إسلام ويب

العاطفة والدعوةللشيخ : علي بن عمر بادحدح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • العاطفة جبلة بشرية جبل الله عز وجل عليها البشر؛ فينبغي للمسلم أن يجعل عاطفته على وفق ما شرع الله عز وجل، فلا يتساهل فيها حتى تصير ضعفاً وجبناً، ولا يزيد فيها حتى تخرج عن حدها، وليكن متوسطاً فيها، فخير الأمور أوسطها.

    1.   

    أهمية العاطفة

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا.

    والصلاة والسلام على خير خلق الله وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى سائر عباد الله الصالحين والدعاة.

    أما بعد:

    أيها الأخوة الكرام! (العاطفة والدعوة) هو عنوان الدرس الثالث والسبعين من هذه السلسلة من الدروس العامة، وينعقد في يوم الجمعة التاسع عشر من شهر الله المحرم عام أربعة عشر وأربعمائة وألف للهجرة النبوية، وهذا الموضوع من الموضوعات التي رأيت أن كثيراً من شباب الصحوة وأجيال الدعوة يتحدثون عن بعض ظواهره، ويسألون عن بعض مشكلاته وعوارضه، فأحببت أن أطرقه طرقاً يحيط بأصوله من الناحية النظرية والفكرية، ويلم كذلك بمشكلاته من الناحية التطبيقية العملية.

    العاطفة فطرة بشرية

    أهمية العاطفة تتضح من خلال أمرين اثنين:

    الأول منهما: أن العاطفة فطرة بشرية، والله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان وهو العليم به، كما قال جل وعلا: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14]، وكما قال سبحانه وتعالى: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30]؛ فإنه جل وعلا قد خلق الإنسان قبضة من طين، ونفخةً من روح، وجعل له عقلاً يفكر وعاطفةً تؤثر، وبين عقله وعاطفته أنزل له شرعاً يوجه العقل لئلا يشذ، ويحكم العاطفة لئلا تند، وبالتالي فإن طبيعة الإنسان وخصيصته البشرية أن العاطفة جزء أساسي فيه، بل جزء مميز له، فإن الإنسان في حقيقة الأمر مجموعة من العواطف، وكتلة من المشاعر؛ عنده حب متدفق، وقد يعتريه أحياناً بغض لا حد لمنتهاه في الانتصار للنفس، أو في تدبير الكيد لذلك المبغض، وكذلك عنده راحة وطمأنينة، ويعتيره قلق وهمّ، وأحياناً يكون في صورة من الأنس والانشراح، وأحياناً في وقت من التبرم والضيق، وكل هذا نوع من آثار أو صور العاطفة في نفس الإنسان.

    والحق بأن الإنسان بلا عاطفة كجثة هامدة؛ لأن العضلات والجوارح والمفاصل في الجسم البشري ليست هي التي تعبر عن كنه الإنسان بقدر ما يعبر عنه عقله وعاطفته، لذلك نعرف اليوم بما يسمى بالرجل الآلي أو ما يطلقون عليه الكمبيوتر أو العقل الإلكتروني، فهذا إن تجاوزنا أنه عقل مفكر بهذه التسمية على إقرارنا لها إلا أننا لا نصف هذه الأشياء بأن لها عاطفة، بل هي عقل صرف إن تجاوزنا عن حقيقة العقل الذي يفكر ويغير وليس هو مقيداً تقييداً كاملاً، فالإنسان بلا عاطفة -كما يقولون- كأنه حجر أو كأن قلبه من صخر لا يتأثر، يرى الفواجع فلا يهتز له جسم ولا يخفق له قلب، ويرى المباهج والمناظر الجميلة فلا تفتر شفتاه عن ابتسامة، ولا تجد في عينيه بريق سعادة، إن هذا في حقيقة الأمر كتلة من صخر أو إسمنت ليس فيه أية مشاعر؛ ولذلك قال بعض الأدباء -مع التجاوز عن بعض ما في هذه الكلمة-: ( من لم يطربه خرير المياه في الأنهار وحفيف الأشجار فليبك على نفسه؛ فإنه -كما يقولون- حمار. يعني: منعدم المشاعر والأحاسيس.

    والعاطفة أصلاً هي جزء رئيسي من تكوين الإنسان، وفطرة وجبلةٌ مما جبله الله عز وجل عليها.

    العاطفة فريضة إسلامية

    الأمر الثاني: أن العاطفة فريضة إسلامية؛ وذلك أن الإيمان مهيمن لا يقبل أنصاف الحلول، ولا يقبل منك أن تنطق باللسان، وليس هذا في حد ذاته كافياً في وصف الإيمان، فقد بين ذلك الله جل وعلا في شأن أهل النفاق فقال عنهم: آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [المائدة:41] ولا يكتفي منك أيضاً بمجرد الامتثال بالحركات والأعمال، فإن ذلك قد كان دأب المنافقين أيضاً؛ كما قال عز وجل: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا [النساء:142]؛ فإن الإيمان شرطه أن يستولي على القلب، وأن يضرب أوتاده في أعماق النفس، ولا يرضى إلا أن يكون حاكماً على كل إحساس وعلى كل شعور وعلى كل خفقة قلب، وعلى كل خلجة نفس، فلابد أن تحكم بهذا الإيمان؛ لأن الإيمان يغير الإنسان من داخله، فيغير مشاعره؛ ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) فليس لك أن تحب كما شئت، أو أن تبغض كما شئت، أو أن توافق هوى نفسك، أو أسلوب تربيتك، بل إذا تغلغل الإيمان في قلبك وجدت هذه العواطف؛ ولذلك قال سبحانه وتعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165]، فهذا الحب المرتبط بالله عز وجل والمحبة المتصلة برسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبة الأخوة الإيمانية بين أهل الإسلام كلها أمور إسلامية إيمانية من أخص خصائص هذا الدين ومن أعظم أركان هذا الإيمان، ولا يمكن أن نتصور إيماناً أو إسلاماً بدون تحققها الكامل، ولذلك ينبغي أن يعلم العبد المؤمن أن هذه الحقيقة ينبغي ألا تغيب عن باله مطلقاً.

    ونصوص الكتاب والسنة في أمر المحبة لله عز وجل والمحبة لرسوله صلى الله عليه وسلم كثيرة في هذا الباب ليس هذا مقام الاستطراد في ذكرها وسردها.

    1.   

    بعض الآثار الإيجابية للعواطف

    وإذا عرفنا أن العاطفة في أصلها فطرة بشريه وفريضة إسلامية، فلنذكر الآثار الإيجابية للعواطف، أي: ليس على سبيل التفصيل على واقع الأعيان، وإنما في الجملة:

    قوة التأثير

    أولاً: قوة التأثير:

    إن الكلمة وحدها مهما كان لها من شواهد وأدلة، ومهما كان لها من رصف وتنسيق لا تؤدي قوتها ما لم يكن ورائها قلب متحرق ونفس متحمسة يشعر الإنسان بنبض هذه المشاعر في كل حرف من هذه الحروف، فإذا كانت الكلمة حماسية كأنها لهب يتفجر، وإذا كانت الكلمة وعظية كأنها غيث يصيب أرضاً جدباء فيحييها من جديد، ويورق منها ما كان قد غارت عنه مياه الحياة.

    وإذا تأملت في بعض الأمثلة والمواقف من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تجد هذه الصورة بينة واضحة، فقد وصُف عليه الصلاة والسلام بأنه إذا خطب كأنه منذر جيش؛ حيث كان يحمر وجهه عليه الصلاة والسلام، ويظهر أثر انفعاله في هذه الكلمات، وكما في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (وعظنا رسول صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا)

    إذاً: لم تكن تلك الكلمات تأثيرها بمجرد العلم؛ فإن كثيراً من العلم إذا فقد العاطفة لا يؤدي أي تأثير وإلا لكان اتصال الإنسان بالكتب كافياً في أن يقوم سلوكه، وفي أن يوقظ حماسه وهمته نحو الخير والصلاح.

    وكذلك انظر إلى الموقف الذي كان في يوم حنين، فلما قسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم بين مسلمة الفتح والمؤلفة قلوبهم، ولم يقسم للأنصار رضوان الله عليهم، وجدوا في نفوسهم موجدةً، وقالوا: قد لقي محمد صلى الله عليه وسلم أهله وعشيرته. فلما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليهم وقال: (يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم وموجدة وجدتموها علي؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله؟ ثم قال لهم: حدثوني بما عندكم .. قال في آخر الحديث: فبكوا حتى أخضلت لحاهم من الدموع)

    إذاً: للكلمة سر في العاطفة التي وراءها، وفي القلب الذي يخفق بمعانيه قبل أن ينطق اللسان بكلماتها وحروفها.

    البذل والتضحية

    الأمر الثاني: البذل والتضحية:

    فإن من أعظم آثار العاطفة البذل والتضحية لمن خفق قلبك له بالحب، فإن أحببت الله عز وجل وأحببت رسوله صلى الله عليه وسلم وأحببت هذا الدين فإنك تبذل وتضحي في سبيل هذا الذي أحببته.

    ونحن نعلم أن العاطفة أمر مشترك؛ فإذا وجهتها وجهةً صحيحة نلت الأجر والخير، وتدفقت عاطفتك في المجال الصحيح، وإلا فإن هذه العواطف أيضاً لها مشارب شيطانية أو شهوانية تسلك بها في غير ما أراد الله عز وجل لها، فاستمع على سبيل المثال إلى خالد بن الوليد رضي الله وهو يقول: (ما ليلة تهدى إلي فيها عروس أحب إلي من ليلة شديد بردها ألقى فيها العدو فأقاتلهم في سبيل الله عز وجل).

    إذاً: هذه المحبة دفعته إلى أن يجد لذته في ذلك البذل وتلك التضحية وتحقيق قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة:111].

    وهذا البذل هو الذي ظهر في صورة حياة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فذاك أنس بن النضر رضي الله عنه يقول: (واها لريح الجنة؛ إني لأجد ريحها دون أحد).

    والصور في ذلك كثيرة، والصور غير الإيمانية أيضاً كثيرة نراها في حياتنا وفي تاريخ البشرية عموماً؛ ألم نسمع عن المحبين الذين بذلوا أموالهم وتركوا وظائفهم واستهانوا بجاههم كله بذلاً وتضحيةً لمن يحبون؟

    الرضا والقبول بشرع الله عز وجل

    الأمر الثالث: الرضا والقبول بما يأتي من المحبوب:

    فإنك إن أحببت الله سبحانه وتعالى رضيت بقضائه وقدرة، وإن أحببت الله عز وجل رضيت بأن تمتثل أمره، وأن تجتنب نهيه، وإن أحببت النبي صلى الله عليه وسلم قبلت منه كل هدي وإرشاد، وإن أحببت إخوانك المسلمين أفسحت لهم في قلبك، وأعطيتهم من خلاصة مهجتك ومشاعرك ولطفك ولينك وسماحتك ورزقك، وإذا تحقق ذلك قبلت منهم ورضيت منهم بما قد يقع من تقصير، وغضضت الطرف عن بعض هفواتهم، وتجازوت عن بعض ما نبا من كلماتهم وغير ذلك من الأمور.

    واستمع إلى قصة يوسف عليه السلام عندما قال: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف:33] ولما كان السجن هو الذي يقيد الحرية ولا تقبل به النفس البشرية كان محبوباً عنده؛ لأن فيه العصمة عما حرم الله عز وجل؛ ولأن فيه المهرب من المعاصي إلى الطاعات ومن الخلطة الفاسدة إلى الخلوة الصالحة مع الله سبحانه وتعالى، فلما كان الأمر كذلك: قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يوسف:33].

    ونحن نسمع أيضاً في مجال الحب المعروف المشهور أن كل شيء في حبك يهون، وغير ذلك من العبارات التي نحفظها ونعرفها ويقولون له: قد أساء إليك، ويقول: كل إساءة منه مقبولة، قد أعرض عنك، فيقول: ذاك صد الإغراء لا صد الإعراض، وكلما قيل له أمر رضي به وأحسن له التبرير والتماس العذر، فأحرى بك أن تكون مشاعرك إيمانية إسلامية وترضى وتقبل على هذا الأساس المحبة والعاطفة وفق الضوابط الشرعية.

    الصبر والثبات

    الرابع: الصبر والثبات:

    فكم تجد من تغلغل الحب في قلبه عنده من الصبر والثبات على أمره وعلى ما أحب من دينه وإيمانه ما لا يمكن أن يتنازل عنه أو أن ينكص على عقبيه أو يرتد على أدباره بعد إذ ذاق حلاوة الإيمان وارتبط بأخوة الإسلام، ولذلك كان بلال وخباب وغيرهما يلقون ما يلقون لا يصدهم ذلك عن دين الله، ولو لم يكن لهم ذلك التعلق القلبي لما ثبتوا ولما كانت لهم هذه الصور من الصبر الجميل الذي ثبتهم الله عز وجل به؛ لأن القناعة الفكرية لا تكفي، فقد تكون مقتنعاً بأمر ما فكرياً لكنك إذا اضطهدت في سبيله من الممكن أن تغير فكرتك أو أن تتنازل عنها أو أن تساوم فيها، لكن إذا خلصت الفكرة من العقل إلى القلب وامتزجت بالمشاعر، فإنه من الصعب أن يكون هناك تنازل عنها بل صبر وثبات عليها.

    الارتباط والتعلق بالمحبوب

    الخامس: الارتباط والتعلق:

    وهذا من أظهر آثار العواطف؛ فإنك إن أحببت الله ارتبطت به، وتعلقت في شأن النبي عليه الصلاة والسلام وإخوانك المؤمنين، وشعائر هذا الدين، والارتباط والتعلق أمره بين لا يخفى على أحد، كما قال المحبون من قبل:

    أمر على الديار ديار ليلى أقبل ذا الجدار وذا الجدار

    وما حب الديار شغفن قلبي ولكن حب من سكن الديار

    ولذلك وقفوا على الأطلال، ووصفوا الخيام والجمال، وكل ذلك من أثر ذلك التعلق والارتباط، وكما قال قائلهم أيضاً:

    فلو قيل للمجنون ليلى ووصلها تريد أم الدنيا وما في طواياها

    لقال غبارٌ من تراب نعالها أحب لنفسي وأشفى لبلواها

    أي: كل شيء يذكر بذلك المحبوب ويصل به يكون به أُنس النفس وقرة العين.

    وتأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (حبب إلى من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة) فإن الأول هو الفطرة البشرية التي جاء بها هذا الدين، فليس هناك ترهبن ولا تبتل ولا انقطاع عن ملذات الحياة العادية البشرية، والثاني هو أن هناك محبة أسمى وهي التي يتحقق فيها الارتباط بالله سبحانه وتعالى، ولذلك كان يقول عليه الصلاة والسلام: (أرحنا بها يا بلال ).

    العاطفة المتدفقة تربط كل شيء يذكرها بالمحبوب وكل أمر يربطها به وكل سبب يعلقها به ويجعلها لا تنساه مطلقاً، ولذلك كان للذكر أثر في طمأنينة القلب، وحلاوته في النفس، ومن أحب شيئاً أكثر من ذكره ولم ينسه مطلقاً، حتى إذا رأى الرؤيا في منامه فإذا به يراها متعلقة بهذا الأمر، فإذا أصابه مرض وصار يهذي بما لا يعرف إذا بهذيانه لا يذكر إلا المحب أو الحبيب الذي لا ينساه مطلقاً، ولذلك تجد هذه الآثار واضحة قوية، ولها أمثلة في جانب الخير وأمثلة في جانب الشهوة العادية، أو المتجاوزة للحد، وإن كان كثير من العلماء من أمثال ابن القيم وغيره جعلوا بعض أبيات المحبة التي ذكرها العشاق في المعاني الإيمانية في الصلة بين العبد وربه، واستشهدوا بهذه الأبيات في معاني المحبة الإيمانية بفروعها المختلفة، ولذلك كل هذه الآثار لها شواهدها في حياة الصحابة رضوان الله عليهم وفي حياة صدر الأمة عندما كان عندهم بذل وتضحية في سبيل هذا الدين، كما قال الشاعر:

    كنا نقدم للسيوف صدورنا لم نخش يوماً غاشماً جبارا

    وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولها أزهارا

    لم نخش طاغوتاً يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا

    ندعو جهاراً لا إله سوى الذي صنع الوجود وقدر الأقدارا

    ورءوسنا يا رب فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنماً وجوارا

    لقد كان هذا الحب الإيماني نصرةً وتضحية وبذلاً لهذا الدين، وكان هناك التعلق أيضاً كما جاء في الحديث عن ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه مرةً وقد تغير لونه، فقال له: (ما بك يا ثوبان ؟! فقال يا رسول الله! ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشةً شديدةً حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف ألا أراك؛ لأنك ترفع مع النبيين، وإني إن دخلت الجنة فأنا في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لا أرآك أبداً، فنزل قوله جل وعلا: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا [النساء:69]) ، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المرء مع من أحب) وهذا كله دليل وشاهد على صدق تلك المحبة الإيمانية، كما وقع من خبيب بن عدي رضي الله عنهم لما جيء به ليقتل أو ليصلب فقيل له: أتحب أن محمداً صلى الله عليه وسلم مكانك؟ قال: (والله! ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكةٌ وأني جالس في أهلي) فقال أبو سفيان -وكان في ذلك الوقت على الكفر-: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً.

    هذه هي العاطفة الصادقة إذا سارت في المشارب الإيمانية والمناهج الإسلامية.

    1.   

    أهمية ارتباط العاطفة بالعقل والشرع

    وعندما نعرف هذه الآثار ينبغي أن ندرك أن العاطفة ينبغي أن يكون لها توجه أو تأثر بأمرين اثنين: العقل، ومن قبله الشرع، فلا بد أن نعرف أمر العاطفة بين الشرع والعقل.

    إذاً: العاطفة لابد أن تكون مضبوطة بضابط الشرع، فلا حب لمجرد الشكل والمظهر واللون، أو لمجرد الألفة والميل، بل بموجب الأخوة الإيمانية وما سلف أن ذكرناه، والعقل كذلك قد يحتاج أن يحكم العاطفة؛ إذ العقل هو الذي يتلقى الشرع، ويقبل به، ويسلم له، ويكون أقدر على ترجيح المصلحة من العاطفة؛ ولذلك لابد أن تُحكم نزوات العواطف بنظرات العقول.

    والعقل وحده لا يكون كافياً أيضاً في تفسير الأمور، وإذا أردنا أن نمثل فإننا نقول: للعقل القيادة، وللعاطفة الحيوية، فإنك لو تصورت قافلة فلابد أن يكون العقل هو قائدها، ولكن لابد له من حادٍ يحدو بها في الطريق؛ ليزيل عنها أثر عناء السفر، وليهيج عاطفتها نحو المسير، كما قال الشاعر:

    إذا نحن أدلجنا وكنت أمامنا كفى لمطايانا بذكراك حاديا

    فمثل هذا يهيج، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل أنجشه يحدو بالإبل، فإذا بها تتأثر بذلك الصوت الشجي، وتسرع وتتحرك، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام عندها خوفاً من تأثير ذلك الصوت: (رفقاً بالقوارير يا أنجشه !)، هذا كله يفيدنا أن الأمر متوزع؛ فعقل مستقل متجرد عن العاطفة نتيجته قسوة وغلظة وعاطفة منفلتةٌ عن ضابط العقل وخفة وطيش، وكأنما هي طفل صغير تعطيه الأعطية فيضحك، وتمنعه منها فيغضب، وقد تكون الأعطية فيها حتفه، وقد يكون في منعها مصلحته ونفعه، ولكنه لا يميز بعقله، ولذلك يغلب على الطفل أنه مندفع مع عاطفته ببراءة كاملة، وتغلب المرأة عاطفتها أيضاً في مواطن كثيرة، فلا يكون عقلها أحكم لتلك العاطفة ولا أضبط لها.

    ولذلك في مسألة هذه العاطفة والعقل يقول ابن القيم رحمة الله عليه: إذا خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له. يعني: إذا كان الجسم دولة، وهناك حكومة للدولة، وهناك انقلاب يقع بين العقل والعاطفة، فيقول: إذا خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له. أي: عاد هو مستقلاً عن تأثر الهوى والعاطفة، أما إذا خضع العقل لسلطان الهوى والعاطفة فإنه يعود أسيراً لها، وتكون هي موجهة ومتحكمة في مساره، ولذلك تجد من يسمونه ويقولون عنه: إنسان عاطفي، أي: إنه ليس عنده إلا هذا القلب الذي يخفق محبة وميلاً وليناً إلى آخره، وليس عنده تلك القوة العقلية التي يبرز أثرها حتى تضبط مثل هذه الأمور.

    1.   

    بعض خصائص العواطف

    وأنتقل أيضاً إلى نقطة مهمة متعلقة بخصائص العواطف، وهي: قضية نمهد فيها لما يأتي من أمر الصلة المباشرة في صورة عملية بين العاطفة وممارسات دعوية:

    أول هذه الخصائص: أن العاطفة موجهة، بمعنى أنك لا تستطيع أن تقول إني أُحب فلاناً أو أحب شيئاً؛ ولكنني لن أتأثر أو لن تؤثر فيَّ هذه العاطفة، كلا! فطبيعة العاطفة أنها توجه، وأنها تدفع، وأنها تمنع، فليست هي قاصرة لمجرد الصورة الانطباعية، بل هي ذات تأثير موجه ومحرك.

    الأمر الثاني وهو أخطر هذه الخصائص: أن العاطفة تتأثر بالظروف، أي بالزمان وبالمكان وبالأحوال حال الشخص وحال الآخرين من حوله، فقد ترى إنساناً متعلقاً بآخر متصلاً به محباً له، ثم لا يلبث بعد حادثةٍ أو ظرف أن ينقلب رأساً على عقب، وينقلب الاتصال إلى انقطاع، والمحبة إلى بغضاء، وترى صورة تذكرك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، ولذلك من الصعب ضبط هذه العواطف وتربيتها، فليست هي قضية سهلة؛ لأنها متقلبة متأثرة.

    والأمر الثالث الناتج عن التأثر والتقلب: أنك لا تستطيع أن تثق بعاطفة بمجرد كونها عاطفة ما لم تضبط بالشرع والعقل، فلا يمكن أن تثق بعاطفة؛ لأن العواطف تكون بحكم هذه المؤثرات، فلا يكون للعاطفة استقرار ودوام إلا إذا بُنيت على أساس عقلي، واستندت إلى أحكام ونصوص وأدلة شرعية، فالعاطفة التي لا تسند إلى شرع ولا تكون منضبطة انضباط عقلٍ مستندٍ إلى شرع لا يمكن أن تكون ثابتة، بل طبيعتها التقلب الذي لا يمكن معه أن تطمئن أو أن يكون هناك تلك العلاقات التي يبنى عليها كثير من الأعمال.

    1.   

    حقيقة العاطفة ومقدارها

    وأخيراً: العاطفة مجهولة لا يعرف كنهها ولا يمكن تقديرها، فلا يمكن أن تقول: إني أحب فلاناً بمقدار نصف كيلو والآخر بمقدار كيلو، ولا يمكن أن تضبط المشاعر بموازين محسوسة، فهي أمر -كما قد يعبر عنه- هلامي، وهذه الجهالة هي سر من أسرار خفائها وصعوبة التعامل معها، فإن لم يكن لنا رجوع إلى الأحكام الشرعية فإن أمر العاطفة يبقى ليس له ضابط، وكما يقولون: ليس لها خطام ولا زمام، ومن هنا جاء أمر خطير، وهو استغلال العواطف.

    ومن أثر معرفة تقلبها: لماذا يغزونا أعداؤنا أو يؤثرون على وجه الخصوص في شبابنا بهذه العواطف، يلهبونها فتتحمس، ويغرونها فتتقدم؟ ولذلك تجد التأثير السلبي والاستغلال الرخيص لهذه العواطف عبر الصورة المتحركة في التمثيلية أو الفلم، وعبر الكلمة المهيجة في المواقف العاطفية كما يسمونها أو في الأغاني العاطفية وغير ذلك، وترى ذلك في القصص الذي يسمونه أيضاً قصصاً عاطفياً، كل ذلك تجد له استلاباً للعواطف الشبابية عموماً، وعواطف الفتيات على وجه الخصوص، فتجد بعض أولئك لا يتحرك إلا من خلال ذلك التأثير بهذه العواطف.

    1.   

    بعض العوامل المؤثرة على العاطفة

    ثم تنتقل أيضاً إلى صور أخرى أكثر في التأثير على العواطف من خلال ما يسمى بتحرير المرأة وتبرجها، ومن خلال الأمر الآخر الأخطر وهو الاختلاط، وكل ذلك ما هو إلا استغلال لهذه العواطف، ولذلك تجد كثيراً من هذه البيئات والشباب والشابات تسلط عليهم هذه العواطف وليس عندهم تربية إيمانية ولا توجيه إسلامي، فتجد أن هذه العاطفة ليست فقط تبعدهم عن الدين، بل تدمر حتى حياتهم ومستقبلهم، فتضيع -على سبيل المثال- مستقبلهم الدراسي، وتهدد مستقبلهم الوظيفي، وتقوض بنيانهم الاجتماعي، وكل ذلك كان سببه الانجراف وراء تلك العواطف عندما أُشعل سُعار الإغراء بها.

    وكثير من المجتمعات تصبح وتمسي وهي تخاطب بنداء الغريزة وتهييج العواطف المتعلقة بالجنس والحب والغرام والهيام، وهذا أيضاً مكمن خطر ينبغي أن نعرف أن له صلة بالدعوة، ومعنى هذا: أن هذه العواطف لابد أن نعرف كيف عالجها وضبطها وأحكم توجيهها الإسلام؛ لأننا لا يمكن أن نعاتب الناس هكذا، ولا يمكن أن نقول: هناك شباب ليس لهم همُُّ إلا الحب والغرام، فنعتب عليهم، ونشجب منهم ذلك دون أن نعرف حقائق الأمور وطبيعة النفس البشرية، فالحب والعاطفة أمر فطري.

    وثق تماماً أن أهل العلم والإيمان قد تكلموا في ذلك بما يبين أن أصل هذا الأمر قد لا يكون للمرء فيه خيار، وقضية ما يسمى بالحب من أول نظرة أو عبر الكلمة هو أمر أيضاً فطري قد يقع في كثير من الصور والأحوال، وقد ذكر ذلك ابن القيم في بعض كتبه وفي كتاب أخرجه لمثل هذه الأحوال.

    وأقول: هذه كلها لابد أن نعرف أن لها آثاراً، لابد أن نعرف أن للصورة الحسنة آثارها، وللكلمة اللينة أثرها، وأن نعرف أن لكل عمل وأسلوب في التعامل تأثيره، فكيف يمكن أن تعتب دون أن تعالج؟ لو نظرت -على سبيل المثال في إيجاز سريع- إلى أحكام هذا الأمر في شأن هذه العاطفة على وجه الخصوص لرأيت أن هذا الدين العظيم قد منع الوسائل المفضية إلى إثارة الشهوة والغريزة وإلى تحريك هذه العاطفة دون أن يكون لها مسارها الصحيح، فالنظر قال فيه عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30]، وقال: وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ [النور:31]، والسمع قال فيه سبحانه: فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] .

    والخلوة قال فيها صلى الله عليه وسلم: (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، والشم قال فيه صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة خرجت متعطرة ليجد ريحها فهي زانية)، وفي بعض الروايات: (تلعنها الملائكة حتى ترجع)، كل ذلك معرفة بطبيعة النفس البشرية، وأن هذا يؤثر فيها، كما قال بشار :

    يا قوم أُذني لبعض الحي عاشقةٌ والأذن تعشق قبل العين أحياناً

    وكثيرة هي الصور التي تؤثر في هذا الجانب، ونحن ربما نعتب دون أن نعرف حقيقة هذه العواطف، فكيف يمكن لنا أن نتعامل مع شباب في ثورة الشباب؟ وكيف نريد أن ندعوهم وأن نوجههم دون أن نعرف الفطرة البشرية والمؤثرات التي فيها، وأن نحكم التعامل معها؟ فإن مجرد الإنكار لها والغض منها أو الهجوم عليها ليس كافياً في علاجها، بل ربما كان مؤدياً إلى مزيد استحكامها وقوة تأثيرها.

    لنعلم أيضاً في هذا الصدد أن العواطف هي حركة الحياة، ومن ذلك أن العاطفة أو العواطف باعث على الحركة والعمل، فالإنسان يحب الامتلاك، ويحب أن يكون مؤثراً، وأن يكون له وجود في التغيير الفاعل في حركة الحياة من حوله، ولولا مثل هذه العاطفة لكان الناس ميتين خامدين لا يتحركون إلى عمل ولا إلى منقبة، بل يمكن أن يكونوا أمواتاً في صورة أحياء، والعاطفة هي التي توجد هذا الأمر.

    1.   

    العاطفة باعثة على العلاقة والصلة بين الداعية والمدعو

    ثم هناك أمر مهم آخر وهو: أن العاطفة باعث على العلاقة والصلة، ولو لم تكن هناك عاطفة لما كان هناك توجه الرجل للمرأة في تكوين أسرة، ولما وجدت تلك الشفقة والرحمة من الآباء والأمهات تجاه الأبناء، ولما وجدت عاطفة التقدير والاحترام من الأبناء تجاه الآباء والأمهات، ولما وجدت عواطف الصلات والمودة بين الناس التي تحكم لحمة الروابط بين المجتمع عموماً بغض النظر عن الناحية الإسلامية التي تزيدها قوة ورسوخاً وإحكاماً وتمكناً، وتعصمها من الخطأ والزلل التي تقع فيه العواصف بمجردها أو بمفردها.

    عاطفة المحبة بين الداعية والمدعو

    ثم أنتقل إلى لب هذا الموضوع وهو الذي يتعلق بصور من العواطف وصلتها بالممارسات الدعوية، وربما تنقلب العواطف إلى عواصف أو إلى قواصف في بعض الأحوال.

    وسوف أتحدث عن عاطفة المحبة على وجه الخصوص في الصلة بين الداعية والمدعو، فنحن نعلم أن المحبة ابتداءً أمر إسلامي إيماني بحيث لابد أن يحب المرء أخاه، ولا شك أنه إذا اتصل بآخر ليوجهه وينصحه ويدعوه إلى الخير فإنه سيكون بينهما ارتباط واتصال أكثر، وهذا يعني أن تكون محبته له أعظم وأكبر، وهذا أيضاً أمر مسلم به.

    ونحن نعلم أيضاً أن لهذه المحبة عندما تفيض في السلوك والتعامل مع المدعو أعظم الأثر في استمالة قلبه وإقناع عقله وتأثره بالداعية كقدوة يقتدي به في كثير من أحواله وسلوكياته.

    ونعلم أيضاً أن لهذه العاطفة ولهذه المحبة ما يعين على أن تتقوم نفس المدعو تقويماً عاطفياً، فتتهذب نفسه، ويُكِن الخير للآخرين، ويضمر المحبة، ويلتمس العذر، ويُحسن الظن، فهذه كلها من الآثار الإيجابية للتعامل الأخوي الذي تسوده المحبة الإيمانية والأخوة في الله عز وجل، ولكن هناك ما قد نسميه تجاوزاً للحد أو زيادةً عن القدر المطلوب، وهذا لمسته في بعض الأسئلة التي يذكرها الشباب، فيأتي أحدهم ويقول: إن لي صلةً بفلان من الناس أو بأخٍ لي أو بجار، وأدعوه إلى الخير، ولكنني أشعر أن هذه الصلة ليست هي الصلة المطلوبة في الأخوة في الله، وأشعر أن هناك أمراً آخر ليس مندرجاً في هذا الإطار أو تحت هذا العنوان، وقد يجد الإنسان لهذا صوراً أذكر بعضها، لكنني أحب أن أشير أولاً إلى أن وجود المحبة العاطفية البحتة مع الأخوة الإيمانية ليس أمراً معيباً ولا معترضاً عليه؛ فإننا عندما نقول -على سبيل المثال-: إن أصدق وأعظم وأكبر محبة هي الاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام، فلا يعني ذلك: أن نتبعه متجردين من عاطفة الحب، فالمحبة الصادقة أننا لسنا نتبعه عليه الصلاة والسلام لمجرد الأمر والنهي، بل هذا أصدق أنواع الإتباع، ونؤيده ونجعل له استمراريته وحيويته وقوته أن قلوبنا تخفق بالمحبة الخالصة العاطفية له عليه الصلاة والسلام؛ لما له من عظيم الخلال وكريم السجايا والمنزلة العالية عند الله عز وجل والنعمة والفضل الذي أسداه لهذه الأمة ولكل فرد منها، وذلك عندما تريد من خلال هذه الأخوة أن توجه وأن تنصح فإنك لا يمكن أن تنفصل عن المحبة العادية الفطرية، بل هي قرينة لهذا.

    أسباب الخلل والنقص والتجاوز في العاطفة عند الداعية

    ولكن الصورة التي فيها بعض الخلل أو النقص أو التجاوز هي التي يذكرها بعض الشباب، وهي أنها لها صور معينه أذكر بعضاً منها، وأشير إلى أسباب هذه الصورة:

    أولاً: التعلق الزائد عن الحد؛ فإن المحبة الفطرية أمر طبعي لا اعتراض عليه، ولكن عدم التيقظ قد يجعلها تزيد إلى أن تكون محبةً عاطفية بحتة، مثل محبة المحبين والعشاق.

    ثانياً: الخلطة الزائدة؛ فبعض الناس أو بعض الشباب بحكم الدعوة لا يكاد يصبح ولا يمسي إلا وهو مع هذا المدعو؛ بحجة أن يقوم سلوكه أو يدعوه، وقد ذكرت في الأسس المنهجية أن منها: الاستقلالية لا التبعية، الحديث أن من الخطأ أن نكون مثل اللصقة التي لا تنفصم عن الجسم ليلاً ونهاراً، صبحاً ومساءً، فإذا غبنا عنه اتصلنا به، وإذا سافرنا اتصلنا به اتصالاً كأنا لا يمكن أن ننفصل عنه، فهذه الخلطة الزائدة أيضاً سبب من أسباب وجود تلك العلاقة التي قد يكون فيها مآخذ.

    ثالثاً: عدم وضوح الهدف وقوة التربية عند الداعية؛ فإن هدفك من صلتك بكل إنسان هو هدف إنساني ترجو فيه الأجر لنفسك والخير لغيرك، فإن غاب عنك هذا الهدف تكون كحال الصياد الذي ذهب أن يصيد في البحر وهو يعلم أن هذا مصدر رزقه لكنه عندما ذهب أعجبته زرقة مياه البحر وانكسار الأمواج وانعكاس الشمس في غروبها وظلال الأشجار فجعل ينظر إلى هذه المناظر الجميلة، ويأنس بها، وربما يكتب الأشعار، ويدبج المقالات، ونسي الهدف الذي ذهب لأجله.

    وهكذا قد ينصرف الداعية -سيما إذا كان في مقتبل العمر وأول الشباب- إلى لطافة وظرف وحسن هيئة وتأنق عند المدعو، فإذا به يعجب بهذا، وينسى ذلك الهدف الذي كان أساس تلك الصلة، ويلحق بذلك عدم قوة التربية في الداعية، بمعنى: أنه ليس عنده التربية التي تجعله يضبط عواطفه، ويعرف كيف يقوم ويسوس الأمور.

    النقطة الرابعة: النواحي المادية الصرفة، وهذا أمر لابد أن نعرفه بوضوح وجلاء؛ فإن بعض التعلق قد يكون لما عند ذلك المدعو من مال، أو جاه، أو كذلك لما عنده من هيئة حسنة، ولا نعجب من ذلك؛ فإن سلف الأمة قد تكلموا في مسائل قد نعجب منها، أو قد يراها البعض بعيدة عن التصور، أو قد يظنها البعض منطوية على بعض التشدد، وليس من ذلك شيء، إنما هو معرفتهم الصحيحة بطبيعة النفس البشرية عندما كان العلماء يتحدثون -على سبيل المثال- عن الاختلاط أو النظر للأمرد أو كيف يكون جلوسه في مجلس العلم، أو غير ذلك مما ورد من الآثار في شأن وتصرفات سلف الأمة وبعض العلماء، مما يدل على أن الناحية المادية في الشكل والمعنى والمضمون لها أثرها؛ فينبغي للمرء ألا يغفل هذا.

    بعض الأمارات التي تدل على فساد العاطفة عند الداعية تجاه المدعو

    وقد يسأل الشاب ويقول: كيف أميز علاقتي بالمدعو حتى أعرف إن كانت في المسار أو خرجت عن الإطار؟

    فأقول: هناك بعض الملامح لعلك إن سألت نفسك عنها وصارحت نفسك بها وجدت الحل الذي يجعلك تنبته إن كنت قد وقعت في بعض الخطأ:

    أولاً: مدى لزوم استمرار الصلة، فما مدى ما في نفسك من لزوم استمرار الصلة؟ وهل أنت ترى أنه لابد ألا يمر يوم إلا وتراه، وألا تمر ساعة إلا وتتصل به، وألا يكون لك غرض في أن تذهب إلى مكان إلا وتصطحبه وترافقه؟ إذا كان هذا متأصلاً بقوة فاعلم أن هذا مظهر من المظاهر التي قد تعطي مؤشراً للتنبيه من الخطر.

    ثانياً: عدم النصح في الأخطاء، وهذا معلم بارز، فعندما يخطئ هذا المدعو فالأصل أنك تنصحه، ولا أقول لك: أغلظ له في القول، ولا أقول لك: كن عنيفاً معه، لكن إذا لم تنصح لا تصريحاً ولا تلميحاً ولا بالحكمة ولا بالأسلوب الحسن، بل كان همك أو ديدنك غض الطرف فاعلم أنك قد وافقته في هواه، وأنك قد تغلغل بعض الحب في قلبك، فلم تعد تريد أن تغضبه، أو أن تكسر خاطره، أو أن تجرح مشاعره، أو أن تخالفه في رأي أو قول، فإذا أردت أن تذهب للنزهة في مكان وقال هو مكان آخر قد يكون فيه ما فيه فإنك لا تعارضه في ذلك.

    ثالثاً: التبرير لكل خطأ أو لكل نقدٍ قد تسمعه من غيرك، إذ لا تكتفي بمجرد إقرارك بأخطائه، بل يقولون لك: إن فلاناً فيه اعتزاز بنفسه أو غرور، فتقول: لا؛ إن الله جميل يحب الجمال، ويقولون لك: إنه يفعل كذا وكذا، فتقول: إن طبيعة بيئته أو ظرفه كذا وكذا، فأنت هنا أيضاً تبرر أموراً كثيرة، ولا بأس أن تلتمس لأخيك الأعذار، لكن كثرة التبرير ودوامه مؤشر من هذه المؤشرات.

    رابعاً: التأثر بالغيرة من الآخرين، فإنك إن رأيته صحب فلاناً انقبضت نفسك، وإن رأيته كان متأثراً أو معجباً أو مشيداً أو مادحاً بفلان لعلمه أو لحسن بلاغته أو لقوة تأثيره رأيت أن ذلك يشعرك ببعض الضيق أو التضرر، فاعلم أن هذه المؤشرات والصور كلها دلالات على أن المسار قد خرج عن الإطار المطلوب، فاضبط عاطفتك بضابط الشرع، ونظمها وقومها بالعقل الذي تخطط فيه لهذه الدعوة مع هذا المدعو، فتحكم في الأمر، وقل: سأفعل معه كذا، وسأعطيه كذا، وسأسأله عن كذا، وسأعالج فيه أمر كذا من خلال كذا وكذا، ولا تترك الأمر هكذا عبثاً ومجالس فيها ضحك وكلام ينتج عنها مثل هذه المواقف.

    1.   

    عاطفة الحماسة وأثرها على الدعوة

    العاطفة الثانية وهي ذات خطب عظيم وكبير وهي: عاطفة الحماسة:

    وقد سلف لنا في حديث الهجرة وواقع الدعوة كلام يمس هذا الجانب في إطاره العام، فإن الحماسة عاطفة طيبة، وهي عاطفة الغيرة الإيمانية التي امتدحها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أتعجبون من غيرة سعد ؟ فوالله! إني لأغير منه) وكان النبي عليه الصلاة والسلام لا يغضب لشيء إلا أن تنتهك محارم الله عز وجل فلا يقوم لغضبه صلى الله عليه وسلم قائم.

    هذه العاطفة من النصرة للمسلمين والغيرة على هذا الدين والحمية ضد أعداء الإسلام والمسلمين عاطفة عظيمة جداً، وهي أساس من أساسيات قوة إيمان المسلم، ولكن هذه الحماسة قد تندفع فتطغى ويأتي من ورائها كثير من الأضرار والمخاطر.

    وقد يقول قائل أيضاً في جانب آخر: لابد أن نضبط العاطفة الحماسية، ولابد أن نقيدها، ولابد أن نروضها، ويبالغ في هذا حتى يئدها ويقتلها، فنقول له: لا، نحن لا نريد للجمرة أن تنطفئ، لكننا نريد أن يبقى فيها بقية الجمر حتى إذا تدحرجت في الوقت المناسب أشعلت تلك الأوراق أو الأخشاب أو الهشيم أو الحصير الذي تلامسه، فتشعله، فيؤدي ذلك الاشتعال إلى المطلوب، لكن تلك الحكمة التي يزعمها بعض الناس ويريدون أن يطفئوا جذوة الحماسة، وأن يجعلوا أجيال الإسلام وشباب الدعوة راكنين إلى الدنيا مطمئنين إلى ملذاتها، يشربون بارد الشراب، ويأكلون طيب الطعام، ولا تتحرك نفوسهم غيرةً ولا غضباً ولا حمية لدين الله، لا في كلمة حماسيه ولا في غيرة إيمانية ولا في إنكار منكر، هذا ليس مطلوباً.

    وفي الجانب الآخر ليس مطلوباً ذلك الاندفاع الذي يؤدي بالدعوة إلى المخاطر والمهاوي فيما يتعلق بمواجهة الأعداء أو بظروف الضغط والاضطهاد والتعذيب والمطاردة والملاحقة للدعوة والدعاة، فإن للمسلم أموراً كثيرة:

    أولها: أنه منضبط بضابط الشرع؛ فليس هو متصرفاً بردود الأفعال، وليعلم ما قاله الصحابة في بيعة العقبة للنبي عليه الصلاة والسلام: لو شئت أن نميل على أهل الوادي ميلةً واحدةً لفعلنا، فقال: (كلا! فإنا لم نؤمر بذلك) ، وليعلم كيف روض النبي صلى الله عليه وسلم تلك العاطفة المتدفقة في عمر رضي الله عنه يوم الحديبية لما قال: (يا رسول الله! ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى، قال: فعلامَ نعطي الدنية في ديننا؟) ، إنها عاطفة صادقة لم ينكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعبها على عمر ، ولكنه قال: (إني رسول، وإنه لن يضيعني) فذهب إلى أبي بكر ليرى رجاحة العقل واستقرار النفس، وقال له مقالة النبي عليه الصلاة والسلام، فقال أبو بكر : (الزم غرزه؛ فإنه رسول الله)، ذلك هو الفرق بين رجاحة العقل وسكون النفس عند أبي بكر ؛ فلم تجمح به العاطفة ولو في إطارها المقبول.

    وتلك العاطفة المتدفقة من عمر رضي الله عنه لم تنطلق من إيثارها، بل رجعت على أعقابها بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فقد وقع في نفوس الصحابة أمر عظيم يوم الحديبية، ولست في صدد ذكر الأحداث، ولكن لما جاء أبو جندل يرسف في قيوده، والمسلمون على بعد خطوات منه، وهو يستنجد بهم ويصرخ، ويريد أن يلتحق بهم، وأن يخرج من هذا الاضطهاد، وهم الذين خاضوا المعارك، وضحوا بالشهداء، ويرون هذا المظهر أمام عيونهم، لكنهم ينضبطون، ويلتزمون حكم النبي عليه الصلاة والسلام، ويقع في نفوسهم أيضاً أنهم عندما أمرهم عليه الصلاة والسلام أن يحلقوا رءوسهم وأن يتحللوا من عمرتهم فلم يستجيبوا في أول الأمر لما كان قد خالط القلوب والنفوس من همّ وغمٍ وكرب وضيق، فلما عمل النبي عليه الصلاة والسلام بمشورة أم سلمة فحلق ابتدروا يحلقون، حتى كاد يقتل بعضهم بعضاً، أو حتى سالت دماء بعضهم رضوان الله عليهم أجمعين.

    فإذاً: لابد لهذه العاطفة المتأججة في الشباب ألا تستفز، وأن نعلم أن أعداء الدعوة يريدون لها أن تستفز، وأن تخرج عن إطارها، ليشوهوا صورة الدعاة، ويروا الناس أنهم متهورون، وأن تصرفاتهم هوجاء، وليست الحماسة المندفعة في التصرفات، بل في الكلمات؛ فأنت تسمع من الكلمات ما قد يكون أفتك وأخطر وأكثر هولاً من الأفعال؛ لأن الكلمات فيها أحكام، ولنا مع الكلمة جولة -إن شاء الله- كما سأذكر في آخر الحديث.

    1.   

    أسباب الحماسة التي تخرج عن الإطار الصحيح

    ما أسباب تلك الحماسة التي قد تندفع وتخرج عن الإطار؟ أسبابها:

    السبب الأول: الدافع النفسي؛ إذ في النفوس حمية لقطف الثمرة وتحقيق الفكرة، فإذا اقتنعت بفكرة فإنني أحب أن تتحقق الفكرة قبل أي وقت آخر، وهذا طبع بشري.

    السبب الثاني: الحرارة الإيمانية، فالإيمان هو الذي يذكي حماسة القلب والنفس، ويريد لها أن تندفع، ولكن إذا تمعن فليعلم وليتذكر قول الله عز وجل: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [الروم:60]، فليس المسلم بالذي يستجيب للعاطفة دون هذا الضبط.

    السبب الثالث: واقع أعداء الدعوة الذين يحكمون قبضتهم على كثير من مقدرات المسلمين، وليس في بلاد الكفر فحسب، بل وفي بلاد الإسلام والمسلمين، فأنت ترى القبضة محكمة في إطار الحكم والسياسة، وفي إطار التربية والتعليم، وفي إطار الدعاية والإعلام، فقلَّ أن تجد في كثير من بلاد الإسلام نصرة للدين والدعوة، بل على العكس تجد في كثير من ممارساتها حرباً على الدين والدعوة، وهذا يستفز المشاعر أيما استفزاز؛ إذ كيف نكون في بلد إسلامي وإذا بصحف في تلك البلاد، أو مشاهد في إعلامها تعلن الكفر الصريح دون أن يسمح لمعترض أن يعترض أو لمنكر أن ينكر؟! إن ذلك قد يكون أحياناً أكبر مما تحتمله بعض النفوس التي لم تروض ولم تربَ التربية الكافية.

    السبب الرابع: الجهل بأساليب الكيد التي يخطط لها الأعداء ويمارسونها؛ فإن لهم أساليب ملتوية وخبيثة يريدون من خلالها أن يوقعوا الدعاة والشباب منهم على وجه الخصوص فيما لا تحمد عقباه.

    السبب الخامس: كثرة المنكرات التي تواجه الشباب في كثير من الوقائع العملية سماعاً ونظراً وقراءةً وفي كل الصور.

    السبب السادس: ضعف النفوس عن طول الطريق؛ فإن الطاقات تختلف، فلو تصورت أن الدعوة عبارة عن حمل ثقيل فهناك أصحاب أجسام قوية وعضلات فتية يمكن للواحد منهم أن يحمل ويسير ما شاء الله له أن يسير ولا يتعب، ومنهم من يمشي بعض خطوات أو قليلاً من الطريق ثم يقول: لابد أن أتخفف، وأن أنطلق لأبلغ المراد من غير هذا الطريق.

    السبب السابع: عدم وجود القدر الكافي من التخطيط الدعوي الذي يستوعب طاقات الشباب، فلا يئد حماسهم، ولا يجعلهم يبردون ويسكنون وتموت نفوسهم وهممهم، كما أنه يجعلهم ينفقون هذه الطاقة في ميادين عملية تحقق إيجابيات للدعوة ولهذا الدين، ويدركون من خلالها أن جولتهم مع الباقين يمكن أن تكون طويلة المدى، وأن تحقق بعض النجاح في جانب ثم في آخر ثم في ثالث، وإذا بالجولة بعد ذلك تتكامل انتصاراتها، وتؤدي ثمرة من الثمار المرجوة.

    السبب الثامن: عدم الخبرة الكافية والتجربة والنظر في التجارب الواقعية في الحياة الإسلامية، وهناك من سيرة النبي عليه الصلاة والسلام دروس كثيرة كلها عبر، لكن في الواقع الدعوي المعاصر دروسٌ كثيرة لما جره الحماس غير المتزن بضابط الشرع ولا بنظر المصلحة على الدعوة والدعاة.

    السبب التاسع: الغفلة عن سنن الله عز وجل في طبيعة التدرج وطبيعة الصراع بين الحق والباطل، وكما يقولون: قد ينتصر الباطل في جولة وجولة، ولكن الجولة الأخيرة ينبغي أن يكون يقيننا أنها للحق، وأن العاقبة للمتقين:

    وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق

    فلابد أن ندرك أن الأمر في ختامه لهذا الدين، وأن النصر لأهله، والبشارات في ذلك معروفة مأثورة مذكورة؛ فينبغي ألا نخرج عن إطارها.

    السبب العاشر: وهو الذي أختم به: عدم الفقه في الدين علماً بالشرع وتنزيلاً له على الواقع، فإن بعض الشباب يأخذ النص وينزله إنزالاً بعيداً عما فهمه أهل العلم، بل عما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم ومن جاء بعدهم من العلماء الذين عرفوا أن للأحكام تغيراً بتغير الظروف والأحوال والأشخاص، وأن هناك مراتب للأحكام: فهناك واجبات، وهناك سنن ومندوبات، وهناك محرمات، ودونها مكروهات، فلا ينبغي التسوية هكذا بين الأمور على عجلة دون روية، وهذه أيضاً مشكلة من المشكلات.

    1.   

    الغيرة وأثرها على الدعوة

    والثالثة التي نختم بها حديثنا بعد المحبة والحماسة: مسألة الغيرة:

    وهذه للأسف أيضاً مشكلاتها كثيرة، وأعني بها غيرة التنافس في ميادين الدعوة، فإن بعض الدعاة قد يغار أو يغضب من إخوة له يحبون الخير، ويسعون له، ويسيرون في طريقه، ويرغبون الناس فيه، لكن اجتهادهم يخالف اجتهاده، فإذا رأى الناس أقبلوا عليهم دونه أو اقتنعوا بفكرتهم وأسلوبهم دونه إذا به تشتعل في نفسه غيرة هي عاصفة في الأصل قد تكون محمودة إذا أخذناها على غرار التنافس في طور قول الله عز وجل: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]، وهكذا إذا أخذناها على أنها تكامل لا تصادم، وتعاون لا تراشق، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكن في التحريش بينكم)، وإذا بهذه الغيرة تتحول إلى نوع من البغضاء أو الشحناء، وتؤدي إلى صور كثيرة نراها في بعض الواقع الدعوي، في صور من الواقع الدعوي لا تخطئها العين.

    من هذه الصور: التنافر والبعد، ونحن نعلم أن المسلم أخو المسلم، وينبغي أن تربط بين المسلمين أخوة الإيمان، فإذا كان أولئك المسلمون دعاة، فأمر أخوتهم ومحبتهم ينبغي أن يكون آكد وأقوى، فما بالنا نرى عوام الناس من كبار السن من آبائنا وإخواننا الكبار أو أجدادنا وأمهاتها من العجائز في قلوبهم من الصفاء والألفة والمحبة ما نفتقده بين شباب نذروا أنفسهم للدعوة، أو نصبوا أنفسهم للدعوة، أو رفعوا راية الدعوة؟! إنه أمر لا يمكن أن يكون مقبولاً في ميزان الشرع ولا في منطق العقل.

    والصورة الثانية: مرحلة أخرى وهي: التحذير والتشويه، حيث لا يكتفي بأن ينفر منهم، بل يحذر الآخرين منهم، ويشوه صورتهم، وهذا لا شك أنه فساد في الطوية واختلال في النية، وسأذكر بعض الأسباب التي تبين هذا، لكن هو يشكل صورة لنفسية مريضة لم تتغذ بغذاء الإيمان، ولم تتطهر بطهارة الإسلام.

    الصورة الثالثة: تجاوز الحدود الشرعية في أمر ذلك التحذير أو النفرة أو التعامل عموماً، فإذا به يستخدم التورية كما يزعم ليصرف الناس عمن يزعم أنه على باطل، ثم إذا بالتورية تغدو كذباً صريحاً، بل يتجاوز الأمر إلى إحكام الكيد وتدبير المؤامرات وتلمس العيب وتتبع الأخطاء، وتجاوزات شرعية ليس لها آخر كما يقولون.

    بعض أسباب الغيرة السلبية

    وأذكر في هذا الصدد الأسباب التي تؤدي إلى هذه الظاهرة:

    فأول هذه الأسباب التي تحمل على هذه الغيرة: عدم قوة ورسوخ التربية الإيمانية:

    إذ المؤمن الذي يتربي على خلال الإسلام وآداب هذا الدين يعلم أن أمر المحبة في الله عز وجل يقضي بألا يكون هناك هذا التنافر وتلك البغضاء، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً) وبدأ في هذا الحديث بقوله (إن الظن أكذب الحديث)، أي: مجرد الظن السيئ الذي تسيء به إلى أخيك؛ فإن هذا الظن يورث في النفس نوعاً من النفرة، ويزرع بذرة من بذور البغض ليس هذا محلها ولا مكانها.

    الأمر الثاني: عدم استحضار طبيعة الواقع الدعوي:

    انظر إلى المجتمعات الإسلامية كم ترى فيها من الملتزمين شرع الله! وكم ترى فيها من الدعاة! وكم ترى فيها من العلماء! ترى قلة، وأنت تريد أن تجعل هذه القلة بصنيعك أقل من القليل؛ حيث إنك تفرق صفها، وتشيع الفرقة بينها، وتشوه صورتها، لينفر الناس عنها ومنها، وإذا بك في حقيقة الأمر تسيء إلى الدعوة، ولا تستحضر أمر المواجهة والكيد الذي يحاك ويوجه للدعوة والدعاة على اختلاف اجتهاداتهم وتصوراتهم.

    إن واقع العصر اليوم يدلنا على أن المسلم يُعادى ويكاد له ويضطهد لمجرد كونه مسلماً ولو كان مسلماً بالاسم، فكيف إذا كان مسلماً يعرف إسلامه، ويلتزم شرع الله عز وجل، ويدعو إليه، ويريد أن يحيي موات هذه الأمة، وأن يرفع راية الجهاد فيها؟ فإذا كان الدعاة على هذا القدم فإنهم ألد الأعداء وأعظم الخصوم بالنسبة لمن يحاربون هذا الدين، فإذا كنت أنت بهذه الغيرة المنحرفة تساهم في ضربهم أو تشويههم فإنك كأنما أخذت معول الأعداء لتريحهم من بعض العناء، وعندما سمع بعض السلف أحدهم يجرح أخاً له قال: هل قاتلت الترك؟ قال: لا، قال: هل قاتلت الروم؟ قال: لا، قال: هل قاتلت الهند؟ قال: لا، قال: أفيسلم منك أهل الروم، والترك، والهند، ولا يسلم منك أخوك المسلم؟!

    عجباً لأولئك؛ لم يسلم المسلمون من ألسنتهم، ولم يسلموا أيضاً من التخطيط الذي يبدعون فيه ويبذلون فيه جهدهم لحرب إخوانهم، وهم ليس لهم في مواجهة الأعداء أي جهد يذكر، وبالتالي فهم في هذا يساهمون في هذه الخطورة العظمى.

    ثالثاً: الأمراض النفسية من الكبر أو حب الذات والأنا أو الغرور:

    فإن بعضاً من أولئك فيهم علل مستعصية وأمراض سرطانية تحتاج إلى استئصال، وما لم تستأصل فإن نفس الواحد منهم تدفعه وتدعوه إلى مثل ذلك السلوك.

    ومن ذلك أيضاً وهو سبب مشترك: عدم الفقه والعلم:

    فتراه يقول: الحق أحق أن يتبع، ويقول: لابد أن أهجره في الله، ويقول:لابد أن يكون هناك مفاصلة.

    فعجباً كيف توقع الأمور في غير موقعها، وتنزل النصوص في غير ما هي منطبقة عليه؟! فإنك تجد أنه بمجرد اختلافه مع أخيه في رأي واحد أو في مسألة واحده بدعّه أو فسقه، ورأى أن من الواجب الشرعي أن يهجره، بل من الواجب الشرعي أن يحاربه! وهذا فقه سقيم وجهل مركب كما يقال.

    فهذه بعض تلك الأسباب لانحراف الغيرة عن واقعها الصحيح، وبالجملة فإن هذا الانحراف العاطفي واقع في صفوف الدعوة وشبابها، وإحكامه يكون بالتربية الإسلامية والعلم الشرعي والإدراك الواقعي والقيادة الراشدة؛ ولنعلم أن من تسمع له الكلمة من العلماء والدعاة والخطباء مسئوليتهم مضاعفة، فينبغي ألا يكونوا سبباً في توسيع شقة الخلاف، أو إذكاء نار التباغض أو التحاسد أو غير ذلك، وينبغي أن يعلم كل مسموع الكلمة أن كلمته يطيرها عنه المطيرون، وينقلها عنه الناقلون، ويفهمها عنه الفاهمون وغير الفاهمين، وهو في آخر الأمر يدرك مثل هذا، لكنه للأسف لا يلقي له بالاً.

    فإذا كان هناك شباب صغار فإن لهم كباراً، ولو توقعنا أنهم أخطئوا فلنا أن نغض الطرف عنهم، أو أن نعتذر لهم بجهلهم، لكنهم إن رجعوا إلى من يستشيرونه أو يقتدون به فوافقهم على خطئهم أو شجعهم عليه عرفنا أن تركيبة عقولهم وأن صيغة تربيتهم مبنية على أساس خاطئ، ويكون الأمر حينئذ أكبر وأخطر، فالصغير أو الجاهل يغتفر منه ما لا يغتفر من غيره.

    فهذه بعض المعالم والملامح المتعلقة بأمر العاطفة والدعوة، وأسأل الله عز وجل أن يعصمنا من الزلل، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.

    1.   

    الأسئلة

    كيفية دعوة أصحاب المعاصي

    السؤال: لي أخ يصلي بعض الفروض، ويسمع الغناء، وينغمس في بعض المعاصي، فهل ابدأ أدعوه أم أبدأ بشباب الحارة، أم كيف الطريقة التي أدعوه بها. مع العلم أنه أخي الأكبر؟

    الجواب: المعصية لا تمنع من الدعوة، بل تجعلها آكد وأوجب، فإن المستقيم من الناس والملتزم منهم والمسابق إلى الخيرات حاجته إلى النصح والوعظ أقل، والعاصي هو الذي يحتاج إلى جهد أكبر وأعظم وإلى استعداد وتهيئة، فلابد أن نعلم أنه لابد أولاً أن يشعر الإنسان بخطورة ورداءة وضرر الأمر الذي يمارسه، ثم أيضاً أن نحل محل المنكرات الأشياء المعروفة والخيرة والصلاح؛ حتى لا يبقى هناك الفراغ الذي قد يجعل العاصي يعود مرة أخرى إلى تلك المنكرات.

    وقد جاء مرة سائل ممن يسمعون الغناء يسأل عن حكم الغناء؟ فأجابه المسئول إجابة فيها بعض الحكمة؛ حيث قال له: هل أنت تقوم في أداء الفرائض والصلوات في الجماعات؟ وهل تؤدي دورك في تجاه أسرتك وأبيك وأمك، وهل تفعل كذا؟ وهل تفعل كذا؟ وهل تفعل كذا؟ ثم قال له: إذا انتهيت من هذا كله وبقي عندك وقت لسماع الغناء فسل عن حكمه، أي: أنك لابد أن توجه إلى وجهة نظر تلفت نظر السامع، وتجعله يشعر برداءة موقفه وممارسته، وأن المأمول منه والمرجو فيه غير ذلك، وأن هناك من الواجبات والأعمال ما ينتظر منه غير الذي هو فيه، حتى إذا قارن هذه المقارنة ربما يصيبه بعض الحياء والخجل من هذا الموقف.

    محبة أهل المعاصي

    السؤال: أحد زملائي في العمل يقول لي: إنه يحبني في الله، وهو تارك للصلاة، وأريد أن أرد عليه، فكيف تكون المحبة لله؟

    الجواب: معروف أن المحبة لله تكون بضابط الشرع، لكن لا يعني أنه إذا كان عاصياً أنه يبغض بالكلية، بل كما قال أهل العلم يحب في الله عز وجل لأصل الإيمان ولما هو عليه من الخير، ويبغض بقدر ما هو واقع فيه من المعصية.

    الرد على من يستدل بحديث: (ساعة وساعة) في فعل المعاصي

    السؤال: الشباب تميل عواطفهم نحو مشاهدة الأفلام، وسماع الأغاني، وضياع الأوقات، ويحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ساعة وساعة)، فما تعليقكم؟

    الجواب: ساعة وساعة المقصود بها: ساعة مشروعة وساعة مشروعة، وليس ساعة مشروعة وساعة ممنوعة، وليتها حتى في الواقع العملي ساعة وساعة، ولكنها ربع ساعة وألف ساعة، وكثير من هذه الأمور يعلم قائلها أنه غير محق فيها، وإنما لأنفسهم يمهدون، أو يريد أن يسلي عن نفسه، أو أن يخفف وخز الضمير وتأنيب النفس له على هذه المعاصي، فيريد أن يخفف ذلك ببعض هذه الأعذار، وهذا قد يكون -إن شاء الله- بشارة أو دلالة على أن فيه خيراً ما دام يقول: إن هذه ساعة قد تكون منشطة أو مرفهة، لكن ينبغي أن نعلم أن الضابط الشرعي: أنه لا يمكن قبول شيء ما دام داخلاً في دائرة المنهي عنه أو المحرم.

    الضوابط في التعامل بين الداعية والمدعو

    السؤال: حبذا أن تذكر لنا بعض الضوابط في التعامل بين الداعية والمدعو إذا كان الداعية حسن الهيئة، أو أمرد، أو غير ذلك مما قد يوجد بعض المشكلات لدى بعض الشباب، وقد يتسبب في وجود مخالفات محظورة؟

    الجواب: قد ذكرت هذا الأمر على وجه الخصوص، وبينت أو نصصت عليه؛ لأنه واقع، فأول علاج: أن نعرف المشكلة، وأن نسلم بوجودها، فالمشكلة التي يقع فيها بعض الشباب أنهم يغالطون أنفسهم، ويلبسون الخطأ ثوباً من الصواب، فيجعلون بعض تلك الممارسات تحت شعار الأخوة في الله، وتحت إطار التلطف الذي يستميلون به قلب المدعو ليؤثروا فيه إيجابياً؛ ليمتثل ويستجيب لأمر الخير والإصلاح، وهذا هو مكمن الخطر، فينبغي معرفة الآتي:

    أولاً: لابد من معرفة الخطأ والمصارحة فيه.

    ثانياً: لابد من معرفة الأسباب والامتناع منها، وقد ذكرت منها: كثرة الاختلاط، والتجاوز عن النصح، والتماس الأعذار، والتبرير الدائم، والغيرة من الآخرين، فتفقد نفسك لئلا تقع في هذا المحظور؛ إذ الوقوع يكون له مقدمات وبدايات ثم يستحكم، فإذا أدركته من البدايات سهل أمر العلاج له.

    ثالثاً: لابد أن يستفيد الإخوة من بعضهم البعض، وأن يكون بينهم مصارحة، وهنا يقع أيضاً لون من ألوان التقصير الذي ينبغي ألا يكون، فداعية يرى أخاه ربما يمارس أو يقع في خطأ في هذا الجانب، فيمنعه الحياء أو الحرج أن يلفت نظره إلى بعض الممارسات التي قد تكون لها بعض المحاذير أو الأخطار، فإن أمر الحياء ينبغي ألا يمنع من إحقاق الحق وإبداء النصح، فلو كان الإخوة فيما بينهم متناصحون لمنع ذلك من وقوع هذا الأمر.

    والأمر الذي بعده أمر القيادة الراشدة الواعية؛ فإن الأخ من الشباب لابد أن يكون له من يستنير برأيه، ويرجع إليه أو يطلب مشورته، فهذا ينبغي أن يكون دقيقاً بصيراً، وأن يعرف طبائع النفوس، وطبيعة سن الشباب، فلا نغفل مثل هذه الجوانب، ولا يقل أحد: إن الشاب مادام ملتزماً أو مصلياً فمعنى ذلك أنه يعصم من الخطأ أو يعصم من تأثير العواطف والغرائز، فهذا أمر غير مقبول ولا واقع في الجملة، فهذا ربما يشير إلى مثل هذا الأمر.

    كيفية الإقلاع عن الذنب لمن يتوب ثم يعود

    السؤال: هناك شخص يواقع -نسأل الله عز وجل السلامة- الزنا، ونذر ألا يفعل، ثم عاد، فماذا يفعل؟

    الجواب: مطلوب منه أن يقلع عن المنكر بنذر أو بغير نذر؛ فليست المسألة في أنه نذر أو لم ينذر، ولكن مثل هذا الأخ مشكلته أنه لم يكن حاسماً في إقلاعه عن الذنب، ولا مغيراً للبيئة التي تدعوه إليه، ولا كاشفاً لستره عند من يثق به من إخوانه حتى إذا نازعته نفسه عرف أن هناك من يعرف أمره من إخوانه، فيستطيع أن يجابهه، وأن يصارحه، بل ربما أن يصده ويردعه، وقبل ذلك وبعده عليه أن يدعو الله عز وجل بأن يعصمه، وأن يصرفه عن هذه المعاصي، وأن يقذف في قلبه حب الخيرات وبغض المنكرات.

    أهمية استغلال الأوقات في الأمور النافعة

    السؤال: بعض الشباب الملتزمين يطيلون المزاح ومشاهدة التمثيليات المباحة، ولا يكثرون الأذكار ولا يتناصحون، فما توجيهكم.؟

    الجواب: هذه من المشكلات الواقعة، وهي كثرة الترخص وقضاء الأوقات فيما لا نفع فيه، وقد ذكر ابن القيم أن مجالس الإخوان على ثلاثة أنواع، ثم مدح منها نوعاً وذم اثنين، ومن الأنواع المذمومة: أن يكون الغرض من تلك المجالس مجانسة الطبع وموافقة الميل وضياع الوقت وتكرار الأحاديث دون أن يكون هناك فائدة، وهؤلاء الإخوة لو استشعروا قيمة الوقت وعظمة المسئولية وخطورة الواقع الذي تمر به الأمة لما كان لهم مثل هذا، ولما ترخصوا، ولو ذكروا سير السلف الصالح لعرفوا كيف تكون الأمور.

    وأختم هذا بموقف للإمام أحمد : عندما كان في زمن الفتنة والمحنة وجاءه أبو سعيد الواسطي يسهل له، ويقرب له الترخص، وقال له: إن لك أبناءً، وإن لك زوجة، وإن لك كذا، فماذا قال له الإمام أحمد رحمة الله عليه؟ قال له: إذا كان هذا عقلك فقد استرحت.

    فإذا كان شباب الدعوة أو جيل الصحوة يهمهم ويرضيهم أن يقضوا الأوقات في الكلام والضحك، دون أن يكونوا على قدم جدٍ وعمل ويرضون بهذا فقد استراحوا.

    وأصحاب العقول المستريحة ليسوا ممدوحين، لأن المجانين هم أعظم أصحاب العقول المستريحة؛ لأنهم لا يفكرون في شيء، ولا يحملون هماً، ولا يلتمسون سبيلاً ولا طريقاً لأي عمل نافع أو صالح.

    فلذلك أوجه الإخوة من الشباب على وجه الخصوص: أن يربئوا بأنفسهم عن الوقوع في مثل هذه الأمور التي لا تليق بوصف المسلم فضلاً عن الملتزمين، فضلاً عن الداعية، فضلاً عن المجاهد.

    والله أسأل أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، وأن يجعلنا جنداً في سبيله مجاهدين، ودعاةً لدينه مخلصين، وعبادً له مخبتين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2741652395

    عدد مرات الحفظ

    684637145