إسلام ويب

حكم صن 400للشيخ : إبراهيم الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن مما غزانا به أعداء الإسلام كثرة اللعب والملهيات، ومن هذه اللعب (البلوت) التي ألهت كثيراً من شباب المسلمين وأضاعت أوقاتهم حتى في شهر (رمضان) مما جعلهم لا ينتبهون لآثارها وشرها العظيم، من ضياع الوقت والليالي الطويلة، وتضييع الصلوات المفروضة، وإهمال النوافل والطاعات، وما يحصل فيها من السب، والشتم، واللعان، والتنازع، وإهمال الحقوق الزوجية، والتقصير في تربية الأولاد ... إلى غير ذلك من المفاسد.

    1.   

    أهمية الموضوع

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    أحبتي في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    وهذا هو المجلس الخامس عشر من سلسلة الدروس العلمية والتي ينظمها المكتب التعاوني بمدينة الرس، وهذه الليلة ليلة الإثنين الموافق للخامس عشر من شهر شعبان للعام (1415هـ).

    وموضوع هذا اللقاء كما هو معروف من خلال الإعلان بعنوان: (حكم صن 400) وأقصد (بحكم) هنا الحكم الشرعي، وليس ما تعارف عليه لاعبي البلوت من أنه (صن حكم 400) كما يقولون.

    وهذا الموضوع أيها الأحبة! كان قد أُلقي قبل ثلاث سنوات تقريباً، وبالضبط في اليوم الحادي عشر من الشهر السادس للعام (1412هـ) وأذكر تلك الجموع الكبيرة التي حضرت ذلك الدرس، حتى صرح بعض الشباب أنهم لأول مرة يدخلون المسجد، وكانت ولله الحمد والمنة النتائج سريعة وفعالة بفضل الله عز وجل، فما أن خرجنا من المسجد حتى أعلن أعداد من الشباب توبتهم من هذه اللعبة، وهذا هو حسبنا بشبابنا أنهم إذا علموا الحق رجعوا إليه .

    ومنذ ذلك الوقت والطلبات تتكرر لإعادة هذا الموضوع وتسجيله بوضوح، والحقيقة أنني أجدني مضطراً لإعادته الآن مع علمي بتطور هذه اللعبة والتفنن بطرقها، ونظراً لانتشارها وفشوها بين صفوف الشباب، فإن واجبنا التذكير والتنبيه مرات ومرات.

    ويؤسفني حقيقة أيها الأحبة! أن مثل هذا الموضوع -وهو طاعون العصر كما يسمى- لم يأخذ حقه من الدراسة والطرح والتكرار من قبل المتخصصين، ومن قبل الدعاة إلى الله عز وجل، كغيره من مواضيع الشباب المهملة على الرغم من خطورتها، والانحدار الذي يعيشه شبابنا كما تعلمون .

    وعناصر هذا الموضوع أعدها سريعاً .

    1- أهمية الموضوع.

    2- اعتذار.

    3- مصادر البحث.

    4- البلوت.. متى وكيف؟

    5- قبل أن أبدأ.

    6- حجج المؤيدين للعبة.

    7- آثار وشرور هذه اللعبة.

    8-أحداث ومواقف وحقائق مذهلة.

    9- مواقف طريفة وغريبة .

    10- الحكم الشرعي.

    11- خاتمة.

    يعلم الله أيها الأحبة! أنني لم أصدق نفسي أنه سيأتي اليوم الذي أتكلم فيه عن مثل هذا الموضوع؛ لأنني بفضل الله عز وجل لم يسبق أن مست أناملي هذه الورقات، ولم أعرف قواعد هذه اللعبة ولا أصولها لا من قريب ولا من بعيد، وهذا من فضل الله عز وجل.

    وعندما جاء أعداد من الشباب يطرحون مثل هذا الموضوع للطرح في مثل هذه الدروس، في البداية كنت مستنكراً متعجباً أن يطلب مثل هذا الطلب، ولكن إصرار الشباب وتكفلهم -جزاهم الله عنا خيراً- بإجراء المقابلات واللقاءات والاستبيانات مع أعداد من لاعبي البلوت، ثم إحضارهم للنتائج المذهلة العجيبة الغريبة، التي لما وقفت عليها وقرأتها ما كان مني استجابة لهذه الإصرارات إلا أن أطرح مثل هذا الدرس.

    وبعد الجمع، والوقوف على كثير من الأحداث، عرفت حقيقةً أن البلوت يجب أن يسمى: طاعون العصر!

    ومن خلال الأحداث والمواقف التي جمعها الإخوة وهي أحداث عجيبة غريبة -كما ستسمعون- جعلني أقف مع هذا الموضوع وقفات كثيرة.

    1.   

    مصادر البحث

    مصادر هذا البحث هي ثلاثة مصادر، وتعلمون أن هذا البحث ليس بحثاً شرعياً حتى نرجع لأمهات الكتب والأصول الشرعية لنستقي منها هذا العلم، وإنما كانت المصادر والمراجع هي: اللقاءات والجلسات والاستفتاءات مع كثير من اللاعبين، وقد قام بهذا بعض الإخوة فليس لي -يعلم الله- سوى طرح مثل هذا الموضوع بين أيديكم.

    ثم أيضاً اطلعت على كتاب مصنف اسمه ( البلوت ) لـفؤاد عبد الحميد عنقاوي وهو تقريباً بحجم متوسط يقرب من خمسين ومئتي صفحة، ومرجع ثالث وهو استفتاء أجرته مجلة الدعوة السعودية في العدد (1315)، بتاريخ: (1/5/ 1412هـ).

    هذه المراجع تقريباً هي مراجع هذا البحث.

    1.   

    اعتذار

    واعتذاراً لأحبائنا وإخواننا الأفاضل متابعي الدرس العام أن نقطع عليهم لذة الدروس الإيمانية لنفاجئهم بهذا الموضوع، ولعل في حضورهم لهذا الموضوع فوائد كثيرة، منها:

    أولاً: أن يعلموا أن لإخواننا وشبابنا الذين يعيشون في العالم الآخر -وأقول: العالم الآخر أي: عالم الشهوات والمغريات- ليعلموا أن لهم حقوقاً كثيرة، فإن من واجب الدعاة إلى الله عز وجل، ومن واجب شباب الصحوة مشاركة إخوانهم مشاكلهم وهمومهم والوقوف معهم للأخذ بأيديهم لطريق الاستقامة، خاصة وأن الكثير منهم يشكو هجر الصالحين لهم، بل كما صرح بذلك أعداد كبيرة منهم يلقون باللائمة عليكم أنتم وأنهم -كما يدعون ويذكرون- يستحيون منكم، مع أن (98%) منهم صرح بحبه للصالحين، ورغبته وأمنيته لو أنه كان منهم.

    ولعل طرح مثل هذا الموضوع مشاركة منا لحل مشكلة هي من أخطر وأكبر المشاكل على شبابنا، فهي البوابة لكل رذيلة، وهي البداية للانحراف والضياع، وعالم المخدرات والشهوات، وهذا كله من نتائج هذا البحث المتواضع.

    ثانياً: أيها الأحبة! أنتم تسمعون هذا الموضوع، وعند سماعكم تعرفون فضل الله عز وجل عليكم يوم أن هداكم وفضلكم على كثير ممن خلق تفضيلاً، ونجاكم من مثل هذه الأخطار، فلله الحمد والمنة أولاً وآخراً.

    ثالثاً: التعرف والوقوف على عالم الشباب .. عالم العجائب والغرائب .. عالم التفنن في المعاصي والشهوات .. عالم الفتوة والقوة والهمم العالية، لكنها للأسف همم عالية في الفساد والضياع، سيندهش الكثير منكم مما يسمع، وسيتعجب مما يقال، ولكني أقول: إن ما سأذكره هو شيء يسير جداً من الحقيقة ، فهذه الدراسة على فئة قليلة، وفي مكان محدود، وعلى عجل وبدون تخطيط ولا تنظيم، فكيف لو تجمعت هذه الأسباب كلها؟ لتفطرت الأكباد، وتحرقت القلوب، وطاشت الألباب من النتائج العجيبة.

    هذا وهو موضوع واحد في عالم الشباب وهو: البلوت، فكيف لو أننا تطرقنا ونظرنا ووقفنا على الغناء والفن والرياضة والتشجيع واللواط -أعزكم الله- والمخدرات والسفر إلى الخارج والزنا، وغير ذلك من مواضيع الشباب المتعددة، وكيف بإضاعة الصلاة والأوقات والمروءات وعالم الرجولة وغيرها من مشاكل الشباب.

    لعلكم بعد هذا أيها الأخيار! وأنتم تسمعون الكلام عن مثل هذا الموضوع تعذرون وتشجعون على إلقاء مثل هذه المواضيع والحرص عليها، بل أقول: لعلكم تنشطون وتتحمسون للدخول في أوساط الشباب وانتشالهم مما هم فيه، لعلنا أن نترك الخلاف بيننا ولنبدأ العمل ولنحمل الهم، فإن الميدان بحاجة للجميع.

    أيها الأحبة! إن إخواننا من الشباب أمانة في أعناقنا، أنتم هداة ضلال، ودلال خير، فقوموا بواجبكم بارك الله فيكم، وعندها أبشروا بوعد الله وبالنصر والتمكين.

    1.   

    البلوت .. متى وكيف؟

    اختلف الرواة في كيفية ظهور البلوت في الحجاز، غير أن أكثر الروايات تشير إلى أنه ظهر في النصف الثاني من القرن الهجري الماضي، أي: في نهاية العهد العثماني، وفي أواخر أيام حكم الأشراف الذين حكموا الحجاز وما جاورها.

    ويعتقد أنها لعبة أوروبية وصلت إلى الحجاز عن طريق الهند بما كانت تمثله العلاقة بين البيوت التجارية في مدينتي مكة وجدة وبين الهند.

    ونلاحظ في مسميات ومصطلحات البلوت، والتي لا تزال تستعمل حتى الآن بعض الكلمات الإنجليزية والفرنسية، غير أن الشيخ أبا تراب الظاهري العلامة المؤرخ المعروف يتحفظ على هذا الرأي ويقول: إن ورق اللعب -ومن ضمنه لعبة البلوت- ترجع أصولها إلى الهند شكلاً ومضموناً، والدليل على ذلك أن أسماء أنواع الورق: (الكالة، والشيرية، واللال، والشوكت) كلمات كلها هندية الأصل، وقد لاقت هذه اللعبة -وللأسف- رواجاً كبيراً، وطغت على بقية الألعاب الأخرى التي كانت سائدة آنذاك، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه كما تسمعون وترون بأعينكم.

    ومن العجائب أن القصائد لم تسلم من البلوت، ولذلك أسوق لكم على سبيل الطرفة هذه القصيدة التي جاءت على لسان أحد اللاعبين، قبل الدخول في الموضوع. يقول هذا الشاعر -إن صحت تسميته شاعراً- يقول:

    يا لا عب الصن هذا كشفكم جاري     لكم عليكم ولا داع لسمسار

    فاختر رفيقك حريفاً وكن يقظاً     إن قيل حكماً فخذه صناً بإجبار

    وخل بالك من تنفير صاحبكم     أعطيه مطلوبه حتماً بإصرار

    ولا يفوتك أن تنسى الصر أبداً     من الشرارة تأتي شعلة النار

    أما إذا قيل أربعمائة حصلت     من الغريم فخذ بشتك ورح جاري

    وإن غلبتم فلا داع لشوشرة     فالوقت لا يحتمل تصنيف أعذار

    1.   

    قبل أن أبدأ

    قبل البداية وقبل الدخول في حقائق ومواقف هذا الموضوع، أقول: يا أخي الحبيب! لعلك أن تفتح لي قلبك، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الدين النصيحة) ويعلم الله أن هذه الكلمات هي من قلب محب، وأخ يخاف عليك ويود لك الخير، أهديها لك مع باقة من الأماني والأمل والدعاء.. الأماني بأنك سوف تسمع كلماتي إليك.. والأمل بأنك سوف تفتح لها قلبك وعقلك.. والدعاء بأن توفق إلى العلم بما فيها والعمل به.

    ولا ترج فعل الصالحات إلى غد     لعل غداً يأتي وأنت فقيد

    أخي الحبيب! اسمع لهذه الكلمات، ولا تهملها.

    ألا رب نصح يغلق الباب دونه     وغش إلى جنب السرير يقرب

    وجوب التزام أوامر الشرع

    فلك مني يا أخي الحبيب! هذه الكلمات الأخوية من قلب يحبك ويحترق من أجلك، ووالله ثم والله لولا حبي وخوفي عليك ما تفوهت بهذه الكلمات، وما أضعت الأوقات والساعات وذهبت أقلب الصفحات بحثاً عن الحق في مثل هذا الموضوع.

    أخي الحبيب! أعرف أنك مسلم أباً عن جد، وأنك تعتز بإسلامك وتفخر بدينك، ولا ترضى أن يمس بسوء لا من قريب ولا من بعيد، وأنك أعلنتها صرخة قوية من قلب حار، وقلت بكل صدق -إن شاء الله- : رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً رسولاً.

    وأعلم وتعلم أنت أيها العزيز! أن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، فمن ذا الذي يسلم من الخطأ؟ ومن ذا الذي يسلم من الغفلة منا نحن البشر؟

    إذاً: فالخطأ والتقصير والوقوع في المعصية هي صفة لنا، ولكننا نحمد الله كثيراً على أن فتح الباب على مصراعيه، فأرشدنا إلى التوبة والرجوع عند الغفلة والتقصير، بل قال صلى الله عليه وآله وسلم: (والذي نفسي بـيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) والحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة.

    إذاً: فيا أيها الحبيب! أنا وأنت نبحث عن الحق، ونريد الوصول إليه، ولو كان يخالف أهواءنا وشهواتنا.

    أخي الحبيب! أنت مسلم، فهلا أسلمت نفسك لله، وأخضعتها لأمره وحكمه؟!

    أخي الحبيب! رضيت بالله رباً، فهل ترضى بحكمه واختياره وشرعه، أم ترضى بحكم نفسك واختيارها؟!

    أخي العزيز! أنت رضيت بمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً نبياً، فهل خضعت لأمره، واعتصمت بقوله؟!

    إذاً: فيا أيها العزيز! إذا رضيت بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وآله وسلم رسولاً، فاعلم أن كل فعلٍ تفعله، وكلمة تقولها، ولباس تلبسه، وشربة تشربها، بل وحركة وسكنة تصدر منك، لابد أن تكون كما أمر الله ورسوله، وإلا فما معنى قولك إذاً: إنك رضيت بالله رباً؟؟ وما معنى قولك: إنك رضيت؟؟ وما معنى قولك: إنك مسلم؟

    ألم تعلم أن الإسلام: هو الاستسلام والخضوع لله؟! إذاً فليس لك اختيار مع أمر الله ونهيه، اسمع هذه الآية جيداً، وافتح لها قلبك، وأرع لها سمعك: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

    إذاً: فالإسلام ما ترك خيراً إلا وأمرك به، ولا شراً إلا ونهاك عنه.

    أخي الحبيب! تعال بقلب مؤمن مسلم معظم لأمر الله، تعال بنفس رضية للبحث عن الحق في مثل هذه القضية، نسأل الله عز وجل أن يرينا وإياك الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

    البلوت ورمضان

    رمضان فرصة لكل مسلم للاستثمار، وللاتجار مع الله عز وجل، وهو فرحة لكل مذنب للمحاسبة والتوبة والرجوع والتعويض، حتى أن الفاسقين يحرصون على رمضان وعلى الخيرات فيه، من صلوات وصدقات وقربات، وهذا أمر مشاهد ومحسوس.

    إلا أنك تجد في السنوات الأخيرة كثيراً من شبابنا غفلوا عن أهمية رمضان وقيمته، وعن فضل ساعاته ولياليه، فلم تعد تؤثر فيهم تلك الروحانيات، ولا ذلك الجو الإيماني الجميل الذي يعيشه المجتمع المسلم من حولهم، ففقد أولئك المساكين لذة رمضان، ولذة مناجاة ربهم، ولذة التضرع والانكسار والافتقار إلى الله عز وجل، ولذلك ما أقول إلا : قم لزيارة إلى الأرصفة في كل مدينة من مدننا لتجد مئات الشباب يتناثرون طوال الليالي من رمضان على امتدادها، ولتقف على الحلقات المعقودة لصفقات البلوت وما يصاحبها من صرخاتٍ وسبابٍ وشتامٍ، والنتيجة فرقة ونزاع وخصام، هذه كلها أوزار يحاسب عليها العبد، وهذه كلها تضييع للأوقات والأعمار، خاصة خلال هذه الليالي الفاضلة.

    ومن خلال هذه الدراسة تبين أيها الأحبة! أن أكثر الليالي احتداماً لحلبات الصراع -أي: صراع البلوت- هي ليالي رمضان وللأسف، وربما عقدت هذه الحلبات من بعد صلاة الفجر إلى ما يقرب من صلاة الظهر أو العصر عياذاً بالله.

    في رمضان الناس يركعون ويسجدون، وأولئك في صراخ وخصام.

    في رمضان الناس يقلبون صفحات القرآن، وأولئك يقلبون صفحات البلوت.

    في رمضان الناس تلهج ألسنتهم تسبيحاً لله، سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، وأولئك تلهج ألسنتهم بـ (شيريا) و

    (سبيت) و(سبيل) و(بنت) و(شاكوش) و(ولد)، وغيرها من ألفاظ وألقاب تلك الورقة.

    في رمضان الناس يسألون الله عز وجل العفو والعافية والفردوس الأعلى، وأولئك يسألون الله (صن حكم 400) والعياذ بالله.

    أين أنتم يا شباب؟ أين عقولكم؟ لماذا لا نفكر؟! أسألكم بالله، ألستم بحاجة إلى العمل الصالح؟ ألستم بحاجة لمحو السيئات؟ أو نقرأ أيها الشباب! سير أجدادنا وسلفنا الصالح رضوان الله عليهم أنهم هجروا حلق العلم والدروس، لماذا؟ من أجل التفرغ للعبادة وقراءة القرآن وكثرة الذكر في هذا الشهر، أما أنتم فقد هجرتم العبادة، وهجرتم قراءة القرآن وتركتم الذكر، من أجل ماذا؟ من أجل البلوت والجلوس على الأرصفة والرياضة وغير ذلك، فرمضان يشكو هجركم أيها الشباب!

    رمضان شهر القرآن والغفران والجنان .. رمضان شهر العتق من النيران .. رمضان شهر الصيام والقيام .. رمضان شهر التذلل والافتقار، والخضوع والانكسار، رمضان الشهر الذي يفخر ويعتز فيه كل مسلم على وجه الأرض، وشبابنا يضيعونه بالجلوس على الأرصفة، ولعب البلوت، والرياضة والغناء.

    لا وألف لا أيها الشباب! إنكم أكبر من ذلك وأعقل، فقط وقفة صادقة مع النفس، ولحظة محاسبة للنفس ومراجعة، وبعدها ستجد نداء الفطرة، ستجد الخير في نفسك، وعندها ستعلم أن رمضان لا يمكن أن يباع ولو بأغلى الأثمان.

    1.   

    حجج المؤيدين لهذه اللعبة

    أيها الأحبة! إن كل من جلس معه، وكل من نوقش حول البلوت، وجدنا أنهم يحتجون بحجج، بل ويذكرون أن للبلوت فوائد كثيرة، ولعلي لخصت هذه الفوائد والحجج بهذه النقاط سريعاً:

    أولاً: يقولون: إن من أكبر فوائد البلوت القضاء على وقت الفراغ.

    ويقولون أيضاً: إنها تحفظ الإنسان من الخوض في القيل والقال والغيبة والنميمة.

    وثالثاً: يذكرون أن من فوائد البلوت أنها تثير الحماس والتحدي.

    ورابعاً: يقولون: تعتبر وسيلة من وسائل اللهو البريء.

    وخامساً: يقولون: هي تنفيس من مهام المسئوليات ومتاعب العمل.

    وسادساً: أنها عاملٌ مهمٌ في تغذية أواصر الصداقة بين أفراد المجتمع وطبقاته كما يقولون.

    وسابعاً: أنها رياضة ذهنية تنمي الذهن والفكر والانتباه.

    وثامناً: يقولون: إن في البلوت الهروب من مشكلات اجتماعية، ومن هموم الحياة، وهو تبرير غريب لمواجهة هموم الحياة، فهم يناقضون السلوك الاجتماعي القويم في مواجهة المشكلات بمشكلات أخرى.

    أقول : هذه تقريباً ثمان حجج يحتج بها لاعبي البلوت، وذكرتها بأمانة وصدق حتى يكون هذا العرض بأمانة.

    يقول أحد الإخوة - ولا داعي من ذكر الأسماء وهو ممن أجرت معه مجلة الدعوة استبياناً أو استفتاء- يقول: عمره ثلاثون سنة وهو زوج وأب ، يقول: تسألني عن البلوت، تعلمته في سن التفتح وفي عمر سبع عشرة سنة، وكان السبب في تعثري في الدراسة وأحياناً في العمل، أنا الآن -وبفضل الله- مدير، وأصارحك بأنني أدمنت البلوت لسبب وحيد، أنني أهرب فيه من رتابة الحياة وزحف الهموم اليومية.

    وقيل له: مع من تلعب البلوت؟ فقال: ألعب الآن مع زملائي، والبلوت يكشف لي أخلاقهم، ومشكلتي أنني لا أعرف كيف أتخلى عنه؟ وبسببه أتعرض لمشاكل كثيرة.

    ثم قيل له: لماذا لا تتخلى عنه؟ قال: حاولت ولم أستطع، فأصدقائي مدمنون، وقد جروني لهذا الإدمان.

    أهم حجة لديهم وردها

    وأقف مع حجة واحدة ، وهي من أهم الحجج التي يحتج بها لاعبو البلوت.

    تاسعاً: قولهم: نقضي على الفراغ؛ أوجه سؤالاً فأقول: أسألكم بالله، وهل يوجد في وقت المسلم الجاد فراغ؟! وعلى فرض موافقة هؤلاء على وجود الفراغ، فأسأل وأقول: كم وقت الفراغ لدى هؤلاء؟! أقصد من يحتج بلعب البلوت بالقضاء على الفراغ، كم الوقت الذي يعتبرونه فراغاً بالنسبة لهم؟ ساعة أو ساعتان أو ثلاث، أم أن حياته كلها فراغ ؟!

    ثم أيضاً سؤال آخر: وهل وقت الفراغ يقضى بمثل هذه اللعبة؟! فأصبح يقضى على مشكلة الفراغ بمشكلة أخرى، وهي قتل الزمن وإضاعة العمر بلا فائدة، إلا إن قال قائلهم: إن في البلوت فائدة، وستأتي الإجابة على هذا.

    ثم نقول أيضاً لهؤلاء الذين يشتكون من الفراغ، أجب على هذه الأسئلة بصدق وصارح نفسك ولا تخادعها:

    أولاً: كم تقرأ القرآن في اليوم؟ بل أسألك قبل ذلك هل تجيد قراءة القرآن أصلاً أو تحفظ شيئاً منه؟!

    ثم أيضاً أسألك فأقول: أسألك بالله هل قمت بصلة الرحم، وزيارة أقربائك؛ لأن ذلك واجب عليك؟!

    ثم أقول لك أيضاً: هل جلست مع والديك ومع إخوانك؟ بل هل جلست مع زوجك وأولادك للتحدث معهم ومعرفة أحوالهم وحوائجهم؟!

    كم درساً أو محاضرة تحضر خلال الأسبوع، أو خلال الشهر؟!

    كم شريطاً مفيداً تسمعه في الأسبوع؟!

    كم كتاباً تقرؤه خلال الأسبوع أو الشهر؟!

    هل فكرت في قضاء هذا الفراغ الذي تدعيه بما يعود عليك بالفائدة من التحاق بالدورات العلمية، أو حتى بدورات الكمبيوتر أو اللغة الإنجليزية أو غير ذلك؟!

    هل قمت بزيارة المرضى بالمستشفيات؟ هل فكرت بزيارة المقابر للاتعاظ والاعتبار؟!

    بل هل أعطيت عملك الوظيفي حقه من الأمانة والصدق؟!

    كل هذه الأسئلة وكثيرة هي تلك الأسئلة، فأقول بعد ذلك: أين الفراغ -أيها الحبيب- الذي تشكو منه، والذي تدعي أنك تقضيه بهذه اللعبة؟! إذا فكرت بعقل وفكر ناضج ستجد أن الواجبات أكثر من الأوقات.

    ثم أقول أيضاً بعد كل هذه الأسئلة: لا تنس يا أخي الحبيب! أنك خلقت لهدف، وأن الله عز وجل خلقك للدعوة إلى الله عز وجل، وخلقك لعبادته، فإني أراك قد ضيعت الهدف الذي من أجله خلقت، أصبحت بدون مبدأ وبدون همّ، إن كثيراً من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ينتظر منك أن تقوم بإعانته، وبتوجيهه، وبإرشاده، فلماذا إذاً نخسرك ؟! لماذا نخسرك وتخسر أنت نفسك؟

    اعلم أيها الحبيب! أن الثروة الحقيقية هي الوقت، وأن الوقت هو العمر، وأنه أثمن ما تملك، وأنك ستحاسب على كل دقيقة تمر من عمرك، وستسأل عنها، ألم تسمع لقول الحق عز وجل: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115]؟!

    ستسأل عن عمرك فيما أفنيته، وعن شبابك فيما أبليته، فماذا ستقول؟ في حلقات وحلبات البلوت.

    ألا تعلم أن أهل الجنة -وهم أهل الجنة- يتحسرون على ذهاب ساعة، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم : (لن يتحسر أهل الجنة على شيء، إلا على ساعة مرت عليهم في غير ذكر الله عز وجل) فكم من الساعات تقضى لأولئك اللاعبين في غير ذكر الله؟! بل أقول: في معصية الله! وفي سب وشتام عياذاً بالله.

    إذاً: إذا أردنا الحق والتجرد من الهوى فالمسألة ليست مسألة فراغ، بل هي والله فتنة وشهوة، وهي والله ابتلاء ومحنة، فالساعات والليالي التي تضيع وتمضي من أجل البلوت خيالية لا تصدق، وخذ أمثلة على ذلك :

    من قصص من ابتلي بضياع الوقت في لعبة البلوت

    يقول أحد الإخوة : ذهب شباب في رحلة برية، فجلسوا يلعبون الورقة من الساعة السابعة مساءً، حتى صرفتهم أشعة الشمس المحرقة.

    ويقول بعض اللاعبين: أحد الدوريات في البلوت أخذت تلعب هذه اللعبة عند أحد الإخوة -ولا تتعجبوا من الزمن- من مغرب الأربعاء حتى صباح الجمعة.

    وقد استغربت هذا الأمر من الأخ القائل، لكنه أكد لي وقد وجدت علامة الصدق في وجهه أيها الأحبة!

    ويقول آخر : إن أحد الدوريات تجتمع في شهر رمضان للعب وتبدأ من الظهر حتى قبل آذان المغرب، وأكثر ما يكون ذلك في العشر الأواخر.

    ويقول أحد الإخوة -أيضاً- ممن أجرت معهم مجلة الدعوة استفتاء يقول: حتى تعلم خطورة البلوت، إليك ما حدث في شهر رمضان، يقول: دعيت إلى الإفطار عند أحد الجيران، وبعد الإفطار مباشرة بدأ المدعوون مهرجان اللعب دفعات، حتى صلاة العشاء، وصلوا العشاء في البيت بينما توجهنا إلى المسجد، وعدنا بعد صلاة التراويح، واكتشفت أنهم لم يصلوا التراويح، وظللت أراقبهم عن بعد واستمروا حتى السحور، ومن يدري ربما واصلوا أيضاً حتى بعد السحور.

    أليس هذا أمراً مؤسفاً؟! لقد أضاعوا بهجة هذه الأيام، وأضاعوا هذا الموسم العظيم في عبث تحت مسمع ومرأى من الأهل والأولاد، فنقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، حتى في رمضان يسيطر البلوت على عقول الشباب!

    ويقول أيضاً أحد الإخوة وهذه هي كتابته بخط يده: أذكر قبل أن ألتزم أنا كنا نلعب البلوت بعد صلاة الفجر في شهر رمضان حتى العاشرة صباحاً، وبعد ذلك ننام حتى المغرب، ثم نأخذ الشاي والفرشة ونذهب إلى الرصيف في وقت صلاة العشاء والتراويح، نلعب البلوت والناس تصلي حتى موعد السحور، ثم تدخل شلة وتخرج شلة -أي من الفرق التي تلعب البلوت- وفي بعض الأيام العادية وخاصة في الصيف عندما يأتي الليل، نلعب حتى خروج الشمس، وما يقيمنا إلا حرارتها.

    والعجيب أنه قال: فإذا لم يغالبنا النعاس بعد صلاة الفجر من السهر طوال الليل، فإننا نكمل تحت الجسور، وكثيراً ما تحدث المشاكل بيننا، وتجدنا نجلس مع بعضنا ونحن حاقدون على بعض بسبب هذه اللعبة.

    1.   

    آثار هذه اللعبة وشرورها

    ضياع الوقت في اللعب

    الأول: ضياع الوقت بالساعات الطويلة، بل والليالي والأيام كما سمعتم.

    تضييع الفرائض والواجبات

    الثاني: تضييع الفروض والواجبات كالصلوات والتساهل بها، وقد اعترف أعداد كبيرة من اللاعبين بهذا كما تقدم.

    والعجيب أيها الأحبة! أن شبابنا لا أدري هل هم يعلمون أن الله عز وجل لم يعذر حتى المجاهدين في سبيله في المعركة بترك الصلاة أو تأخيرها؟! بل أمرهم أن يؤدوا الصلاة، وبين لهم سبحانه وتعالى كيف يؤدونها، وهم في أشد اللحظات الحرجة، فعجباً من أولئك الشباب الذين يعقدون الساعات تلو الساعات، وتضييع الصلوات وهم في لعب والعياذ بالله!

    يقول أحدهم: لا بد للاعب البلوت من السهر، لأن اللعبة عادة ما تكون بعد صلاة العشاء، مما يترتب عليه إضاعة صلاة الفجر، فإذا قرب الأذان أو بقي عليه نصف ساعة تفرقوا للنوم قبل الصلاة.

    كثرة اللعان والسباب والشتم

    الثالث من آثارها: اللعان والسب والشتم:

    اللعان والسب والشتم والكلام البذيء والحلف بالله كذباً، والحلف بالطلاق، وغيرها من الكلمات التي يقولها صاحبها ولا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً؛ عياذاً بالله.

    يقول أحدهم: يحدث في اللعب ما يسمونه بالحرب النفسية، وتقوم كل فرقة بإصدار أقبح الألفاظ وأسوأ التشبيهات، مثل

    -وأعيذ أيها الأحبة مسامعكم أن أتكلم بمثل هذه الألفاظ ولكنه الواقع- يقول مثل : زنديق، نمرود، ديوث؛ ويبررون ذلك بأنها على سبيل المزاح، هذا خلاف الأيمان المغلظة من الطرفين، فلا ندري أيهما الصادق.

    ويقول آخر: اشتد النزاع بين أفراد الفرقة فقال أحد أفرادها: عليّ الطلاق ما ألعب معك مرة ثانية.

    التنازع الموصل إلى الضرب بالأيدي

    الرابع من الآثار: الضرب والتنازع بالأيدي وبالأدوات مما يحيط بهم (كزمزميات) الشاي مثلاً أو الفناجين، وقد يصل في بعض الأحيان إلى التنازع بالسكاكين، والأمثلة كثيرة.

    يقول أحدهم: أذكر قصة رأيتها، يقول: اجتمع بعض الشباب وبدءوا باللعب، وأخذ اللعب يشتد وبدأ الحماس، ثم وصل إلى حد الغضب، فبدأ التنابز بالألقاب، فقام أحدهم فتناول دلة القهوة التي كانت بقربه، وضرب بها الآخر، فقام الآخر وأحضر السكين وأراد أن يضرب بها زميله، فحاول الآخرون منعه فضرب أحدهم وقطع يده.

    ويقول آخر: مجموعة تلعب، وحصل بين اثنين منهم مشادة كلامية وصلت إلى المضاربة بينهم، وتم التفريق بينهم بعد تدخل الجميع، وانكسار أصبع أحدهم، ثم صارت الشحناء بينهم، واستمرت إلى وقت طويل.

    ويقول آخر: في أحد مباريات البلوت، وعندما أخطأ أحد أفراد الفرقة، قام الآخر وشتم أباه وجده، وآخر قام وضرب الورقة بوجه زميله، فحدث بينهما خلاف شديد.

    وفي الاستفتاء الذي عملته مجلة الدعوة ، أكد أن (99%) من جلسات البلوت تنتهي بخصام ومشاجرات، فأين القائلين إذن أن جلسات البلوت عامل مهم في تغذية أواصر الصداقة بين أفراد المجتمع وطبقاته؟!

    فنقول لهؤلاء الأحبة: لا يعميكم حب اللعبة عن الحقيقة المرة.

    الابتلاء بالمعاصي كشرب الدخان والشيشة

    الخامس من آثارها: شرب الدخان -أعزكم الله- والشيشة والإفراط فيها، هذا لمن كان مدخناً، وتعلم بعض اللاعبين شرب الدخان والشيشة من خلال جلسات البلوت المستمرة، فكثير من المدخنين وشاربي الشيشة بل ومن متعاطيي المخدرات ذكروا أن بدايتهم كانت من خلال جلسات البلوت والكنكان والتركس وغيرها، وهي بداية النهاية والعياذ بالله!

    أما من يستطيع أن يتغلب على نفسه ولا يدخن ويقوي نفسه فلا يسلم من الروائح الكريهة ورائحة ثيابه، ناهيك عن الأمراض التنفسية من سحب الأدخنة المتراكمة في المكان، وقد ذكرت الدعوة في استفتائها أن (67%) يدخنون بشراهة أثناء اللعب من باب التسلية وإضاعة الوقت، وانتهى به الحال بالتدخين والشيشة وقد يصل الحال بعض الأحيان لبعض الأفراد إلى المخدرات، كما حصل في بعض الحالات، ومن أراد الوقوف على مثل هذه القصص الواقعية فليرجع إلى قصص التوبة، مثل ( العائدون إلى الله ) في أجزائه الخمسة ليقرأ بنفسه كيف أن البداية لكثير من أصحاب المخدرات كانت بسبب جلسات البلوت.

    عدم الاهتمام بحقوق الزوجة والرعية

    السادس: الخلافات العائلية والتقصير الواضح في حق الزوجة والأولاد، وقد اتضح من خلال البحث أن جميع زوجات اللاعبين للورقة يشكين همهن بالليل والنهار، فهو يسهر ليلاً ويذهب لوظيفته نهاراً، وقد يصل الحال في بعض الأحيان إلى الطلاق.

    ويعلم الله أن زوجة أحد اللاعبين صرحت لي فقالت: إنها الآن تطلب الطلاق منه بسبب أنه يسهر الليل كله مع أصحابه في البلوت، والنهار في وظيفته.

    وتتلخص شكاوى الزوجات في التالي:

    السهر الطويل إلى ساعات متأخرة بالليل، والانتظار الممل من قبل الزوجة المسكينة.

    يقول أحد التائبين: وقد لعبت البلوت عشرين سنة، ليتصور الرجل أنه هو الذي ينتظر زوجته، أو أنها تخرج كل ليلة إلى أهلها أو مناسبة، فماذا سيحصل؟ هل سيصبر؟! وهل سيطيق الانتظار؟!

    ثم ثانياً: اللعن والسب والضرب أحياناً للزوجة المسكينة عند رجوع الزوج في ساعات متأخرة من الليل، وعند سؤاله عن سبب التأخر أو معاتبته، وويل لها خاصة إن كان الزوج مهزوماً.

    ثم أيضاً التأذي من رائحته إن كان مدخناً، أو من رائحة ملابسه لمجالسة المدخنين .

    ثم: إهمال البيت وحوائج البيت، وعدم إحضار اللوازم الضرورية، ويقابل ذلك بكل تساهل بقوله :نسيت.

    وهذه علامات بارزة للاعب البلوت، وقد شكت كثير من النساء من هذه الأمور.

    التقصير والإهمال في تربية الأولاد

    السابع: التقصير والإهمال للأولاد وتربيتهم، ومراجعة الدروس ومتابعة أحوالهم، بل إنه أصبح قدوة سيئة لهم، فيفعلون ما يفعل، فكم من شاب عرف البلوت عن طريق أبيه أو عن طريق أخيه، بل وعرف التدخين.

    تقول مجلة الدعوة في استفتائها: وكثير من شباب الاستفتاء قالوا: إنهم شاهدوا آباءهم أو إخوانهم الكبار يلعبون البلوت، فقاموا بتقليدهم، وهو تكريس للمثل الشائع: الكبار -يعني: في كثير من الأحوال- سبب سقوط الصغار، والإنسان نتيجة طبيعية للبيئة التي ينشأ فيها . هذا قول المجلة.

    وبافتقاد القدوة الحسنة تضيع الأجيال الجديدة، فهل يتعظ هؤلاء الآباء؟ وخذ مثالاً: رجل يلعب، ويلعب ضده في نفس اللعبة ابنه، وفي شدة حماسه والابن منتصر أخذ الأب يسب ويلعن ويقول لابنه: الله يلعن أبوك -والعياذ بالله- بهذا اللفظ يلعن نفسه، وهو لا يشعر هذا المسكين.

    بل في إحدى جلسات البلوت أيضاً -وكما في النتائج التي جاء بها الإخوة وهي أمامي- يقول أحدهم: إن في إحدى جلسات البلوت جاء الوالد بابنه ليلعب أمامه، وبعد أن اشتد اللعب وزاد الحماس، إذا بالوالد المسكين يخطىء في إحدى المرات، فما كان من هذا الولد إلا أن أخذ الورق من الأرض وجمعها في يده، ثم ضرب بها وجه أبيه أمام الحاضرين، بل أكثر من ذلك فقد أخذ يسبه ويشتمه ويصفه بالغباء والبلاهة أمام الحاضرين.

    ونقول لمثل هذا الأب: يداك أوكتا وفوك نفخ! فأنت الذي صنعت هذا الابن.

    وأيضاً في الاستفتاء الذي قام به عنقاوي في كتابه: ( البلوت ) سأل سؤالاً ورقم هذا السؤال الرابع عشر في صفحة (59) تقريباً من الكتاب، قال: هل تسمح لابنك بأن يلعب معك البلوت؟ فكانت الإجابة -في صفحة (113)- (60%) -وجري الاستبيان على مائة تقريباً- لا يسمحون بلعب البلوت مع الأبناء، و(30%) يسمحون، و(10%) ليس عندهم أبناء في سن يسمح لهم باللعب معهم.

    المخاصمة والهجر والعداء والمقاطعة بين اللاعبين

    الثامن من الآثار: المقاطعة والتخاصم والعداء، وقد يطول الهجر والبعد بين الإخوة وبين اللاعبين إلى سنين، وقد تستمر حتى وفاتهم -والعياذ بالله- وتقدم ذكر بعض الأمثلة، وخذ إن أردت زيادة أمثلة وهي كثيرة:

    يقول أحدهم: شباب يقضون إجازة نصف السنة في خيمة، وكانوا يلعبون البلوت فتجادلوا في إحدى المرات وتخاصموا، فقاموا جميعاً وأنزلوا خيمتهم وعادوا إلى بيوتهم، وظل الخصام بينهم لمدة شهرين أو أكثر.

    ومثال آخر يقول: جماعة يلعبون البلوت، فتجادل اثنان منهم فتخاصما، ولا يزالا متخاصمين حتى الآن، ولهما الآن أكثر من سنتين وهما على هذه الحال.

    ويقول أيضاً آخر: ولا يقف الخصام والمقاطعة بسبب البلوت بين الشباب فقط، بل هناك رجال تصل أعمارهم إلى الأربعين والخمسين يتجادلون، ويصل الأمر إلى التشابك بالأيدي والعصي، كما ثبت ذلك من خلال الاستبيانات.

    تكاسل من ابتلي بهذه اللعبة من الصالحين عن الصلوات

    التاسع من الآثار: التثاقل والكسل من بعض الصالحين، وأقول : الصالحين وللأسف؛ لأنه ثبت أن بعض الصالحين يلعبون البلوت، ثبت أن بعض الشباب الملتزمين ما زالوا على صلة بهذه اللعبة، فتجد التثاقل والكسل عند القيام للصلاة، أو للذهاب إلى بيته مبكراً، أو النوم مبكراً وغير ذلك، ولو أراد فعل ذلك لو كان عنده همّ وأراد أن يقوم إلى الصلاة مثلاً فإن جلساءه يقومون بتثبيطه وبالاستهزاء به.

    يقول أحد اللاعبين -وعمره تقريباً ثلاثون سنة-: إن من آثار البلوت -وهذا بخطه أيضاً يقول- عدم الصلاة والتكاسل عنها وتثبيط بعضهم لبعض، فإذا كان مع الذين يلعبون إنسان فيه خير -هكذا كلامه- وقال: الصلاة، أخذوا بتثبيطه كقولهم ( يا أخي تو ما أذن) ، أو (لاحقين عليها) ، أو (خايف من الهزيمة) فتنهزم نفسيته، ويجلس ليكمل معهم لعبتهم تاركاً الصلاة ومؤخراً لها إن أداها فيما بعد ، وإذا كان الذين يلعبون من أصحاب المخدرات أو المنبهات فقد يستغرق بهم اللعب إلى يوم أو يومين أو يوم ونصف، حتى يصيبهم الإعياء والتعب، عند ذلك ينتهون من هذه اللعبة لعدم استطاعتهم الإكمال، هكذا يقول.

    التدهور العلمي والدراسي عند كثير من الطلاب

    الأثر العاشر: تدهور المستوى العلمي والفشل الدراسي لدى أعداد كبيرة من الطلاب الذين يمارسون هذه اللعبة، وأكثر المتضررين هم من طلاب الجامعة، وإن أردت الدليل ما عليك إلا أن تقوم بزيارة لسكن الطلاب في الجامعات لتجد العجب العجاب في الليالي، فأقول: أكثر المتضررين هم طلاب الجامعات، حيث السهر حتى الصباح، وترك المذاكرة والمحاضرات.

    وفي استفتاء مجلة الدعوة قال أحد الطلاب واسمه زايد من جامعة الملك سعود: حاول زملائي إغرائي بلعب البلوت؛ لكني رفضت، فقد شاهدت منذ طفولتي الزمن الهائل الذي يضيعه الكبار في البلوت ساعاتٍ طويلة لا تصدق، وينتهي اللعب دائماً بمعركة أو مشادة كلامية حادة .. المأساة أنه تقليد في بيوت كثيرة ويسمح به الآباء، ويستهلكون فيه كميات خرافية من المنبهات كالشاي والقهوة، ثم الإفراط بشراهة هذا المرض الخبيث بتدخين الشيشة، وعندما دخلت الجامعة رأيت العجب في سكن الطلاب، فالوقت المفروض للمذاكرة والراحة تحول إلى صخب هائل، وإذا أردت مشاهدة جانب من المسرحية الهزيلة عليك أن تتوجه بعد الثامنة مساء إلى صالات النادي في المدينة الجامعية، ستجد مجموعات ضخمة من الطلاب في دوائر البلوت الجهنمية، وإذا كان لديك وقت فستجدهم يستمرون حتى الصباح، ويتحركون إلى قاعات المحاضرات ليناموا هناك، لا يفقهون شيئاً مما يقال، وربما في أحيان كثيرة يضربون بالمحاضرات والدراسة عرض الحائط ويستمرون في اللعب حتى يسقطوا من الإعياء ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وسئل هذا الطالب فقيل له: ألا تلعب البلوت؟! قال : أعوذ بالله، فأنا لا أكاد أجد الوقت اللازم لآداء ما فرضه الله عليّ، ثم المذاكرة والقيام بالمبادئ الأسرية.

    التقصير الكبير في صلة الأرحام وبر الوالدين

    الأثر الحادي عشر: تدهور العلاقات الاجتماعية من بر بالوالدين، وصلة للأرحام، وزيارة للأصدقاء المخلصين، وفي استفتاء الدعوة اعترف (80%) من لاعبي البلوت بأن علاقاتهم الاجتماعية وصلت إلى حد الصفر، فهم مشغولون دائماً، بعيدون عن البيت والأسرة، وتنحصر صداقاتهم في المجموعة التي تلعب البلوت في أي مكان، لا وقت للأسرة، لا وقت للأقارب، لا وقت لعيادة المرضى، لا وقت حتى للقيام بواجبات العمل والأسرة.

    بل إن أحد الشباب -وهو لم يتزوج بعد- يقسم بالله العظيم أنه ما جلس مع أهله على وجبة طعام إلا بعد أن هداه الله عز وجل.

    اكتساب الأخلاق السيئة من المجالسة للاعبين

    الأثر الثاني عشر: اجتماع الأجناس المختلفة ، فتجد فروقاً عديدة في أفكار أولئك الذين يلعبون البلوت في مجلس واحدٍ، في أخلاقهم وأفكارهم ومستوياتهم العلمية والثقافية، فيؤثر ويتأثر كل منهم بالآخر، وكذلك اجتماع الصغار بالكبار، والمدخنين بغيرهم، مع كثرة اختلاطهم لا شك يتأثر بذلك من لا يرغب بتلك الأشياء -كالتدخين مثلاً- بحكم جلوسه معهم، ولا شك أنه سيصبح منهم، فإن لم يكن فما أقل من أن يرضى بمثل هذا.

    ولا يمكن حصر المجلس على عدد معين أو أفراد بعينهم؛ لأن هذه اللعبة تطلب عدداً معيناً من الأفراد يمارسونها، فإذا نقص منهم أحد فسوف يضطرون إلى إكماله بأي شخص -وفي كثير من الأحيان- مهما كان.

    الآثار الصحية من طول المكث مع لاعبي البلوت

    الأثر الثالث عشر: الآثار الصحية من آلام في الظهر والعمود الفقري من طول الجلسة، والأمراض الصدرية ، فالذي يلعب البلوت في معظم الأحيان يكون مع المدخنين، وبسبب أن هذه اللعبة تطلب وقتاً طويلاً، فإن الغرفة التي يكونون فيها تكون ملوثة بيئياً، وكلما زاد عدد اللاعبين -خاصة المدخنين- فإن الضرر يزداد بالإضافة إلى من به علة صحية من ضغط أو سكر أو ربو أو غيرها، فإنه يسبب له أضراراً مضاعفة خطيرة، كما أثبتت التقارير الطبية ذلك.

    وقد أجاب جميع الأفراد الذين أقيم عليهم استبيان في مجلة الدعوة عن سؤال: هل سبق أن أحسست بألم في ظهرك نتيجة استمرارك في هذه اللعبة لمدة طويلة؟

    فأجاب الجميع بنعم، وأنهم كلهم حصدوا آلاماً في ظهورهم، وربما نتج عنها أمراض وتشوهات.

    إهمال القراءة ومطالعة الكتب

    الأثر الرابع عشر: عزوف الشباب عن القراءة الجادة، ومطالعة الكتب والنظر فيها، فتجد عند كثير من لاعبي البلوت والمدمنين عليه ضحالة في الفكر، وقصراً في الرؤية، وركاكة في التعبير والكتابة، وهبوطاً في البحث والإبداع واستغلال المواهب والطاقات التي رزقهم الله إياها.

    فإذن أين من يقول: إن البلوت ينمي الذهن والفكر؟! وأين هذا الذهن والفكر واستعماله لصالحه واستعماله أيضاً للأمة؟!!

    ضعف الشعور بالمسئولية

    الأثر الخامس عشر: ضعف الشعور بالمسئولية والإحساس بالواجب الملقى على الأكتاف -خاصة الشباب منهم- مما أثر في عدم الانضباط الاجتماعي، وشدة الإقبال على وسائل الترفيه والتسلية من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والرياضة وغيرها من الوسائل التي أصبحت غايات، والتي قذفت بها حضارة الغرب المادية، فأفقدت السلوك الاجتماعي والمهني توازنه لكثير من قطاعات المجتمع، وأضعفت الإنتاج الفكري والعملي والصناعي والعائلي للموظفين والطلاب وأساتذة الجامعة والدارسين في المعاهد وربات البيوت وغير ذلك، فإن من أعظم آثار البلوت أنه ضيع علينا طاقات ومواهب كثيرة.

    المقامرة المحرمة

    الأثر السادس عشر: وصول التحدي والإثارة -في بعض الأحيان- إلى حد المقامرة، وقد ثبت ذلك، واسألوا رجال الهيئات عما يجدونه في كثير من المواقف، وذلك بأن يجعلوا هناك مبلغاً من المال أو وليمة طعام أو غير ذلك.

    ترك النوافل والطاعات

    الأثر السابع عشر: نسيان هؤلاء اللاعبين وإهمالهم لكثير من النوافل في الطاعات والعبادات، من صلاة وصيام وصدقة وعمرة وقراءة للقرآن، فحرموا أنفسهم من خير كثير.

    الجهل بما يخططه أعداء الإسلام

    الأثر الثامن عشر والأخير: الابتعاد عن الواقع الذي تعيشه الأمة، والجهل بما يريده الأعداء ويخططون له ليل نهار، وأرجو ألا يأتي أحد من لاعبي البلوت، فيقول: إنه لا يوجد لنا أعداء، وإن العالم الآن يعيش في مرحلة سلام ووئام بين الجميع.

    أيها الأحبة! يا لاعبي البلوت! يا من تلعبون هذه اللعبة! إنكم تحملون عقيدة ومبدأ، فماذا قدمتم لهذه العقيدة؟!

    حرام أن تبحث الأمة عن شبابها، فتجدهم منتثرين في النوادي والأرصفة والمقاهي والمنازل والاستراحات، الإسلام بحاجة إلى شبابك وإلى فتوتك وإلى نشاطك، فهل فكرت أن تخدم الإسلام؟ لا تقل لي : كيف؟ فالمجال لا يتسع للإجابة، ولكني أقول: ابحث واسأل وستجد إن أردت ذلك.

    هل ترضى يا أخي الحبيب أن تعيش على هامش الحياة لا فائدة منك، ولا قيمة لك؟!

    فكر جاداً بنفسك، وبمستقبلك، وبآخرتك فإنك محاسب، وسُتسأل عن كل كبيرة وصغيرة.

    1.   

    أحداث ومواقف وحقائق مذهلة

    ولعلي أسردها سريعاً خشية أن يضيق علينا الوقت.

    فأقول أولاً: في الاستفتاء الذي عملته الدعوة جاءت النقاط التالية:

    -(80%) أجابوا بأنهم تعلموا البلوت في سن السابعة عشرة والثامنة عشرة، وقالوا إنهم اضطروا إلى تعلم هذه اللعبة لمجاراة أصدقائهم.

    -أيضاً أجاب (10%) تقريباً أو أكثر بأنها لعبة مفيدة، ولما سئلوا عن الفوائد عجزوا عن شرح هذه الفوائد.

    -أيضاً أجاب (30%) بأنها لعبة سيئة، وأنهم تورطوا فيها.

    -وأجاب أيضاً (51) فرد تقريباً يعني: أكثر من (50%) أجابوا بأنها لعبة تسلية، بينما قال ثلاثة أفراد فقط: بأنها تنمي الذكاء، وأي ذكاء هذا؟!

    ثانياً: العجيب أن هناك فرقاً معروفة للبلوت على شكل فريق دائم، تقوم هذه الفرق بمباريات ووضع دوري خاص على مستوى المدينة أو المنطقة، فتجده مثلاً الليلة في مدينة الرس، وغداً في عنيزة، وبعد غدٍ في حائل وهكذا.

    فهذا الفريق الرياضي للبلوت يتنقل من مدينة إلى أخرى، وقد كنت حذرت عندما أُلقي هذا الموضوع قبل ثلاث سنوات تقريباً، قلت: أخشى أن يوجد هناك فرق رسمية تتبناها الأندية وغير ذلك لتكون هذه اللعبة على مستوى الأندية، وفوجئت بعد ذلك بأحد الإخوة يحضر قصاصة من جريدة الرياضية والعنوان يقول: البلوت تدخل عالم الدورات الرياضية، ويقول المقال: البلوت لعبة الورق الشهيرة تسللت إلى الدورات الرياضية بجانب تنس الطاولة والتنس الأرضي والشطرنج والبلياردو والبولينج، وذلك في دورة نظمها أحد البنوك في المنطقة الشرقية، لعبة البلوت سحبت الأضواء -من خلال هذه الدورة- من الألعاب الرياضية الأخرى، وحظيت منافساتها بالسخونة والإثارة والمتابعة الجيدة من جماهير الدورة. وهذا في جريدة الرياضية في العدد (1520) تاريخ: (22/5/ 1414هـ).

    وأيضاً سمعنا أن بعض الأندية قد قامت بوضع دورات رياضية في رمضان الماضي على الأرصفة للعبة البلوت.

    ثالثاً: بعضهم تظل الورقة مصاحبة له في كل مكان، فهي دائماً في جيبه أو سيارته لا تفارقه لحظة واحدة، حتى إن بعضهم قد يدخل للمسجد ويصلي وهي معه، وهي مليئة بالصور كما تعلمون.

    أيضاً إن أصدقاء البلوت هم أصدقاء جلسات البلوت فقط، ولا يمكن أن يزورك أو أن تعتمد عليه في أمر أو في ملمة، ويقول أحد التائبين: كان يجتمع عندي في بيتي أقاربي ثلاث مرات يومياً من أجل لعبة البلوت، فلما التزمت وتركتها انقطعوا، فأصبحت لا أراهم إلا قليلاً مع أنهم أقرب الأقرباء لي، فانظروا الرابط بين هؤلاء؛ إنه هو البلوت، فلما انقطعت انقطعت العلاقات، ولو كانوا أقرباء له من نسبه أو دمه.

    أيضاً من هذه الحقائق والأحداث من الفتنة والإدمان عليها، أن بعض اللاعبين يبحث عن لاعبين لهذه اللعبة طوال يومه حتى ولو كان لا يعرفهم ولو كانوا من الفساق أو المدخنين .. المهم أن يلعب، حتى إن بعضهم وقفوا على الخط السريع لإيقاف سيارة ليكتمل العدد بالنسبة لهم، فلم يجدوا سوى عاملاً مسكيناً فأغروه بالمال حتى أقنعوه فنزل ليلعب معهم ليكمل الفريق.

    أيضاً من الحقائق حول هذه اللعبة أن (85%) من اللاعبين يخجلون من الاعتراف بممارستها، ونقول لأولئك كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) ونقول أيضاً: (الله أحق أن يستحيا منه).

    1.   

    مواقف طريفة وغريبة حول هذه اللعبة

    أيها الأحبة: من المواقف الطريفة حول هذا الأمر: أن هناك إدارياً وصل إلى منصبٍ جيدٍ، وهذا الإداري يحتفظ بورقة الحسابات التي فاز بها بالتركس على أحد زملائه منذ عام (1403هـ) تقريباً، وزميله يعمل إدارياً في مدينة أخرى، فكان الإداري الأول يرسل تلك الورقة كل شهر له بالفاكس.

    أيضاً أحد كبار السن والذين ابتلوا بهذه اللعبة يلتقط الورقة من الأرض ثم يرفعها وينظر إليها بإمعان لضعف بصره، ونقول: نسأل الله عز وجل حسن الخاتمة.

    وأيضاً من المواقف: مجموعة من كبار السن أيضاً أعمارهم من الخمسين فما فوق، يجلسون من بعد صلاة المغرب إلى الساعة الثانية عشرة يسمعون الأذان ولا يتحركون من أماكنهم ، وربما تسمع صراخهم وتتعجب من حركاتهم وقد بلغوا هذا العمر وهم يلعبون هذه اللعبة.

    ويقول آخر: ولا يقف الخصام والنزاع لدى الشباب فقط، بل هناك رجال تصل أعمارهم إلى الأربعين والخمسين تجدهم يتجادلون، وقد يصل الأمر إلى التشابك بالأيدي والعصي كما حدث ذلك في إحدى الدوريات. كبار في السن تصور يتجادلون بالعصي والكلمات والخصام والشتام -والعياذ بالله- من أجل هذه اللعبة.

    وأيضاً من المواقف أن أحد كبار السن ممن ابتلوا بهذه اللعبة وعند دخوله للمسجد كان قد نسي الورقة في جيبه الأعلى، فلما سجد إذ بالورقة تنساب من جيبه أمام المصلين، وإذا به يشعر بالخجل فيقوم أمام أعين المصلين وقد وضح الارتباك عليه ليجمع هذه الورقة.

    ولا نقول لأولئك الكبار إلا أن نذكرهم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه البخاري في صحيحه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة).

    وأيضاً من المواقف الطريفة: فإن أكثر الشباب خاصة من لاعبي البلوت يحذرون من العليمي يسمونه العليمي أو الغشيم، أو الفطيس وهو اللاعب البدائي الجديد، فإن هذا اللاعب ضحية مسكين لأولئك اللاعبين، فهو دائماً مغضوب عليه من الجميع وعرضة للتوبيخ وللسب والشتام، فإياك أن تكون لاعباً جديداً فقد تكون عليمياً، ثم تنال ما تنال من أولئك.

    وأيضاً من الطرائف: أن أحدهم يقول: إننا نحرص أن نُصلي كلنا -أي: كل الفرقة يحرصون أن يصلوا صلاة العشاء- في المسجد الذي بقرب المعزب كما يقول -أي: الذي عنده الجلسة- لأجل التسابق على (السرا) وليس التسابق على الصف الأول.

    وأيضاً من الطرائف: أنها تفرقت إحدى الدوريات في حوالي الساعة الواحدة ليلاً -انتهى اللعب وتفرقوا- فلما وصل المهزوم إلى منزله وخلع ثوبه، أخذ يراجع ورقة قيد الحساب للعبة فوجد أن المقيد قد نسي تقييد سر له، وهو يفرق بالعدد ويجعله -بدل أن يكون مهزوماً- فائزاً، فماذا فعل؟! وقد كانت الساعة ما يقرب الثانية ليلاً فقام ولبس ثوبه مرة أخرى ثم شغل سيارته وذهب وطرق على صاحبه في الساعة الثانية ليلاً، ثم أخبره أن تقييد الحساب خطأ، وأنه هو الفائز -نعوذ بالله من مضلات الفتن-.

    ومن الطرائف العجيبة أن بعض النساء عندما قرأت هذا العنوان (حكم صن 400) فبدأنا نسمع التحليلات العجيبة الغريبة من بعض النساء، والحمد لله بفضل الله أن كل التحليلات ليست قريبة من لعبة البلوت نهائياً، وهذا لعله من بشائر الخير، ليدل على أن النساء لا يعلمن شيئاً عن هذه اللعبة، ونسأل الله أن يكون ذلك.

    أيضاً من الطرائف أن هناك أرجوزة نظمها أحد لاعبي البلوت في بعض فصول اللعبة يقول فيها:

    إن البلوت يا صديقي فن     فبعضه حكم وبعض صن

    فالحكم فيه ولد فالتسعه     أكبرها فافهم حديثي وافقه

    ثم تليها الإكة المعتبره وبعدها كذاك تأتي العشره

    فالملك الكبير ثم الملكه     واسمها البلوت فيها البركه

    ثم تجيء سبعة ثمانيه     لكنها في العد تبقى لاغيه

    والصن فيه أكبر الأوارق     إكتها فاعلم بلا شقاق

    عشرة تتلوه ثم الشائب     فالبنت هكذا الكلام الصائب

    ثم غلام بعدها فتسعه     ثم ثمان بعدها فسبعه

    إلى أن قال:

    وأول الأوراق في الترتيب     إكتها فالشيخ ذو المشيب

    فالبنت فالغلام ثم العشره     فالتسع فالثمان ثم السبعه

    ثلاثة منها على الترتيب     هن الصرا على الفتى الأريب

    وإن تكن أربعة المتابعه     فإنها خمسون لا مراجعه

    إلى أن قال:

    فالولد الحكم له عشرونا     معدودة كذاك علمونا

    وقيمة التسعة أربع عشره     وقيمة الإكة إحدى عشره

    إلى آخر أرجوزته.

    1.   

    الحكم الشرعي للعبة البلوت

    أخيراً نأتي لحكم هذه اللعبة شرعاً:

    وهذا الذي نريده من شبابنا، وأقول لشبابنا وإخواننا وأحبائنا لاعبي البلوت: أسأل الله عز وجل أن ينجيكم من هذه اللعبة ومن كل بلاء.

    أقول اسمعوا بارك الله فيكم فإننا نستجيب لنداء الله عز وجل .

    سئل الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى هذا السؤال الذي يقول: هل يجوز لعب الورق البلوت، وما حكم لعب الشطرنج مع العلم أنهما لا يلهيان عن الصلاة؟

    يقول الشيخ حفظه الله تعالى: لا تجوز هاتان اللعبتان وما أشبههما، لكونهما من آلات اللهو، ولما فيهما من الصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة وإضاعة الأوقات في غير حق، ولما تفضي إليه من الشحناء والعداوة، هذا إذا كانت هذه اللعبة ليس فيها عوض، أما إن كان فيها عوض مالي فإن التحريم يكون أشد؛ لأنها بذلك تكون من أنواع القمار الذي لا شك في تحريمه ولا خلاف فيه، والله ولي التوفيق .

    وسئل أيضاً فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى هذا السؤال الذي يقول: ما حكم اللعب بالورقة والشطرنج؟

    فقال الشيخ حفظه الله تعالى: قد نص أهل العلم -رحمهم الله- أن اللعب بهما حرام كما ذكر ذلك مشايخنا، وذلك لما فيهما من الإلهاء الكثير والصد عن ذكر الله سبحانه وتعالى؛ ولأنهما ربما يؤديان إلى العداوة والبغضاء بين اللاعبين، وكثيراً ما يكون اللعب على عوض، ومعلوم أن العوض لا يجوز بين المتسابقين إلا فيما نص عليه الشرع وهي ثلاثة أشياء: النصل والخف والحافر، ومن تأمل أحوال لاعبي الشطرنج والورقة تبين أنه قد ضاع عليهم أوقات كثيرة يمضونها في غير طاعة الله وفي غير الفائدة التي تعود عليهم في أمر دنياهم ، يقول بعض الناس: إن لعب الورقة والشطرنج يفتح الذهن وينمي الذكاء، ولكن الواقع خلاف ما يدعيه هؤلاء، بل إنه يبلد الذهن ويجعل الذهن مقصوراً على هذا النوع من الذكاء بحيث لو أن الإنسان استعمل فكره في غير هذه الطريقة ما وجد شيئاً، وعلى هذا فإن تبليد الفكر وقصره على هذا النوع من الذكاء يوجب للإنسان العاقل أن يبتعد عن فعلهما. انتهى كلامه حفظه الله تعالى.

    1.   

    نداء للدعاء إلى الله

    الخاتمة في كلمة للدعوة تقول فيها : أين الدعاة ؟! يزعم بعض الشباب أنهم يزاولون البلوت على مرأى ومسمع من مدرسيهم وآبائهم وذويهم، وأن المدارس تسمح بلعب البلوت في المعسكرات والرحلات الترفيهية، وهو أمر صعب التصديق، لكنه واقع للأسف.

    الأمر إذاً يحتاج لحملة دعوية مكثفة، علينا أن ننبه أبناءنا إلى خطورة هذه الممارسة الخاطئة، والدور الآن للمعلمين والآباء ووسائل الإعلام في بحث هذه الظاهرة المرضية، نحن نعلم أن الأمة الإسلامية مستهدفة بإمكاناتها وقدراتها وشبابها وثرواتها، وأيضاً في وقتها وهو العامل الحاسم في تقدم الأمم، فهل نتحرك ونمنع هذا الدمار؟

    إن المسئولية جسيمة وتستحق وقفة تأمل مع النفس، تستحق أن نوليها وقفة اهتمام، فالإنسان المسلم لا يعاني من الفراغ أياً كان، فالفراغ وقتل الوقت ذو مضامين خطيرة تغزو المجتمع الإسلامي وتدمره، وعلينا أن نتصدى له بقوة.. فالحياة أغلى من أن نضيعها عبثاً في جلسات سقيمة تعرضنا للتهلكة، والبلوت لعبة غربية صدروها لنا وهم يتفرجون علينا .. فهل نفيق؟ انتهى كلام المجلة.

    وأذكركم أخيراً بهذه الحادثة التي ذكرها أحد الإخوة يقول: رجل عندما كان يلعب لعبة البلوت، وفي عز حماسه انحنى إلى الأرض ليأخذ ورقة اللعب وهو يقول ويردد: صن صن، فكانت الانحناءة الأخيرة له ومات وهو على هذه الحال، والعياذ بالله.

    نسأل الله عز وجل أن يحسن لنا ولكم الخاتمة.

    يا من بدنياه اشتغل     وغره طول الأمل

    الموت يأتي بغتة     والقبر صندوق العمل

    فهل يتنبه الشباب وغيرهم إلى هذا الأمر؟!

    لقد ذكرنا لك أيها الحبيب! المواقف والأحداث، وأشرنا إلى الأدلة العقلية والنقلية، فهل تستجيب لأمر الله عز وجل؟!

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24].

    فهل من توبة صادقة؟ هل من توبة صادقة؟ فقطار العمر يجري، والموت يفجأ.

    اللهم إني بلغت. اللهم فاشهد!

    وسبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.