إسلام ويب

لقاء الباب المفتوح [116]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • هذا اللقاء هو آخر لقاء ف يشهر شعبان، لذا كان حديث الشيخ عن مسائل في صيام رمضان حسياً ومعنوياً، وكذا عن قيامه وما يحدث في قيامه من مخالفات الأئمة. وأجاب عقب ذلك عن أسئلة منها ما يتعلق بما يحدث في رمضان من مسابقات تجارية ورياضية وغير ذلك من الأسئلة.

    1.   

    كلمات يسيرة في شهر رمضان

    الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن هذا اللقاء سيكون اللقاء الأخير في شهر شعبان, وهو اللقاء السادس عشر بعد المائة, يتم في يوم الخميس العشرين من شهر شعبان عام (1416هـ) وبما أن شهر رمضان على الأبواب فإنه يحسن أن نتكلم بكلمات يسيرة عما يتعلق بالشهر المبارك.

    مزايا شهر رمضان

    شهر رمضان له مزايا على غيره:

    منها: أن الله سبحانه وتعالى أنزل فيه القرآن، كما قال تعالى: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ [البقرة:185].

    ومنها: أن الله جعل فيه ليلة القدر التي أنزل الله في شأنها سورة كاملة, فقال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:1-3] وقال فيها: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [الدخان:3] فوصفها الله تعالى بالبركة.

    ومنها: أن الله سبحانه وتعالى رتب مغفرة الذنوب والآثام لمن صامه إيماناً واحتساباً, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).

    ومعنى قوله: (إيماناً) أي: إيماناً بفرضيته, وإيماناً بما رتب الله عليه من الأجر, (واحتساباً) لهذا الأجر, أي: أنك تحتسب صومك على الله عز وجل بأن يثيبك على صيامك, فمن صامه إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه.

    ومنها: أن من قامه إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومنها: أن من قام ليله إيماناً واحتساباً غفر الله له ما تقدم من ذنبه.

    ومنها: أنه شهر الجود والكرم, والعفو والإحسان, (كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس, وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة) وقد سألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني).

    فينبغي للإنسان أن يغتنم هذه الفرصة في الشهر المبارك, وأن يكثر من الصلاة والذكر وقراءة القرآن، والصدقة والإحسان إلى الناس بالمعاونة والشفاعة الحسنة, وغير ذلك من أنواع البر والخيرات, لعل الله تعالى أن يعامله بالخير والبركة.

    فرضية صيام رمضان وشروطه

    الصيام لا شك أنه مفروض على الأمة الإسلامية, وأنه ركن من أركان الإسلام, وفرضه الله عز وجل في السنة الثانية من الهجرة, فبقي النبي عليه الصلاة والسلام أربع عشرة سنة بعد البعثة ولم يفرض الصيام, حتى تروضت النفوس على الإسلام واطمأنت واستقرت وفرض في السنة الثانية من الهجرة, وكان أول ما فرض: أن الإنسان مخير بين أن يصوم أو أن يطعم عن كل يوم مسكيناً, ولكن الله ندب إلى الصوم فقال: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة:184] فصار من شاء صام ومن شاء أفطر, ثم أوجب الله تعالى صومه عيناً فقال: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].

    ولا يجب صوم رمضان إلا على كل مسلم, بالغ, عاقل, قادر, مقيم, خال من الموانع, يعني: بستة شروط, فالكافر لا نلزمه بالصوم, ولا نقل: صم، لو وجدنا كافراً يأكل ويشرب في بيته في نهار رمضان لا نقول: أمسك, لأنه ليس من أهل الصيام, بل لو صام وهو لم يسلم لم يقبل الله منه؛ لأن الله تعالى قال: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54] فهو لا يؤمر بالصوم ولو صام لا يصح منه, ولا يؤدب على الفطر, لكنه يمنع من إظهار الفطر بين المسلمين.

    والصغير لا يجب عليه الصوم, لكن قال العلماء: يجب على وليه أن يأمره بالصوم إذا أطاقه, ليعتاده ويتمرن عليه, ويستقبله بنشاط وعزم إذا بلغ.

    والمجنون لا يجب عليه الصوم؛ لأنه ليس أهلاً للتكليف, قد رفع عنه القلم, ولا يجب على المجنون شيء من العبادات إلا الزكاة, فإن الزكاة تجب في مال المجنون؛ لأن الزكاة حق المال.

    والعاجز لا يلزمه الصوم, لكن إن كان عجزاً مستمراً لا يرجى زواله، فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً, كالعجز من أجل الكبر، أو من أجل مرض لا يرجى برؤه, فهذا يطعم عن كل يوم مسكيناً ولا يلزمه الصوم, والعجز الذي يرجى زواله كالمريض مرضاً طارئاً يرجى برؤه نقول له: انتظر حتى يزول المرض ثم صم لقول الله تعالى: وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:185].

    والمسافر لا يلزمه الصوم, له أن يأكل ويشرب سواء كان في البر لم يصل إلى المدينة التي قصدها أو كان في نفس المدينة, ولو كان يقيم أو يريد الإقامة الشهر كله, فإنه مسافر فله أن يأكل ويشرب لقوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) ولا فرق بين أن يكون سفره لطاعة, كالذي يسافر لعمرة مثلاً، أو لصلة رحم، أو لعيادة مريض، أو لغير طاعة كما لو سافر ليتجر, وأما السفر المحرم فهذا محل خلاف بين العلماء فمنهم من يقول: إن المسافر سفراً محرماً يترخص برخص السفر, ومنهم من يقول: إنه لا يترخص.

    وكما قلنا: لا فرق بين أن يكون المسافر يمشي في البر أو مقيماً في بلد قصد إليها, ما دام عزمه أن يعود إلى بلده, فإنه لا زال مسافراً.

    من به موانع لا يلزمه الصوم, وهذا إنما يكون للمرأة الحائض والنفساء, فإنه لا صيام عليهما، ولو صامتا لم يصح الصوم منهما, ولكن عليهما القضاء, هذه هي الشروط التي تشترط لوجوب الصوم وهي ستة:

    1- الإسلام.

    2- البلوغ.

    3- العقل.

    4- القدرة.

    5- الإقامة.

    6- الخلو من الموانع.

    صيام الجوارح وأهميته

    أما الذي يجب عنه الصوم, فلعلكم تستغربون إذا قلت: إن الذي يجب عنه الصوم هو: المعاصي, يجب أن يصوم الإنسان عن المعاصي, لأن هذا هو المقصود الأول في الصوم لقول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183] لم يقل: لعلكم تجوعون! أو لعلكم تعطشون! أو لعلكم تمسكون عن الأهل! لا قال: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ), هذا هو المقصود الأول من الصوم, وحقق النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأكده بقوله: (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) إذاً أن يصوم الإنسان عن معاصي الله عز وجل, هذا هو الصوم الحقيقي.

    أما الصوم الظاهري فهو الصيام عن المفطرات, الإمساك عن المفطرات تعبداً لله عز وجل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس لقوله تعالى: فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة:187] هذا صوم نسميه الصوم الظاهري صوم البدن فقط, أما صوم القلب الذي هو المقصود الأول، فهو الصوم عن معاصي الله عز وجل.

    وعلى هذا: فمن صام صوماً ظاهرياً جسدياً، ولكنه لم يصم صوماً قلبياً فإن صومه ناقص جداً جداً, لا نقول: إنه باطل لكن نقول: إنه ناقص, كما نقول في الصلاة, المقصود من الصلاة الخشوع والتذلل لله عز وجل, وصلاة القلب قبل صلاة الجوارح, لكن لو أن الإنسان صلّى بجوارحه ولم يصلِ بقلبه، كأن يكون قلبه في كل وادٍ فصلاته ناقصة جداً, لكنها مجزئة حسب الرسم الظاهر .. مجزئة لكنها ناقصة جداً, كذلك الصوم ناقص جداً إذا لم يصم الإنسان عن معصية الله, لكنه مجزئ حسب الرسم الظاهري؛ لأن العبادات في الدنيا إنما تكون على الظاهر.

    فنقول: إذا تناول الإنسان شيئاً من المفطرات، ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فإن صومه يكون فاسداً وعليه القضاء, وأعظم المفطرات هو الجماع, فمن جامع زوجته في نهار رمضان، وهو ممن يجب عليه الصوم فسد صومه، ولزمه إمساك بقية اليوم، ولزمه القضاء, ولزمته الكفارة, ولزمه الإثم, يعني: يترتب على جماعه في نهار رمضان إذا كان ممن يجب عليه الصوم خمسة أشياء: الإثم, فساد الصوم, لزوم الإمساك, القضاء, الكفارة, هذا إذا كان ممن يجب عليه الصوم, أما إذا كان ممن لا يجب عليه الصوم كمسافر سافر مع أهله، وصام هو وأهله ولكنه بدا له أن يتمتع بأهله، فجامع فلا شيء عليه, إلا القضاء فقط, يعني: لا يترتب عليه لا إثم ولا إمساك ولا كفارة, ليس عليه إلا القضاء, لأنه لما جامع فسد صومه لكن أفسده بشيء مباح, إذ أن المسافر يجوز له أن يفطر ولو في أثناء النهار ولو بدون سبب, وعليه القضاء.

    ثم الكفارة: وهي عتق رقبة, فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين, فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً, ولا فرق بين أن يقول: أنا والله لاس أعلم أن عليّ كفارة, لو علمت أن عليّ كفارة ما جامعت, أو أن يقول: أنا أعلم أن عليّ كفارة ولكنه عجز عن إمساك نفسه, فعلى كل حال الكفارة واجبة, إذا علم الإنسان أن الجماع حرام فالكفارة عليه واجبة بكل حال, دليل ذلك: ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله هلكت -وفي رواية: هلكت وأهلكت- فقال: ما الذي أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان وأنا صائم, فسأله النبي عليه الصلاة والسلام عن خصال الكفارة, أعتق رقبة, قال: لا أجد, قال: صم شهرين متتابعين, قال: لا أستطيع, قال: أطعم ستين مسكيناً, قال: لا أجد, كل خصال الكفارة لا يجدها ولا يستطيعها, فجلس الرجل فجيء بتمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: خذ هذا وتصدق به, قال: أعلى أفقر مني؟ والله يا رسول الله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر مني, فضحك النبي صلى الله عليه وسلم, حتى بدت نواجذه ثم قال: أطعمه أهلك), ولم يقل له : إذا أغناك الله فكفر, فدل هذا على أن الكفارة تسقط في العجز عنه, وهذا هو مقتضى عموم قول الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] وعموم قوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    رفع الخطأ والنسيان عن الأمة

    ثم اعلم: أن من رحمة الله عز وجل أن الله رفع عن هذه الأمة حكم الخطأ والنسيان.

    بمعنى: أن الإنسان لو أخطأ وأكل وشرب وهو صائم فلا شيء عليه, فلو أن الإنسان أكل وشرب يظن أن الفجر لم يطلع, ثم تبين أنه قد طلع, مثل أن سمع تكبيراً فظنه الأذان الأول فأكل وشرب, فإذا هي إقامة الصلاة, نقول له: ليس عليك شيء؛ لأنك لم تتعمد الإثم وقد قال الله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5].

    ولو ظن أن الشمس قد غربت فأكل وشرب, فإذا بها لم تغرب, وهذا يقع كثيراً في أيام الشتاء تكون السماء ملبدة بالغيوم, فيظن الناس أن الشمس قد غربت, فأكل أو شرب, ثم طلعت الشمس لا شيء عليه؛ لأن هذا الرجل لم يتعمد الإثم ولم يتعمد الأكل في النهار, وقد الله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5] ونحن متعبدون لله عز وجل, قال لنا: العبادة فاسدة، قلنا: سمعاً وطاعة نعيدها, قال: العبادة صحيحة قلنا: الحمد لله, فلسنا نحكم على الله بشرعه, وإنما الله هو الحاكم علينا, فإذا كان يقول لنا بكلامه: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5] أنقول: لا، لا نقبل؟! خطأ, نقول: الحمد لله على نعمه, وعلى عافيته ليس علينا شيء.

    بل إن الرسول صلى الله عليه وسلم طبق هذا تماماً، ففي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما: أنهم أفطروا في يوم غيم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم, ثم طلعت الشمس ولم يأمرهم بالقضاء. ولو كان القضاء واجباً لأمرهم به, لأن عليه بلاغ الشريعة, ولو أخبرهم به لنقل إلينا, لأن حفظ الشريعة مما تكفل الله به: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] فالله حافظ لذكره وشرعه.

    إذاً نقول: لا شيء على الإنسان إذا وهم فأكل قبل أن تغرب الشمس, وهذا أيضاً يقع كثيراً حتى في غير أيام الشتاء, أحياناً يسمع الإنسان في المذياع أذاناً يظن أنه أذان بلده فيفطر, فإذا بالشمس لم تغرب نقول: لا شيء عليك, لأنك لم تتعمد الإثم, وقد قال الله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ [الأحزاب:5].

    بهذه النصوص يتبين بطلان جميع الأقيسة التي تقتضي خلاف النص, فلو قال قائل: الإمساك بالصوم شرط والشرط لا يسقط بالجهل ولا بالنسيان, قلنا له: من قال هذا؟ هذا كلام الله وكلام رسوله وسنته.

    وفي الصحيحين أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه -أي: ما نقص صومه- فإنما أطعمه الله وسقاه) نكتفي بهذا القدر فيما يتعلق بالصيام.

    ما يتعلق بقيام رمضان

    أما فيما يتعلق بالقيام، فإنكم سمعتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه) لكن هل يعني ذلك قيام كل الليل والنهار يصلي؟!

    لا, ولكن من قام القيام المشروع وذلك في الليل, فهل لهذا القيام عدد معين أو لا؟

    نقول: أما على سبيل الحتم فليس هناك عدد معين, لو صلّى الإنسان ثلاثين ركعة أو أربعين ركعة فلا حرج عليه، ولا يقال له: لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت عدداً في قيام الليل, بل سأله سائل قال: (يا رسول الله كيف صلاة الليل؟ قال: مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلّى واحدة فأوتر ...) إذاً لا يوجد عدد معين, لكن العدد الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يواظب عليه إما إحدى عشرة، وإما ثلاث عشرة كما سئلت عائشة رضي الله عنها وهي من أعلم الناس بحاله, كيف كانت صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان؟

    قالت: (كان لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة) فهذا هو العدد الأفضل، لكن لا مانع من الزيادة.

    ثم إن قيام الليل يحصل ثوابه لمن قام مع الإمام حتى ينصرف، ولو لم يستغرق إلا جزءاً يسيراً من الليل, دليل ذلك: أن النبي قام بأصحابه ولكنه انتهى قبل الفجر, قالوا: (يا رسول الله لو نفلتنا بقية ليلتنا, قال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) نعمة والحمد لله، إذا قمت مع الإمام حتى ينصرف فأنت كأنك قمت الليل كله, مع أنك نائم على فراشك أو مستمتع بأهلك، ولهذا ينبغي للإنسان ألا يكون في ليالي رمضان يقوم مع هذا الإمام بتسليمة، ومع الإمام الثاني بتسليمة ويتجول في المساجد, فيضيع عليه الوقت ويضيع عليه الثواب, نقول: إذا شرعت مع إمام فاستمر إلى أن ينتهي, من أجل أن يكتب لك قيام ليلة, ومن المعلوم أن كل واحد منا يريد الأجر, وينتهز الفرص, فنقول: هذه هي الفرصة, قم مع الإمام حتى ينصرف.

    وينبغي بل يجب على أئمة المساجد أن يتقوا الله تعالى فيمن ولاهم الله عليهم, إمام المسجد راع, والمأموم رعية, فيجب أن يسير بهم على مقتضى السنة, مقتضى السنة الطمأنينة في الصلاة, والطمأنينة تعني الاستقرار وعدم السرعة, ولهذا لو صلّى الإنسان بلا طمأنينة قلنا: صلاتك باطلة ولو صليت ألف مرة, لأن رجلاً أتى فصلى بدون طمأنينة ثم سلّم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (ارجع فصل فإنك لم تصلِ) نفى الصلاة, مع أن الرجل صلّى, لكن الرسول قال: (لم تصلِ) لأن صلاة لا تكون على الشريعة وجودها كالعدم, ثم علمه قال: (إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء, ثم استقبل القبلة فكبر, ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً, ثم ارفع حتى تطمئن قائماً, ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً, ثم ارفع حتى تطمئن جالساً, ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً, ثم افعل ذلك في صلاتك كلها).

    وكثير من الأئمة -نسأل الله لهم الهداية- يسرع إسراعاً مخلاً بالطمأنينة, حتى لو فرضنا أنه لا يطمئن ولا يأتي بواجب الطمأنينة لكن الذين وراءه لا يتمكنون؛ لأن فيهم من لا يكون سريع الحركة, إما لمرض أو كبر أو غير ذلك, فتجدهم لا يتمكنون من الطمأنينة وهذا حرام عليه, يحرم على الإمام أن يسرع سرعة تمنع المأموم من فعل ما يجب, لأن المأموم بين أمرين: إما أن يفارقه، وإما أن يتابعه على صلاة باطلة, وهذه مشكلة.

    ولذلك نقول لإخواننا الأئمة: يجب عليكم أن تتقوا الله, وأن تراعوا حرمة المسلمين الذين وراءكم, وإذا قدر أنكم قضيتم الركعات في ساعة مع العجلة، مع أني لا أظن أن تبلغ الساعة لكن فرضاً فلتكن ساعة ونصف, لكن في ظني أن الذين يسرعون هذه السرعة قد يقيمونها في ثلث ساعة، فنقول: ماذا يضيرك إذا زدت؟!

    ثانياً: بعض المأمومين يريد أن يحافظ على ثلاثة وعشرين ركعة مع السرعة, وهذا خطأ؛ لأنه يفوت بذلك شيئين:

    الأول: العدد الأفضل, والعدد الأفضل إحدى عشرة ركعة أو ثلاثة عشرة ركعة؟ لا شك عندنا أنها أفضل من ثلاثة وعشرين.

    الثاني: الإسراع, دع الناس يطمئنون يدعون الله سبحانه وتعالى في سجودهم, يخبتون إلى الله, يخشعون بين يديه, حتى يكون قياماً حقيقياً.

    نسأل الله تعالى أن يبلغنا وإياكم رمضان, وأن يجعلنا ممن يصوم ويقوم رمضان إيماناً واحتساباً إنه على كل شيء قدير.

    1.   

    الأسئلة

    اشتراط المؤجر عدم إدخال آلات الفساد

    السؤال: هل يلزم من المؤجر أن يشترط على المستأجر ألا يضع المنكرات في منزله الذي سيسكنه؟ وإذا وضع بعض المنكرات هل على المؤجر إثم في ذلك؟

    الجواب: أما لزوم الاشتراط فليس بلازم, إلا إذا كثر هذا في الناس فهنا قد نقول: يجب أن يشترط, لكن إذا لم يكن كثيراً في الناس فلا, ولعلك تشير إلى (الدشوش)

    أما التلفاز فليس (كالدش)، (الدش) هو الذي يأتي بكل المحطات التلفازية في كل العالم، ويأتي بأشياء فظيعة -والعياذ بالله- نعلم علم اليقين أن صانعيه ومروجيه، والذين يحرصون على أن يبثوا هذه الأمور أرادوا هدم الإسلام, لكن لا يمكن أن يصرح ويقول: أشرك بالله, هذا لا يمكن، ولكن إذا زين للناس سوء أعمالهم وانهمكوا في الشهوات ضاعوا, وهان عليهم كل شيء من المعاصي, فمثلاً: إذا كثر هذا في الناس -ونسأل الله ألا يكثره, لكننا لا ندري ما وراء الجدار, ولا نعلم الغيب- يجب على الإنسان أن يشترط, يقول: شرط ألا تركب الدش, فإذا ركبه فللمؤجر الفسخ, شاء المستأجر أم أبى, أما إذا لم يقصد فلا, فإذا قدرنا أنه لم يشترط هذا الشرط ثم إن المستأجر وضعه فليس على المؤجر إثم, لكن إذا تمت مدته يجب عليه أن لا يجدد له, إلا بشرط أن ينـزعه.

    أما التلفاز فهو يأتي بمحطات السعودية فقط, والمحطات السعودية على ما فيها من البلاء أهون مما يأتي به (الدش) .

    ولا يلزم إذا انتهت مدته أن يفسخ.

    معنى تبييت النية في الصيام

    السؤال: هل يلزم تبييت النية لكل يوم من رمضان, وهل مثله صيام الأيام المعينة؟

    الجواب: أولاً: لا بد أن نعلم معنى: تبييت النية، لأن بعض الناس يظن أن معنى تبييت النية أن ينوي الإنسان الصيام قبل أن ينام, وليس كذلك, المراد بتبييت النية أن ينوي قبل طلوع الفجر ولو بلحظة، فإذا نوى قبل طلوع الفجر ولو بلحظة فقد بيّت.

    فصيام رمضان من المعلوم لكل أحد، أن كل مسلم إذا دخل شهر رمضان فقد عقد النية الجازمة على أنه سيصومه كله, فالنية في أوله كافية، إلا إذا وجد سبب يقطع الصوم كما لو سافر الإنسان ثم رجع, فلا بد من تجديد النية، أو مرض ثم عوفي لا بد أن يجدد النية, وأما ما دام على حاله فإن النية في أوله تكفي عن آخره.

    وبناءً على ذلك: لو أن الإنسان غلبه النوم بعد العصر ولم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر من اليوم الثاني، فصيامه اليوم الثاني يكون صحيحاً لأن النية قد تمت.

    أما الأيام المعينة من النوافل, فإن النفل المعين كصيام ستة أيام من شوال مثلاً، فهذه أيضاً لا بد أن ينوي الصوم قبل طلوع الفجر, ويتبين هذا بالمثال: لو أن الإنسان ليس عنده نية أن يصوم ستة أيام من شوال، وفي أثناء النهار استيقظ ولم ينوِ الصوم فصلّى الفجر ولما طلعت الشمس فكّر لعلي أصوم أو لا أصوم, لكنه عند زوال الشمس أي: عند الظهر عزم على الصيام فصام صيامه لليوم صحيح, ما دام لم يأكل ولم يشرب ولم يأتِ بمفطر قبل ذلك فصيامه صحيح, لكن لو قال: أنا أريد أن يكون هذا أول أيام الست, قلنا: لا يصح؛ لأنه لو أتى بخمسة أيام بعد ذلك اليوم كم صام؟ خمسة أيام ونصف, والحديث ستة أيام, فالأيام المعينة لا بد أن تكون من قبل طلوع الفجر.

    حكم أخذ المال على الرقية

    السؤال: كثير من المتصوفة -وهم لا علم لهم- جلسوا للرقية يتكسبون منها, فيفرضون على المريض بعضاً من المال قبل العلاج وبعد العلاج, فهل يجوز هذا الفعل منهم؟ وإذا حذا حذوهم بعض طلبة العلم فما نقول لهم؟

    الجواب: هذه المسألة كثرت عندنا, أما الصوفية والمتصوفة الحمد لله بلادنا إن شاء الله نزيهة من هذا, لكن التكسب بالرقية كثر جداً, ومن أناس الله أعلم بحالهم من ناحية الاستقامة, لكن المؤمن الذين يريد أن ينفع أخاه وهو الذي يقرأ, فإن أعطي أخذ وإن لم يعطَ لم يسأل, وهذا هو الذي يجعل الله تعالى في رقيته بركة, أما من جعل القرآن الكريم وسيلة للتكسب فقد اشترى الدنيا بعمل الآخرة -والعياذ بالله- وما له في الآخرة من نصيب, وهذه مسألة في الواقع صارت على مستوى كبير الآن, وينبغي أن تعالج من قبل المسئولين في الدولة.

    حكم ذبح بهيمة الأنعام المريضة

    السؤال: بهيمة الأنعام إذا اشتد بها المرض فهل لصاحبها أن يذبحها؟

    الجواب: أما إذا كانت ملكاً له فلا بأس, وأما إذا كانت ملكاً لغيره، كأن وجد شاة في البر مريضة متعبة فلا يلزمه أن يذبحها, ولا أن ينقذها, لكن التي له؛ له أن يذبحها, لماذا؟

    لأنه إذا كانت له فلا بد أن يقوم عليها بالأكل والشرب والملاحظة، وهذا يضيع عليه الوقت والمال، وعلى هذا فليذبحها ليستريح منها ويريحها أيضاً, وفي هذا الحال: إن ذبحها على الوجه المشروع صارت حلالاً لمن أراد أن يأكلها بشرط ألا يكون هذا المرض يضره, وإذا قتلها قتلاً فإنها لا تحل.

    حكم إقامة الدورات الرياضية في رمضان

    السؤال: في ليالي رمضان قد تحيا من قبل بعض الشباب الدورات الرياضية, فما توجيهكم؟

    الجواب: نرى مثل هذا إضاعة وقت, وغنيمة فاتت على الإنسان, والشاب المسلم ليس هذا وظيفته في الحياة, وظيفته في الحياة أن يعبد الله تعالى, وأن يسعى في إصلاح المسلمين, إما مثلاً بالمشي في الأسواق, وإذا رأى المنكر نهى عنه بأدب وهون وسهولة, وإما باجتماع على تلاوة القرآن, فإنه: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة, وحفتهم الملائكة, وذكرهم الله فيمن عنده).

    أما إضاعة الوقت في هذه الأمور فهو والله خسارة, الآن هؤلاء الشباب الواقع أن المجتمع خسرهم إذا كانوا يقضون جميع أوقاتهم في مثل هذا, إذا لو أراد الإنسان أن يتسلى بالألعاب الرياضية المباحة ككرة القدم, لكن باعتدال فلا نرى في هذا بأساً, لأن فيه تمريناً للبدن وتقوية له, وتسلية للنفس, وإزالة للملل, ثم إن هذه السنة سيكون رمضان في وقت الإجازة, وربما ينشغل الناس الآن بالخروج إلى البر, وإضاعة وقت هذا الشهر المبارك في غير فائدة .. بل ربما فيما فيه مضرة.

    لكننا في هذا الحال: ننصح إخواننا الدعاة الذين يحرصون على هداية الخلق، بأن يتجولوا في هذه المخيمات, ويدعوا إلى الله عز وجل على بصيرة وبهدوء وطمأنينة، وكذلك بنشر الكتيبات النافعة والأشرطة النافعة, لعل الله أن يهدي بهم.

    حكم البحث عن مسجد من أجل الجمع بين الصلاتين

    السؤال: نحن نعلم أن قبل فترة نزلت الأمطار فاختلف أئمة المساجد, بعضهم من يرى الجمع لأن الحال يستدعي الجمع، وبعضهم لا يرى ذلك, فما قولكم فيمن جاء إلى مسجد مثلاً وهذا الإمام لم يرَ أن المطر يجيز الجمع, فذهب هذا المأموم وبحث عن مسجد آخر حتى وجد أحد المساجد يجمع فيها, فصلى صلاة العشاء, فصلى المغرب مع إمام وصلى العشاء مع إمام آخر، فما قولكم في ذلك؟ مع العلم أن الإمام الأول لم يرَ أن هنالك مسوغاً للجمع إذ لا يوجد مطر ولا يوجد وحل ولا هنالك برد ولا غيره؟

    الجواب: أرى أن هذا يشبه من سافر في رمضان من أجل أن يفطر, والعلماء قالوا: إذا سافر في رمضان من أجل أن يفطر حرم عليه السفر والفطر, لأن هذا الرجل الآن لم يذهب من أجل الرخصة, ربما يكون تعبه في ذهابه من مسجد حيه إلى المسجد الثاني، أكثر من تعبه إذا انتظر إلى صلاة العشاء, لكن يريد أن يتخلص من الصلاة, فكأنه يقول: أرحنا من الصلاة, ولا يقول: أرحنا بالصلاة, أرى مثل هذا إن لم تكن صلاته باطلة فهي إلى البطلان أقرب منها إلى الصحة, لأن هذا ما ذهب إلى المسجد الذي يجمع من أجل السهولة, إنما ذهب من أجل التخلص, وإلا فمن المعلوم أن السهولة إذا جاء إلى مسجده في وقت الصلاة مع قربه أفضل وأسهل له, فأنا في شك من صحة صلاته.

    ونصيحتي للمسلمين: أن يتقوا الله عز وجل، وأن يعلموا أن الله فرض الصلاة وجعلها كتاباً موقوتاً في وقت معين, لا يحل لإنسان أن يقدم صلاته على وقتها وإذا قدمها لم تقبل منه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) إلا إذا كان هناك عذر شرعي فلا بأس.

    ثم نقول لهذا الرجل: اذهب الآن إلى بيتك وإذا أذن العشاء فإن كان عندك قدرة أن تحضر إلى المسجد احضر, وإن كانت السماء تمطر ويلحقك مشقة فصلِ في بيتك, ولك أجر الجماعة كاملة؛ لأنك تخلفت عنها لعذر, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من مرض أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحاً مقيماً).

    حكم جمع الصلاة في الدوائر الحكومية

    السؤال: هل يجوز لمن يصلون في دوائرهم أن يجمعوا مع وجود المطر في وظائفهم؟

    الجواب: أما إذا كانوا يعرفون أن الناس في البلد سيجمعون, فلا بأس أن يجمعوا هم من تحصيل الجماعة, لأن الجمع لتحصيل الجماعة جائز, وأما إذا كانوا يعرفون أن الناس لن يجمعوا فترك الجمع هو الحق.

    يعني: لو قدر أن عملهم يستمر إلى دخول وقت العصر فلا يجوز الجمع, إذ أن الجمع ليس للمطر ولكن للمشقة بالمطر.

    والمطر ليس كالسفر, لأنه ما هو لمشقة, ولهذا لما قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (جمع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من غير خوف ولا مطر, قالوا: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته) أي: ألا يشق عليهم في ترك الجمع إذا كان يشق عليهم أن يصلوا في كل وقت.

    حكم دفن الرجال والنساء في قبر واحد

    السؤال: هناك في بعض المناطق ما يسمى: "بالسقاية" وهي عبارة: عن غرفة تبنى تحت الأرض, إذا مات أحدهم يدفنون هذا الرجل في هذه الغرفة, وكل عائلة أو كل أسرة لها غرفة تحت الأرض, كل أقاربهم يدفنونهم فيها, وأحياناً يجمعون النساء مع الرجال، وقد لا يكونون محارم, فما رأي فضيلتكم في هذا؟

    الجواب: السقاية وهي سقية, هذه رخص بها بعض العلماء مع الحاجة، كضيق الأرض مثلاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع الاثنين والثلاثة في أحد في قبر واحد, من أجل الحاجة, لأن الصحابة كانوا متعبين ويشق عليهم أن يحفروا لكل واحد قبراً, فبعض العلماء رخص بها, وبعض العلماء منع منها, وقال: إن الواجب أن يكون كل إنسان في قبره لكن مع الإمكان, لكن مع عدم الإمكان فلا بأس.

    أما موضوع جمع الرجال والنساء فأنا الآن لا أعطيك فيه رأياً, لكن لو أنه جعل النساء وحدهن, والرجال وحدهم لكان أحسن.

    حكم ابتلاع النخامة أثناء الصوم والصلاة

    السؤال: ذكر الفقهاء: أن النخامة تفطر الصائم, هل ممكن أن نقيس عليها الصلاة, يعني: مثل النخامة هل تفسد الصلاة؟

    الجواب: أولاً -بارك الله فيك- الفقهاء ما أجمعوا على هذا, بل مذهب الإمام أحمد فيه قولان هل تفطر أم لا؟

    وثانياً: أن المراد من النخامة المفطرة هي التي تصل إلى الفم, وأما التي في الحلق وتنزل إلى الصدر فهذه لا تفطر, ولا أظن أحداً تصل النخامة إلى فمه فيبلعها؛ لأنه مستكره, لكن على كل حال فقهاء الحنابلة أكثرهم يقولون: إذا وصلت النخامة إلى الفم ثم ابتلعها فسد صومه.

    وقياس ذلك: أنه إذا حصل ذلك في الصلاة بطلت الصلاة إذا قلنا: إن هذا بمعنى الأكل, لكن لم يمر عليّ أنهم ذكروا ذلك في الصلاة, مع أن القول بأنها تفطر إذا وصلت إلى الفم ثم ابتلعها فيه نظر, لأن هذا لا يسمى أكلاً ولا شرباً, ولم تدخل إلى جوفه بل هي لم تزل في جوفه, وإن كان الفم يعتبر من الظاهر لا من الباطن.

    حكم المسابقات التجارية

    السؤال: سؤال حول المسابقات التجارية: انتشر في الآونة الأخيرة عند المحلات التجارية، بعض الصور التي نود من فضيلتكم توضيح الحكم فيها, وهي ما يقوم به مجموعة محلات تجارية بوضع جائزة لمن يشتري من محلاتهم, وطريقة الحصول على جائزة يختلف من تاجر لآخر, فبعضهم يرفع سعر البضاعة مقابل الجائزة، مع إلزام الشراء للحصول على بطاقة المسابقة, وبعضهم يلزمك الشراء إلى مبلغ معين مقابل الحصول على بطاقة المسابقة، مع عدم رفع السعر, وبعضهم لا يرفع السعر ولا يلزمك الشراء عند أخذ البطاقة, وبعضهم يبيع بطاقة المسابقة بمال معين عند عدم إرادة الشراء, علماً بأن ذلك سيكثر في شهر رمضان المبارك, أرجو من فضيلتكم توضيح الحكم لهذه المسألة مفصلاً ما أمكن؛ لكثرة السائلين عن هذه الصور وغيرها والله يحفظكم؟

    الجواب: هذه الصور التي ذكرت بعضها لا يجوز, وبعضها يجوز, الجائز: هو أن يضع التاجر جائزة لمن يشتري منه بمبلغ كذا, ولنقل: من اشترى بألف ريال فله حق الدخول في المسابقة, فهذا جائز, لأن المشتري إما سالم وإما غانم, السعر لم يرفع عليه, وهو سيشتري هذه البضاعة على كل حال سواء منه أو من غيره, فإذا اشترى من غيره ثم قدر أن تحصل له جائزة فهو غانم, وإذا لم تحصل له فهو سالم.

    أما إذا كان المشتري إما غانماً وإما غارماً، فهذا هو الحرام بجميع صوره, لكن لو فرضنا: أن أحداً من الناس قال: إن هذا يفسد السوق, ويبلبل الناس, وربما يأتي الإنسان من أقصى البلد إلى أقصاه، من أجل أن يشتري من هذا المحل, وهذا قد يربك السير خاصة في المدن الكبيرة, فنرى أن مثل هذه الأمور لو أن الدولة دخلت في هذا ومنعت لكان حسناً, أما إذا كان لا يزالون كما هو الآن في أفراد معينين من التجار فلا يحتاج إلى منع.

    فالخلاصة الآن إن لنا في هذه المسألة نظرين:

    النظر الأول: بالنسبة لمنع هؤلاء, نقول: ما دام أن الأمر لم ينتشر انتشاراً كبيراً يوجب اضطراب الأسواق, وتسابق التجار لكثرة الجائزة فلا بأس, أما إذا أدى إلى اضطراب الأسواق وتسابق التجار بالجائزة، كأن يضع هذا سيارة ويضع الثاني سيارتين, ويضع هذا ألفاً ويضع الثاني ألفين مثلاً، فهذا يجب على الدولة أن تمنع, لئلا يحصل التلاعب.

    النظر الثاني: في الحالة التي نقول: إنه جائز ولا يمنع نقول: من اشترى وهو يريد الشراء حقيقة، ولم يؤخذ منه زيادة على السعر، ولا ثمناً للبطاقة فلا بأس.

    حكم عدم خروج النفساء مدة أربعين يوماً والوليمة نهاية المدة

    السؤال: في بعض المناطق المرأة إذا وضعت حملها تبقى في بيتها لا تخرج من البيت لزيارة الأقارب والجيران كالمحادة لمدة أربعين يوماً, فإذا انتهت هذه المدة أولمت وتدعو النساء من الحي، والتي لم تولم تقوم بتوزيع لحم ورز أو تمر أو فاكهة على أهل الحي, فأرجو توضيح هذا؟

    الجواب: أما لزوم البيت فهذا ليس بصحيح, وليس عليه أثر لا من كتاب ولا سنة ولا أقوال العلماء, وأما انحباسها عن زوجها فقد اعتاده الناس خوفاً من أنها إذا ذهبت في أيام النفاس، وكان زوجها مشتاقاً إليها أن يقع بينهما جماع, لأنه ليس كل زوج يملك نفسه هذه المدة، لا سيما إذا كان شاباً, لكن لو تركت هذه العادة لكان أحسن, بمعنى: أن في أيام التعب والمشقة الشديدة وهي أوائل الوضع لا بأس أن تبقى عند أهلها؛ لأنهم أرأف بها من غيرهم, ولئلا يتجرأ الزوج لشيء يتعبها, أما إذا زالت المشقة فينبغي لها أن تذهب إلى زوجها, لأن للزوج أن يستمتع منها بما شاء ما عدا الجماع, فلماذا يحرم منها.

    أما مسألة الوليمة إذا انتهت من مدة النفاس فلا بأس بها, هذه من الولائم المباحة, لأن الولائم ثلاثة أقسام:

    1- قسم منهي عنه كالمأتم: وهو وليمة الأحزان التي يفعلها من يموت له الميت، فيولم ويدعو الناس إليها, هذه إما مكروهة، وإما محرمة وهو الصواب.

    2- وقسم آخر مطلوب شرعاً وهو الوليمة للنكاح: فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـعبد الرحمن بن عوف : (أولم ولو بشاة) وذلك لأن الإيلام للنكاح يستلزم إظهاره وإعلانه, وإعلان النكاح من الأمور المشروعة.

    3- والقسم الثالث هو ما عدا ذلك فهو مباح: كالوليمة عند خروج المرأة من النفاس, والوليمة للختان, والوليمة لنـزول البيت أول ما ينـزل, وما أشبه ذلك.

    حكم السبق في الرياضة

    السؤال: في رمضان تكون دورات رياضية ومسابقات رياضية في كرة القدم, ويكوّن عدة فرق, كل فرقة تحضر نسبة معينة, مثل خمسمائة ريال أو ألف ريال, ويجمعها واحد ويشتري بها جوائز, والفائز منهم يأخذ الكأس أو الجائزة المعينة التي يحددونها هم, فما حكم ذلك الفعل؟

    الجواب: هذا حرام ولا تحل, لأن هؤلاء اللاعبين الذين يدفعون قد يغنمون وقد يغرمون, هم الآن غارمون، لكن قد يغنم الواحد وقد لا يغنم ربما تكون الجائزة لغيره, وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر) وهذا ليس بجائز, فالواجب إبلاغ الشباب أن هذا لا يجوز, وفي ظني إن شاء الله أنهم يهتدون.

    حكم كشف وجه الميت في القبر

    السؤال: هل يجوز كشف وجه الميت إذا وضع في القبر؟

    الجواب: من العلماء من قال: يكشف خده الذي يلي الأرض فقط وليس الوجه, ومنهم من قال: ليس بسنة؛ لأن الكفن إنما سمي كفناً لأنه يكفت الميت, بمعنى: أنه لا يُظْهِرُ منه شيئاً.

    حكم ترك المعصية من أجل الناس

    السؤال: فعل الطاعة والعبادة من أجل الناس شرك, لكن ترك المعصية من أجل الناس هل يدخل كذلك في الشرك؟

    الجواب: هذا شرك, لأن الطاعة إما فعل مأمور أو ترك محظور تقرباً إلى الله, فهذا نوع من الشرك لا شك.

    فإذا ترك الإنسان المعصية مراءاة للناس لا خوفاً منهم, لأن هناك فرق بين أن يرائي الناس ليظهر أنه عابد وأنه تارك للمعاصي، وبين أن يدع المعصية خوفاً من الناس أن يأكلوا لحمه, وينتهك عرضه, فالأول شرك، والثاني ليس بشرك ولكنه خطأ، لأن بعض الناس يتنسك ويظهر أنه ناسك ويدع المعاصي أمام الناس، وهو في الخفاء يفعلها ولا يبالي.

    حكم التصفيق والتصوير

    السؤال: في بعض المدارس يكثر التصفيق دون حاجة, وكذلك التصوير, فما حكم ذلك؟ وهل عليَّ الإنكار، أم لا؟

    الجواب: أما التصفيق لسبب فلا أرى به بأساً, لأن هذا جرت العادة به، وفيه تشجع لمن حصل على هذا الأمر الذي صفقوا له من أجله, وليس من باب التشبه بالكفار لأنه الآن شاع وانتشر بين المسلمين, وليس داخلاً في قوله تعالى: وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35] لأن هؤلاء يجعلون العبادة مكاء وتصدية, ولهذا قال: صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً [الأنفال:35], وكذلك لا يدخل في قول رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إذا نابكم شيء في صلاتكم فليسبح الرجال ولتصفق النساء) لأن هذا في الصلاة, ولأن المرأة صوتها قد يؤدي إلى الفتنة, فلهذا أمرت إذا أخطأ الإمام أن تصفق ولا تسبح, وأمر الرجال أن يسبحوا.

    لكن لو فرض أن الإنسان إذا فعل هذا وصفق أنه يغضب بعض الإخوة الحاضرين فالأولى ألا يفعل؛ لأن التأليف أمر مطلوب, والتصفيق غاية ما فيه أنه مباح, وإذا كان تركه يؤدي إلى الألفة والمحبة فلا شك أن تركه مطلوب, أما الصفير فأنا أكرهه, ما معنى أن الإنسان يرفع صوته بالصفير؟!

    والتصوير أيضاً ليس هناك حاجة له, وإذا صور سوف يدخر وسوف يقتنى, واقتناء الصور لغير حاجة محرم.

    أما إن كان مطلوباً من الوزارة فهذا شيء آخر.

    والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2985747918

    عدد مرات الحفظ

    715344181