إسلام ويب

لقاء الباب المفتوح [118]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ في لقائه عن حرمة السخرية والاستهزاء الحاصل من الرجال والنساء فيما بينهم. ثم أجاب عن أسئلة تتعلق بالصلاة والنهي عن السخرية وأحكام في الوصية والزكاة وآخرها سؤال أجاب فيه عن حكم الموعظة الملقاة بين ركعات صلاة التراويح.

    1.   

    تفسير آيات من سورة الحجرات

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فنتكلم يسيراً على هذه الآية الكريمة في هذا اللقاء الذي يتم كل أسبوع في كل يوم خميس, واليوم هو يوم الخميس الثامن عشر من شهر شوال عام (1416هـ).

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم)

    يقول الله عز وجل في جملة ما بين الله لعباده من الآداب والأخلاق الفاضلة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ [الحجرات:11].

    السخرية: هي الاستهزاء والازدراء, ومن المعلوم أن الله تعالى جعل الناس في هذه الحياة الدنيا طبقات, فقال الله تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً [الزخرف:32] أي: ليسخر بعضهم بعضاً في المصالح, وليس المراد هنا الاستهزاء, وقال الله تعالى: انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً [الإسراء:21].

    إذا ثبت هذا التفضيل بين الناس فهم يتفاضلون في العلم, فبعضهم أعلم من بعض, في علوم الشريعة وعلوم الوسيلة كعلوم اللغة العربية من النحو والبلاغة وغيرها.

    وهم يتفاضلون في الرزق، فمنهم من بسط له في رزقه, ومنهم من قدر عليه رزقه.

    وهم يتفاضلون في الأخلاق, فمنهم ذوي الأخلاق الفاضلة العالية ومنهم دون ذلك.

    هم يتفاضلون في الخلقة, منهم السوي الخلقة ومنهم من دون ذلك, المهم أنهم يتفاضلون.

    ويتفاضلون كذلك في الحسب منهم من هو ذو حسب ونسب, ومنهم دون ذلك.

    فهل يجوز لأحد أن يسخر ممن دونه؟

    في هذه الآية يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ [الحجرات:11] فيخاطبنا جل وعلا بوصف الإيمان, وينهانا أن يسخر بعضنا من بعض, لأن المفضل هو الله عز وجل, وإذا كان هو الله لزم من سخريته بهذا الشخص الذي هو دونك أن تكون ساخراً بتقدير الله عز وجل, وإلى هذا يوحي قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر)، وفي الحديث القدسي: (يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر, بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) فلماذا تسخر من هذا الرجل الذي هو دونك في العلم أو في المال أو في الخلق أو في الخلقة أو في الحسب أو في النسب؟ لماذا أليس الذي أعطاك الفضل هو الله والذي حرمه هذا في تصورك هو الله عز وجل؟! ولهذا قال الله عز وجل: (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) رب ساخرٍ اليوم يكون مسخوراً به في الغد, ورب مفضول اليوم يكون فاضلاً في الغد, وهذا شيء مجرب, وفي بعض الآثار يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله) وفي الأثر أيضاً: [لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك].

    إذاً يجب على الإنسان أن يتأدب بما أدبه الله به, فلا يسخر من غيره

    تفسير قوله تعالى: (عسى أن يكونوا خيراً منهم..)

    قال تعالى: (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ [الحجرات:11] ونص على النساء والرجال بالتفصيل حتى لا يقول أحد: إن هذا خاص بالرجال لو ذكر الرجال وحدهم, أو بالنساء لو ذكر النساء وحدهن, وبهذا نعرف الفرق بين القوم والنساء, إذا جمع بين القوم والنساء فالقوم هم الرجال والنساء هن الإناث, وإن ذكر القوم وحدهم شمل الرجال والنساء, مثل ما يذكر في الرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم أرسلوا إلى قومهم, فهو يشمل الذكور والإناث, لكن إذا ذكر القوم والنساء صار النساء هن الإناث والقوم هم الذكور, وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ [الحجرات:11].

    1.   

    الأسئلة

    حكم صلاة وقراءة القرآن للجنب

    السؤال: هناك قضية بين الطلاب وهي: أن بعضهم يحدثون حدثاً ويذهبون إلى المدارس دون أن يتطهروا من الجنابة, ويقرءون القرآن ويصلون -مثلاً- صلاة الظهر بدون طهارة, السؤال: ما حكم من صلّى وهو بغير طهارة؟

    الجواب: الواجب على من أصابته جنابة أن يغتسل قبل أن يقرأ القرآن, لأن قراءة القرآن على الجنب حرام على القول الراجح, ولا يحل للإنسان أن يقرأ شيئاً من القرآن بنية قراءة القرآن وهو جنب, ومن المعلوم أنه إذا صار عليه جنابة فهو بالغ لا تسقط عنه الواجبات, لكن قد يقول التلميذ مثلاً: أخشى إن تأخرت أن يعاقبني الأستاذ، نقول: نعم قد يعاقبك الأستاذ ولكن عقوبة الدنيا أهون من عقوبة الآخرة.

    أما من صلّى وهو محدث حدثاً أكبر أو أصغر فإنه قد أتى إثماً عظيماً والعياذ بالله, حتى إن مذهب أبي حنيفة رحمه الله أن من صلّى وهو محدث فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة, لأنه مستهزئ بآيات الله عز وجل, فالأمر خطير, والواجب على التلميذ إذا كان يخشى من عقوبة المدرسين -كما يقول- إذا تأخر, فليذهب إلى المدرسة ثم ليستأذن في أثناء الدرس أن يذهب ويتطهر, ولا أظن أن الأستاذ إذا استأذن منه التلميذ واعتذر هذا العذر أن يرده.

    جواز الوكالة في إخراج الزكاة

    السؤال: الفطرة في كل سنة أخرجها بيدي, والآن أنا مريض، وقد أوكلت إخراجها إلى شخص آخر فهل يحق لي ذلك أو أكون مذنباً؟

    الجواب: لا حرج على الإنسان أن يوكل من يخرج فطرته حتى ولو بلا عذر, التوكيل في هذا جائز سواء في إخراج الفطرة وهي زكاة الفطر, أو في إخراج الزكاة أيضاً, لو كان على الإنسان زكاة وقال: يا فلان خذ هذه الزكاة وفرقها على نظرك فلا بأس.

    وكذلك لو كان عليك كفارة يمين وهي إطعام عشرة مساكين, ووكلت من يطعم عنك فلا بأس, لأن هذه الأمور مما تدخلها النيابة, حتى وإن أعطيته المال وقلت: خذ هذا المال واشترِ به فطرة ووزعها على نظرك فلا بأس.

    بعض أحكام الدفن

    السؤال: ما حكم الوقوف عند القبر بعد الفراغ من الدفن للدعاء؟ وما حكم وضع علامة عليه, أو كتابة الاسم لتمييزه لقصد الزيارة؟ وما حكم المشي بين القبور بالحذاء؟

    الجواب: السؤال: الأول: الوقوف بعد الدفن عند القبر والدعاء له هذا من السنة, لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل) فتقف عند القبر وتقول: اللهم اغفر له, اللهم ثبته, ثلاث مرات, لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا دعا ثلاث مرات, ثم تنصرف ولا حاجة لإطالة القيام عنده, وفي قوله (استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت..) دليل على أن الإنسان لا يدعو لقومه بمعنى: أنه لا يدعو وهم يؤمنون كما يفعله بعض الناس من بعض الجهات, ولكن كل واحد منهم يدعو لنفسه.

    وأما السؤال الثاني: وهو وضع علامة على القبر أو الكتابة عليه ليزوره الإنسان بعينه, فلا حرج في ذلك إذا لم يكن في ذلك إظهار للقبر وتمييز له عن غيره, وعلى هذا فلا يجعل العلامة طلاء, أو نصب طويل, أو ما أشبه ذلك, إنما يجعل علامة متواضعة لا يتميز بها القبر عن غيره لقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه لـأبي هياج: (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ألا تدع تمثالاً إلا طمسته, ولا قبراً مشرفاً إلا سويته).

    وأما السؤال الثالث: وهو المشي بالنعال بين القبور, فهذا لا بأس به للحاجة, وإن لم يكن هناك حاجة فالأفضل أن يمشي الإنسان حافياً, لأن في هذا نوع إكرام للأموات, أن تمشي بينهم حافياً, لكن إذا كان هناك حاجة مثل: أن تكون الأرض إثر مطر تتلوث به من الطين, أو شدة حرارة, أو شوك فهذا لا بأس به.

    وهذه الطريقة ممنوعة لدينا, أن يجمع الإنسان بين ثلاثة أسئلة في سؤال واحد.

    حكم الإنصات لاستماع شريط القرآن

    السؤال: هل السامع للقارئ في الشريط له حكم سامع القارئ العادي تلاوةً من وجوب الإنصات إليه؟

    الجواب: إذا سجل الإنسان في الشريط فقد انتهى من أول مرة, وانقطع أجره وثوابه, اللهم إلا أن ينتفع أحد بالاستماع إلى صوته عبر الشريط فيؤجر على هذا الانتفاع, أما بالنسبة للاستماع إليه فلا يجب الاستماع إليه ولا إلى القارئ مباشرة، قال الإمام أحمد رحمه الله في قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] قال: أجمعوا على أن هذا في الصلاة. يعني: إذا كان المأموم خلف الإمام, أما الإنسان يقرأ إلى جنبك وأنت مشغول بذكرك الخاص فإنه لا يجب عليك الإنصات.

    ثم إذا فرض أن هذا القارئ عبر الشريط مر بآية سجدة هل تسجد؟

    الجواب: لا تسجد إذا مر بآية سجدة, أولاً: لأنه لم يسجد هو.

    ثانياً: على فرض أنه سجد وسمعته وهو يقول: الله أكبر وسجد فلا تسجد, لأنه الآن ليس إماماً لك وإنما يحكي هذا الشريط بصوته فقط, ولذلك لو أن أحداً قال: أكتفي بأذان مؤذن عبر الشريط فإذا كان عند الأذان شغل الميكرفون ثم وضع الشريط أمام اللاقط وشغله بالأذان, هل يكتفى بهذا عن الأذان المباشر؟

    لا يكتفى بهذا، ولذلك تخطئ بعض المدارس على ما سمعنا أو بعض المكاتب يخطئ خطأً عظيماً أن يجعل الأذان عبر هذا المسجل, فأنا لا أقول إلا ما علمت, فهذا خطأ عظيم, لأن الأذان عبادة من أفضل العبادات, حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام في ثوابه: (أطول الناس أعناقاً يوم القيامة المؤذنون) يتميزون عن غيرهم, ولهذا كانت مرتبة المؤذن أفضل من مرتبة الإمام, يعني: المؤذن عمله أشق وصوته يلحق ما لحق صوت الإمام.

    فالحاصل أن الاستماع إلى القراءة من الشريط ليست كالاستماع من القارئ المباشر, وأيضاً لا يجب الإنصات لا للشريط ولا للقارئ المباشر؛ لأن قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف:204] -كما سمعتم- قال الإمام أحمد: أجمعوا أن ذلك في الصلاة.

    حكم من لم يبيت نية صوم رمضان

    السؤال: من صام أول يوم من رمضان ولم يبيت النية هل يقضي هذا اليوم, وهو لم يعلم أنه رمضان ولم يأكل ولم يشرب؟

    الجواب: هذه مسألة فيها خلاف بين العلماء, منهم من يقول: إنه لا يقضي هذا اليوم بل يمسك من حين علمه ولا قضاء عليه, وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, ومنهم من قال: بل يقضي، وهذا أحوط وأولى.

    حكم مقولة: (الله كافلي)

    السؤال: بعض الناس إذا سئل: من كفيلك؟ يقول: الله كافلي, ما حكم هذه الكلمة؟

    الجواب: إذا كان هذا القائل قالها تهرباً من الإخبار عن كفيله فهذا لا يجوز, وأما إذا كان قالها اعتماداً على الله عز وجل فقد قال الله تعالى: وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً [النساء:81] وهو سبحانه وتعالى كفيل خلقه وهو متكفل بأرزاقهم وأعمالهم وكل حاجاتهم, لكن الغالب أن هذا الذي يقول يتهرب من ذكر الكفيل ولعله يخشى إذا علم وكيله من شيء لا ندري ما هو.

    حكم المسبوق يقضي قبل سلام إمامه

    السؤال: ما صحة صلاة من أدرك ركعة مع الإمام في السطح في الركعة الأخيرة وظن أن الإمام سلم, وقام ليقضي, فتبين له أن الإمام لم يسلم فهل تعتبر في حقه ركعة؟

    الجواب: إذا قام المسبوق لقضاء ما فاته ظناً منه أن الإمام سلم ثم تبين أنه لم يسلم يجب عليه الرجوع, فإذا سلّم الإمام قام فقضى ما فاته ثم يسجد للسهو بعد السلام.

    الفرق بين التشاؤم والتفاؤل

    السؤال: تعرفون الفرق بين الطيرة والفأل, فلو أن شخصاً أراد أن يسافر فمر عليه شخص اسمه سهل تفاءل, وإن مر شخص اسمه صعب تشاءم, أليس هذا يشبه صورة من إذا أرسل الطائر فطار عن اليمين تفاءل, وإن صار شمالاً تشاءم؟

    الجواب: أما الفأل فكان يعجب النبي صلى الله عليه وسلم لما فيه من التنشيط على الخير, والعمل به, فإذا أردت عملاً ثم صادفك من تحبه فنشطت على العمل, أو سمعت من يقول: يا سهل يا سهيل, يا صالح.. وما أشبه ذلك فنشطت فهذا طيب؛ لأنه ينشط على العمل.

    وأما التشاؤم فهو على العكس, ينوي الإنسان الشيء ثم يرى شيئاً قبيحاً فيتأخر عن هذا الشيء, فهذا لا يجوز, لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الطيرة.

    والفرق بين الفأل وزجر الطيور حتى تذهب يميناً أو ما أشبه ذلك, الفرق بينهما أن ذهاب الطيور إلى اليمين أو إلى الأمام هذا لا أثر له في هذا الأمر, إنما هو عقيدة جاهلية باطلة.

    حكم إعطاء الفقير ما يقيم به مشروعاً

    السؤال: شخص غني وله أخ فقير فهل يجوز له أن يعطيه من الزكاة ما يعمل به مشروعاً كمكينة خياطة، أو لا يعطي من الزكاة إلا ما يقتات به؟

    الجواب: هذا في الواقع سؤال لا ينبغي ألا نقيده بالأخ عام, هل يجوز للإنسان أن يعطي من الزكاة الفقير ليقتات به أو يعطيه ما يعمل به مشروعاً؟

    الجواب: الأول ما يقتات به, لأن في الدنيا فقراء كثر يحتاجون إلى القوت, فكونه يخص هذا الأخ بالمال الكثير من أن ينشئ مشروع خياطة أو غير خياطة, معناه: يقتضي حمال الآخرين, والزكاة ليست لفلان وفلان بل هي للعموم, نعم لو فرض أن هذا الفقير انكسرت مكينته فأعطاه ما يصلحها به فلا بأس؛ لأن إصلاحها ضروري، أما أن يشتري له مكينة فلا، ونظير ذلك لو أنك أعطيت الفقير مالاً كثيراً يشتري به بيتاً، فهذا لا يجوز أن تعطيه من الزكاة, لأنه يمكن أن يستغني عن ذلك بالاستئجار له, لكن لو انهدم بيته وأراد أن يعمره قلنا: لا حرج أن تعطيه من الزكاة؛ لأن هذا الشيء قائم يحتاج إلى إصلاح.

    حكم الصلاة في غير مكان اجتماع المصلين

    السؤال: أيهما أفضل: الصلاة في سطح المسجد الحرام، أم تحت الأرض, أم تصلي في الصفوف ولو كانت في التوسعة؟

    الجواب: لا شك أن الصلاة في السطح أو في الأسفل أفضل بكثير من الصلاة خارج المسجد, بل إننا نرى الصلاة خارج المسجد والمسجد فيه مكان لا تصح, لأنه صلّى في غير مكان الاجتماع, والشرع له نظر في اجتماع المسلمين في مكانهم وبأفعالهم, ولهذا أمروا أن يقتدوا بالإمام ويتابعوه ليكون فعلهم واحداً وكذلك في المكان.

    لكن قل لي: أيهما أفضل أن يصلي في الطبقة التي فيها الإمام -لأن ذلك أقرب للإمام- أو أن يصلي في السطح؟

    هنا نقول: إذا كان صلاته في السطح أخشع له وأحضر لقلبه وأبعد عن التشويش فهو أفضل؛ لأن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بمراعاة الفضل المتعلق بمكان العبادة.

    حكم إيقاف المال على الورثة

    السؤال: رجل أوقف ماله على أولاده إلا النساء يأخذن حقهن مدة الحياة فقط وهذا المال له عشرون سنة تعطل افترق النخل واجتاحت السيول, ما الحكم في ذلك وقد كتب: لعنة الله على بائعه ومشتريه؟!

    الجواب: قال أهل العلم رحمهم الله: إن الوقف إذا تعطل في مصالحه فإنه يباع وينقل إلى مكان آخر فيه مصالح.

    وهل يجوز إيقاف كل ماله على الأولاد؟

    الجواب: لا, إيقاف كل ماله لأولاده في حياته لا بأس, أما إذا أوصى بعد موته فلا يجوز إلا الثلث فأقل, ثم أيضاً لا يجوز إلا الثلث فأقل بشرط ألا يخص بعض الورثة دون بعض.

    وقوله: كتب: لعنة الله على بائعه ومشتريه..!

    الجواب: لا يثبت هذا اللعن.

    عموم النهي في السخرية

    السؤال: إذا أطلقت السخرية على الفعل, هل يدخل ذلك تحت النهي؟ وإذا كان الفعل مكتسب كأن قلد شخصاً في طريقة الخطأ, هل يدخل تحت النهي أيضاً؟

    الجواب: النهي عام: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ [الحجرات:11] سواء كان بالقول أو بالفعل, ولكن لا أدري ما معنى قولك: مكتسب أو غير مكتسب؟

    فإذا كان قصده السخرية لا يجوز, لكن أحياناً يعجبه كلام شخص من الناس فيتكلم كما يتكلم, فمثلاً: أعجبه قراءة قارئ من الأئمة, فصار يقلد قراءته فهذا ليس بسخرية, بل هذا إعجاب به.

    والساخر إذا سخر بنطق من قلده كأن ينطق الخطأ صار ساخراً به فيدخل في النهي بلا شك.

    أما إذا أراد إصلاح ما عنده من الخطأ يعني مثلاً حرف الراء يقول: اللحمان -يقصد الرحمن- يأتي آخر يقول: اللحمان، لا يستفيد ذاك من التغيير شيئاً, المهم أن السخرية مطلقة بالقول أو الفعل هذا حرام لا يجوز.

    معنى قوله تعالى: (قال الذي عنده علم من الكتاب)

    السؤال: قال الله تعالى: قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ [النمل:40] من هو هذا الذي عنده علم من الكتاب؟ وبعض الناس يقولون: إنه سليمان نفسه, فهل يصح هذا؟

    الجواب: قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ [النمل:39] من العفريت هذا؟! عفريت من الجن, هذا عنده علم من الكتاب, قال بعض المفسرين: إله رجل صالح, فدعا الله باسمه الأعظم فحملته الملائكة وأتت به, وأما القول بأنه سليمان فخطأ عظيم, لأن هذا الذي عنده علم من الكتاب قال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ [النمل:40] كيف يخاطب سليمان نفسه؟ لكن في هذه الآية دليل على أن قوة الملائكة أشد من قوة الجن, فالجني قال: (آتيك به قبل أن تقوم من مقامك) وكان له ساعة معينة يقوم فيها, أما هذا قال: (آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك) فلما رآه في الحال ... سبحان الله! آية من آيات الله عز وجل, فهو رجل بشر دعا الله عز وجل فحملته الملائكة بسرعة وجاءت به.

    معنى رؤية النبي في المنام

    السؤال: ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من رآني منكم في المنام فسيراني في اليقظة

    الجواب: هذا يخاطب به الصحابة الذين يمكنهم أن يروه, أي: من رآني منكم أيها المخاطبون فسيراني في اليقظة, وليس عاماً للأمة كلها, والذي هو عام للأمة كلها هو قوله: (من رآني في المنام فقد رآني حقاً) هذا للأمة كلها.

    نصيحة للساخرين بأهل العلم

    السؤال: هناك بعض الطلبة ابتلوا بالسخرية ببعض العلماء, خاصة إذا خالف رأيه رأي شيخه فإنه أحياناً يسبه, فنرجو توجيه نصيحة لهؤلاء؟

    الجواب: أولاً يجب على طالب العلم أن يكون أول من يمتثل أمر الله عز وجل ويجتنب نهيه, لأنه مسئول عن ذلك من وجهين:

    الوجه الأول: أنه كغيره من المكلفين.

    الوجه الثاني: أن طالب العلم قدوة, أي عمل يعمله فسوف يقتدي به الناس ويحتجون به.

    فإذا كان طالب العلم هو الذي يسخر من العلماء أو ممن دون العلماء فهذه بلية في الواقع, فالواجب على الإنسان إذا خالفه غيره أن يلتمس له العذر, ثم يتصل بهذا المخالف فيبحث معه، فربما يكون الحق معه -أي: مع من خالفه- ويناقشه بأدب واحترام وهدوء, حتى يتبين الحق.

    أما سخريته به لمخالفة رأي شيخه فهذا أيضاً خطأ, كل إنسان يخالفك في قولك فإن الواجب عليك أن تحمله على أحسن المحامل, وأن هذا اجتهاده، وأن الله عز وجل سيؤجره على اجتهاده، إن أخطأ فله أجر واحد وإن أصاب فله أجران, ثم تتصل به, وتناقشه ولا تستحي, فربما يتبين أن الحق معك فتكون لك منة على هذا الرجل, وربما يتبين الحق معه فيكون له منة عليك, وأما السخرية فليست من آداب طالب العلم إطلاقاً, بل ولا من آداب المؤمن مع أخيه.

    قواعد في النحو والتفسير

    السؤال: سمعتك كثيراً تذكر: أنه ينبغي لطالب العلم أن يهتم بالقواعد والضوابط, فمثلاً في النحو أو التفسير ما هي القواعد والضوابط التي يمكن أن يحفظها الإنسان حتى يستفيد منها؟

    الجواب: أذكر قاعدتين في النحو: الأصل في الفاعل أن يتصل بالعامل, فتقول: أكل محمدٌ طعاماً, هذا الأصل, وخلاف الأصل أن يقدم المفعول به على الفاعل فتقول: أكل طعاماً محمداً كما قال تعالى: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [البقرة:124] الأصل أن يكون الخبر متأخراً عن المبتدأ, ويجوز التقدير إذ لا ضرر.

    أما في التفسير فمثلاً من القواعد: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

    فإذا جاءت آية فيها حكم عام على سبب خاص فالعبرة بعموم اللفظ.

    ومن القواعد أيضاً: إذا احتملت الكلمة معنيين على السواء ولا منافاة بينهما فإنها تحمل على المعنيين جميعاً.

    ولنا كتيب صغير في قواعد التفسير لو رجعت إليه يكون جيداً, وأما قواعد النحو فعليك بـألفية ابن مالك .

    حكم الجماعة إذا تخللها طريق

    السؤال: هل تجوز للنساء صلاة الجمعة في بيت واحد خلف الإمام وبينهما طريق عام؟

    الجواب: النساء لسن مخاطبات بالجمعة ولا بالجماعة إلا في صلاة العيد, فقد أمرهن النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجن, لكن لو حضرن إلى المسجد وصلين مع الناس صلاة الجمعة أجزأت عن الظهر.

    أما إذا اجتمعن في بيت وأقمن الجمعة فلا تصح صلاتهن, وكذلك إذا صلين في بيوتهن خلف الإمام فلا تصح صلاتهن, سواء كان بين المسجد وبينهن طريق أو كن ملاصقات للمسجد.

    حكم الجمع بين ثلثي الموصين

    السؤال: هل يدفع ما أوصى به الميت من الثلث مرة واحدة في أبواب الخير, وإذا وجد ثلث لوالدي وآخر لوالدتي هل أجمعها؟

    الجواب: لا بأس أن يجمع الإنسان بين ثلث والده وثلث والدته, وكله على حسب ما أوصى به, فضل الله يؤتي من يشاء, وأما هل يدفعه مرة واحدة أو ينميه؟

    هذا يجب عليه أن يراعي المصلحة, هل الأولى أن يدفعه مرة واحدة في عمارة مسجد يساهم فيه أو ما أشبه ذلك, أو الأولى أن ينميه ويتصدق بنمائه، فينظر للمصلحة.

    وجوب تقسيم التركة بطلب أحد الورثة

    السؤال: هل يجوز ترك الميراث لسبب وجود الأولاد الصغار, ولو قسم هذا الميراث يشق على الولي أن ينفق عليه, ويتركه ويزكي من المال؟

    الجواب: إذا مات الميت فإن المال الذي وراءه للورثة يفعلون فيه ما يشاءون, فإن طالب أحدهم بقسمة الميراث وجبت إجابته, سواء كانوا صغاراً أم كباراً, الصغار يتولى أمرهم وليهم, والكبار كل يتولى أمره بنفسه, أما لو سكتوا وقالوا: نحب أن نبقى.. مثل أن يكون المال مشروعاً من المشروعات, وأحبوا أن يبقى المشروع على ما هو عليه, وكل يختص بنصيبه وربحه فلا بأس, الزكاة كل يؤدي زكاة ماله بنفسه.

    وإذا قسم المال وكان كل واحد منهم لا يبلغ نصيبه النصاب وليس ما عنده ما يكمل به النصاب فلا زكاة عليه.

    إعراب كلمة

    السؤال: ما موقع إعراب كلمة (زوج) من: (حديث عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم)؟

    الجواب: هذا بدل من عائشة , أو عطف بيان يجوز هذا وهذا.

    حكم لبس القبعة

    السؤال: ما حكم لبس البرنيطة أو القبعة التي يلبسها الشباب؟

    الجواب: أعطيك قاعدة -بارك الله فيك- الأصل في لبسها الحل نوعاً وكيفية, فأي إنسان يقول: هذا لباس حرام إما لنوعيته أو لكيفيته فعليه الدليل, فلبس البرنيطة من هذا الباب, إذا كان هذا من عادة النصارى والكفار فإنه حرام, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تشبه بقوم فهو منهم) وإذا لم يكن من عادتهم بل كان شائعاً بين الناس يلبسه الكفار والمسلمون فلا بأس.

    لكني أخشى أن اللابس لها يكون في قلبه أنه مقلد لهؤلاء النصارى أو الكفار فحينئذٍ يمنع من هذه الناحية, من كونه يعظم الكفار فيقلدهم.

    حكم سفر المرأة بدون محرم

    السؤال: ما حكم سفر المرأة من مدينة إلى مدينة بدون محرم لطلب العلم؟

    الجواب: لا يحل للمرأة أن تسافر بدون محرم لا للعلم ولا للحج ولا للعمرة ولا للزيارة ولا لغير ذلك, لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم) لكن قد يظن بعض الناس أن هذا سفر وليس بسفر, مثل بعض النساء الآن يذهبن من بلدهن إلى بلد آخر قريب للتعلم أو للتعليم ويرجعن في نفس اليوم, فهذا ليس بسفر, فعلى هذا لو ذهبت امرأة من عنيزة إلى بريدة للتعلم أو للتعليم ومعها نساء ويرجعن بعد انتهاء الدرس إلى بيوتهن فهذا ليس بسفر, فللمرأة أن تذهب وترجع, لكن لا يجوز لها أن تخلو بالسائق إذا لم يكن محرماً لها.

    حتى في الطائرة لا يجوز لها أن تسافر, نقول: أولاً أن المحرم الذي في البلد الذي طارت منه إذا أوصلها إلى قاعة الانتظار يرجع, وتبقى وحدها مع الرجال, ثم لو فرض أنه أوصلها إلى أن دخلت الطائرة, فالطائرة قد تقلع في وقتها المحدد وقد تتأخر لخلل فني أو طقس أو غير ذلك, ثم إذا استقلت طائرة فربما يمنعها مانع من الهبوط في المطار الذي قصدته إما سوء الأحوال الجوية كما يقولون, وإما خلل فني كما لو امتنعت الكفرات من النزول، أو غير ذلك من الأسباب, فتبقى تذهب إلى بلد آخر, ثم على فرض أنها سلمت من هذا ونزلت في المطار الذي تريده, فمحرمها الثاني الذي يستقبلها قد يحضر في الوقت المحدد وقد لا يحضر, فقد ينام وقد يمرض، قد يمنعه السير من ازدحام السيارات, قد تتعطل سيارته ولا يحضر إلى المطار, ثم إذا سلم من هذا وصار كل شيء على ما يرام فمن الذي يجلس بجانبها في الطائرة؟

    قد يجلس بجانبها رجل سفيه سافر, فيغريها ويغرها, كما يقع هذا أحياناً, لذلك كانت حكمة الشرع في نهي المرأة أن تسافر على الإطلاق هي الحكمة الصحيحة, وهي التي بها السلامة.

    جزاء من ماتت ولم تتزوج في الدنيا

    السؤال: تسأل امرأة وتقول: المرأة إذا توفيت وهي لم تتزوج ماذا يكون مصيرها: هل تتزوج من الرجال الذين لم يتزوجوا في الجنة؟

    الجواب: إذا كانت في الجنة -بارك الله فيك- ففي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين, أنت إذا أوصلتها إلى الجنة فستلقى كل خير, إما أن تتزوج من أهل الدنيا, والجنة سيبقى فيها فضل عمن دخلها من أهل الدنيا, فينشئ الله لها أقواماً يدخلهم الجنة, فقد تتزوج من هؤلاء الأقوام, فطمئنها وقل: إن شاء الله تعالى إذا دخلتِ الجنة فستجدين ما يسرك من كل ناحية، ودليل ذلك: وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [فصلت:31] أي: ما تطلبون.

    حكم الموعظة بين ركعات التراويح

    السؤال: ما حكم الموعظة بين صلاة التراويح أو في وسطها ويكون هذا دائماً؟

    الشيخ: لا مانع، إذا قام إلى التسليمة الثانية ورأى أن الصف قد اعوج، أو أن المصلين قد تمايزوا وتفرقوا وصار فيهم فرجة، فليقل: استووا أو تراصوا، ولا حرج.

    أما الموعظة فلا، لأن هذا ليس من هدي السلف , لكن يعظهم إذا دعت الحاجة أو شاء بعد التراويح، وإذا قصد بهذا التعبد فهو بدعة, وعلامة قصد التعبد أن يداوم عليها كل ليلة, ثم نقول: لماذا يا أخي تعظ الناس؟ قد يكون لبعض الناس شغل يحب أن ينتهي من التراويح وينصرف ليدرك قول الرسول عليه الصلاة والسلام: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) وإذا كنت أنت تحب الموعظة ويحبها أيضاً نصف الناس بل يحبها ثلاثة أرباع الناس فلا تسجن الربع الأخير من أجل محبة ثلاثة أرباع, أليس الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أمّ أحدكم الناس فليخفف فإن من ورائه ضعيف والمريض وذي الحاجة) أو كما عليه الصلاة والسلام, يعني: لا تقس الناس بنفسك أو بنفس الآخرين الذين يحبون الكلام والموعظة, قس الناس بما يريحهم, صلِّ بهم التراويح وإذا انتهيت من ذلك وانصرفت من صلاتك وانصرف الناس فقل ما شئت من القول.

    نسأل الله أن يرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح، وأبشروا بالخير بالحضور إلى هذا المكان لأن: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.