إسلام ويب

طريقنا للقلوبللشيخ : إبراهيم الدويش

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حسن الخلق هو شعار هذا الدين، وميزة النبي صلى الله عليه وسلم .. بل هو أقصر طريق يصل بك إلى أبعد القلوب. وقد حرص الشيخ حفظه الله على إبراز أهم خصائص هذا المعلم، منبهاً على وجوب التزام أهل الإسلام به، وخاصة الدعاة، ضارباً أمثلة لذلك من أخلاقه صلى الله عليه وسلم، وأخلاق سلفنا الصالح رضوان الله عليهم.

    1.   

    توطئة في الأخلاق الحسنة

    إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    أيها الأحبة في الله! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    هذه هي ليلة الثلاثاء الموافق للرابع عشر من شهر محرم من عام (1418هـ) وبهذا الجامع المبارك في مدينة الرس ، وهذا هو الدرس الأول من سلسلة الدروس الشهرية في مكارم الأخلاق والآداب، وهو الرابع والأربعون في التسلسل العام، وعنوان هذا الدرس: (طريقنا للقلوب).

    وطريقنا أعني به: كل مسلم ومسلمة يحب أن تشيع الألفة والمحبة بين أفراد المجتمع الإسلامي، وكل مسلم ومسلمة يحب الخير والبر والمعروف والإحسان ومكارم الأخلاق.

    أما القلوب فهي: قلوبنا جميعاً.

    فنحن بحاجة لفن التعامل مع بعضنا لبعض، بحاجة إلى تعميق روابط الأخوة الإسلامية ومعانيها .. نحن بحاجة أيها الأحبة! إلى تحقيق القاعدة الشرعية: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) كما في حديث أنس المتفق عليه .

    بحاجة إلى الحوار الهادئ، والتعامل المهذب، والاحترام المتبادل، إلى أن نظهر محاسن هذه العقيدة؛ لنصبح نحن المسلمين قدوات لبعضنا، ومفاتيح خير لغيرنا من أهل الملل والنحل، بحاجة إلى أن نكسب قلوب بعضنا، وأن نكسب قلوب أهل الأديان الأخرى بصدق التوحيد، وحسن المعاملة، وجميل الأخلاق؛ لتذوق طعم الإيمان، ولتعرف حقيقة الإسلام.

    نريد أن نكسب القلوب ليس بالمجاملة ولا بالمداهنة، ولا بتمييع ديننا ولا بتمزيقه، ولا بالتنازل عن المبادئ والأهداف، وإنما بمكارم الأخلاق، كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) والحديث عند أحمد في المسند والبزار، وهو من بلاغات مالك في الموطأ، قال ابن عبد البر: هو حديث مدني صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره. انتهى كلامه.

    الغاية من كسب القلوب

    ولماذا كسب القلوب؟

    ليس من أجل الدنيا، ولا متاعها ولا زخرفها، ولا من أجل أنفسنا وإظهار محاسنها وتواضعها، لا والله!

    بل ولا من أجل تملق الناس وطلب محامدهم وثنائهم؛ إنما من أجل ربنا تعبداً وتقرباً (فإن الله يحب معالي الأخلاق، ويبغض سفسافها) كما في المعجم الكبير للطبراني وإسناده صحيح كما قال العراقي.

    واتباعاً لحبيبنا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم، فقد كان أحسن الناس خلقاً، وكسباً لحب وقرب نبينا يوم القيامة كما قال صلوات الله وسلامه عليه: (إن من أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً) والحديث أخرجه الترمذي وحسنه.

    وتطبيقاً لتعاليم شرعنا وآداب ديننا قولاً وعملاً، وسراً وعلناً، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (وخالق الناس بخلق حسن) وشوقاً للجنان وتثقيلاً للميزان يوم أن نلقى الله، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (فأكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق) كما عند الترمذي وقال عنه: صحيح غريب (وما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن) كما في الترمذي وأبي داود ، وتخلقاً وتأدباً وإيماناً (فأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً) كما في الترمذي وقال: حسن صحيح.

    والله عز وجل يقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم: وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران:159] .

    إذاً: فهذه الفضائل وأمثالها مما يحثنا ويشجعنا على اكتساب محاسن الأخلاق، وتطبيع نفوسنا عليها، إخلاصاً لوجه الله، وطلباً لرضاه فهي عبادة عظيمة وقربة من أجَلِّ القربات (فإن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم) كما عند أبي داود من حديث عائشة وصححه الألباني كما في الصحيحة.

    إذاً: فهذا هو طريقنا للقلوب، خططته لكثرة شكاية الناس بعضهم من بعض، فالزوج يشكو من سوء تعامل زوجه، والطالب يتظلم من أخلاق أستاذه، والموظف يتسخط من رئيسه ومديره، والمكفول يئن ويتوجع من سوء تصرف كفيله، حتى الصاحب لم يسلم من صاحبه وخليله، فبحثت عن العلاج فكان هذا الموضوع .

    إذاً: فهو رسالة إلى كل مسلم ومسلمة .. إلى كل الطيبين والطيبات .. إلى كل المعلمين والمعلمات .. إلى كل الأزواج .. إلى كل موظف .. إلى كل مسلم يسافر خارج البلاد .. إلى كل أحد يحب أن يرى الألفة والمحبة ترفرف على المجتمع الإسلامي.

    أسباب تعين على حسن الخلق

    أيها المسلمون! لنحرص على مكارم الأخلاق والتحلي بها، وذلك بالصبر ومجاهدة النفس وترويضها. هذا أولاً.

    وثانياً: بصحبة الصالحين، والنظر في سيرهم وأخلاقهم.

    ثالثاً: بمداومة القراءة والاطلاع في كتب الأخلاق، كـالأدب المفرد للبخاري، ومكارم الأخلاق لـابن أبي الدنيا وللخرائطي ، وكتب الشمائل وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن أجمل الكتب المعاصرة التي وقفت عليها في هذا الموضوع: الأخلاق الفاضلة للرحيلي، وهو كتاب جميل، وهذه أخلاقنا للخازن دار، وسوء الخلق للحمد وغيرها كثير.

    إذاً: فلنحرص على التحلي بالأخلاق، ومن يتصبر يصبره الله، فإن أردت الوصول للقلوب، بل إلى رضا علام الغيوب سبحانه وتعالى، فتنبه لهذه النقاط الثلاث الماضية، ثم احرص على سماع هذا الموضوع مرات ومرات، فإنما العلم بالتعلم، واستعن بالله وأكثر الدعاء والتضرع إليه (أَنْ كما أحسنت خَلقي فأحسن خُلقي) كما كان صلى الله عليه وسلم يقول، كما عند أحمد وصححه الألباني.

    وقل: (اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء) كما في الترمذي وهو صحيح .

    وقل أيضاً .. بل وردد في كل وقت: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت) كما في صحيح مسلم .

    فهذا أحسن الناس خلقاً، والذي أثنى الله عليه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4] لا يترك صلى الله عليه وآله وسلم الدعاء والتضرع إليه أن يعينه على تهذيب نفسه والتحلي بأحسن الأخلاق، فكيف بي وبك؟ بل كيف بنا جميعاً؟ فإنه لا حول ولا قوة لنا إلا بالله جل وعلا.

    وبعد هذه التوطئة، إليك عرضاً لعناصر الموضوع وهي:

    - العقيدة والأخلاق.

    - واقعنا ومكارم الأخلاق.

    - الدعاة الصامتون.

    - الأخلاق تصنع الأعاجيب.

    - همسة في أذن موظف.

    - وأخرى للمعلمين والمعلمات.

    - هل يمكننا تغيير أخلاقنا.

    - سهام للصيد.

    - الازدواجية في الأخلاق.

    - أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.

    - خلاصة الدرس.

    فأبدأ مستعيناً بالله، سائلاً إياه الصدق والإخلاص في الأقوال والأعمال.

    1.   

    العقيدة والأخلاق

    للأخلاق صلة وثيقة بالإيمان والعقيدة، قال ابن القيم يرحمه الله: الدين كله خلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين.

    يقول صاحب رسالة جميلة بعنوان: صلة الأخلاق بالعقيدة والإيمان يقول فيها: إن المتمعن في أحوال الناس يجد كثيراً من المسلمين يغفل عن الاهتمام والاحتساب في هذا الجانب، وقد يجهل الصلة الوثيقة بين محاسن الأخلاق وقضية الإيمان والعقيدة، فبينما تجد الشخص يظن أنه قد حقق التوحيد ومحض الإيمان، تراه منطوياً على ركام من مساوئ الأخلاق والنقائص التي تخل بإيمانه الواجب، أو تحرمه من الكمال المستحب، كالكبر والحسد وسوء الظن والكذب والفحش والأثرة وغير ذلك، وقد يكون مع ذلك جاهلاً بضرر هذه الأمور على عقيدته وإيمانه، أو غافلاً عن شمولية هذا الدين لجميع مناحي الحياة، كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    إن تحقيق التوحيد -والكلام ما زال لصاحب الرسالة- وتكميل الإيمان ليس باجتناب الشرك الأكبر فحسب، بل باجتناب كل ما ينافي العقيدة، وكل ما يخل أو يقدح في كمال التوحيد والإيمان.. إلى آخر كلامه هناك.

    إذاً: فليست العقيدة متوناً تردد، ونصوصاً تحفظ، بل لا بد أن تتحول إلى واقع عملي في الحياة والتعامل بين الناس، ولما حصل هذا التصور عند بعض الناس ظهر انفصام نكد، وازدواجية بين مفهوم الإيمان ومقتضياته، وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله تعالى.

    1.   

    واقعنا ومكارم الأخلاق

    إن الناس اليوم في عرض الأرض وطولها بحاجة إلى من يقف معهم ويعينهم، ويزيل عنهم الهمّ والقلق، ويدلهم على طريق السعادة والراحة النفسية، ويأخذ بأيديهم إلى طريق النجاة والأمان، حتى وإن قامت الحضارات، وصنعت المخترعات، وتوالت الإنجازات، فكل ذلك من أجل سعادة الإنسان وتكريمه، لكن -وللأسف- البشرية تغرق اليوم تغرق في بحر الدنيا، ويلهث الكثير منهم وراء المال والتجارة، والشهوات واللذات، والرياسة والسيادة بأي طريق وبأية صورة ومهما كان الثمن، المهم الوصول للمراد، وهذا هو الواقع الغالب على الناس اليوم إلا ما شاء الله.

    في خضم هذا اللهثان، وفي وسط هذا الإغراق، يتلفت البعض ليبحث عن المثل والمبادئ والأخلاق والآداب في صفوف الناس، وربما سمع عن التبشير، وهو شعار أعلنه المنصرون وتسموا به، بل وتمثلوه للأسف!

    يقول أحد الإخوة: في يوم من الأيام كنت أراجع طبيباً في أحد المستشفيات، وكنت أرى حسن تعامله، وإظهار حرصه بالمريض وحالته، تبادر إلى ذهني أنه أحد المنصرين، فقد كنت أقرأ وأسمع عن وسائلهم وأساليبهم، يقول: لكني قطعت هذا الخاطر أخذاً بحسن الظن، خاصةً وأنه عربي، وفي بلد مسلم، لكني عرفت فيما بعد أنه يدين بـالنصرانية، وربما كان منصراً أو مبشراً -كما يقولون- انتهى كلامه.

    أيها الإخوة والأخوات! أليس المسلمون أولى بهذه التسمية (التبشير) وبهذه الأخلاق؟ ألم يقل الحق عز وجل: وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ [الأنعام:48]؟ ألم يقل صلى الله عليه وآله وسلم: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) كما في البخاري؟ ألسنا كمسلمين أولى بهذا التلطف والتودد للناس؟! ألسنا أولى بالتحلي بالأخلاق وبث الأمل في النفوس؟ لماذا هذا الجفاء والإعراض؟! وهذا التنفير والانقباض عند بعض المسلمين؟!

    لقد أثرت الماديات والحضارات على أخلاقنا، وتعاملنا مع بعضنا بشكل كبير، حتى ظن البعض أنه لا يمكن الجمع بين التقدم الحضاري والكسب المادي، وبين التحلي بالأخلاق والآداب، حتى قال أحدهم:

    لئن كانت الدنيا أنالتك ثـروة     وأصبحت منها بعد عسر أخا يسر

    لقد كشف الإثراء عنك خلائقاً     من اللؤم كانت تحت ستر من الفقر

    فإننا لا نكاد نسمع عن ذي شرف أو تاجر أو جاه أو منصب وقد تحلى ببعض الأخلاق والآداب، إلا ويتذاكره الناس إطراءً ومدحاً وتعجباً أن يكون بمثل هذا المكان، ويتمتع بمثل هذه الأخلاق.

    أيها الإخوة! إن من ينظر ويقرأ عن دين الإسلام خاصةً في باب الأخلاق والآداب والمعاملة، ليعجب أشد العجب من عظمة هذا الدين، ودقة مراعاته للمشاعر والعواطف، وحرصه على نشر المحبة والمودة!

    اسمعوا لهذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أحدث أحدكم في صلاته فليأخذ بأنفه ثم لينصرف) والحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وهو صحيح.

    لماذا يأخذ بأنفه؟ وما علاقة الأنف بما صنع؟ إنها عظمة هذا الدين، ودقة عنايته بمشاعر النفس، والحفاظ على أحاسيسها، يأخذ بأنفه؛ ليوهم من بجواره أن به رعافاً فلا يفتضح أمره فيحرج ويخجل.

    قال الخطابي في بذل المجهود شرح سنن أبي داود : إنما أمره أن يأخذ بأنفه؛ ليوهم القوم أن به رعافاً، وفي هذا الباب من الأخذ بالأدب في ستر العورة، وإخفاء القبيح والتورية بما هو أحسن، وليس داخلاً في باب الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل واستعمال الحياء، وطلب السلامة من الناس.

    ارض للناس جميعاً     مثل ما ترضى لنفسك

    إنما الناس جميعاً     كلهم أبناء جنسك

    غير عدل أن توخـى     وحشة الناس بأنسك

    فلهم نفس كنفسـك     ولهم حس كحسك

    إن من ينظر للواقع يرى العجب في الإفلاس الأخلاقي الذي تعيشه كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم! بل هناك من انبهر بالحضارة الغربية فنقلها للمسلمين بقضها وقضيضها وإيجابها وسلبها.

    ونحن مع دعاة التقدم والحضارة في الاستفادة من التكنولوجيا والصناعة، وكسب المهارات والخبرات، لكننا نقول وعلى لسان كل مسلم صادق وغيور: لا وألف لا لاستيراد العادات والتقاليد الغربية، والانحلال الخلقي باسم الحرية وحقوق المرأة، أما إقحام الفضيلة والستر والعفاف ومكارم الأخلاق في التقدم والتخلف المزعوم فخدعة مكشوفة، لا تنطلي إلا على غافل ساذج في فكره دخن، أو في قلبه مرض.

    إن في أخلاقنا وآدابنا كمسلمين، بل وعاداتنا وتقاليدنا كعرب، ما يملأ قلوبنا بالفخر والاعتزاز والرفعة والسيادة، فالله اختار لنا مقاماً عزيزاً ومكاناً شريفاً، فقال جل وعز: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143].

    فأسألكم بالله! هل هذا المقام يناسب ما يفعله بعض الغافلين والغافلات من تشبه وتقليد بأهل الكفر والشرك في عاداتهم ولباسهم وسيئ أخلاقهم؟

    فأنت أيها المسلم! يجب أن تكون متبوعاً لا تابعاً، وقائداً لا منقاداً، بصفاء عقيدتك، وثبات مبدئك، وتعاليم دينك السمحة، وحسن أخلاقك، فلم لا نعتز بالشخصية الإسلامية؟ ولم لا نعلن للعالم كله أننا أهل دين وخلق؟! وأن لنا صبغةً خاصةً تميزنا عمن سوانا هي: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ [البقرة:138]؟!

    1.   

    الدعاة الصامتون

    أيها الإخوة! إننا نملك كنزاً عظيماً هو كنز الإيمان، لكنه الإيمان حقيقةً لا صورةً، الإيمان الذي لامست حلاوته شغاف القلوب، فظهرت تلك الحلاوة على جوارح ذلك المسلم في أقواله وأفعاله وصفاته، فيوم ذاق طعم الإيمان؛ عرف حقيقة الاستقامة والالتزام، وأثر ذلك في سلوكه وصدقه ومعاملته.

    يذكر التاريخ لنا أن الإسلام وصل إلى جنوب الهند وسيلان وجزر المالديف وسواحل الصين والفلبين وإندونيسيا وأواسط إفريقيا عن طريق تجار مسلمين، لكنهم مسلمون بحق، لم يؤثر عليهم بريق ولمعان الدينار والدرهم، بل تجسد الإسلام في سلوكهم وأمانتهم وصدقهم، فأُعجب الناس بهذه الأخلاق، فبحثوا وسألوا عن مصدرها، فدخلوا الإسلام عن رغبة واقتناع.

    إن من أكبر وسائل التأثير على القلوب والنفوس هو التميز في الأخلاق المتمثل في القدوة الصالحة، بل هو أعظم وسيلة لنشر الإسلام في كل مكان، ومن تتبع سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام وجد أنه كان يلازم الخلق الحسن في سائر أحواله، وخاصةً في دعوته إلى الله تعالى؛ فأقبل الناس ودخلوا في دين الله أفواجاً بفضل الله تعالى ثم بفضل حسن خلقه عليه الصلاة والسلام.

    فكم دخل في الإسلام بسبب خلقه العظيم! فهذا يسلم ويقول: [والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إليّ] وذاك يقول: [اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً] تأثر بعفو النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يتركه على تحجير رحمة الله التي وسعت كل شيء بل قال له: (لقد تحجرت واسعاً) والآخر يقول: [فبأبي هو وأمي ما رأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه] والرابع يقول: [يا قومي أسلموا، فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة] والخامس يقول: [والله لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليّ] والسادس يقول بعد عفو النبي صلى الله عليه وسلم عنه: [جئتكم من عند خير الناس] ثم يدعو قومه للإسلام فأسلم منهم خلق كثير، والأمثلة كثيرة في سيرته صلى الله عليه وسلم.

    كل الأمور تزول عنك وتنقضي     إلا الثناء فإنه لك باقي

    ولو أنني خيرت كل فضيلة     ما اخترت غير محاسن الأخلاق

    ذكر لي أحد الإخوة: أن شباباً من العرب في إحدى الدول الغربية استأجروا غرفاً من عجوز غربية، فلما انتهت مدة الإيجار رفضوا التسديد، وهربوا بحجة أنها كافرة، وأنهم -أي الكفار- هم الذين نهبوا أموالنا كعرب.

    سبحان الله! بأي منطق وأي عقلية يتعامل أمثال هؤلاء؟ إنه الهوى والجهل بتعاليم وآداب هذا الدين، ألم يعقد العلماء أبواباً في كتب العقيدة والفقه في معاملة المسلم لغير المسلم؟ ومعاملة المحارب للمسلمين وغير المحارب؟!

    كيف نريد أن نفخر بالإسلام ونحن أول من جهل أحكامه وتخلى عن آدابه؟!

    قال محدثي: وكنت أرغب الإيجار من هذه العجوز فرفضت، خاصةً عندما علمت أنني مسلم، وقالت: أنتم أيها المسلمون لصوص، يقول: وسألتها عن سبب هذا الاتهام، فحدثتني بقصتها مع هؤلاء الشباب، قال: فحرصت على تغيير هذه الصورة عنا كمسلمين، وبعد محاولات وإغراءات وتعهدات بالدفع مقدماً، وافقت على تأجيري، ووافقت رغم ارتفاع السعر، وسكنت ولا زلت أقدم لها العون، وأظهر لها آداب الإسلام، وأجاهد نفسي على التحلي بالفضائل مع تذكيرها في بعض الأحيان بأن هذا من آداب الإسلام، وأن ديننا يحثنا على هذه الأخلاق.

    يقول: فلما حان رحيلي وعند لحظة الوداع، فإذا بها تقول لي ودمعتها على خدها: يا بني! وصيتي لك أن لا تموت إلا على هذا الدين.

    رحم الله علي بن أصمع لما حضرته الوفاة جمع بنيه، فقال: يا بني! عاشروا الناس معاشرةً، إن عشتم حنوا إليكم، وإن متم بكوا عليكم.

    أيها الأخ! إنما الدنيا حديث، فإن استطعت أن تكون منها حديثاً حسناً فافعل، إننا بحاجة إلى من يجسدون مبادئ الإسلام في سلوكهم، ويترجمون فضائله وآدابه في حركاتهم وسكناتهم حتى مع الكفار.

    فمن أهم مظاهر علاقة المسلم بالكافر غير المحارب للمسلمين: كف الأذى والظلم، وعدم التعدي عليه وعلى حقوقه، والتزام مكارم الأخلاق معه من الصدق والأمانة، وغيرها من أخلاق الإسلام الحميدة، وجواز إيصال البر والمعروف إليه.

    ففي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب [أهدى حلةً له إلى أخ له مشرك بـمكة كانت قد جاءته من النبي صلى الله عليه وسلم].

    وفي البخاري -أيضاً- أن ابن عمر ذُبحت له شاة في أهله، فلما جاء قال: (أهديتم لجارنا اليهودي؟ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه).

    وليس القصد هنا بيان تفصيل هذه المسألة، وإنما الإشارة لها لارتباطها بالأخلاق، لكن تنبه واحذر كل الحذر أن تختلط عليك الأمور، ففرق بين حسن المعاملة ومكارم الأخلاق والبر والإحسان للكافر غير المحارب، وبين الموالاة والمحبة والمودة له، أو تفضيله على أحد من المسلمين، أو مجاملته على حساب دينك وعقيدتك، كتهنئتهم أو إهدائهم بمناسبة أعيادهم ونحو ذلك، فإن ذلك كله حرام لا يجوز، وضابط ذلك النصوص من الكتاب والسنة، وأقوال أئمة السلف رضوان الله عليهم أجمعين.

    فإنما عنيت بهذا الموضوع معاملة المسلم للمسلمين، أما معاملته للآخرين من أهل الملل والنحل فله أصوله وضوابطه.

    1.   

    الأخلاق تصنع الأعاجيب

    إن النفس أياً كانت ومهما بلغت من الانحلال والفساد والتجبر والعناد فإن فيها خيراً كثيراً قد لا تراه العيون أول الأمر، فقط شيء من العطف على أخطائهم، وشيء من الود الحقيقي لهم، وشيء من العناية بهم.

    لنحاول أيها الإخوة! تلمس الجانب الطيب في نفوسهم، ابدأهم بالسلام، ابتسم لهم، اثن على الخير الذي فيهم، وقبل ذلك كن صادقاً ومخلصاً غير متصنع ولا مجامل، عندها ستتفجر ينابيع الخير في نفوسهم، وسيمنحوك حبهم وثقتهم مقابل القليل الذي أعطيتهم إياه من نفسك، ولقد جُرِّب ذلك كثيراً.

    أذكر أنني قابلت أحد هؤلاء، فسلمت وابتسمت وأثنيت على صفة طيبة فيه، وأنا صادق، فلن يعدم إنسان مزية حسنة تكون مفتاحاً لقلبه، فانكشف لي قلب لين رقيق سرعان ما سالت دمعات على وجه تلطخ بسواد المعصية والشهوة، وكان قد شكا جفاء بعض الناصحين وتعجلهم عليه.

    أيها الإخوة! كم نخطئ عندما نحكم على الآخرين بمجرد النظر للظاهر.

    فهذا عمرو بن العاص يحدث عن نفسه فيقول: [لقد رأيتني وما أحد أشد بغضاً لرسول الله مني، ولا أحب إليّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته] وبعد أن أسلم وعرفه عن قرب، انقلب الحال فقال: [وما كان أحد أحب إليّ من رسول الله، ولا أجل في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالاً له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، لأني لم أكن أملأ عيني منه] كما في صحيح مسلم.

    إننا نظلم أنفسنا ونظلم الآخرين عندما نحقد على هؤلاء ونتخوف منهم، والحل هو: أن تنمو في نفوسنا بذرة الحب والعطف على الآخرين، والصبر عليهم، وباختصار: إنها الأخلاق وفن التعامل مع الناس.

    يا أهل القرآن! ألم نقرأ في القرآن قول الحق عز وجل: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً [البقرة:83]؟

    ألم نقرأ قول الحق: وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ [الإسراء:53]؟

    في الآية الأولى: (قولٌ حسن) وفي الثانية: (أحسن) فأين نحن من قول الحسن فضلاً عن قول أحسن الحسن ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) كما في صحيح مسلم؟!

    فإن كانت الرحمة والإحسان تصل إلى هذه الدرجة من الرفق، وحسن التعامل حتى مع الحيوان، فكيف بالرحمة والإحسان مع بني الإنسان؟

    قال أحد الإخوة: في موسم للأمطار وأنا على سيارتي مررت بغدير ماء لم أنتبه له، فتراشقت المياه على الجانبين، كان النصيب الأكبر منها لشباب جلسوا على عتبة أحد الأبواب، ويا ليت شعري لو رأيت حالهم وقد تبدلت، فالثياب البيضاء كأنها سوداء، والشعرات السوداء خضبت بالطين والماء، فرجعت إليهم، يقول: ولم أنتبه إلا على أصوات السب واللعان، ومناداتي للرفس والطعان، يقول: فرجعت إليهم مسلماً معتذراً متأسفاً، فيا سبحان مقلب القلوب! تحول السب واللعان إلى ترحيب وسلام، ودعوة إلى الطعام، بل إلى إخاء ووئام. انتهى كلامه.

    فيا أيها الأحبة! أقول باختصار: إنها الأخلاق تصنع الأعاجيب، نخطئ كثيراً عندما نعتزل بعض الناس؛ لأننا نشعر أننا أطهر منهم روحاً، أو أطيب منهم قلباً، أو أزكى منهم عقلاً.

    قال رجل لـعبد الله بن المبارك: عظني، قال ابن المبارك : [إذا خرجت من منزلك، فلا يقعن بصرك على أحد إلا رأيت أنه خير منك].

    (وليس معنى هذا أن نتخلى عن مبادئنا ومثلنا السامية، أو نتملق أو نجامل، لا. ولكنها الحكمة والموعظة الحسنة وفن التعامل مع الآخرين). مقتبس من رسالة بعنوان أفراح الروح .

    أيها المحب! انظر لفن التعامل ومحاسن الأخلاق ماذا تفعل؟

    هذا عكرمة بن أبي جهل ورث عداوة الإسلام عن أبيه، وقاتل المسلمين في كل موطن، وتصدى لهم يوم فتح مكة، ثم فر إلى اليمن، بعد أن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمه، فتأتي زوجه أم حكيم بعد إسلامها لرسول الله تطلب الأمان لزوجها فيقول لها -بأبي هو وأمي- صلى الله عليه وسلم: (هو آمن) ويقول لأصحابه: (يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً، فلا تسبوا أباه؛ فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت) فيأتي عكرمة بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، فيقول عكرمة : [أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، وأنت أبر الناس وأصدق الناس وأوفى الناس، أما والله يا رسول الله! لا أدع نفقةً كنت أنفقها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالاً في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله].

    لمسة حانية من نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم نقلت ابن فرعون هذه الأمة إلى صف أولياء الرحمن، وجعلته يندم هذا الندم، ويعزم هذا العزم، ويتحول هذا التحول، إنها الأخلاق تصنع الأعاجيب!

    1.   

    همسة في أذن موظف

    أيها الموظف! أيّاً كان موقعك، وفي أي مكان كنت، إنك لم تجلس على هذا الكرسي الذي أنت عليه إلا من أجل خدمة الناس، وقضاء حوائجهم، وأداء الأمانة التي تحملتها.

    أفلا ترى أنك بحسن الاستقبال والابتسامة، وإظهار الاهتمام بالمراجع وحاجته، تملك قلوب الآخرين؟ حتى وإن لم تقض حاجتهم، وربما خرجوا من عندك بنفس راضية، ولسان يلهج بالثناء والدعاء، بل ربما أثنوا عليك ورفعوا ذكرك بكل مجلس، كل هذا وأنت لم تقض حاجتهم، بل ملكتهم بحسن الأخلاق، فكيف لو استطعت قضاء حاجتهم وتيسير أمرهم؟

    أيها الحبيب! انظر للنتيجة التي وصلت إليها: كسبت القلوب، والذكر الحسن، وقبل ذلك كله كسبت رضا الله تعالى، ألم يقل صلى الله عليه وسلم: (وابتسامتك في وجه أخيك صدقة)؟ ألم يقل صلى الله عليه وسلم: (والكلمة الطيبة صدقة)؟ ألم يقل صلى الله عليه وسلم: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)؟ ألم يقل صلى الله عليه وسلم: (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)؟ ألم يقل صلوات الله وسلامه عليه: (خير الناس أنفعهم للناس) ؟

    إذاً: فأنت أيها الموظف! في عبادة وأنت على مكتبك، فقط استعن بالله وأخلص النية لله، واتصف بمكارم الأخلاق، واحرص على نفع الناس؛ ستجد التوفيق في الدنيا والآخرة، ذكر حسن وجميل وحب وتقدير، هذا في الدنيا، وأجر كبير من العليم الخبير في الآخرة، كل هذا من خلال عملك ووظيفتك -أجر وغنيمة- والموفق من وفقه الله.

    وربما قلت: الناس لا يرضيهم إلا تلبية رغباتهم، وتنفيذ ما يريدون، بل ربما قلت: إن ميزان الناس اليوم في الحكم على الآخرين هو مصالحهم الشخصية.

    فأقول لك: نعم. هذا هو واقع الحال، ونحن لا نبرئ أنفسنا، ولكن أخي الحبيب! هب أنك بذلت لهم ما استطعت وتخلقت معهم بأحسن الأخلاق ولم يرضوا عنك، أليس حسبك أن يرضى الله عنك؟ فإنه يعلم أنك قدمت وبذلت ما بوسعك إذاً فأجرك على الله، وإن لم يرض الناس فتذكر دائماً (أن من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس).

    فاحرص على فضائل الأخلاق وفن التعامل مع الناس، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (خياركم أحاسنكم أخلاقاً) كما في البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو.

    يا من رزقه الله مكانةً ووجاهةً! اعلم أن زكاتها الشفاعة والإعانة للمحتاجين، على أن لا يبخس بها حق الآخرين، فإن الشفاعات من أعظم العبادات إذا قصد بها وجه الله عز وجل.

    كتب الحسن بن سهل لرجل كتاب شفاعة؛ فجعل الرجل يشكره، فقال الحسن : يا هذا علام تشكرنا؟ إنا نرى الشفاعات زكاة مروءتنا، ثم أنشد يقول:

    فرضت عليّ زكاة ما ملكت يدي     وزكاة جاهي أن أعين وأشفعا

    فإذا ملكت فجد فإن لم تستطع     فاجهد بوسعك كله أن تنفعا

    1.   

    همسة في أذن المعلمين والمعلمات

    أيها المعلمون والمعلمات! (إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها ليصلون على معلم الناس الخير) كما في الترمذي . (ومن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) كما في صحيح مسلم .

    وإني لأظنك أيها المعلم! وأنت أيتها المعلمة! من معلمي الناس الخير، وممن يدعوا إلى الهدى، فأنتم تجلسون الساعات بل الأيام والشهور والسنوات مع أولاد وبنات المسلمين، ولله در ابن المبارك وهو يقول: [نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم] وأفضل وأيسر وأحسن طريق عرفته في التعليم هو التواضع، وفن التعامل ومكارم الأخلاق مع الطلاب والطالبات، ولا يستطيعه إلا من رزقه الله الإخلاص بعلمه وتعليمه نسأل الله الكريم من فضله.

    احترام الطلاب والطالبات، وإشعارهم بالحب والاهتمام بمشاكلهم وهمومهم، والتجاوز عن أخطائهم، والابتسامة، والصبر، والرفق بالتوجيه مع قوة المادة العلمية، كلها من علامات الشخصية الناجحة للمعلم والمعلمة، أما الشدة وكتم الأنفاس، وشد الأعصاب، ورفض المناقشة، والتمسك بالرأي، وعدم التنازل عنه بحجة قوة الشخصية أمام الطلاب والطالبات، فهي أوهام لا تزيد الطين إلا بله (فإن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف) كما في صحيح مسلم .

    أيها المعلمون والمعلمات! رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من يحرم الرفق يحرم الخير كله) كما في صحيح مسلم .

    والقلوب التي تجلس أمامكم كل نهار مهما بلغت من الغفلة والقسوة فهي أحوج ما تكون إلى الرفق والعطف، فإن الرفق وحسن الأخلاق واللمسات الحانية والكلمات العذبة، مفاتيح عجيبة في التأثير والتوجيه، فكم عبرة أجهشتها، ودمعة أسالتها! ولكنه -وأقوله مرةً وثالثةً وعاشرةً- الإخلاص لله، فمن يؤتاه فقد أوتي خيراً كثيراً، فليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة، واللبيب بالإشارة يفهم.

    1.   

    هل يمكننا تغيير الأخلاق؟!

    ربما قال البعض: لقد شببت على الشيء فلا أستطيع أن أغير أخلاقي، وهناك من يرى أن الأخلاق ثابتة في الإنسان لا تتغير، فهي غرائز فطر عليها، وطبائع جبل عليها، وهناك من يرى أنها تتغير فليس ذلك صعباً ولا مستحيلاً، والحق أن الأخلاق على نوعين:

    فمنها: ما هو غريزي فطري، ومنها: ما يكتسب بالممارسة والمجاهدة، ولو كانت الأخلاق لا تتغير؛ لبطلت الوصايا والمواعظ، ولما قال الله عز وجل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى:14] وقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9] ولما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطه، ومن يتوقى الشر يوقه).

    ومن نظر إلى الحيوان وحاله قبل التدريب وبعده، أدرك أن الأخلاق عند الإنسان سهلة التغيير لمن رزق الهمة والعزيمة، وحمل نفسه على مكارم الأخلاق وفضائلها.

    يقول ابن حزم رحمه الله متحدثاً عن تجربته مع نفسه: كانت فيَّ عيوب فلم أزل بالرياضة والاطلاع على مقالة الأنبياء صلوات الله عليهم، والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين في الأخلاق وآداب النفس، أعاني مداواتها حتى أعان الله عز وجل على أكثر ذلك بتوفيقه ومنه، وتمام العدل ورياضة النفس والتصرف بالأمور هو الإقرار بها -أي: الإقرار بالعيوب- ليتعظ بذلك متعظ يوماً إن شاء الله.

    ثم أخذ رحمه الله يعدد بعض العيوب في نفسه، لولا خشية الإطالة لذكرتها لعظيم الفائدة، من أرادها فلينظر في كتابه: الأخلاق والسير في مداواة النفوس .

    قال: ومنها -أي: العيوب- حقد مفرط قدرت بعون الله تعالى على طيه وستره، وغلبته على إظهار جميع نتائجه، وأما قطعه ألبتة فلم أقدر عليه، وأعجزني أن أصادق من عاداني عداوة صحيحة أبداً. انتهى كلامه رحمه الله.

    ويقول أحد الإخوة: وقع في قلبي شيء عظيم على أحد إخواني لخير أعطاه الله إياه، فما زال الشيطان بي ونفسي الضعيفة، وكنت أهتم وأغتم وأكثر التفكير والخواطر خاصةً وأنني كنت متهيئاً لهذا الخير الذي آتاه الله أكثر منه.

    يقول: فما زلت مع نفسي أدفع الخواطر والأفكار الرديئة تارةً، وأؤنبها وألومها تارة، وأذكرها بفضل سلامة الصدر وتمني الخير للآخرين، وأني أحب لهم ما أحب لنفسي تارةً أخرى، وتارةً أذكرها بخطر الحسد وأضراره، وما زلت أستعين بالله وأدعوه حتى انتصرت على نفسي واستطعت ترويضها، وما زلت مع نفسي بكثير من هذه المواقف، حتى وجدت أنها اعتادت على سلامة الصدر وحسن الظن بالآخرين وتمني الخير لهم، عندها شعرت بسعادة ولذة عجيبة، وأقبلت على شئوني وأعمالي بقلب سليم، وفتح الله عليّ بأمور كثيرة فتحاً عجيباً ولله الحمد والمنة، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. انتهى كلامه.

    إذاً: فلا بد من رياضة النفس وتدريبها أيها الأحبة! وذلك بالمجاهدة والصبر وقوة الملاحظة والنظر في عواقب الأمور قبل الإقدام، وطلب النصح من الآخرين، ونحو ذلك مما يعين على تغيير الأخلاق والطبائع للأحسن، هداني الله وإياك لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا هو.

    1.   

    سهام للصيد

    أي: صيد القلوب، أعني تلك الفضائل التي تُستَعطَف بها القلوب، وتستر بها العيوب، وتستقال بها العثرات، وهي صفات لها أثر سريع وفعال على القلوب، وإلا فإن فضائل ومكارم الأخلاق كثيرة.

    إليك أيها المحب! سهاماً سريعةً ما إن تطلقها حتى تملك بها القلوب، فاحرص عليها وجاهد نفسك على حسن التسديد للوصول للهدف، واستعن بالله.

    السهم الأول: الابتسامة

    قالوا هي كالملح في الطعام، وهي أسرع سهم تملك به القلوب، وهي مع ذلك عبادة وصدقة، (فتبسمك في وجه أخيك صدقة) كما في الترمذي ، وقال عبد الله بن الحارث : [ما رأيت أحداً أكثر تبسماً من رسول الله صلى الله عليه وسلم] أخرجه أحمد والترمذي وقال: سند حسن.

    السهم الثاني: البدء بالسلام

    سهم يصيب سويداء القلب، ليقع فريسةً بين يديك، لكن أحسن التسديد ببسط الوجه والبشاشة، وحرارة اللقاء، وشد الكف على الكف، وهو أجر وغنيمة (فخيرهما الذي يبدأ بالسلام).

    قال عمر الندي: [خرجت مع ابن عمر فما لقي صغيراً ولا كبيراً إلا سلم عليه]

    وقال الحسن البصري: [المصافحة تزيد في المودة].

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) كما في صحيح مسلم.

    وعند مالك في الموطأ أنه صلى الله عليه وسلم قال: [تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء] قال ابن عبد البر: هذا يتصل من وجوه شتى حسان كلها.

    السهم الثالث: الهدية

    ولها تأثير عجيب! فهي تذهب بالسمع والبصر والقلب، وما يفعله الناس من تبادل الهدايا في المناسبات وغيرها أمر محمود، بل ومندوب إليه على أن لا يكلف نفسه إلا وسعها.

    قال إبراهيم بن محمد الزهري: خرجت لأبي جائزته فأمرني أن أكتب خاصته وأهل بيته، ففعلت، فقال لي: تذكر هل بقي أحد أغفلناه؟ قلت: لا. قال: بلى. رجل لقيني فسلم عليّ سلاماً جميلاً صفته كذا وكذا، اكتب له عشرة دنانير. انتهى كلامه.

    انظروا! أثر فيه السلام الجميل فأراد أن يرد عليه بهدية ويكافئه على ذلك.

    السهم الرابع: الصمت وقلة الكلام إلا فيما ينفع

    وإياك وارتفاع الصوت وكثرة الكلام في المجالس، وإياك وتسيد المجالس، وعليك بطيب الكلام ورقة العبارة (فالكلمة الطيبة صدقة) كما في الصحيحين ، ولها تأثير عجيب في كسب القلوب والتأثير عليها حتى مع الأعداء، فضلاً عن إخوانك وبني دينك!

    فهذه عائشة رضي الله تعالى عنها قالت لليهود: (وعليكم السام واللعنة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: مهلاً يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله) والحديث متفق عليه.

    وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليك بحسن الخلق، وطول الصمت؛ فوالذي نفسي بيده ما تجمل الخلائق بمثلهما) أخرجه أبو يعلى والبزار وغيرهما.

    قد يخزن الورع التقي لسانـه     حذر الكلام وإنه لمفوه

    السهم الخامس: حسن الاستماع وأدب الإنصات وعدم مقاطعة المتحدث

    فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقطع الحديث حتى يكون المتكلم هو الذي يقطعه، ومن جاهد نفسه على هذا؛ أحبه الناس وأعجبوا به، بعكس الآخر كثير الثرثرة والمقاطعة، واسمع لهذا الخلق العجيب عن عطاء قال: [إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأني لم أسمعه وقد سمعته قبل أن يولد].

    السهم السادس: حسن السمت وجمال الشكل واللباس وطيب الرائحة

    فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله جميل يحب الجمال) كما في مسلم .

    وعمر بن الخطاب يقول: [إنه ليعجبني الشاب الناسك نظيف الثوب طيب الريح].

    وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: إني ما رأيت أحداً أنظف ثوباً، ولا أشد تعهداً لنفسه وشاربه وشعر رأسه وشعر بدنه، ولا أنقى ثوباً وأشده بياضاً من أحمد بن حنبل.

    السهم السابع: بذل المعروف وقضاء الحوائج

    سهم تملك به القلوب، وله تأثير عجيب صوره الشاعر بقوله:

    أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم     فطالما استعبد الإنسان إحسان

    بل تملك به محبة الله عز وجل كما قال صلى الله عليه وسلم: (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس) والله عز وجل يقول: وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [البقرة:195].

    إذا أنت صاحبت الرجال فكن فتى     كأنك مملوك لكل رفيق

    وكن مثل طعم الماء عذباً وبارداً     على الكبد الحرى لكل صديق

    أيها الإخوة والأخوات! عجبت لمن يشتري المماليك بماله كيف لا يشتري الأحرار بمعروفه، ومن انتشر إحسانه كثر أعوانه.

    السهم الثامن: بذل المال

    فإن لكل قلب مفتاح، والمال مفتاح لكثير من القلوب، خاصة في مثل هذا الزمان، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ منه؛ خشية أن يكبه الله في النار) كما في صحيح البخاري .

    صفوان بن أمية فر يوم فتح مكة خوفاً من المسلمين، بعد أن استنفذ كل جهوده في الصد عن الإسلام، والكيد والتآمر لقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيعطيه الرسول صلى الله عليه وسلم الأمان ويرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويطلب منه أن يمهله شهرين للدخول في الإسلام، فقال له الرسول الله صلى الله عليه وسلم: (بل لك تسير أربعة أشهر) وخرج مع رسول الله إلى حنين والطائف كافراً، وبعد حصار الطائف وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر في الغنائم رأى صفوان يطيل النظر إلى واد قد امتلأ نعماً وشاءً ورعاءً، فجعل عليه الصلاة والسلام يرمقه ثم قال له: (أيعجبك هذا يا أبا وهب ؟ قال: نعم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: هو لك وما فيه) فقال صفوان عندها: [ما طابت نفس أحد بمثل هذا إلا نفس نبي، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله].

    أيها الأحبة! لقد استطاع الحبيب صلى الله عليه وسلم بهذه اللمسات، وهذا التعامل العجيب أن يصل لهذا القلب بعد أن عرف مفتاحه، فلماذا هذا الشح والبخل؟ ولماذا هذا الإمساك العجيب عند البعض من الناس؟ حتى كأنه يرى الفقر أمام عينيه كلما هم بالجود والكرم والإنفاق.

    السهم التاسع: إحسان الظن بالآخرين والاعتذار لهم

    فما وجدت طريقاً أيسر وأفضل للوصول إلى القلوب منه، فأحسن الظن بمن حولك، وإياك وسوء الظن بهم، وأن تجعل عينيك مرصداً لحركاتهم وسكناتهم، فتحلل بعقلك التصرفات ويذهب بك كل مذهب، واسمع لقول المتنبي:

    إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه     وصدق ما يعتاده من توهم

    عوّد نفسك على الاعتذار لإخوانك جهدك، فقد قال ابن المبارك: [المؤمن يطلب معاذير إخوانه، والمنافق يطلب عثراتهم] ومن علامات شقاء الأمة: أن تشغل بنفسها عن أعدائها.

    السهم العاشر: أعلن المحبة والمودة للآخرين

    فإذا أحببت أحداً، أو كانت له منزلةً خاصةً في نفسك فأخبره بذلك، فإنه سهم يصيب القلب ويأسر النفس، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته بمنزله فليخبره أنه يحبه) كما في صحيح الجامع ، وزاد في رواية مرسلة: (فإنه أبقى في الألفة وأثبت للمودة).

    لكن شرط المحبة: أن تكون لله، وليس لغرض من أغراض الدنيا كالمنصب والمال، والشهرة والوسامة والجمال، فكل أخوة لغير الله هباء، وهي يوم القيامة عداء الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] و(المرء مع من أحب) كما قال صلى الله عليه وسلم، يعني: يوم القيامة.

    إذاً: فإعلان المحبة والمودة من أعظم الطرق للتأثير على القلوب، فإما مجتمع مليء بالحب والإخاء والائتلاف، أو مجتمع مليء بالفرقة والتناحر والاختلاف، لذلك حرص صلى الله عليه وسلم على تكوين مجتمع متحاب، فآخى بين المهاجرين والأنصار، حتى عرف أن فلاناً صاحب فلان، وبلغ ذلك الحب أن يوضع المتآخيين في قبر واحد بعد استشهادهما في إحدى الغزوات، بل أكد صلى الله عليه وسلم على وسائل نشر هذه المحبة، ومن ذلك قوله صلوات الله وسلامه عليه: (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) كما في صحيح مسلم .

    أيها الإخوة! إن المشاعر والعواطف والأحاسيس الناس منها على طرفي نقيض -وللأسف- فهناك من يتعامل مع إخوانه بأسلوب عقلي جامد جاف مجرد من المشاعر والعواطف، وهناك من يتعامل معهم بأسلوب عاطفي حساس رقيق ربما وصل لدرجة العشق والإعجاب، والتعلق بالأشخاص.

    والموازنة بين العقل والعاطفة يختلف بحسب الأحوال والأشخاص، وهو مطلب لا يستطيعه كل أحد لكنه فضل الله يؤتيه من يشاء.

    السهم الحادي عشر والأخير: المداراة

    فهل تحسن فن المداراة؟ وهل تعرف الفرق بين المداراة والمداهنة؟

    روى البخاري في صحيحه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل، قالت له عائشة : يا رسول الله! حين رأيت الرجل قلت كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:يا عائشة ! متى عهدتني فاحشاً؟ إن شر الناس عند الله منزلةً يوم القيامة؛ من تركه الناس اتقاء فحشه).

    قال ابن حجر في الفتح : وهذا الحديث أصل في المداراة.

    ونقل قول القرطبي : والفرق بين المداراة والمداهنة: أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معاً، وهي مباحة وربما استحبت، والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا.

    إذاً: فالمداراة لين الكلام والبشاشة للفساق وأهل الفحش والبذاءة:

    أولاً: اتقاءً لفحشهم.

    وثانياً: لعل في مداراتهم كسباً لهدايتهم، بشرط عدم المجاملة في الدين، وإنما في أمور الدنيا فقط، وإلا انتقلت من المداراة إلى المداهنة.

    فهل تحسن فن المداراة بعد ذلك؟ كالتلطف والاعتذار، والبشاشة، والثناء على الرجل بما هو فيه لمصلحة شرعية، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مداراة الناس صدقة) أخرجه الطبراني وابن السني من حديث جابر وصححه ابن حبان .

    وقال ابن بطال : المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي خفض الجناح للناس، وترك الإغلاظ لهم في القول، وذلك من أقوى أسباب الألفة. انتهى كلامه رحمه الله.

    إذاً: هذه أسهم للصيد، فأحسن التسديد، وهي على سبيل المثال، وذكرت منها ما أشرت إليه آنفاً وإلا فهي كثيرة.

    1.   

    الازدواجية في الأخلاق

    لقد شكا الكثير من التقلب والمزاجية، والازدواج في الشخصية، وهو ما يعيشه بعض الناس اليوم.

    الازدواجية في الأخلاق داخل البيت وخارجه

    فمثلاً: الزوجة المسكينة تسمع عن أخلاق زوجها، وسعة صدره وابتسامته وكرمه، ولكنها لم تر من ذلك شيئاً، فهو في بيته سيئ الخلق، ضيق الصدر، عابس الوجه، صخاب لعان، بخيل ومنان، أين هذا وأمثاله من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي) كما عند ابن ماجه وابن حبان والحاكم .

    وأين هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم) كما عند الترمذي وابن حبان بسند صحيح؟!

    قال سلمة بن دينار : السيئ الخلق أشقى الناس به نفسه التي بين جنبيه، هي منه في بلاء، ثم زوجته، ثم ولده، حتى إنه ليدخل بيته وإنهم لفي سرور، فيسمعون صوته فينفرون منه فرقاً -أي: خوفاً منه- حتى إن دابته تحيد مما يرميها بالحجارة، وإن كلبه ليراه فينزو على الجدار، حتى إن قطه ليفر منه. انتهى كلامه.

    وقل مثل ذلك مع الوالدين، فكم أولئك الذين نسمع عن حسن أخلاقهم وكرمهم وابتسامتهم وجميل معاشرتهم للآخرين، أما مع أقرب الناس إليهم وأعظم الناس حقاً عليهم، الوالدين، فجفاء وهجر وبعد، ويكفي بلاغةً وقوةً ورقةً، قول الحق عز

    وجل: فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ [الإسراء:23] ومن نظر لحالنا مع آبائنا وأمهاتنا، علم ضعف إيماننا وتقصيرنا بأعظم الحقوق علينا بعد توحيد الله، والله المستعان.

    الازدواجية في أخلاق المرأة بين جمال الداخل والخارج

    ومن الازدواجية -أيضاً- ربما ترى المرأة متعلمةً مثقفةً جميلةً أنيقة، بل ربما حرصت على صفاء وجهها وبياض أسنانها، وتبذل الغالي والنفيس من أجل جمالها وأناقتها، فإذا عرفتها عن قرب وعاشرتها، فإذا هي سيئة الأخلاق سريعة الغضب، تتذمر وتتسخط، ترفع صوتها على زوجها، وتعبس في وجه أختها، آه لو حرصت النساء على أخلاقهن كحرصهن على جمالهن.

    فليس الجمال بأثواب تزيننـا     بل الجمال جمال العلم والأدب

    اعلمي أخيتي في الله! أن الجمال الحقيقي هو: جمال الأخلاق والأدب، فأف ثم تف لجمال اللباس والشكل مع قلة الحياء، والتكشف والعري، وضياع القيم والمبادئ.

    مررت على المروءة وهي تبكي     فقلت علام تنتحب الفتاة

    فقالت: كيف لا أبكي وأهلي     جميعاً دون خلق الله ماتوا

    أيتها الأخت! إن الله جعل للإنسان عورتين، عورة الجسم، وعورة النفس، وجعل للأولى ستراً هو: اللباس، وللثانية ستراً هو: الأخلاق، ونبه على الأهم وهو الثاني؛ لأن لباس الإنسان لا يغني عن أخلاقه ألبتة، فقال عز وجل: يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ [الأعراف:26].

    أخيتي! إن المرأة العاقلة:

    إذا نطقت جاءت بكل ملاحة     وإن سكتت جاءت بكل مليح

    فاتقي الله أيتها المرأة! واستري عورة النفس بلباس التقوى، والحياء، ومكارم الأخلاق.

    الازدواجية في الأخلاق والمعاملات

    ومن الازدواجية في الأخلاق: ما نراه من بعض الناس من حسن الكلام، وسعة الصدر، والابتسامة، فإذا جاء البيع والشراء والتعامل بالدينار والدرهم تراه مماطلاً مماكساً، يجادل ويخاصم، وربما ضاعت وتلاشت معاني الأخوة وحقوقها.

    وقيل لـمحمد بن الحسن ألا تصنف كتاباً في الزهد قال: صنفت كتاباً في البيوع .

    يعني رحمه الله: أن الزاهد هو من يتحرز عن الشبهات والمكروهات في التجارات وفي سائر المعاملات، وهذا من فقه وذكاء محمد رحمة الله تعالى عليه .

    ويروى أن مسروقاً كان عليه دين ثقيل، وكان على أخيه خيثمة دين، فذهب مسروق فقضى دين خيثمة وهو لا يعلم، وذهب خيثمة فقضى دين مسروق وهو لا يعلم.

    وقال مطرف بن عبد الله لبعض إخوانه: يا أبا فلان! إذا كانت لك حاجة فلا تكلمني، واكتبها في رقعة، فإني أكره أن أرى في وجهك ذل السؤال.

    إذا أعسرت لم يعلم رفيقي     وأستغني فيستغني صديقي

    حيائي حافظ لي ماء وجهـي     ورقي في مطالبتي رفيقي

    ولو أني سمحت بماء وجهـي      لكنت إلى العلا سهل الطريق

    عن رباح بن الجراح قال: جاء فتح الموصلي إلى منزل صديق له يقال له: عيسى التمار، فلم يجده في المنـزل، فقال للخادم: أخرجي لي كيس أخي، فأخرجته، ففتحه فأخذ منه درهمين، وجاء عيسى فأخبرته الخادمة، فقال: إن كنت صادقةً فأنت حرة، فنظر فإذا هي صادقة فعتقت.

    وعن جميل بن مرة قال: مستنا حاجة شديدة، فكان مورق العجلي يأتينا بالصرة فيقول: أمسكوا هذه لي عندكم، ثم يمضي غير بعيد، فيقول: إن احتجتم إليها فأنفقوها .

    وقال سفيان بن عيينة : [سمعت مساوراً الوراق يقول: ما كنت لأقول لرجل إني أحبك في الله فأمنعه شيئاً من الدنيا].

    مواقف أغرب من الخيال، لكنها مكارم الأخلاق عند سلفنا الصالح رضوان الله تعالى عليهم، وصدق الأخوّة والمحبة في الله، نسأل الله الكريم من فضله، ونسأل الله عز وجل حسن التأسي بهم رضوان الله عليهم.

    الازدواجية في الأخلاق بين حسن المظهر ووحشة المخبر

    ومن مظاهر الازدواجية -أيضاً-: أن ترى بعض الشباب يعجبك حسن مظهره، ويجذبك سحر عطره، وتصفيف شعره، ولولا الحياء لأطنبت في الوصف مما يرى ويشاهد على بعض شبابنا هذه الأيام من حرص على المظاهر والأشكال، ومع ذلك انحراف في السلوك والأخلاق، فلا مانع لديه أن يكذب، وأن يلعن ويشتم، وربما يزني ويسرق، أو يغش ويخدع، لا مانع لديه أن يتخلى عن دينه وأخلاقه من أجل شهوة، فأفسد المسكين جمال الظاهر وجمال الباطن.

    أيها الشاب! ليس الإنسان إنساناً بجسمه وصورته، لا والله! ولا بثيابه ومظهره! بل هو إنسان بروحه وعقله وخلُقه.

    يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته     أتعبت نفسك فيما فيه خسران

    أقبل على النفس واستكمل فضائلها     فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

    أيها الشاب!

    هل ينفع الفتيان حسن وجوههم     إذا كانت الأخلاق غير حسان؟

    إن في قلبك فطرة الخير ففتش عنها وأشعل جذوة الخير فيها.

    أيها الشاب! إن من تمام سعادتنا أن نتمتع بمباهج الحياة وشهواتها، لكن في حدود الشرع: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا [القصص:77].

    أيها الشاب!

    فكن رجلاً رجلـه في الثـرى     وهامة همته في الثريا

    وتجمل بمكارم الأخلاق والآداب فإنها زينة الرجال.

    الازدواجية في الأخلاق عند بعض الصالحين

    ومن الازدواجية في الأخلاق -أيضاً-: أولئك الذين نرى عليهم آثار الصلاح وسيما الخير، ثم نراهم في أفعالهم وتصرفاتهم يناقضون تلك السمات والآثار، حتى أصبحوا فتنةً لغيرهم، فأنت لا تسيء لنفسك فقط، بل لنفسك ولغيرك، وربما لدينك، فإن من يرى سوء الأخلاق منك فسيقول: هذه أخلاق الصالحين، وهذا هو الالتزام الذي يذكرون، فعلى هذا وأمثاله أن يراجعوا صلاحهم، فقد لا يكون لهم من الصلاح إلا الاسم والرسم.

    مدحوا عند الفضيل بن عياض رجلاً وقالوا: إنه لا يأكل الخبيص، فقال رحمه الله: [وما ترك أكل الخبيص؟ انظروا كيف صلته للرحم، انظروا كيف كظمه للغيظ، انظروا كيف عطفه على الجار والأرملة واليتيم، انظروا كيف حسن خلقه مع إخوانه] انتهى كلامه .

    قل لي بربك أيها القدوة! هل الاستقامة مظهر فقط؟ أم هي حسن تعامل مع فئة من الناس فقط؟ أم أنها سلوك منك وحسن تعامل مع الناس في كل شيء وفي جميع الأحوال؟

    ففي الحديث الصحيح: (أعظم ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق) أخرجه الترمذي وابن ماجه ، وقال الترمذي : صحيح غريب .

    قال ابن القيم في الفوائد : جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين تقوى الله وحسن الخلق في هذا الحديث؛ لأن تقوى الله يصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه، فتقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته. انتهى كلامه رحمه الله.

    ويجب التنبه هنا لأمر مهم، اختلط على كثير من الناس إما جهلاً وهو الغالب، أو بقصد من قلب فيه دخن ودغل، وهو قليل جداً إن شاء الله.

    وقفة للنظر في الازدواجية

    أيها الإخوة! إن تخلى المسلمون عن أخلاقهم ومبادئ عقيدتهم فليس معنى هذا أن نتهم الإسلام، أو نتردد بالالتزام بتعاليمه وشرائعه، وإلا فما معنى أن يحكم أناس مسلمون على الإسلام وعلى أهل الصدق منه بالغلو والتطرف، والغلظة والفظاظة، وسوء الخلق، لمجرد أن منتسباً للإسلام أخطأ في تصرفه، أو قوله، أو تلبس لباس الصادقين من المسلمين؟ إن من أشنع أنواع الظلم أن يؤاخذ الإنسان بخطأ غيره فإن الله عز وجل يقول: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الأنعام:164].

    أين الإنصاف؟ وأين العدل؟ والله عز وجل يقول: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [المائدة:8].

    لماذا نتسرع بالحكم على الجميع ونعمم الأخطاء لمجرد أخطاء فردية؟! أين هؤلاء الشانئون عن مئات وآلاف من المسلمين والمسلمات ممن نَبُلت أخلاقهم، وعزت نفوسهم؟! إنني أعرف وتعرف، وأسمع وتسمع، وأرى وترى أعداداً ليست بالقليلة، ممن ملكوا القلوب بجمال ألفاظهم، وأسروا النفوس بحسن أفعالهم، قلوب صافية، وأيد حانية، وألسن عفيفة، علم وعمل، وحب للدين والوطن، فلماذا لا يذكر هؤلاء ويشهر أمرهم ويتحدث عن نبلهم؟ لماذا ننظر بعين واحدة ونقع على الجروح فقط؟

    انظر لنفسك أيها الأخ الحبيب! أيها الشاب! وأنت تشكو من هؤلاء، ألست مسلماً؟ أو لست تخطئ؟ ألست تزل؟ فلربما شكا منك الناس، فأنت تشكو وأنت تُشكى، ولكن ما أجمل أن يعذر بعضنا بعضاً، وأن نعفو عن الزلات ونستر السيئات، ونشهر الحسنات، تناصح وتغافر يطفئ نار الفرقة والاختلاف.

    عامل الناس جميعاً على أنهم بشر يصيبون ويخطئون، غض الطرف وتغافل واصبر.

    ليس الغبي بسيد في قومه     لكن سيد قومه المتغابي

    ولك أن تسرح بخيالك لترى المجتمع وهو يعيش بهذه المعاني الجميلة، فهي من أعظم مكارم الأخلاق، فإن أبيت فاتهم ذلك الشخص ولا تعمم واتق الله! فإن الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان.

    1.   

    أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

    مكارم الأخلاق بأن تشعر الجميع أنك تحبهم، بل كل واحد يشعر أنه أحب الناس إلى قلبك، فهل تستطيع هذا؟! إنك تملك القلوب بأيسر الطرق وأفضلها، هكذا كانت أخلاق قدوتنا وحبيبنا صلى الله عليه وسلم.

    فعن عمرو بن العاص قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بوجهه وحديثه عليّ، حتى ظننت أني خير القوم، فقلت: يا رسول الله! أنا خير أو أبو بكر؟ فقال: أبو بكر ، فقلت: يا رسول الله! أنا خير أم عمر؟ فقال: عمر ، فقلت: يا رسول الله! أنا خير أم عثمان؟ فقال: عثمان، فقال عمرو بن العاص: فلما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصدقني، فلوددت أني لم أكن سألته) كما في الشمائل للترمذي.

    إذاً: فـعمرو بن العاص، ظن أنه أحب وأقرب الناس لقلب رسول صلى الله عليه وسلم.

    أخي الحبيب! لعلك تسأل كيف استطاع النبي صلى الله عليه وسلم كسب القلوب إلى هذا الحد، بل كسب حتى قلوب أعدائه.

    إليك شيئاً من شمائله وأخلاقه بإيجاز، رزقني الله وإياك حسن الاقتداء والتأسي به صلى الله عليه وسلم.

    كان أشد الناس حياءً، لا يثبت بصره في وجه أحد، ولا يجفو على أحد، يقبل معذرة المعتذرين إليه، يمزح ولا يقول إلا حقاً، يضحك من غير قهقهة، ترفع الأصوات عليه فيصبر، لا يحتقر مسكيناً لفقره، ما ضرب بيده أحداً قط إلا في سبيل الله، وما انتقم من شيء صنع إليه قط إلا أن تنتهك حرمة الله، ما كان يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، يبدأ من لقيه بالسلام، وكان إذا لقي أحداً من أصحابه بدأه بالمصافحة، ثم أخذ بيده فشابكه ثم شد قبضته عليها، كان يجلس حيث انتهى به المجلس، وكان يكرم من يدخل عليه حتى ربما بسط ثوبه ليجلس عليه، كان يؤثر الداخل عليه بالوسادة التي تحته، فإن أبى أن يقبلها عزم عليه حتى يفعل، وكان يعطي كل من جلس إليه نصيبه من وجهه وسمعه وبصره وحديثه، وكان يدعو أصحابه بكناهم إكراماً لهم واستمالةً لقلوبهم، وكان أبعد الناس غضباً وأسرعهم رضاً، كان أرأف الناس بالناس، وخير الناس للناس. فعن أنس رضي الله عنه أن امرأةً جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت له: (إن لي إليك حاجة، فقال: اجلسي في أي طريق المدينة شئت أجلس إليك) متفق عليه.

    وبكلمة جامعة مانعة كان خلقه القرآن، ولذلك أثنى الله عليه فقال: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4].

    إذاً: فمن أراد أن يرى هدي هذا الدين واقعاً يعاش فلينظر في سيرة الحبيب صلى الله عليه وسلم، وليدرسها دراسة فهم وتدبر -بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم- يكفي أن كل أحد يقول يوم القيامة: نفسي نفسي، وهو يقول: (أمتي أمتي).

    يا من يذكرني بعهد أحبتي     طاب الحديث بذكرهم ويطيب

    أعد الحديث عليّ من جنباتـه     إن الحديث عن الحبيب حبيب

    ملأ الضلوع وفاض عن أجنابها     قلب إذا ذكر الحبيب يذوب

    ما زال يخفق ضاربا بجناحه     يا ليت شعري هل تطير قلوب

    1.   

    خلاصة الدرس

    أولاً: ليس مراد المسلم الصادق من حسن تعامله وأخلاقه والإحسان للناس هو كسب القلوب أو رضا المخلوقين، أو انتزاع صيحات الإعجاب والمدح والثناء منهم، فمن القبيح أن نتحلى بالأخلاق من أجل كسب القلوب فقط، فلا يظن ظان عند سماعه لعنوان الدرس هذا الظن، بل هدفنا دائماً هو رضا الله، والله هو الذي أنزل القرآن وأرسل الوحي اللذان منهما نستمد الأخلاق والآداب، ومن أرضى الله، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، فتقدير الناس وحبهم له حاصل بحرصه على رضا الله وإخلاص الأمر له، وقليلٌ أولئك الذين يحرصون على كسب القلوب لنشر المحبة والإخاء وجمعها على حب الله، وكثير أولئك الذين يحرصون على كسب القلوب، ومودة الآخرين من أجل مصالح الدنيا والشفاعات وتسهيل المهام، وهذا النوع من الكسب تبتذل فيه النفوس، ويذبح الحياء، وربما يباع الدين بالدنيا من أجله، نعوذ بالله من حال هؤلاء.

    ثانياً: إن لم تكن الأخلاق أصيلةً في نفسك، فلتحرص على اكتسابها والتحلي بها وتداوم على تزكية النفس وتهذيبها، ولا تتصنع الأخلاق أبداً، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وإن نجحت مرةً أو مرتين فسرعان ما تسفر الأحداث والمواقف عن زيوف النفس وتصنعها، وما تخفيه من نوايا ومآرب وأغراض.

    أما بحثنا عن طريق القلوب فمن أجل علام الغيوب من عفو وصفح ونفع، وصبر وطلاقة وجه، وطيب كلام، ليصبح البعيد قريباً والعدو صديقاً، فيحبك الناس، ومن أحبه الناس ملك قلوبهم وأثر في أفعالهم، وإلا فكيف نريد أن يقبل الناس منا وفي قلوبهم لنا جفوة وفي نفوسهم نفرة؟

    أيها الإخوة والأخوات! لا يمكننا التأثير على نفوس الناس أبداً وكسب قلوبهم، إلا بتلمس الخير فيهم، والحرص على مكارم الأخلاق معهم.

    إذاً: لنملك القلوب لتحبنا القلوب، وحينها سترون النتيجة والتأثير، فإن من أحبه الناس ملك قلوبهم، وليس معنى هذا أن نترك النصح للآخرين والإنكار عليهم، ولا أن نجاملهم في معاصيهم وأخطائهم.

    معاشر الإخوة! اسمعوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق) . قال ابن حجر : أخرجه البزار بسند حسن من حديث أبي هريرة رفعه. انتهى كلامه.

    قد لا يستطيع أحدنا أن يملك قلوب الناس بماله ولا بجاهه، وإن تملق الناس له وتصنعوا، فربما أن قلوبهم تمقته، بينما أنت يا صاحب الأخلاق! تملك الناس بحسن الأخلاق، يحبك الناس، ويرفعونك ويقدرونك، فقط: (وخالق الناس بخلق حسن) كما وصى بذلك النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل .

    قال ابن المبارك : [والخلق الحسن هو: بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأذى].

    وقال الإمام أحمد : الخلق الحسن أن لا تغضب ولا تحقد.

    وقيل: حسن الخلق: بذل الندى، وكف الأذى، واحتمال الأذى.

    وقيل: هو بذل الجميل، وكف القبيح .

    وقيل: هو التخلي عن الرذائل، والتحلي بالفضائل.

    ويكفي في هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (البر: حسن الخلق) كما في صحيح مسلم.

    قال ابن القيم رحمه الله: وهذا يدل على أن حسن الخلق هو الدين كله، وهو حقائق الإيمان وشرائع الإسلام، ولهذا قابله بالإثم في الحديث . انتهى كلامه.

    ثالثاً: لا تغتر بحسن أخلاقك في الرخاء، بل جرب نفسك في أوقات الشدة والغضب، وكل الأحوال التي يحتاج فيها للأخلاق فعلاً، فالإيثار عند قلة الزاد، والحلم عند الغضب، والعفو عند المقدرة، أما في الرخاء فلا فخر ولا فضل.

    رابعاً: انظر للناس فما كرهته فيهم من أخلاق فابتعد عنه، فإنهم يكرهون منك ما تكرهه منهم.

    خامساً: اسأل نفسك، هل أنت كالنحلة لا تقع إلا على الورود والأزهار، أم أنت كالذباب لا يقع إلا على الأوساخ والأقذار؟!

    سادساً: مدار الموضوع كله في آية في كتاب الله تعالى، وهي قاعدة في فن التعامل والإحسان للخلق، هي قوله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ [فصلت:34] لكن هل كل أحد يوفق لهذا؟ لا. فإن الله تعالى يقول: وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [فصلت:35] وقد جمع الله مكارم الأخلاق في آية أخرى، فقال: خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ [الأعراف:199].

    سابعاً: الأخلاق الإسلامية معك في كل زمان ومكان، مع ربك، ومع الناس، وفي بيتك، وفي عملك، وفي البيع والشراء، وفي الجلوة والخلوة، مع الكبير والصغير، والرئيس والمرءوس، فهي أصيلة في نفسك في كل الأحوال، ومع كل الأشخاص، وفي كل مكان.

    ثامناً: أركان حسن الخلق أربعة: الصبر والعفة والشجاعة والعدل. وسوء الخلق أركانه أربعة: الجهل والظلم والشهوة والغضب.

    تاسعاً: ونحن نطالب الناس بمكارم الأخلاق، لا ننسى أنهم بشر، ومهما جهدوا فلا بد من الهنات والغفلات، فلا نطالب بالمثاليات، خاصة في مثل هذه الأوقات، ولكن انظر إلى نفسك وعامل الناس كما تحب أن يعاملوك.

    عاشراً وأخيراً: يقول ابن المقفع في الأدب الصغير هذه الجملة الجميلة: وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساوئها في الدين وفي الأخلاق وفي الآداب، فيجمع ذلك كله في صدره أو في كتاب، ثم يكثر عرضه على نفسه ويكلفها إصلاحه، ويوظف ذلك عليها توظيفاً من إصلاح الخلة والخلتين والخلال، في اليوم أو الجمعة أو الشهر، فكلما أصلح شيئاً محاه، وكلما نظر إلى محو استبشر، وكلما نظر إلى ثابت اكتأب. انتهى كلامه رحمه الله.

    اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.

    اللهم إنك ترى مكاننا وتسمع كلامنا وتعلم سرنا وعلانيتنا، ولا يخفى عليك شيء من أمرنا، نحن البؤساء الفقراء المستغيثون المستجيرون، والوجلون المشفقون، المقرون المعترفون، نسألك مسألة المساكين، ونبتهل إليك ابتهال المذنبين، وندعوك دعاء الخائفين، دعاء من خشعت لك رقابهم، وذلت لك أجسادهم، وفاضت لك عيونهم، ورغمت لك أنوفهم.

    اللهم أصلح فساد قلوبنا، وارحم ضعفنا، وحسن أخلاقنا، اللهم إنا لأنفسنا ظالمون، ومن كثرة ذنوبنا خائفون، ولا يغفر الذنوب إلا أنت يا أرحم الراحمين، فاغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.