إسلام ويب

ابن باز في ضيافة الشيخ/ ناصر العمرللشيخ : عبد العزيز بن باز

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه المادة يلتقي عدد من المشايخ والعلماء، فيعلق الشيخ ابن باز على بعض الآيات من كتاب الله، وبعد ذلك يتحدث الشيخ/ ناصر العمر مرحباً بضيوفه الكرام، متناولاً أهمية الالتفاف حول العلماء، وبعد ذلك يتحدث الشيخ ابن باز بنصيحة توجيهية للحضور، ويجيب على بعض أسئلة الحضور، ويأتي الدور إلى الشيخ/ البراك فيتحدث عن الحرص على طلب العلم والعمل به، والدعوة إلى الله والصبر على الأذى، ويختم اللقاء بقصيدة لشاعر الصحوة الشيخ الدكتور/ عبد الرحمن العشماوي.

    1.   

    في ظلال آيات من سورة آل عمران

    المقدم: الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أما بعد:

    سماحة والدنا وشيخنا العزيز! الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، شيوخنا الكرام، علماءنا الأفاضل! نحييكم في مستهل هذا اللقاء الذي نرجو أن يجعله الله سبحانه وتعالى لقاءً مباركاً طيباً، نحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

    خير ما نبدأ به هذا اللقاء الطيب تلاوة من كتاب الله الكريم، يتلوها علينا أخونا الفاضل الشيخ صالح الهبدان .

    وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين * قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ [آل عمران:133-141].

    تفسير قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم...)

    الشيخ ابن باز : في هذه الآيات الكريمات مواعظ وتذكير لأهل الإيمان والتقوى ولغيرهم من ذوي العقول السليمة، يقول الله عز وجل: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ )[آل عمران:133] لما ذكر قصة أحد وما جرى فيها من المصائب العظيمة على المسلمين، وما ذكر فيها من بعض الحكم، ثم نهاهم عن الربا، وأمرهم بالتقوى، قال بعد هذا: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133] أي: لا يمنعكم ما حصل من المصائب، أو لا يضعفكم، أو لا يكسلكم ما حصل من المصائب عن المسارعة: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آل عمران:133] أي: إلى أسباب المغفرة، والمسارعة بالمغفرة معناها: المسارعة إلى أسبابها، من طاعة الله وتقواه، والتوبة إليه سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]، الله يدعونا إلى أن نسارع إلى أسباب المغفرة وأسباب الجنة، وهي التوبة الصادقة، والأعمال الصالحة، ثم يبين أن الجنة أعدت للمتقين، كما أن النار أعدت للكافرين، فالجنة أعدها الله للمتقين.

    تفسير قوله تعالى: (الذين ينفقون في السراء والضراء...)

    ثم ذكر بعض أعمال المتقين فقال سبحانه: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً [آل عمران:134-135]، ذكر الله، خمساً من صفاتهم، والمتقي على الإطلاق هو الذي يتقي غضب الله وعقابه بطاعته وترك معصيته، هذا هو المتقي، وهو المؤمن، وهو المهتدي، وهو الصالح، وهو المسلم حقاً، وهو البر الذي يتقي غضب الله ويتقي عقابه بأداء الفرائض وترك المحارم، والوقوف عند الحدود التي حدها الله، هذا هو المتقي وهو المؤمن حقاً.

    فمن صفاتهم ومن أعمالهم أنهم ينفقون في السراء والضراء، ينفقون من أموالهم ومما أعطاهم الله، في الشدة والرخاء، في السراء والضراء، نفقتهم مطلقة ليست تخص الضراء، بل في السراء والضراء، في وجوه الخير، والمشاريع النافعة، ومساعدة الفقراء والمحاويج، إلى غير هذا من وجوه الخير.

    قال تعالى: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ [آل عمران:134] يصيبهم ما يصيبهم من النكبات والظلم فيكظمون الغيظ، يصبرون ويحتسبون ويتحملون في سبيل الله.. هكذا المؤمن، هكذا طالب العلم، يتحمل ويكظم الغيظ يرجو ما عند الله من المثوبة، والإنسان قد يغضب كثيراً لأسباب كثيرة، لكنه إذا عفا وأصلح وكظم الغيظ في محله كان له أجر عظيم، وإذا انتقم واقتص فلا بأس في محله، فالمقصود أن المؤمن بين العفو والسماح وبين القصاص إذا رأى المصلحة في ذلك.

    قال تعالى: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134]، فالكظم غير العفو عن الناس، وفي آية أخرى: وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ [الشورى:39] إذا دعت المصلحة للانتصار انتصر، وإذا دعت المصلحة للعفو عفا، وكظم الغيظ، فالعفو في محله، والانتصار والقصاص في محله.

    تفسير قوله تعالى: (والذين إذا فعلوا فاحشة...)

    ثم ذكر من صفاتهم المسارعة بالتوبة إذا فعلوا فاحشة، والفاحشة كل ما نهى الله عنه فهو فاحشة، والكبائر أعظم الفواحش، والشرك أعظمها وأكبرها.

    قال تعالى: أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ [آل عمران:135] أي: بشيء من أنواع الظلم للنفس من سائر المعاصي، فإن الفاحشة تطلق على الصغيرة والكبيرة، أو ظلموا أنفسهم بما يعد ظلماً ويعتبر ظلماً من سائر المعاصي.. ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ [آل عمران:153] ذكروا عظمة الله، وذكروا عظيم حقه، وذكروا شدة غضبه، فبادروا بالتوبة والإصلاح، وبادروا بالندم والإقلاع، فاستغفروا لذنوبهم استغفاراً كاملاً معه التوبة والندم وعدم الإصرار.. فالاستغفار المفيد النافع هو الذي تصحبه التوبة والندم، والإقلاع وعدم الإصرار، أما الاستغفار بالقول من دون عزم صادق على الترك، ومن دون إقلاع، فهذا مجرد كلام، وقد يرد على صاحبه ولا يقبل عقوبة له، فالمقصود أن الاستغفار المفيد العظيم النفع الحقيقي هو الذي تصحبه التوبة والندم وعدم الإصرار، ولهذا قال بعده: وَلَمْ يُصِرُّوا [آل عمران:135] أي: استغفروا صادقين، وتابوا صادقين، فلم يصروا على الذنوب، بل استغفروا بالألسنة وصدقوا ذلك بالقلوب، بالندم، والإقلاع، والعزم الصادق ألا يعودوا.

    تفسير قوله تعالى: (أولئك جزاؤهم مغفرة...)

    قال تعالى: أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ [آل عمران:136] هذا جزاء التائبين المستغفرين الصادقين غير المصرين: جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:136] هذا فيه رحمة، ودعوة للعاصي بالمبادرة بالتوبة وعدم اليأس من الله، فلا يقنط، ويبادر بالتوبة، والله يتوب على التائبين.

    تفسير قوله تعالى: (قد خلت من قبلكم سنن...)

    ثم يشير إلى السنن التي مضت في العباد من نصر الله للمؤمنين وعقابه للمجرمين، فاحذر أن يصيبك ما أصاب المجرمين، انظر سنة الله في قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط وغيرهم؛ حتى لا يصيبك ما أصاب أولئك، عليك بالحذر فما فعله الله بالمجرمين، وعليك بحسن الظن بالله فيما فعله بالمؤمنين.

    ثم يبين أن هذا القرآن بيان للناس وبلاغ وهدى وموعظة للمتقين، فالله جعل فيه البيان والهدى، كما قال سبحانه: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [النحل:89] .. هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ [إبراهيم:52] فالواجب الانتفاع بهذا البيان، والاستفادة من هذا البيان، والحذر من الإصرار على الذنوب.

    تفسير قوله تعالى: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون...)

    ثم يخاطب المؤمنين الذين أصيبوا يوم أحد: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:139] أي: لا يحملكم ما أصابكم يوم أحد من المصيبة على الوهن والضعف، بل شمروا واصبروا وصابروا، فأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، فهم الأعلون وهم المنصورون إذا استقاموا على الإيمان، ولهذا نصرهم الله، وجمع شملهم بعد أحد، وهزم عدوهم، وجعل لهم العاقبة الحميدة يوم الأحزاب ، ويوم خيبر ، ويوم الفتح، وصارت العاقبة الحميدة لهم بنصره سبحانه وبحمده.. فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49] .. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7] .. وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:40-41].

    تفسير قوله تعالى: (إن يمسسكم قرح...)

    ثم يبين أن القرح ليس حاصلاً بهم، بل قد أصاب عدوهم ما أصابهم: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ [آل عمران:140] يوم بدر.. وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [آل عمران:140] الله يداول الأيام بين الناس، يوم لنا ويوم علينا، عبر يمحص الله بها المؤمنين ويبين إيمانهم وصدقهم، ويفضح الله بها المنافقين، ويمحص الله بها ذنوب المسلمين، فلله فيها الحكم العظيمة، فالإنسان لا يقنط إذا نزلت به مصيبة، أو أصابه المرض، أو خسر في سلعة في مال، أو أصابته نكبة في أي شيء، فلا يجزع ولا يقنط، بل يشمر في طاعة الله، ويسأل ربه العون والتوفيق والعوض عما أصابه، وليشمر إلى طاعة الله ورسوله، وليبشر بالعاقبة: فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49]، فالله جل وعلا وعد بالعاقبة الحميدة لمن صبر: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى:43] .. وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120].

    وفقنا الله وإياكم لما يرضيه، وأعاذنا وإياكم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ومنحنا جميعاً وسائر المسلمين الاستقامة على الحق، وحسن الظن بالله، والعافية من أسباب غضبه، إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

    المقدم: جزاك الله خيراً يا سماحة الشيخ! ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزق هذه الأمة اليقين به، الذي يحقق لها النصر المبين إن شاء الله.

    والآن مع كلمة لصاحب هذه الدار المباركة أخونا الدكتور ناصر العمر، يرحب فيها بضيوفه الكرام.

    1.   

    كلمة الشيخ/ ناصر العمر

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    سماحة والدنا وشيخنا الشيخ العلامة/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله، أصحاب الفضيلة العلماء، أيها الإخوة الكرام! نيابة عن والدي وإخواني وأعمامي وأصالة عن نفسي، أرحب بكم في هذه المناسبة المباركة التي شرفنا فيها والدنا الشيخ/ عبد العزيز حفظه الله.

    إنني لم أستطع أن أعبر عن سروري وشعوري بالغبطة بهذا اللقاء المبارك، حيث إن زيارة سماحة الوالد لهذا البيت لأبنائه في بيتهم تعد إكراماً لنا وتشريفاً لنا، كيف وقد تحقق مع هذه الزيارة أن تفضل عدد من مشايخنا وعلمائنا وإخواننا بزيارتنا في هذا البيت في هذا اليوم المبارك!

    والله يعلم يا سماحة الوالد! ما نكنه لكم من محبة وتقدير، ووالله إننا لنخصكم بالدعاء لما نعلمه من جهودكم، وما تعلقه الأمة عليكم من آمال بعد الله جل وعلا.

    إن العلماء هم قادة الأمة الذين يهدونها إلى الصراط المستقيم، والعلماء هم ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر، ونحسب أنكم يا سماحة الوالد قد أكرمكم الله جل وعلا بعلمٍ غزير استفادت منه الأمة على مر الأجيال ولا زالت تستفيد، ليس في هذه البلاد فحسب، بل في أنحاء العالم الإسلامي، وهذا من فضل الله عليكم، ثم هو يحملكم مزيداً من التبعة والمسئولية أعانكم الله على حملها.

    إن هذه البلاد تميزت بميزة لم أجدها في كثير من الدول، تميزت بعلمائها.. إن المأساة التي تعاني منها كثير من الشعوب في الدول الإسلامية أنها لا تجد لها قائداً يقودها إلى الحق، إلا قلة من الأفراد وبعض العلماء، الذين لم يتح لهم كما أتيح من العلم والقبول لعلمائنا في هذه البلاد المباركة، والناس يا سماحة الوالد! ويا أصحاب الفضيلة! لا أقول في البلاد الإسلامية أو العربية، بل حتى في الدول الأوروبية، بل حتى في دول شرق آسيا ، بل حتى في الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفيتي، ينظرون لعلماء هذه البلاد نظرة خاصة.. إذا قالوا فقولهم الفصل، وإذا حكموا فإن الناس ينتظرون إلى قولهم وإلى حكمهم، وهذا يتطلب منا مزيداً من الجهد، ومزيداً من العناية بهؤلاء في أنحاء العالم.

    أما وقد حباكم الله بهذه المكانة فأقول: هنيئاً لكم، وهنيئاً لعلمائنا بهذه المكانة: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] .. إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28].

    إن الفتن يا سماحة الوالد! ويا أصحاب الفضيلة! وأيها الإخوة الكرام! تعصف في هذه الأيام بالبلاد الإسلامية وغيرها، ولا نجاة ولا مخرج للأمة من هذه الفتن إلا بما خرجت به في الأزمان الماضية، بكتاب الله جل وعلا وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.. لقد خُتمت النبوة والرسالة بنبينا صلى الله عليه وسلم، وبقي دور من يحمل هذا العلم، يحمل هذا الميراث، ميراث الكتاب والسنة، ميراث النبوة.

    فأقول: إنني قلما زرت بلداً إلا أجد السؤال عن علماء هذا البلد، وأجد السؤال بصفة خاصة عنكم يا سماحة الوالد، ومن هنا فقد اغتاظ الأعداء عندما رأوا هذه المكانة لعلمائنا، وهذه المنزلة التي هي في سويداء القلب في بلادٍ كثيرة وأخص هذه البلاد، فدأبوا يبثون الفتن والشكوك عندما أعيتهم السبل والحيل لتفريق الأمة أو لعزلها عن علمائها، فبدءوا يبثون الأقاويل، ويرجفون ليل نهار بخيلهم ورجلهم لتشويه صورة علمائنا، ولافتراء الأكاذيب، وللفصل بين العلماء وطلبة العلم، وهذا سيرتد عليهم بإذن الله بخيبة كبيرة، وسيبقى علماء هذه البلاد كباراً وصغاراً وليس فيهم صغير، ستبقى كلمتهم واحدة، ومنهجهم واحد هو منهاج النبوة، منهج سلف هذه الأمة، منهج أهل السنة والجماعة .

    إنها مناسبة كبيرة وعزيزة أن نلتقي مع سماحة والدنا، ويحضر هذا اللقاء عدد من مشايخنا وإخواننا من طلاب العلم ومن الدعاة إلى الله جل وعلا، إنه شرف لنا أن نكثر من هذه المجالس، وأن تستمر الزيارة والصلة بين علمائنا أو مع علمائنا.

    إن من حق مشايخنا على تلاميذهم أن يصلوهم وأن يزوروهم، وأن يأخذوا من علمهم، وأن يدافعوا عن أعراضهم، فدفاعهم عن أعراضهم دفاع عن ميراث النبوة.

    إنني لا أريد أن أستأثر بالحديث، فإن الإخوة ينتظرون، وجاءوا ليستمعوا لكلماتكم، ولينهلوا من علمكم الغزير، فأكرر شكري لكم يا سماحة الوالد، ولصحبكم الكرام، ولجميع الإخوة الحاضرين، فقد شرفتمونا شرفاً لا نجازيكم به إلا بالدعاء في الأوقات الفاضلة، والأزمان الفاضلة، والأماكن الفاضلة، فجزاكم الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وأسأل الله جل وعلا أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يزيدنا علماً ويقيناً وعملاً لما نتعلم.

    شكراً لكم مرة أخرى، وبارك الله فيكم، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    الشيخ ابن باز : جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، وأثابكم الله، وتقبل منا ومنكم، وهدانا جميعاً إلى صراطه المستقيم، وأعاذنا جميعاً من مضلات الفتن، وأصلح أحوال المسلمين جميعاً، وأصلح علماءهم، وأعانهم على أداء الواجب في كل زمان ومكان، إنه سميع قريب.

    1.   

    كلمة توجيهية للشيخ/ ابن باز

    المقدم: أنقل إلى سماحة والدنا الكريم رغبة الإخوة الحضور في أن يلقي عليهم سماحته كلمة توجيهية بمناسبة هذا الحضور، وهم يعدون ما سبق من كلماته إنما كان تعليقاً على الآيات الكريمات التي قرأها أخونا الشيخ صالح ، فيرجون من سماحة الشيخ أن يلقي كلمة توجيهية بهذه المناسبة في هذا اللقاء الطيب.

    الاعتناء بالكتاب والسنة

    باسم الله، والحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله.

    أحسن موعظة وأكبر موعظة هو كتاب الله عز وجل، فيه الهدى والنور، فيه التبصير والتذكير، يقول عز وجل: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:15-16] فأنا أوصي الجميع ونفسي بتقوى الله جل وعلا، والعناية بالقرآن الكريم، والإقبال عليه، والإكثار من تلاوته بالتدبر والتعقل والنية الصالحة للعمل، ليس المقصود مجرد التلاوة، ولكن المقصود هو التدبر والتعقل والعمل، فالتلاوة وسيلة وعبادة يؤجر عليها، لكنها ليست هي المقصود، المقصود هو التدبر والتعقل والعمل، فأنا أوصي الجميع رجالاً ونساءً، صغاراً وكباراً، بالعناية بالقرآن، والحرص على تلاوته، وحفظ ما تيسر منه، أو حفظه كله إذا تيسر ذلك، مع القصد الصالح والنية الصالحة، وذلك بالتدبر للعمل، بالتدبر ليعمل بأوامر الله وينتهي عن نواهيه.. الرجل والمرأة، والكبير والصغير، والشيبة والشاب، يتدبر كتاب ربه، فإن الله أنزله للعمل، قال تعالى: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام:155] .. إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء:9].

    فأنا أوصي الجميع بتقوى الله في جميع الأحوال، وأوصي الجميع أيضاً بالعناية بالقرآن؛ لأنه هو الوسيلة العظيمة لمن أصلح الله نيته وأراد الخير، أن يتدبر القرآن، وأن يعمل به في السر والجهر، في الشدة والرخاء، مع العناية بالسنة -سنة النبي صلى الله عليه وسلم- وحفظ ما تيسر منها، ومراجعة كتبها، وسؤال أهل العلم عما أشكل؛ لأن السنة تفسر القرآن وتبين معانيه، وتدل على ما قد يشكل، كما قال سبحانه: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44].

    فأكرر وصيتي للجميع بالعناية بالقرآن تلاوة وتدبراً، وتعقلاً وعملاً، في الأوقات المناسبة بالليل والنهار، للرجال والنساء، للعالم والطالب، ولغير العالم والطالب، ولجميع المسلمين، مع العناية بالسنة حسب الطاقة، سنة الرسول، صلى الله عليه وسلم وحفظ ما تيسر منها، كـعمدة الأحكام ، والأربعين النووية ، وبلوغ المرام ، وحفظ ما تيسر من كتب العقيدة مثل: الأصول الثلاثة ، وهو كتاب جيد مع اختصاره لكنه عظيم ومفيد، فأنا أوصي كل طالب وكل طالبة بحفظه، وكل مؤمنة تستطيع أن تحفظه، لما فيه من الخير مع كتاب الله عز وجل.

    وكذلك كشف الشبهات، فهو كتاب عظيم مع صغره، والعقيدة الواسطية، كتاب عظيم في العقيدة.

    أهمية التناصح والتواصي بالحق

    ثم أوصي الجميع بالتناصح والتواصي بالحق والتآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، في البيت.. في الطريق.. في السيارة.. في القطار.. في الطائرة.. في كل مكان، الرجال والنساء جميعاً، يقول الله سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] هذا أمره سبحانه لجميع الناس، للشيب والشباب، للرجال والنساء: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6] الوقاية بماذا؟ بالتناصح. بالتعاون على البر والتقوى.. بالدعوة إلى الله.. بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه هي الوقاية، وليس بالمال، بل الكلام بالنصيحة.. بالتوجيه إلى الخير.. بالأمر والنهي، والمال من ذلك إذا دفع المال ليعينه على طاعة الله، ويشجعه على طلب العلم وحفظ القرآن، فهذا حسن، فالمقصود التعاون على البر والتقوى، حتى يقي الإنسان نفسه، ويقي أهل بيته من زوجة وأم وأب وإخوان ذكور وإناث وغيرهم، يقيهم عذاب الله، بالتناصح والتواصي بالحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    ويقول سبحانه في سورة التوبة: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [التوبة:71]، أولياء وليسوا أعداءً، أولياء يتناصحون، كل واحد يحب الخير لأخيه.. لا يؤذيه.. لا يظلمه في نفسه ولا في ماله ولا في عرضه.. لا يدعي عليه الدعوى الباطلة، ولا يشهد عليه بالزور، ولا يخونه في المعاملة، ولا يغشه في المعاملة، هذه من الولاية بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51]، لا غل، ولا حقد، ولا غش، ولا خيانة، أحباب وإخوة يتناصحون ويتواصون بالحق والصبر عليه.

    ثم نبّه على أمرٍ عظيم مما تقتضيه الولاية فقال: يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ [التوبة:71]، هذا من واجب المحبة في الله، ومن واجب الولاية في الله على الإخوة، لا تمنعك محبتك أخيك أن تأمره بالمعروف.. لا تمنعك قرابته.. لا تمنعك صلته.. لا يمنعك الإحسان إليه أن تأمره بالمعروف وأن تنهاه عن المنكر، فإن هذا من الإحسان إليه، ومن محبته، ومن وقايته عذاب الله، أن تأمره بالمعروف وأن تنهاه عن المنكر.

    ثم قال: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71] هذا واجب المؤمنين لا يكون إلا بهذا، وإلا يكون إيمانهم معدوم أو ناقص، ثم قال: وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [التوبة:71] مع الولاء فيما بينهم.. مع النصح.. مع التواصي بالحق.. مع الأمر بالمعروف.. مع النهي عن المنكر.. مع إقامة الصلاة.. مع إيتاء الزكاة، يطيعون الله في كل شيء من بقية الأوامر.. يطيعون الله ورسوله في بقية الأوامر والنواهي.

    أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ [التوبة:71] وعدهم بالرحمة على هذا العمل الطيب، في الدنيا بالتوفيق والهداية والإعانة، وفي الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار.

    نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء المؤمنين، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، وأن يمنحنا الفقه في الدين والثبات عليه، وأن يعيذنا من مضلات الفتن، وأن يصلح ولاة أمرنا، وأن يهدينا وإياهم صراطه المستقيم، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يجعلهم دعاة إلى الحق وهداة للخلق، وأن يعينهم على إصلاح ما فسد، وعلى كل خير، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

    1.   

    الأسئلة

    المقدم: جزاك الله خيراً يا سماحة الوالد! وقد ورد إلينا عدد من الأسئلة من الإخوة الحضور يرغبون من سماحتكم الإجابة عليها، فهل تأذنون لنا بعرضها عليكم؟

    الشيخ: لا بأس.

    وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

    السؤال: هل تجب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند كل مرة يذكر فيها، ولو تكرر في المجلس الواحد عدة مرات؟

    الجواب: ظاهر الحديث وجوبها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قال: (رغم أنف ثم رغم أنف ثم رغم أنف امرئٍ ذكرت عنده فلم يصل عليَّ) وهذا وعيد، بل وفي الحديث الآخر: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصلِّ عليَّ) ولا بأس بإسناده أيضاً، فظاهر الحديث أنه متى ذكر النبي يصلى عليه.. اللهم صلِّ عليه وعلى آله، دعاء من الله يثني عليه ويرحمه.

    ظاهرة انتشار الرقية مع أخذ المبالغ الطائلة عليها

    السؤال: كثر الذين يرقون الناس حتى اتخذها بعضهم مهنة وحرفة لا عمل له إلا هذا، وأقحم نفسه في هذا الأمر من لم يتميز عن غيره بعلم ولا صلاح، مع ما يأخذون من الناس من الأموال الكثيرة، وفي نفس الوقت الذي يقصر فيه بعض طلبة العلم، ويحجمون عن أن يكفوا أهليهم في هذا الجانب، فهل من تعليق على هذا الأمر مع بيان الحكم؟

    الجواب: نعم. هذه مسألة كثرت من الناس، ولعل من أسبابه: الحرص على المال، والتظاهر بأنه يحسن هذا الشيء، فيحصلون على المال بهذه الرقية، وقد نُبهت الداخلية على هذا، وقد شكلت وزارة الداخلية لجنة من العلماء فدرسوا الموضوع وأعدوا بياناً بهذا الشيء، وذكروا فيه الشروط التي ينبغي لمن توفرت فيه الشروط أن يسمح له بالرقية، وجاءتنا صورة منه، واقترحنا عليهم أن هذا لا نستطيع أن نكون نحن المسئولين في هذه المملكة ، ولكن اقترحنا عليهم أن يكون هذا إلى الحاكم، وأن تعطى المحاكم صورة مما قررته اللجنة، وكل إنسان يريد الرقية ومعالجة الناس يرفع للمحكمة، والمحكمة تسأل عنه وتعرف حاله، ثم تأذن له إذا كان أهلاً لذلك أو تمنعه؛ لأن المحاكم والحمد لله منتشرة في المملكة ، وهي أولى الجهات بأن تكون هي المسئولة عن هذا الشيء، وقد أكدنا على هذا أيضاً مرات في هذه الأيام، وأيضاً أكدنا أنها تبلغ للمحاكم، لأننا لا نستطيع أن نقوم بهذا في جميع المملكة ، ونرى أن المحاكم لعل فيها -إن شاء الله- البركة والخير حتى تقوم بهذا الأمر.

    وينبغي لمن عرف إنساناً لا يصلح أن يكتب عنه لوزير الداخلية أو نائبه، أو لنا، ونحن ننظر في الموضوع إن شاء الله؛ لأن من لا يصلح لا ينبغي أن يقر، والله المستعان.

    السائل: جزاكم الله خيراً تتمة للسؤال: ما حكم الاحتراف؟

    الشيخ: إذا كان عنده معلومات حسنة في الرقية، وله نية صالحة فلا بأس، فإن الصحابة لما جاءهم أصحاب اللديغ رقوه بجعل.

    السائل: موضع السؤال عن الاحتراف، اتخاذ هذا الشيء والتفرغ له، هذا الآن هو الذي حصل فيه التوسع؛ لأنه يمكن أن يقرأ على مقدار كذا من الماء.

    الشيخ: والله أنا لا أعرف لهذا أصلاً، أما كونه يقرأ في الماء ويعطيهم فليس فيه شيء.

    السائل: كونه يقرأ من بعيد لا يقرأ بفيه من بعيد، أو يقرأ على كمية من الماء ثم يفرغه في قوارير ويبيعها وربما أنتم تعرفون أكثر مما أعرف.

    الشيخ: بلغنا هذا، والرقية في الماء ليس فيها مانع .

    السائل: بهذا الشكل يا شيخ؟

    الشيخ: نعم.

    السائل: وإذا كان بنية جماعة؟

    الشيخ: إذا كانوا جماعة وسمعوا عنده وقرأ وهو ينوي لهم ووزعه عليهم فلا أعلم فيه شيئاً.

    السائل: وإذا باع هذا المقدار الذي قرأ فيه بالعشرة أو العشرين؟

    الشيخ: ينبغي فيه التسامح وعدم التكلف، وإذا كان المبلغ يسيراً فلا بأس، أو إذا كان المبلغ يسيراً عن جلوسه وتعطله لهذا العمل فالأصل فيه قصة اللديغ، وحديث: (إن أحق ما أخذتم عليه الأجر كتاب الله).

    ضابط الإنكار للحاكم والمحكوم

    السؤال: ما ضابط الإنكار من حيث الإسرار والجهر به، وإذا لم يُجْدِ الإسرار فهل يجهر بالإنكار؟ وهل هنالك فرق بين الحاكم والمحكوم في هذه المسألة؟ وكيف نوجه قصة أبي سعيد الخدري مع الخليفة في تقديم الخطبة على الصلاة، وقصة سلمان مع عمر في قصة القميص وغيرها من الوقائع؟

    الجواب: الأصل أن المُنكِر يتحرى ما هو الأصلح والأقرب إلى النجاح، فقد ينجح في مسألة مع أمير ولا ينجح مع الأمير الثاني، فالمسلم الناصح يتحرى الأمور التي يرجو فيها النجاح، فإذا كان جهره بالنصيحة في موضع يفوت الأمر فيه، مثل قصة أبي سعيد، والرجل الذي أنكر على مروان إخراج المنبر، وتقديم الصلاة، فهذا لا بأس؛ لأنه يفوت، أما إذا كان الإنكار على أمور واقعة، ويخشى أنه إن أنكر لا يقبل منه أو تكون العاقبة سيئة، فيفعل ما هو الأصلح، فإذا كان في مكان أو في بلد مع أي شخص، ويظهر له ويرتاح إلى أن الأصلح مباشرة الإنكار باللسان والجهر معه فليفعل ذلك، ويتحرى الأصلح؛ لأن الناس يختلفون في هذه المسائل، فإذا رأى المصلحة ألا يجهر، وأن يتصل به كتابة أو مشافهة فعل ذلك؛ لأن هذه الأمور تختلف بحسب أحوال الناس.

    وكذلك الشخص المعين يحرص على الستر مهما أمكن، ويزوره، أو يكاتبه، وإذا كان يرى من المصلحة أنه إذا جهر قال: فلان فعل كذا، ولم تنفع فيه النصيحة السرية، ورأى من المصلحة أنه ينفع في هذا الشيء فيفعل الأصلح، فالناس يختلفون في هذا، والإنسان إذا جهر بالمنكر فليس له حرمة إذا جهر به بين الناس فليس لمجهر الفسق حرمة في عدم الإنكار عليه، وقد ذكروا أن الغيبة في حق من أظهر الفسق لا تكون غيبة إذا أظهره ولم يستحِ.

    مراعاة المصلحة في إظهار الدعوة

    السؤال: في بعض البلاد يصعب أن يعلن الداعية عن دعوته لما يلحقه من الضرر، لذلك يلجأ إلى السرية في دعوته، فما هو الحكم؟

    الجواب: مثلما تقدم، هذا هو الأحسن، هذا هو الواجب أن يعمل ما هو الأصلح، في مقام يعلن، وفي مقام يسر، وفي مقام يتصل بفلان الذي ينصح له، وفي مقام يقول على رءوس الأشهاد كذا وكذا، على حسب المصلحة الدينية وليس بالهوى.

    منهج السلف في التعامل مع المخالفين

    السؤال: كثيراً ما يحصل الخلاف بين طلبة العلم أصحاب المعتقد الواحد في بعض المسائل التي يسوغ الخلاف فيها، سواء العلمية أو الدعوية، فيؤدي هذا الخلاف ببعض المخالفين إلى التجني على المخالف بالكلام والقدح واللمز والتنقص والتبديع، فما هو منهج السلف في التعامل مع الخلاف؟

    الجواب: هذا لا يجوز، والواجب على العلماء وطلبة العلم في هذه المسائل وإن اختلفوا، أن تكون ألسنتهم لينة وبريئة من اللمز والغمز، وأن يكونوا متناصحين، كل واحد يعذر أخاه، فقد يكون اجتهد في هذا، وهذا له أجران، وهذا له أجر مع النية الصالحة، إذا كان المقام يسوغ فيه الاجتهاد، وليس فيه نص واضح، أما إذا كان فيه نص واضح فالنص يقطع النزاع، الله يقول: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59]، أما إذا كان ليس فيه شيء، مثلما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث القضاء: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن حكم فاجتهد وأخطأ فله أجر)، والواجب عدم التنابز بالألقاب، وعدم إعلان السب لأخيه، ولكن يتناصحون فيما بينهم، يجتمعون ويتناصحون، يزور هذا هذا، أو يزور هذا هذا، أو يتوسط هذا لهذا، حتى تزول الوحشة، وحتى تحصل الفائدة بالمذاكرة في العلم، وأخذ الدليل على هذا أو هذا، فكل الأئمة اختلفوا.. الشافعي وأحمد وأبو حنيفة ومالك، وقبلهم التابعون، وقبلهم الصحابة مع المحبة فيما بينهم، فلا يجوز في هذا اللمز والغمز وتعاطي أسباب الشحناء والعداوة، فهذا منكر.

    الأمانة في تقويم اختبار المخالف في العقيدة أو الدين

    السؤال: الذي يقوم بتدريس أحد من الرافضة ، كيف يقومه في الاختبار؟ هل بما يعلمه من عقيدته، أو بما يكتب في الورقة من إجابة؟ علماً بأن هؤلاء الرافضة سيقومون بالتدريس والعمل في مصالح المسلمين؟

    الجواب: الذي يظهر لي أن هذه أمانة، ينصح في تصحيح الأوراق على حسب حال ما عنده، وأما النصيحة في عدم التوظيف فهذا ليس بيده، هذا شيء آخر، المقصود هنا أن يغش هذا أو ينصح له، حتى لو كان كافراً فلا يغشه، الغش محرم (من غشنا فليس منا)، لكن ينصح في اختبار الجميع، ويؤدي الحق في اختبار الجميع، ويدعو إلى الله، يدعو هذا المبتدع إلى الله، وكذلك يدعو الكافر، ومسألة الولايات ليست إليه.

    السائل: هل عليه أن يقوم هذا الشخص بالدرجات؟

    الشيخ: يصحح حسب ما عنده، أما التقويم فإلى الله، لكن النصيحة والتصحيح في الاختبار إذا أصاب صوبه وإذا أخطأ خطأه.

    السائل: وإن كان نصرانياً.

    الشيخ: والنصراني واليهودي الذي عندك.

    السائل: تقويم الدرجات من حيث السيرة والسلوك، هل يكون مثل بقية الطلاب؟

    الشيخ: السيرة لها شأن آخر، إذا كان هناك شيء يتعلق بالسيرة أو بالإيمان أو العمل الصالح، فيخفض من جهة السيرة لا من جهة العلم.

    السائل: إذاً الرافضي في السيرة صفر.

    الشيخ: ليس فيه شيء، الرافضي والكافر صفر، والعاصي بين ذلك.

    الانشغال بالدعوة مع التقصير في النوافل وغيرها

    السؤال: هل الانشغال بالدعوة والسعي في أمور المسلمين حجة للضعف في العبادة، وهجر القرآن، وترك النوافل، والتقصير في حقوق الأهل؟

    الجواب: هذا يختلف بحسب حال الداعي إلى الله، إذا كان ذا علم وبصيرة، وليس هناك من يقوم مقامه بهذا الأمر، فهذا واجب عليه مقدم على النوافل، فقراءة القرآن نافلة، ونوافل العبادة نافلة، فإذا كانت النافلة تمنعه من هذا الواجب قدم الواجب، وإذا كان في بلد هو الذي يأمر وينهى، وإذا جلس يقرأ القرآن أو يتنفل الضحى، أو يتنفل قبل الصلاة، تعطل المنكر وما وجد من ينكره، قدم إنكار المنكر؛ لأنه واجب، فالمقصود هنا يختلف بحسب أحوال الناس، وإذا كان هناك من يقوم مقامه ويكفي عنه، فلا يعطل ما شرع الله من الرواتب، أو من الوتر، أو صلاة الضحى، أو قراءة ما تيسر من القرآن، يجمع بين هذا وهذا، لكن إذا تعارض واجب ومستحب قدّم الواجب.

    السائل: وحقوق الأهل أحسن الله إليكم؟

    الشيخ: وحق الأهل فيه تفصيل: إن كان واجباً فلا بد أن يقدم الواجب، وأما المستحب والنوافل والشيء الزائد فيقدم الواجب عليه، يقدم ما هو أهم من مصلحة المسلمين عليه، والجلوس عندهم الوقت الطويل، والمداعبة والمحادثة معهم، والأنس معهم مستحب، لكن إذا كان يضيع مصالح المسلمين العامة فهذا يقدم، أما أداء الواجب من كسوة، ومن حسن خلق، ومن جماع، ومن مبيت، فلا يعطله، ورعاية الأولاد كذلك حق واجب عليه، والله المستعان!

    معاملة الخادمات في البيوت

    السؤال: هنا سؤال عن الخادمات في البيوت يقول: الخادمات في البيوت من احتاج إليهن كيف يصنع، وبخاصة أنهن يستقدمن من غير محرم، وهل يدخل هذا تحت عموم البلوى؟

    الجواب: الخادمات والخدم من البلايا وكذلك السائقون، كلها من البلوى التي أصيب المسلمون بشرها العظيم، من جهة الخادمات والخدم والسائقين والعمال الذين يتساهلون معهم، فالواجب الحذر، وألا تستجلب الخادمة إلا عند الضرورة والحاجةِ الشديدة، ويتحرى الحذر من الخلوة بها، يكلمها من دون خلوة، ويستعملها من دون خلوة، وكذلك زوج المرأة أو أخوها أو أبوها لا يخلو بها، بل يستعملونها من دون خلوة، مثلما كانت تستخدم عند النبي صلى الله عليه وسلم، ومثلما كانت الخادمة عند فاطمة وغيرها، من غير خلوة، هذا عمل الصحابة وعمل الأخيار إذا استعملوا الخدم يكون من غير خلوة، ومن غير نظر إليهن، ويجب غض البصر عنهن، يجتهد في هذا كله، وإذا استغناه الله فليحذر، ولا يستقدم الكافرات، فلا يستقدم إلا مسلمات، ويتحرى، فلا يستقدم سائقاً كافراً، ولا خادماً كافراً، ولا عاملاً كافراً، يجتهد ألا يستقدم إلا مسلماً أو مسلمة عند الحاجة والضرورة، والسائق كذلك.

    السائل: ما حكم استقدام الخادمات بدون محرم؟

    الشيخ: لا يطيعون، يرسلونها بمحرم، فالذي يظهر لي أنه لا يجوز إلا بمحرم، لكن إذا استقدمها أهلها وهم الذين أرسلوها فالإثم عليهم، والمستقدم إذا قال: هم الذين أرسلوها، فالواجب عليه ألا يستقدم إلا بمحرم، إلا إذا كانوا هم الذين فعلوا، هذا الذي يظهر لي، ولا يرضى بفعل المعصية.

    مراعاة المصلحة في الأعمال

    السؤال: من وجد أن اعتماره أول شهر رمضان أو أوسطه، ثم رجوعه إلى بلده واعتكافه في مسجد حيه، أصلح لحاله وأشرح لصدره، فهل يكون أولى من اعتكافه في المسجد الحرام، وبخاصة أنه يؤدي إلى رعاية أولاده والمحافظة عليهم؟

    الجواب: الأفضل أن يعمل الأصلح، إذا كان الرجوع أصلح لدينه ولأهل بيته رجع، يأخذ العمرة ويكفي ويرجع، ولا يعتكف هناك، بل يهتم بالبيت وبالأولاد، هذا الاعتكاف منفعة خاصة له، والرجوع منفعة عامة ومصلحة عامة فيرجع.

    حكم همز ولمز الدعاة إلى الله

    السؤال: هذا السؤال الأخير طرحه بعض الإخوة، ويقولون: يوجه إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وإلى فضيلة الشيخ عبد الله بن جبرين ، والشيخ عبد الرحمن البراك ، يقول: سمعنا كلاماً في شريط لأحد الأشخاص يصف فيه بعض الدعاة أمثال الشيخ/ سلمان العودة ، والشيخ/ سفر الحوالي وغيرهما من طلبة العلم وأمثالهما، يصفهم بأنهم ضلال، ودعاة بدعة، وأنهم أضل من مبتدعة العصور الماضية، ويحذر من سماع أشرطتهم والاغترار بكلامهم. فما رأيكم في مثل هذا الكلام أثابكم الله؟

    الجواب: هذا غلط قبيح، ولا ينبغي أن يسمح لهذا الشريط، ينبغي أن يتلف هذا الشريط، والمقصود أن هذا لا ينبغي أن يسمع له ولا يتكلم فيه، وينكر عليه.

    نسأل الله أن يعفي عن الجميع، وأن يجمع قلوبهم على التقوى، وهذا الذي أشرنا له أن الواجب الكلام الطيب، وعدم إشاعة الفاحشة والكلام السيئ، والتنابز بالألقاب، وغيبة الناس بغير الحق، وهذا شر نسأل الله العافية، والله يهدي الجميع، ويعيذ الجميع من الشيطان.

    1.   

    كلمة الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله

    المقدم: الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله، يتكلم كلمة جزاه الله خيراً.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فحياكم الله أصحاب الفضيلة، سماحة شيخنا! حياكم الله جميعاً في هذا اللقاء الطيب، وإننا نشكر الله على إعانته وتيسيره لهذا الاجتماع الكريم، ثم نشكر أخانا الدكتور ناصر العمر ووالده وإخوته، جزاهم الله خيراً على التسبب في هذا الاجتماع.

    ثم نشكر شيخنا على كلماته الطيبة، وتوجيهاته الحسنة، فجزاه الله خيراً، وأثابه أجراً في التعليق وفي الإرشاد والتوجيه والإجابة على الأسئلة، نرجو الله أن ينفعنا وإياكم بما سمعنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا.

    وفي الحقيقة ليس عليه مزيد، ولكن أحب أن أقول كلمة قصيرة تحتوي على أربعة أشياء، وبيان نتائج تركها:

    الحرص على العلم النافع

    أولاً: يجب علينا الحرص على العلم النافع، الذي ينفعنا عند الله، من كتاب الله ومن سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وأن نتروى بهذا، وأن نكثر من حضور مجالس الذكر وحلق العلم، وأن نحرص على الأخذ من كتاب الله وسنة رسوله، ومن علمائنا الأفاضل، حتى نربي قلوبنا على محبة الله ورسوله.

    العمل بالعلم

    ثانياً: العمل والحرص والجد والاجتهاد على التطبيق، لا نقول: نتسمى بأننا طلبة علم، ثم يتخلف كثير منا عن العمل، فلا يليق من طالب العلم هذا..

    وعالم بعلمه لم يعملن     معذب من قبل عباد الوثن

    فيجب علينا أن نحرص على التطبيق، وعلى العمل بالعلم؛ حتى نكون قدوة حسنة، وحتى نقود الناس بأفعالنا قبل أقوالنا.

    الدعوة إلى الله

    ثالثاً: الدعوة إلى ذلك، والحرص على الدعوة، وأداء هذه المهمة، وهذه الفضيلة التي ساقها الله لك -أيها الأخ الكريم- أن تبذل مما أعطاك الله، وأن تدعو وتعلم، وترشد الناس وتدعوهم إلى الحق، حتى يصلحك الله ويصلح الله بك، لا تقتصر على نفسك، بل تسعى في الدعوة إلى الله، وإرشاد الناس إلى الخير، وحثهم على التناصح فيما بينهم والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر، وأن تؤدي زكاة هذا العلم الذي أعطاك الله، ولهذا يقول الشافعي رحمه الله:

    وأدِ زكاة الجاه واعلم بأنها     كمثل زكاة المال تم نصابها

    فعليك مسئولية عظمى وأمانة كبرى بهذا العلم الذي خصك الله به، أن تسعى بالتعليم، وتسعى في الإصلاح وفي حل مشاكل الناس.

    الصبر في طريق الدعوة

    رابعاً: الصبر في طريق الدعوة.. طريق العمل الصالح، أن يتحمل الإنسان الصبر، وأن يوطن نفسه على الصبر، ويعتبر ذلك رفعة لدرجاته بتوفيق الله، وتكفيراً لسيئاته، ويحتسب ذلك في سبيل الله، ولا يكون صبره تجلداً، فإن التجلد لا يفيده شيئاً؛ بل يكون الصبر بالاحتساب حتى يثيبه الله، ولنا القدوة الحسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أوذي ورجم بالحجارة، وأدميت عراقيبه، وقال: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني! إلى ضعيف يتجهمني، أم إلى قوي ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي..) إلى آخر الدعاء المشهور.

    فيصبر الإنسان على الأذى وما يناله من جرح ونيل وعراقيل، وبغض وعداوة، وسب وشتم، يتحمل ذلك في ذات الله، والله يقول لنبيه الكريم: وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل:127] .. وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا [الطور:48] .. فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [الأحقاف:35]، فعلينا جميعاً -أيها الإخوة- أن نوطن أنفسنا على الصبر، وتحمل المشقة، ولا يحصل الأجر -يا إخوان- إلا بالصبر، ولهذا يقول ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [آل عمران:142].

    خطورة التفريط في الدين

    هذه هي الأربع المسائل، وكلكم تعرفونها، ولكني أردت تذكير نفسي وإخواني، والشيء الذي هو ضد هذا هو أننا إذا تخلينا عن أمر ربنا ليس يضر ربنا، وليس نضر ديننا، إنما نضر أنفسنا، ونرجع أذناباً بعد أن كنا دعاة، بعد أن كان لنا السمعة الطيبة، فإذا تهاونا بأمر الله، وضيعنا حقوق الله، فخطير أن نرجع أنقص الناس، كما قال جل وعلا: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [محمد:38].

    نسأل الله أن يمن على الجميع بهدايته، وأن يوفقنا وإياكم لطاعته، وأن يعيذنا جميعاً من نزغات الشيطان الرجيم، وأن يمن علينا وعليكم وعلى المسلمين بالهداية والتوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    1.   

    قصيدة للدكتور/ عبد الرحمن العشماوي

    الشيخ ناصر العمر : إذا سمحتم يا سماحة الوالد! لعلنا بعد أن استمعنا إلى توجيهاتكم وإجاباتكم، أن نختم به هذا اللقاء المبارك، أن نلبي رغبة كثير من الإخوة الكرام بالاستماع إلى بعض ما لدى شاعرنا حسان هذه الصحوة كما سمي، الشيخ الدكتور عبد الرحمن العشماوي ، فلعلكم تأذنون له ببعض ما عنده.

    الشيخ ابن باز: الله يوفقنا وإياه.

    الدكتور العشماوي : جزاكم الله خيراً، يعلم الله أنني ما كنت أريد أن أشغل شيئاً من وقتكم، لكن يقول المثل العامي: الضيف في حكم المضيف، فما دام حكم علينا مضيفنا لهذه الليلة وأذن لنا سماحة الشيخ، فألقي عليكم قصيدة عنوانها: "جولة في محيط المشاعر".

    وهذه القصيدة دعاني إلى إلقائها فضيلة الوالد الشيخ عبد الرحمن الفريان في حفل تحفيظ القرآن الأخير، ولكن حالت ظروف معينة دون إلقائها في ذلك المكان، فلعلها مناسبة طيبة أن ألقيها هنا.

    أقول في القصيدة مع التحية إلى كل حافظ لكتاب الله:

    بيني وبينك منهج وكتاب     وعقيدة وصلت بها الأسبابُ

    وشريعة غراء أشرق نورها     فظلام ليلك عندها ينجابُ

    ما زال يسري في البصائر نورها     فالكون ميدان لها ورحابُ

    يا سائلي عن نبض قلبي لا تسل     بيني وبين همومه سردابُ

    قلب الفتى دنيا تقوم بنفسهـا     فيها جبال صلبة وشعابُ

    فيها محيط من مشاعره له     ثبج وموج هادر وعبابُ

    لا.. لا تسلني عن بحار مشاعري     فالموج فيها هادر صخابُ

    سلني عن الأشواق عن غايتها     فلديّ عن هذا السؤال جوابُ

    أنا شاعر وقفت قصيدته على          غصن وفي نظراتها استغرابُ

    وقف اليراع على ضفاف دواته     متأملاً ما صاغه الكتّابُ

    ما صاغه الشعراء في زمنٍ لـه     من كل فكر ساقط كُلابُ

    قد عُلقت فيه الرءوس فما ترى     إلا الرءوس تقودها الأذنابُ

    لا.. لا تسلني عن بداية رحلتي     وعن الطريق تحفه الأتعابُ

    سلني عن الأرض التي واجهتها     بالصرخة الأولى فعز جنابُ

    بالأمس تأسرني براءة وجههـا     ويشد قلبي لونها الجذابُ

    واليوم تأسرني تلاوة قارئٍ     تنساب فوق لسانه الأحزابُ

    يتلو فتنتفض القلوب مهابة     إن القلوب الموقنات تهابُ     

    فإذا تلا أم الكتاب تألقت     أرواحنا     وسما بنا الإعجابُ

    إياك نعبد لا لغيرك ننثني     وبك استعانتنا ومنك ثوابُ

    يا قارئ القرآن ليلك واحة     والأفق عندك منظر خلابُ

    اقرأ ليذكر من تكبر أنه     مهما تطاول في الحياة ترابُ

    اقرأ ليفهم من يحيد عن الهدى     أن الولاء لمن إليه مآبُ

    اقرأ ليخرس كل فن ساقط     يشدو به عبر الأثير غرابُ

    اقرأ لتنقذ أمة في دربها     تتثاءب الأزلام والأنصابُ

    لعبت بها الأهواء فهي شقية     بقعودها وعدوها وثابُ

    لعبت بها الأهواء فهي ذليلة     تشكو وتغلق دونها الأبوابُ

    اقرأ كتاب الله فهو شريعة     من دونها نهر الحياة سرابُ

    آياته تتلى فتسعد أنفس     شقيت ويذهب همها وتثابُ

    هذا خطاب للعباد فهل وعـى     قلب وهل غسل العقول خطابُ

    دين يعيش به الحقيقة مـوقنٌ     ويتيه عن ومضاته المرتابُ

    دين يذوق به السعادة صـادق     ويذوق طعم شقائه الكذابُ

    في القرب منه سعادة ولـذاذة     والبعد عنه تحسر وعذابُ

    يا قارئ القرآن لا تركن إلى      من سافروا في لهوهم وارتابوا

    أخلص فأقوال العباد وفعلهـم     قشر وإخلاص القلوب لبابُ

    يا قارئ القرآن قلبك عامر     وقلوب من هجروا الكتاب خرابُ

    في الناس من هم كالسوائل مالهم     وعي ولكن ما لهم أقتابُ

    ولرب ذي عقل حصيف راجحٍ     أغواه عن درب الهدى الأصحابُ

    خاطبت نفسي والهموم كبيرة     وعلى وجوه الذكريات حجابُ

    لا تحقري يا نفس منظر عـابدٍ     فالنحل في نظر العيون ذبابُ

    ما قيمة الإنسان إلا بالتقى     فأمامه تتضاءل الأنسابُ

    نعطي ونمنع واهنين وإنما     يعطي ويمنع ربنا الوهابُ

    الشيخ ابن باز : لا إله إلا الله! بارك الله فيك، جزاك الله خيراً، لا فض فوك، والبيت الذي فيه الأذناب إن غيرته كان أحسن.