إسلام ويب

لقاء الباب المفتوح [27]للشيخ : محمد بن صالح العثيمين

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذا الدرس نصيحة حول كيفية استقبال العام الجديد، حيث وأن هذا الدرس كان في أول السنة، وكيف نعوض ما فاتنا في السنة الماضية، وفي هذا اللقاء شرح بعض الآيات من أول سورة المطففين والتي فيها الوعيد الشديد لمن يطفف في المكيال، وأن من اكتال من الناس فاستوفاه ثم كال لغيره فأخسر فيه فقد جمع الشر الموجب للوعيد الذي ذكر في أول السورة.

    1.   

    نصيحة مع استقبال العام الهجري الجديد

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فهذا أول لقاء يحصل في هذا العام؛ وهو اللقاء الأسبوعي الذي يكون في كل يوم خميس، وهو يوافق الرابع من شهر المحرم عام (1414هـ).

    والنصيحة التي ينبغي للإنسان أن ينصح بها نفسه في استقبال هذا العام أن ينظر ماذا أودع في العام الماضي من الأعمال الصالحة؟ وماذا قام فيه من الأعمال التي تنفعه وتنفع غيره من المسلمين؟ ولاسيما طلبة العلم فإن طالب العلم عليه واجبان: واجب لنفسه وواجب لغيره، إذ أن العلم الشرعي إرث محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن العلماء ورثة الأنبياء، وإذا نظرنا في حال الأنبياء وعلى رأسهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم وجدنا أنهم أبلوا بلاءً حسناً في عباداتهم الخاصة، وفي دعوتهم الخلق إلى الحق.

    لقد كان النبي صلى الله عليه أتقى الناس وأخشى الناس لربه، وكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه وتتورم من طول القيام، فيُسأل في ذلك فيقال له: إن الله قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فيقول: (أفلا أكون عبداً شكوراً).

    وفي مجال الدعوة إلى الله، دعا صلى الله عليه وسلم قومه إلى توحيد الله وعبادته، فرأى منهم الأذى حتى كانوا يُلقون سلا الجزور على ظهره وهو ساجد في بيت الله، وتمالئوا عليه فيما ذكر الله سبحانه وتعالى من قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ [الأنفال:30].

    فكان النقاش بينهم على هذه الأمور الثلاثة: الإثبات وهو الحبس، والقتل والإخراج، فأذن الله سبحانه وتعالى له بالخروج والهجرة من مكة إلى المدينة ، ونصره الله سبحانه وتعالى عليهم حتى عاد بعد ثماني سنوات إلى مكة فاتحاً منصوراً ظافراً ولله الحمد.

    فأقول: إن على طلبة العلم واجبين:

    الواجب الأول: لأنفسهم.

    والواجب الثاني: لغيرهم من الناس.

    أن يعلموهم ويرشدوهم ويدعوهم إلى الله، وأن يبينوا الحق الذي جاء به الكتاب والسنة بما يتعلمونه من أساتذتهم، وبما يتعلمونه بأنفسهم من الكتب، وبما يسمعونه من الأشرطة الصادرة عمن يوثق بعلمه.

    ولا شك أن نشر العلم سببٌ للقيام بطاعة الله سبحانه وتعالى كما هو معروف، فإن الرجل يأتي إلى القوم يلقي بينهم كلمة أو موعظة مُوجهة فيتفرق الناس وقد فهموا ما قال، ثم يأخذون بتطبيقه في أنفسهم وفي غيرهم، وهذا أمر مشاهد معلوم.

    وعلى الإنسان في مستقبل هذا العام أن يعد نفسه بالجد والاجتهاد وتتميم ما نقص في العام الماضي، وتحسين ما كان فيه شيء من الاعوجاج أو الانحراف حتى يستقبل هذا العام بجدٍ ونشاط، وليُعلم أن الإنسان إذا عود نفسه الكسل اعتاد عليه وصعب عليه أن ينشط بعد ذلك، وإذا عود نفسه النشاط وبث الوعي الديني في الأمة سهل عليه ذلك وكان ديدناً له، حتى إنه ليحزن ويضيق صدره إذا لم يقم بهذا الأمر.

    1.   

    تفسير آيات من سورة المطففين

    أما ما كنا نتحدث عنه في اللقاءات السابقة من تفسير الآيات الكريمات فنحن كنا قد توقفنا عند سورة المطففين، فنتكلم بكلام موجز على ما تيسر منها، فنقول:

    تفسير قوله تعالى: (ويل للمطففين ...)

    إن الله ابتدأ هذه السورة بكلمة (ويل)، و(ويل) تكررت في القرآن كثيراً، وهي على الأصح: كلمة وعيد يتوعد الله سبحانه وتعالى بها من خالف أمره، أو ارتكب نهيه، على الوجه المقيد في الجملة التي بعدها، فهنا يقول الله عز وجل: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ [المطففين:1] فمن هؤلاء المطففين؟ المطففون فسرتهم الآية التي بعدها، فقال تعالى: الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:2-3] (إذا اكتالوا على الناس) أي: إذا اشتروا منهم ما يكال استوفوا منهم الحق كاملاً بدون نقص، (وإذا كالوهم أو وزنوهم) أي: إذا كالوا لهم، أي: إذا باعوا الطعام كيلاً، فإنهم إذا كالوا للناس أو باعوا عليهم شيئاً وزناً (يخسرون) أي: ينقصون، فهؤلاء والعياذ بالله يستوفون حقهم كاملاً وينقصون حق غيرهم، فجمعوا بين الأمرين، بين الشح والبخل؛ الشح في طلب حقهم كاملاً بدون مراعاة أو مسامحة، والبخل بمنع ما يجب عليهم من إتمام الوزن والكيل.

    وهذا الذي ذكره الله عز وجل في الكيل والوزن، وهو في الحقيقة مثال، فيقاس عليه كل ما أشبهه ممن طلب حقه كاملاً ممن هو عليه، ومنع الحق الذي عليه فإنه داخل في الآية الكريمة.

    فمثلاً: الزوج يريد من زوجته أن تعطيه حقه كاملاً وألا تتهاون في شيء من حقه، لكنه عند أداء حقها يتهاون ولا يعطيها الذي لها، وما أكثر ما تشكو النساء من هذا الطراز من الأزواج والعياذ بالله؛ حيث إن كثيراً من النساء يريد منها الزوج أن تقوم بحقه كاملاً، لكنه لا يعطيها حقها كاملاً، وربما ينقص أكثر حقها؛ من النفقة، والعشرة بالمعروف وغير ذلك.

    والغريب أيها الإخوة! أن هذا يقع كثيراً من الناس الذين ظاهرهم الالتزام، حتى إن بعض النساء تشير أنها ما اختارت هذا الزوج إلا لما له من السمعة الحسنة والالتزام، فإذا به ينقلب ويكون أسوأ حالاً بالنسبة لزوجته من أهل الفسق! فلا أدري عن هؤلاء الذين ظاهرهم الالتزام! هل يظنون أن الالتزام أن يقوم الإنسان بعبادة الله فقط، ويضيع حقوق الناس؟

    إن ظلم الناس أشد من ظلم الإنسان نفسه بالتعدي على حق الله؛ لأن ظلم الإنسان نفسه في حق الله تحت المشيئة؛ إذا كان دون الشرك غفر له إن شاء وإن شاء عاقبه عليه، لكن حق الآدميين ليس داخلاً تحت المشيئة؛ لا بد من أن يُوفَّى، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع! قال: المفلس من يأتي يوم القيامة بحسنات كثيرة، فيأتي وقد ظلم هذا وشتم هذا وضرب هذا، وأخذ مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن بقي من حسناته شيء وإلا أخذ من سيئاتهم فطرح عليه ثم طرح في النار).

    فنصيحتي لهؤلاء الإخوة الذين يفرطون في حقوق أزواجهم سواءً كانوا من الملتزمين أو من غيرهم أن يتقوا الله عز وجل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى بذلك في أكبر مجمع شهده العالم الإسلامي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم عرفة في حجة الوداع، قال: (اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله)، فأمرنا أن نتقي الله عز وجل في النساء، وقال صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم) أي: بمنـزلة الأسرى؛ لأن الأسير إن شاء فكه الذي أسره وإن شاء أبقاه، والمرأة عند زوجها كذلك؛ إن شاء طلقها وإن شاء أبقاها، فهي بمنزلة الأسير عنده، فليتق الله فيها!

    كذلك أيضاً نجد بعض الناس يريد من أولاده أن يقوموا بحقه على التمام، لكنه مفرط في حقوقهم، فيريد من أولاده أن يبروه ويقوموا بحقه؛ أن يبروه بالمال وبالبدن وفي كل شيء يكون فيه البر، لكنه مضيع لهؤلاء الأولاد، غير قائمٍ بما يجب عليه نحوهم.

    نقول: هذا مطفف كما قلنا في المسألة الأولى؛ مسألة الزوج مع زوجته: إنه إذا أراد منها أن تقوم بحقه كاملاً ويبخسها حقها نقول: إنه مطفف، وهذا الأب إذا أراد من أولاده أن يبروه تمام البر، وهو مقصر في حقوقهم، فنقول: إنه مطفف ونقول له: تذكر قول الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:1-3].

    تفسير قوله تعالى: (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون)

    قال الله تعالى: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [المطففين:4-5] ألا يتيقن هؤلاء ويعلمون علم اليقين؟ فالظن هنا بمعنى اليقين؛ والظن بمعنى اليقين يأتي كثيراً في القرآن، كما في قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:46] أي: هم متيقنون أنهم ملاقو الله، وهنا يقول عز وجل: أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ [المطففين:4] ألا يتيقن هؤلاء أنهم مبعوثون؟ أي: مُخرجون من قبورهم لله رب العالمين.

    تفسير قوله تعالى: (ليوم عظيم)

    لِيَوْمٍ عَظِيمٍ [المطففين:5] هذا اليوم العظيم، ولا شك أنه عظيم، كما قال تعالى: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ[الحج:1] عظيم في طوله وأهواله؛ فيما يحدث فيه، وفي كل معنى تحمله كلمة عظيم، لكن هذا اليوم العظيم هو على قوم عسير، وعلى قوم يسير، قال الله تعالى: عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ[المدثر:10] وقال تعالى: يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ[القمر:8]، لكنه بالنسبة للمؤمنين -جعلني الله وإياكم منهم- يسير، كأنما يؤدون صلاة الفريضة من سهولته ويسره، لاسيما إذا كان المؤمن ممن يستحق هذه الوقاية العظيمة، وكان من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، المهم أن هذا يوم عظيم، لكنه بالنسبة للمؤمن يكون يسيراً ويكون على الكافر عسيراً.

    تفسير قوله تعالى: (يوم يقوم الناس لرب العالمين)

    قال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6]؛ يقومون من قبورهم حفاةً ليس لهم نعال ولا خفاف، عراة ليس عليهم ثياب؛ لا قمص ولا سراويل ولا أزر ولا أردية، غرلاً، أي: غير مختونين، بمعنى أن القلفة التي تقطع في الختان تعود يوم القيامة مع صاحبها، كما قال الله تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ [الأنبياء:104] ويعيده الله عز وجل لبيان كمال قدرته تعالى، وأنه يُعيد الخلق كما بدأه.

    والقلفة إنما قطعت في الدنيا من أجل النزاهة عن الأقذار؛ لأنها إن بقيت فإنه ينحبس فيها شيء من البول، وتكون عرضةً للتلويث، لكن هذا في الآخرة لا حاجة إليه؛ لأن الآخرة ليست دار تكليف بل هي دار جزاء، إلا أن الله سبحانه وتعالى قد يكلف فيها امتحاناً، كما قال تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ [القلم:42-43].

    المهم أن الناس يقومون على هذا الوصف: (حفاةً عراةً غرلاً) وفي بعض الأحاديث: (بُهماً) قال العلماء: البُهم الذين لا مال لهم، ففي يوم القيامة لا مال يفدي به الإنسان نفسه من العذاب، وليس هناك ابن يفدي عن أبيه شيئاً، ولا أب يجزي عن ابنه شيئاً، ولا صاحب ولا خليل، كلٌ يقول: نفسي نفسي لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37] نسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على أهواله وأن ييسره علينا.

    قال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6] وهو الله جل وعلا، وفي هذا اليوم تتلاشى جميع الأملاك إلا مُلك رب العالمين جل وعلا، قال الله تعالى: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر:16-17].

    وإلى هنا ينتهي الكلام على هذه الآيات الكريمة من سورة المطففين.

    1.   

    الأسئلة

    إمكان قضاء من تعجل في رمي الجمرات

    السؤال: فضيلة الشيخ: حاج تعجل ثم تبين له أن رميه في اليوم الثاني عشر كان خطأً، فرجع ليلاً ورمى، هل ينقض تعجله ورجوعه إلى منى ليلاً؟

    الجواب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

    هذا الرجل الذي تعجل وخرج من منى قبل غروب الشمس ثم بان له أن رميه كان فيه خطأ فعاد فقضاه لا ينقض قضاء ما فاته لتعجله، أي: أن له أن يرمي في الليل ثم يخرج من منى ؛ لأن هذا الرمي كان قضاءً لما فات، والله سبحانه وتعالى يقول: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203]، وهذا الرمي الذي حصل منه في الليل بعد الغروب إنما هو قضاء وليس أداءً، فليس عليه شيء إذا رمى في الليل ثم انصرف.

    أما لو أخر الرمي يوم الثاني عشر إلى الليل، فإنه يبقى في تلك الليلة ليبيت في منى ثم يرمي الجمرات في اليوم الثالث عشر.

    تغيير المنكر باليد

    السؤال: فضيلة الشيخ: تزوج قريبٌ لي قبل خمس عشرة سنة؛ قام خلال زواجه بالتقاط صور له ولعروسه وأهله وحضور الزفاف بواسطة آلة تصوير، ثم سافر بعروسه إلى ليبيا حيث يعمل هناك، وكان قد كلفني بطبع الصور وإرسالها له، ولما فعلت عادت إليَّ الصور بسبب تغيير في عنوانه، ولما كنت قد طمست كل الصور التي معي بعد أن هداني الله، فهل أحتفظ بصوره كأمانة عندي إلى حين ألقاه فأنصحه، أم أطمسها؟

    الجواب: قال الله سبحانه وتعالى في الكتاب العزيز: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2] وأرى أنه يجب عليك طمسها؛ لأنك قادر على التغيير بيدك.

    إذاً.. عليك أن تطمسها، وتبين له أن ذلك منكر، وأنه يجب طمسها لحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لـأبي الهياج : (ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته)، اللهم إلا أن تخشى أن يترتب على ذلك مفسدة كبيرة، بحيث يجرك إلى المحاكم أو غير ذلك من الأشياء التي تضرك، فلا حرج عليك في هذه الحال أن ترسلها إليه فوراً ولا تبقيها عندك.

    تغليظ الشارع في تحريم الربا

    السؤال: فضيلة الشيخ: شخص اضطر لأخذ الفوائد الربوية يقول: أليس الأفضل أن آخذها وأجعلها في بناء المساجد أو للفقراء بدلاً من أن يستفيد منها أعداء الإسلام؟

    الجواب: الواقع أن هذا السؤال سؤال مهم لشدة الحاجة إلى معرفة الجواب المبني على الكتاب والسنة لا على استحسان العقل، ونحن إذا بنينا جواب هذا السؤال على الكتاب والسنة تبين لنا أنه لا يحل لهذا أن يأخذ هذا الربا؛ لقول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279] فهنا بين الله عز وجل أن الإنسان إذا تاب فليس له إلا رأس ماله فقط، لا يظلم ولا يُظلم.

    وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم الجمعة، فقال: (ألا وإن ربا الجاهلية موضوع، وإن أول رباً أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله)، فأنت ترى في هذا الحديث أن الرسول وضع الربا الذي كان معقوداً في الجاهلية قبل تقرر الأحكام في الإسلام، فما بالك بربا حصل بعد تقرر الأحكام في الإسلام؟!

    وعلى هذا نقول: لا يجوز للشخص أن يأخذ الربا من البنوك مهما كانت هذه البنوك، ثم نقول: لو فرضنا صدق ما قيل من أن هذه الفوائد ترسل إلى الكنائس وإلى محاربة المسلمين فإنه لا إثم عليه في ذلك، لماذا؟ لأن هذه الفوائد ليس فوائد ماله، إذ من الممكن أن يكون ماله الذي أعطاه هذا البنك تصرف فيه البنك تصرفاً خسر فيه أو تصرفاً لم يربح فيه، أو تصرفاً ربح فيه دونما وضع من الربا، فالقول: إن هذه فوائد ماله ليس بصحيح، هذه ليست فوائد ماله، هذه ربا يعطيها البنك من أعطاه هذا المال ينتفع به، وإذا لم تكن ثمرات ماله فليس عليه من إثمه نصيب فيما لو صُرفت إلى بناء الكنائس أو إلى سلاح يصوب إلى صدور المسلمين.

    ثم نقول: إننا إذا منعنا هذا الربا وقد يكون أموالاً طائلة -قد يكون ملايين- إذا منعناه وقلنا للمسلمين: أيها المسلمون، إنكم بإيمانكم وإسلامكم لا يحل لكم أن تأخذوا الربا فسوف يضطر المسلمون إلى أن يبحثوا عن مصارف إسلامية وبنوك إسلامية يستغنون بها عن هذه البنوك الربوية؛ لأن الأزمات والحاجات والضرورات لا بد أن تبرز شيئاً ما، فإذا قيل للناس: هذا الربا الذي تدَّعون أنه فوائد لا يحل لكم، وأنتم إذا أخذتموه فقد أكلتم الربا حين أكلتموه، وإن تصدقتم به تقرباً إلى الله لم يقبل منكم وإن تصدقتم به تخلصاً منه، فما الفائدة من أن يلوث الإنسان يده بالنجاسة ثم يذهب ليغسلها.

    فنقول: إن مُنع هذا، فإنه لا شك أنه سيكون سبباً لكون الناس يبحثون عن مصادر إسلامية، ويُكَوَّنون بنوكاً إسلامية يستغنون بها عن هذه البنوك الربوية.

    ثم إننا نقول: لا شك أن علماء اليهود والنصارى يعلمون أن الربا محرم عليهم، فإن الله تعالى قال في القرآن: وَأَخْذِهِمُ الرِّبا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ [النساء:161] فهم يعلمون هذا في كتبهم، ويعلمون كذلك أن المسلمين قد نهوا عنه، فيفرح أعداء المسلمين إذا رأوا أن المسلمين استحلوا الربا وأخذوه، ويعلمون أن المعاصي من أسباب الخذلان، فيرون أن أخذ المسلمين لهذه الأموال الربوية سهام صوبها المسلمون نحو صدورهم؛ لأن المعاصي سبب للخذلان، ولا يخفى علينا جميعاً ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وهم والله أعظم جند على وجه الأرض منذ خُلق آدم وقد كانوا تحت قيادة أعظم قائد من بني آدم، ومع ذلك حصلت عليهم الهزيمة لمعصية واحدة: حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران:152] حصلت الهزيمة.

    فإذا كانت معصية واحدة وهي دون الربا حصل فيها الخذلان فما بالك بالربا الذي جاء فيه من الوعيد ما لم يأتِ على أي معصية كانت إلا الشرك، كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فكيف نستحل الربا؟!

    فهؤلاء إذا علموا أننا استحللنا الربا لا شك أنهم يفرحون بهذا، ويقولون: الآن فعل المسلمون ما به خذلانهم، والواقع شاهد بهذا؛ فالمسلمون يمثلون اليوم جزءاً كبيراً من البشرية، ومع هذا تُقَطَّع أوصالهم قَطْعاً وهم يشاهدون، لم يستطيعوا أن يرفعوا رأساً بذلك، فهذه البوسنة والهرسك جمهورية إسلامية مستقلة معترف بها دولياً تمزق؛ يقتّل أبناؤها، وتنتهك أعراض نسائها، ويُيَتم أطفالها، والمسلمون لم يحركوا لذلك ساكناً! ولا يخفى علينا الوثيقة السرية التي عثر عليها الإخوة في البوسنة والهرسك الصادرة من رئيس وزراء بريطانيا إلى وزير خارجيته، حيث يقول: إن المسلمين لا يمكن أن يتحركوا تحركاً تستفيد منه البوسنة والهرسك؛ لأنهم تحت إمرتنا. أو كلمة نحوها.

    ويقول: إننا سنمانع بشدة أن تقوم جمهورية إسلامية في أوروبا، ونمانع بشدة أن نعطي المسلمين سلاحاً يدافعون به عن أنفسهم، وهذا تحدٍّ للشعور الإسلامي، لكن لماذا؟ لأن المسلمين مع الأسف عندهم من العصيان ما يوجب الخذلان والانكسار، نسأل الله العافية.

    فلهذا نقول: إن هذه الأموال الربوية التي يقال عنها: إنها فوائد، هي والله خسائر، ولا يجوز أخذها بأي حالٍ من الأحوال، فأنتم أيها المسلمون! إذا شئتم التخلص من هذا الإثم اتركوا الربا، أنشئوا بنوكاً إسلامية تسير على نهج الله؛ على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وبذلك تسلموا، لكن لو فرض أن البنك أصر على أخذ هذه الأموال الربوية كما يوجد في بعض البنوك؛ فبعض البنوك تقول: لا يمكن أن أقبل منك رد هذا الشيء؛ لأن هذا يخل بحساباتي فهنا تأخذها؛ لأنك مرغم عليها، ثم تتصدق بها تخلصاً منها لا تقرباً إلى الله بها.

    حكم الخروج عن بيعة ولي الأمر والقدح في العلماء

    السؤال: هناك أمر بدأ ينتشر بين كثير من الشباب ألا وهو يتمثل في أمرين: عدم البيعة لولي الأمر، ثم أيضاً يترتب على هذا أمر ثانٍ ألا وهو القدح في هيئة كبار العلماء، وأن هيئة كبار العلماء تتكلم وفق ظروف خاصة ومعطيات معينة، وأن علماءنا لم يتكلموا إلا وفق مدركات وظروف تحتم عليهم المجاملة وغيرها من الطعن الصريح الذي نسمعه في هيئة كبار العلماء، فما توجيهكم لهؤلاء الشباب؟

    الجواب: توجيهنا لهؤلاء الشباب أن يتقوا الله عز وجل في أنفسهم وفي إخوانهم من شباب الصحوة، وأن يعلموا أنه (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهلية) وأن يعلموا أن شق عصا المسلمين من أعظم المنكرات، ويترتب عليه أعظم المفاسد، ثم إذا كانوا هنا في المملكة العربية السعودية فليشكروا الله على هذه النعمة؛ البلاد آمنة والحمد لله مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، فإذا حصلت الفوضى لا قدر الله زال هذا الأمن، وزال هذا العيش الرغيد، وأتت فتن وشرور متلاحقة متلاحمة لا يعلم مداها إلا الله، وليسأل هؤلاء الصغار كبارهم: ماذا كانت عليه البلاد قبل توحيدها وقبل اطمئنان أهلها؟

    الجواب: لا يستطيع الإنسان أن يخرج من قريةٍ إلى قرية إلا بسلاح ومع ذلك هو خائف حتى في فراشه إذا نام.

    فأنصح هؤلاء الشباب بألا يزيلوا هذه النعمة بما يحدث من تصرفاتهم الهوجاء.

    أما طعنهم في هيئة كبار العلماء فهو طعنٌ مبنيٌ على عاصفة ولا أقول على عاطفة، وإن شئت قلت: على عاطفة لكنها عاصفة بواقع، نشأت من كلمات يسمعونها من بعض الناس تثيرهم وتهيجهم، وكذلك يسمعونها من بعضهم البعض فيثور بعضهم بسببها؛ هيئة كبار العلماء والحمد لله نقموا منها أنها أذنت للدولة بالاستعانة بالكفار في أزمة الخليج، وتكلم بعض الناس وقال: إن هذه الأزمة مفتعلة، وأن المقصود بها احتلال البلاد من الكفار وما أشبه ذلك، ورسموا خرائط ورسومات ووزعوها في أيدي الشباب وتبين خطأ هذا الشيء تماماً، وتبين والحمد لله ما حصل من درء الفتنة التي أرادها من أرادها من حكام العراق، وتبين أيضاً ما عند العراق من الأسلحة العظيمة التي يتعجب الإنسان كيف اقتنى هذه الأسلحة، وتبين أن هناك إرادة سيئة والله أعلم بها، فصار والحمد لله الخير فيما وقع.

    نقموا من هيئة كبار العلماء البيان الأخير الذي صدر منهم بسبب تكوين لجنة لحقوق الإنسان أو للحقوق الشرعية أو لدفع الظلم أو ما أشبه ذلك، والواقع أن هيئة كبار العلماء لا تنكر أبداً إعانة المظلوم بل تؤيد إعانة المظلوم، وترى أن إعانة المظلوم فرض كفاية يجب على المسلمين أن يعينوه، وإذا لم يقم به من يكفي وجب على من قدر، وهذا أمرٌ مسلمٌ به ولا إشكال فيه، لكن الهيئة تنكر كونه على هذه الصفة، أي: تكوين لجنة للدفاع عن الحقوق الشرعية تحت ظل حكومةٍ شرعية، ومن المعلوم أن تكوين اللجان على هذا الوجه لا يكون تحت حكومة شرعية إلا بإذن هذه الحكومة، أرأيت لو أن رجلاً وجد قريةً ليس فيها قاض، فقال: أنا أريد أن أكون قاضياً في هذا البلد؛ لأن البلد ليس فيها قاضٍ والناس محتاجون للحكم بينهم فسأكون قاضياً، هل يملك هذا؟

    الجواب: لا. لا يملك أن ينصب نفسه قاضياً في هذا البلد تحت ظل حكومةٍ شرعية إلا بإذن هذه الحكومة الشرعية باتفاق العلماء واتفاق المسلمين.

    ثانياً: لو أنه أتى إلى قرية ليس فيها هيئة قائمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: هيا نكوِّن هيئة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر تحت ظل حكومةٍ قائمة شرعية هل يمكن هذا؟

    لا يمكن تكوين طائفة لحفظ الحقوق الشرعية أو الدفاع عن المظلوم على هذا الوجه بدون إذن الدولة، لا شك أنه غير شرعي وأنه افتيات على ولي الأمر، وأنه يؤدي إلى الفوضى، فإنه إذا كونت هذه اللجنة نفسها قام أناس من أهل البدع وقالوا: نريد أن تكون لنا لجنة، وقام أناس من الصحفيين ومن العلمانيين ومن غيرهم وقالوا: نريد أن نُكوِّن لجنة.

    ثم نقول: ما هو الضابط للظلم؟

    كل خصمين عند قاضي لا بد أن يكون أحدهما يدعي أنه مظلوم، معنى هذا أن كل مسألة أو قضية يحكم فيها القاضي بشيء ويقول المحكوم عليه: أنا مظلوم، يلجأ إلى هذه اللجنة، وتحصل فوضى وبلبلة بين الحكام القضاة وبين الناس، ثم إننا لا نأمن أن يقوم غداً النصارى وهم أقلية في بلادنا -والحمد لله- فيقولون: نحن لنا حق؛ لأن الحق الشرعي في نظر العالم غير الحق الشرعي في نظر هؤلاء الإخوة الذين كونوا لجنة؛ لأن هذه اللجنة ترى أن الحق الشرعي ما قام على الشرع؛ على الوحي الذي نزل على محمد عليه الصلاة والسلام، لكن العالم لا يفهم هذا؛ ويرى أن الحق الشرعي ما حكم به نظاماً أو شرعاً إلهياً، حتى الأنظمة والقوانين عندهم شرعية، فيأتي مثل هذا النصراني ويقول: إن لي الحق في أن أقيم كنيسة، فيرفع الأمر إلى هذه اللجنة، وهذه اللجنة الآن لا ترى هذا الحق وترى أنه لا يمكن إقامة الكنائس في بلاد المسلمين، لكن يأتي خلفها لجنة مبنية على هذه اللجنة ولو على المدى الذي يكون بعيد المنظار فتوافق وتقول: نعم هذا حق شرعي، ويأتي أهل البدع ويقولون: لنا حق أن نعلن بدعنا، كما أن أهل السنة لهم حق أن يعلنوا سنتهم؛ نحن مسلمون وهم مسلمون، أيُّ فرق بين أن نعلن بدعتنا وأن يعلنوا هؤلاء سنتهم؟

    ثم إنهم -أعني الإخوة الذين نصبوا أنفسهم هذا المنصب- كتب بعضهم عنوان هاتفه، فمن يأمن أن يأتي أناس مغرضون يريدون القدح في هذه الأمة السعودية وكل ساعة يتصلون عليه أنا مظلوم بكذا وكذا في قضية مفتعلة من أجل أن تكثر الطلبات عند هذه اللجنة في نصر المظلوم، فيتكون عندهم آلاف المسائل المفترضة المفتعلة وليس هناك شيء، لكن من أجل التشويه الإعلامي العالمي أو الداخلي.

    ثم إننا نقول: ما الموجب لتكوين هذه اللجنة وفي البلد مكاتب للمحاماة مفتوحة بإذن الدولة ألا يُكتفى بهذا؟

    إنك إذا سمعت تكوين هذه اللجنة ستقول: ربع المملكة مظلوم على الأقل، مع أن المملكة تقدر بإثني عشر مليوناً وأنا أقول: اجعلوها ثمانية ملايين، أي: نزل الثلث، ثمانية ملايين نسمة، لو أنك تريد أن تثبت ألف قضية فيها ظلم محقق أصر على بقائه ولم يحاول إزالة هذا الظلم ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وألف قضية من ثمانية ملايين ليست بشيء، لكن لسنا نقول: هذه المملكة ربعها مظلوم ظلماً يحتاج إلى تكوين لجان للدفاع عنهم.

    لذلك أقول: إن هيئة كبار العلماء لا يقولون: إن نصر المظلوم غير شرعي، ولا أن الدفاع عن الحقوق الشرعية غير شرعي، بل يرون هذا من الشرع وأنه فرض كفاية، لكن تكوين لجنة تحت ظل حكومةٍ شرعية بدون مراجعة في هذه الحكومة هو الخطأ، وهو الذي سيفتح باب شرٍ كبير، ولهذا رجع الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين عن هذه اللجنة وتبرأ من الانضمام إليها؛ لأنه عرف ما ينتج عنها من المسائل أو من الأضرار التي تكون قريبةً أو بعيدة، فنصيحتي لهؤلاء القوم الذين أشرت إليهم أن يتقوا الله عز وجل وألا يموتوا ميتةً جاهلية فيلقون الله عز وجل وهم على جاهليتهم، بل يجب عليهم الرجوع إلى الحق واعتقاد أن لولي أمر المسلمين في هذه البلاد بيعةً صحيحةً شرعيةً بايعه عليها أهل الحل والعقد، ومن المعلوم أن البيعة لا يشترط فيها أن يبايع كل إنسان حتى الطفل والعجوز في مخدعها، أبداً. إذا بايعها أهل الحل والعقد ثبتت البيعة، فـأبو بكر هل بايعه الناس كلهم في مكة والمدينة والطائف ... وغيرها من البلاد؟ لا. لم يبايعوه إلا أهل الحل والعقد، وكذلك عثمان ... كانت البيعة في أصحاب الشورى الستة، وكذلك علي بن أبي طالب ...، فلا يشترط في البيعة أن يبايع كل إنسان، ولم يقل بهذا أحد من الناس، وأهل الحل والعقد في هذه البلاد بايعوا لولي الأمر هنا في البلاد، فثبتت بيعته شرعاً، ومن مات على غير بيعته فإن ميتته ميتة جاهلية، وإذا كان عند هؤلاء الإخوة شكٌ في الأمر فنحن مستعدون لأن يحضروا إلينا ونناقشهم في هذا الأمر رأفةً بهم وإحساناً إليهم؛ لئلا يموتوا ميتةً جاهلية، ولئلا يحدثوا في هذه البلاد فتناً لا يعلم مداها إلا الله عز وجل.

    أما هيئة كبار العلماء فقد علمت الآن وجه ما نشروه من البيان، وإن كان البيان -في الواقع- مقتضباً؛ لأنهم لم يحبوا أن يطيلوا في الكلام وأخذوا بالزبدة فقط، ولكن وجه المنع ليس من أجل أن العلماء يعارضون نصر المظلوم أو يعارضون الدفاع عن الحقوق الشرعية، لكن يعارضون الكيفية التي صار بها هذا الشيء.

    حكم بيعة أمراء الجماعات الإسلامية

    السؤال: فضيلة الشيخ: بالنظر إلى العالم الإسلامي اليوم نجد أن هناك كثيراً من الجماعات التي تدعو إلى الإسلام، وكل منهم يقول: أنا على منهج السلف ، ومعي الكتاب والسنّة، فما هو موقفنا نحو هذه الجماعات، وما حكم إعطاء البيعة لأمير من أمراء هذه الجماعات؟

    الجواب: الحكم في هذه الجماعات التي تدعي كل طائفة منها أنها على الحق سهل جداً، فإنا نسألهم: ما هو الحق؟ الحق ما دل عليه الكتاب والسنة، والرجوع إلى الكتاب والسنة يحسم النـزاع لمن كان مؤمناً، أما من اتبع هواه فلا ينفع فيه شيء، قال الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59].

    فنقول لهذه الجماعات: اجتمعوا ولينزع كل واحد منكم هواه الذي في نفسه، ولينو النية الحسنة أنه سيأخذ بما دلَّ عليه القرآن والسنة مبنياً على التجرد من الهوى، لا مبنياً على التقليد أو التعصب؛ لأن فهم الإنسان للقرآن والسنة على حسب ما عنده من العقيدة والرأي لا يفيده شيئاً؛ لأنه سوف يرجع إلى عقيدته.

    ولهذا قال العلماء كلمة طيبة، قالوا: يجب على الإنسان أن يستدل ثم يبني، لا أن يبني ثم يستدل؛ لأن الدليل أصل والحكم فرع، فلا يمكن أن يُقلب الوضع ونجعل الحكم الذي هو الفرع أصلاً، والأصل الذي هو الدليل فرعاً.

    ثم إن الإنسان إذا اعتقد قبل أن يستدل ولم تكن عنده النية الحسنة صار يلوي أعناق النصوص من الكتاب والسنة إلى ما يعتقده هو، وحصل بذلك البقاء على هواه، ولم يتبع الهدى.

    فنقول لهذه الطوائف التي تدعي كل واحدة منها أنها على الحق: تفضل. ائت بنية حسنة مجردة عن الهوى والتعصب وهذا كتاب الله وهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولولا أن فيهما حل النزاع ما أحال الله عليهما، فإن الله لا يحيل على شيء إلا والمصلحة فيه: فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء:59] لكن البلاء الذي يحصل من عدم الاتفاق على الكتاب والسنة بسبب -فقط- الشرط الذي في الآية: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [النساء:59] فإن بعض الناس قد يرجع إلى الكتاب والسنة لا عن إيمان، ولكن عن هوىً وتعصب لا يتزحزح عنه، فهذا ليس فيه فائدة.

    ولكن على من هم على الكتاب والسنة، أن يستعينوا بالله عز وجل على هذه الطوائف وسيتبين الحق من الباطل، فقد قال الله عز وجل: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [الأنبياء:18].

    أما بالنسبة لإعطاء البيعة لرجل فهذا لا يجوز؛ لأن البيعة للولي العام على البلد، وإذا أردنا أن نقول: إن كل إنسان له بيعة تفرقت الأمة، وأصبح البلد الذي فيه مائة حي من الأحياء له مائة إمام ومائة ولاية وهذا هو التفرق، فما دام في البلد حكم شرعي فإنه لا يجوز إعطاء البيعة لأي أحد من الناس.

    أما إذا كان الحاكم لا يحكم بما أنزل الله، فإن هذا له أحوال قد يكون هذا كفراً، وقد يكون ظلماً، وقد يكون فسقاً بحسب ما تقتضيه النصوص الشرعية، وعلينا إذا كان هذا الحاكم مصراً على كفر بواح عندنا فيه من الله برهان أن نسعى لإزالته ما استطعنا، لكن ليس علينا أن نقوم في وجهه، وليس معناه الخروج بالقوة؛ لأن هذا تهور مخالف للشرع وللحكمة، ولهذا لم يُؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بالجهاد في مكة ؛ لأنه ليس معه قوة يستطيع بها أن يخرج هؤلاء من مكة أو يقتلهم، فكون هؤلاء النفر القليل الذين هم عزّل من السلاح المقابل لسلاح الحكومة يقومون على الحكومة لا شك أن هذا تهور مخالف للحكمة.

    إذا رأيت كفراً بواحاً عندك فيه من الله برهان فانتظر الشرط الخامس وهو القدرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأذن بالخروج على الأئمة إلا بشروط وهي:

    أن نرى كفراً بواحاً عندنا فيه من الله برهان، فشرط الوجوب أن يكون لدينا القدرة على إزالة هذا الحاكم وحكومته، أما بلا قدرة فالإنسان يجب عليه أن ينتظر الفرج من الله عز وجل وألا يناهض من يقضي عليه وعلى طائفته وعلى الآخرين.

    وقوله: (أن تروا) أي: أنتم بأنفسكم فلا يكفي النقل؛ لأنه قد ينقل الشيء على غير وجهه، وقوله: (كفراً) يعني: لا فسقاً، فالحاكم لا يجوز الخروج عليه لو فسق بأكبر الفسوق ما عدا الكفر، يعني: لو كان يزني أو يشرب الخمر أو يقتل بغير حق لا استحلالاً ولكن ظلماً، فإنه لا يجوز أن نخرج عليه، وقوله: (بواحاً) أي: صريحاً لا يحتمل التأويل، أما الكفر الذي يحتمل التأويل فقد يكون هذا الحاكم فيه متأولاً.

    وقوله: (فيه من الله برهان) يعني: عندنا دليل من الكتاب والسنة دون الأقيسة التي قد تخطئ وتصيب.

    هذه أربعة شروط، والشرط الخامس لوجوب الخروج عليه: القدرة، وهذا الشرط -أعني القدرة- شرط في كل واجب؛ لقول الله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] ولقوله: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].

    فهؤلاء الإخوة الذين يريدون أن يكوِّنوا طوائف لكل طائفة أمير بناءً على أن الحاكم عندهم ليس حاكماً شرعياً في نظرهم، نقول لهم: لا يجوز لكم تفتيت الأمة بأن يكون لكل طائفة أمير، هذا خطأ عظيم، وقد أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنه ليس من هؤلاء في شيء، لكن عليهم أن يعدوا أنفسهم لإزالة هذا الحاكم الذي انطبقت عليه شروط جواز الخروج على الحاكم حتى يقويهم ويعينهم على إزالته.

    حكم من جاوز الميقات وأحرم من مقر إقامة أهله

    السؤال: فضيلة الشيخ: رجل سافر من القصيم إلى جدة لزيارة أهله وهو من أهل جدة وقد نوى الاعتمار في هذا السفر، فهل يجوز له أن يؤخر إحرامه حتى يصل إلى أهله؟

    الشيخ: الرجل الذي أهله في جدة أنشأ السفر لأجل زيارة أهله سواء اعتمر أم لم يعتمر لكن يقول: سأعتمر إذا بقيت أسبوعاً أو شهراً أو ما أشبه ذلك، فهذا لا يجب عليه أن يحرم من الميقات، كما أن الرجل من أهل مكة لو أنه سافر من القصيم إلى مكة ذهب إلى أهله وهو يريد أن يحج هذا العام، فإننا لا نلزمه أن يحرم إذا مر بالميقات؛ لأن هذا الرجل ذاهب إلى أهله، وكذلك المسألة الأولى الذي ذهب إلى أهله في جدة.

    أما الذي من أهل الرياض فهو في جدة مسافر غير مستوطن، فإذا ذهب إلى جدة لغرض شغل أو زيارة أو تجارة أو وظيفة وهو يريد أن يعتمر في هذا السفر، فهذا السفر كان للأمرين، فإننا نقول: لا تتجاوز الميقات حتى تحرم؛ لأنك مسافر حتى وأنت في جدة.

    السائل: وإذا كان متزوجاً ويسكن مع زوجته وأولاده في الرياض وأمه وأبوه في جدة فما الحكم؟

    الشيخ: هذا إذا جاء إلى جدة فهو مسافر، فهنا إذا أراد أن يذهب إلى أهله للزيارة وهو يريد أن يعتمر نقول: لا بد أن تحرم من الميقات؛ لأن وطنه الرياض.

    أما جدة فهي وطن أبيه وأمه، ولهذا لو كان في رمضان فله أن يفطر إذا سافر إلى مقر أبيه وأمه وهو ساكن في بلد آخر، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.