الآن يجيب على رسالتك الشيخ عبد العزيز بن باز .

    والسؤال الأول: لقد دار نقاش بين اثنين عما إذا كانت الصلاة تقضى، فهل تقضى مع العلم أنه لا يعرف كم عدد الفروض التي تركت؟

    الجواب: إذا كان الإنسان ترك الصلاة عمداً فإنه يكفر بذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وقال عليه الصلاة والسلام: (بين الرجل وبين الكفر والشرك ترك الصلاة) رواه مسلم في الصحيح، وقال عليه الصلاة والسلام: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذورة سنامه الجهاد في سبيل الله)، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (من حافظ على الصلاة كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف) نسأل الله العافية، هؤلاء من كبار الكفار ومن صناديدهم، فالذي يضيع الصلاة يحشر مع هؤلاء، وذلك يدل على كفره العظيم؛ لأنه إن ضيعها شغلاً بالرياسة فقد أشبه فرعون، وإن ضيعها شغلاً بالوزارة والوظيفة فقد شابه هامان وزير فرعون، وإن ضيعها شغلاً بالمال والشهوات فقد شابه قارون الذي خسف الله به وبداره الأرض بسبب استكباره عن الحق واشتغاله بالشهوات، وإن تركها تشاغلاً بالمعاملات والبيع والشراء فقد شابه أبي بن خلف تاجر أهل مكة، فيكون كافراً محشوراً مع هؤلاء الكفرة نسأل الله العافية.

    فالحاصل أن تركها كفر فلا تقضى، إذا أسلم وهداه الله وتاب ليس عليه قضاء هذا هو الصواب، ليس عليه قضاؤها ولا قضاء غيرها كالصوم وغيره، إذا تاب بعد ذلك فإن التوبة تجب ما قبلها، والإسلام يهدم ما كان قبله كما قال الله سبحانه: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38]، فالتائب من تركه للصلاة ليس عليه قضاء؛ لأنه أسلم من جديد، هذا هو الصواب.

    1.   

    تحريم حلف طلاب المدارس بالنجاح

    السؤال: أيضاً يقول في رسالته: نلاحظ -فضيلة الشيخ- أن بعض الناس وبالذات طلاب المدارس يحلف بالنجاح فيقول: بنجاحي، ويقول: بتوفيقي، فهل هي شرك بالله؟ أرشدنا مع التوجيه السليم على القضاء على هذه العادة، مع العلم أنها منتشرة مع كثير من الطلاب، وفقكم الله؟

    الجواب: الحلف بغير الله من المنكرات ومن المحرمات الشركية، وقد أوضح النبي ذلك عليه الصلاة والسلام، وكان الناس أولاً يحلفون بآبائهم، كانت العرب تحلف بآبائها وأمهاتها، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بعد ذلك، وأدرك بعض الصحابة في ركبهم يحلفون بآبائهم، فنهاهم وقال: (إن الله نهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، وقال: (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، وقال: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، وقال: (من حلف بالأمانة فليس منا)، ولما قال سعد : (يا رسول الله! إني حلفت فقلت في يميني: واللات والعزى، فقال له: قل: (لا إله إلا الله)) سبع مرات، وفي بعض الروايات: (تعوذ بالله من الشيطان).

    فالمقصود أن الحلف بغير الله منكر ومن المحرمات الشركية، فلا يجوز أن يحلف بنجاحه ولا بأبيه ولا بأمه ولا بحياة فلان ولا برأس فلان ولا بالنبي ولا بالكعبة ولا بشرف فلان، كل هذه منكرات ومحرمات شركية ليس لأحد أن يتعاطها أبداً، ومن فعل شيئاً من هذا فعليه البدار بالتوبة من المحرمات الشركية ومن الشرك الأصغر، وقد يكون شركاً أكبر، إذا قام بقلبه تعظيم المحلوف به، وأنه يعظمه كما يعظم الله أو أنه يعتقد فيه شيئاً من العبادة والسر، هذا يكون شركاً أكبر نسأل الله العافية، أما إذا جرى على لسانه من غير قصد ولكنها عادة فهذا من الشرك الأصغر، فينبغي الحذر من هذا، وألا يحلف بأبيه ولا بأمه ولا بنجاحه ولا بتوفيقه ولا بغير ذلك، أما إذا كان قال: بتوفيقي، أي: (بتوفيق الله لي) قصده بتوفيق الله هذا شيء آخر، سأنجح بتوفيق الله أو كذا، أما (بتوفيقي) يقصد (بتوفيقي) الحلف بذلك، هذا لا يجوز، بل هو من المحرمات الشركية.

    فالحاصل أن الواجب على المسلم أن يحذر ورطات اللسان، فإن ورطات اللسان كثيرة وخطيرة وهذا منها، الحلف بغير الله من ورطات اللسان ومن آفات اللسان، فليحذر ذلك غاية الحذر، وإذا رأى من يفعله ينكر عليه ويعلمه وينصحه ويقول له: إن هذا لا يجوز، وأن الواجب الحلف بالله وحده سبحانه وتعالى.

    1.   

    حكم نقل المسجد إذا تعطل من المصلين إلى مسجد آخر

    السؤال: آخر رسالة معنا وردتنا من المستمع وصيم محمد أحمد عسيري وعلي أحمد زاهد الفيفي يقول: إني قد بنيت مسجداً في إحدى الحارات من الخشب، وقد نقلت إلى حارة أخرى، ولم يبق أحد في الحارة، وقد نقلت المسجد معي إلى الحارة الأخيرة، فهل علينا من نقله شيء من الذنب؟ أفيدونا وفقكم الله.

    الجواب: إذا انتقل الناس من حارة إلى حارة -من حارة قديمة إلى حارة جديدة- ولم يبق في الحارة أحد يصلي في المسجد فإنه ينقل إلى الحارة الجديدة، لا مانع من نقضه ونقل أخشابه وأدواته إلى المسجد الجديد، ثم يباع محله، يباع ويصرف الثمن في تعمير المسجد الجديد، أو لتعمير مسجد آخر؛ لأن بقاءه حينئذ تعطيل بلا فائدة، إذا انتقل الناس من حارة إلى حارة.. من مكان إلى مكان وبقيت مساجد الحارة خالية ليس فيها أحد يصلي فيها فإنها تهدم وتنقل أدواتها إلى المساجد الأخرى للعمارة، أو تباع وتصرف قيمتها في تعمير مساجد جديدة يحتاجها المسلمون في حارات أخرى، هذا هو الواجب ولا تعطل أبداً..

    المقدم: أحسنتم. أيها السادة! إلى هنا نأتي على نهاية لقائنا هذا الذي استعرضنا فيه أسئلة السادة: عبد الله السليمان من منفوحة، ومحمد ماجد سليمان ومحمد أحمد محمد الشمراني ببلاد شمران باشوت، ووصيم محمد أحمد عسيري ، وعلي أحمد زاهد الفيفي .

    عرضنا هذه الأسئلة والاستفسارات على سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

    شكراً لسماحة الشيخ، وشكراً لكم أيها الإخوة! وإلى أن نلتقي نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.