إسلام ويب

شرح آيات سورة المائدةللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الشيخ حفظه الله باستعراض كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله في مسألة: الحكم بغير ما أنزل الله، وبين في شرحه سبب نزول الآيات في سورة المائدة، وذكر أربعة أقوال للعلماء، ثم بين القول الراجح في معنى هذه الآيات. ثم شرح كلام العلامة محمود شاكر في مسألة الحكم بغير ما أنزل الله في عصره، موضحاً ذلك ببعض الأمثلة على ذلك. ثم تناول تفسير آيات سورة المائدة المتعلقة بالحكم بغير ما أنزل الله، وبيّن تفسير ابن كثير للآيات، وذكر القراءات الواردة في قوله تعالى: (( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا...)[المائدة:45]، موضحاً أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا قُرر في ديننا، ورد على قول أبي حنيفة بقتل المسلم بالكافر، كما تناول خلال هذه المادة تحريف اليهود والنصارى لكتبهم حتى توافق أهواءهم، وكذلك القوانين الوضعية التي وضعها البشر منذ القدم، والتي كانت لا تخدم إلا طبقة الحكام، وأورد مثالاً على ذلك القوانين التي وضعها جنكيز خان، مبيناً انحرافها، ومقارناً هذه القوانين بالقوانين الوضعية المعاصرة.

    1.   

    فضائل سورة المائدة وذكر بعض أحكامها

    نبدأ في هذا الدرس -إن شاء الله- في كتاب قيم عظيم في بابه، وهو كتاب عمدة التفسير، وهو اختصار لـتفسير ابن كثير، اختصره وحققه وعلق عليه الشيخ أحمد محمد شاكر، وسوف يكون موضوعنا في تفسير آيات من سورة المائدة.

    وأول شئ نقدم له بين يدي هذه الآيات هو الكلام عن سورة المائدة وعن فضلها.

    وقد ذكر ابن كثير رحمه الله: أن الإمام أحمد روى عن أسماء بنت يزيد قالت: ( إني لآخذة بزمام العضباء ناقة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ نزلت عليه المائدة كلها، وكادت من ثقلها تدق عضد الناقة).

    وروى -أيضاً- الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو قال: (أنزلت على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سورة المائدة وهو راكب على راحلته، فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها).

    يقول الشيخ أحمد شاكر: إن حديث أسماء بنت يزيد إسناده صحيح، وقال في الحديث الثاني: وإسناده صحيح.

    سورة المائدة آخر سورة نزلت كاملة

    قال: ''وروى الترمذي عن عبد الله بن عمرو قال: [[آخر سورة أُنزلت: سورة المائدة والفتح]]، وقد روى الحاكم نحو رواية الترمذي''.

    ثم ذكر أن الإمام أحمد والترمذي وغيرهما رووا عن عبد الله بن عمرو وعن عائشة رضي الله تعالى عنهما أن آخر ما نزل من القرآن هي سورة المائدة، ولا يهمنا الدخول في تفاصيل ما هو آخر ما نزل من القرآن، بل الذي يهمنا أنها لكونها آخر ما نزل، أن آياتها محكمة غير منسوخة، فهذا هو المقصود.

    فيمكن أن نقول: إن المائدة آخر ما نزل من السور كاملة كما جاء النص، وأن بعض الآيات نزلت بعدها، وأما البقرة التي فيها آية: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة:281] فإنه قد ثبت أن سورة البقرة أول ما نزل في المدينة، فيكون أول ما نزل في المدينة هو أول سورة البقرة، وآخر ما نزل من القرآن مطلقاً هو هذه الآيات من أواخر سورة البقرة.

    ولكن آخر ما نزل بشكل سورة كاملة هو سورة المائدة، وقرينة ذلك ذكر الفتح، ونحن نجزم أن سورة الفتح نزلت في صلح الحديبية، فقطعاً نقول: إنه قد نزل بعدها آيات وبلا شك، لكن المقصود في السور التي نزلت كاملة.

    وأما ما ورد عن ابن عباس أن سورة النصر آخر ما نزل، فالمقصود من كلام عائشة أنها في الأحكام، وأيضاً المقصود السور الطوال.

    فإن جبير بن نفير قال: [[حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبير! تقرأ المائدة؟

    فقلت: نعم، فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه]].

    إذاً: هي سورة محكمة، لم ينسخها بعدها سورة، وهذه السورة من مزاياها ومما يدل على ما ورد فيها من تشريع: افتتاحها بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] فهذه قاعدة عظيمة جداً، وما أجهل الناس بالقرآن! ولا نعني الناس الذين لا يقرءون القرآن، ولا الذين لا يقيمون حروفه ولا حدوده، وإنما نعني نحن الذين نقرؤه ليلاً ونهاراً في رمضان وفي غير رمضان، ومع ذلك نجهله لأسباب يطول شرحها.

    منها: -وهو الذي يهمنا نحن طلبة العلم كثيراً- جهلنا بلغة العرب، وجهلنا بأساليب البيان، فحتى لو حاولنا أن نتدبر أو نتذوق القرآن، فإننا لا نجد له ذلك المذاق الذي يجده من يعرف أساليب العرب، ويعرف بيانهم وبلاغتهم.

    فهذه الآيات من أول سورة المائدة وغيرها كلها عجيبة جداً لمن تأملها، والقرآن كله يأتي بالأحكام -كما في سورة البقرة والنساء والطلاق- التي تتعلق بالأسرة والمعاملات والعقود وبأمور كثيرة، ومع ذلك تجد أن هذه الأحكام تُعرض في أسلوب بياني سلس سهل، يستمع القلب إليه فينسل إلى داخل أعماق الفؤاد، وكأن الكلام في الرقاق والمواعظ والقصص وليس في الأحكام.

    فمن عادة الأحكام أن يكون فيها الجفاف الذي يخاطب العقل أو الفهم المجرد ولكن لا يباشر شغاف القلوب إلا هذا القرآن العظيم، وهذا الذكر الحكيم.

    سورة المائدة أكثر ذكراً لآيات الأحكام

    ولو تتبعنا عناوين الأحكام فقط في هذه السورة لوجدناها كثيرة، منها: الصيد، ونكاح الكتابيات، وطعامهم، واتخاذ الكفار أولياء، وحد السرقة، وحد الحرابة، والقصاص، والعقود، والعهود -قال ابن عباس ومجاهد: [[العقود: بمعنى العهود]] فكل عهد يجب الوفاء به، ويدخل في ذلك عهد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فكل مؤمن هو معاهد لله عز وجل بالإيمان والتصديق للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، واتباع أمره، وكذلك بقية العقود- وأيضاً من الأحكام: البيوع، والشركة، والإجارة، والنكاح، والبيعة، والوكالة، وهذه من أنواع العقود، وهي داخلة في قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] ويدخل تحتها كل أنواع العقود مع الله -وهي أعظم ما يجب الوفاء به- ومع الخلق.

    وأيضاً من الأحكام: كفارة اليمين، وحكم الخمر، وحد الخمر، والطهارة، والتيمم، وغيرها من الأحكام العظيمة التي وردت في هذه السورة العظيمة.

    قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ [المائدة:1] وهذه أيضاً قاعدة عظيمة جداً في التحليل والتحريم.

    إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ [المائدة:1] وهذه الآية عجيبة من الناحية اللغوية، ففيها استثناء في غاية الجمال والأسلوب، بحيث أن الاستثناء لا يمكن أن يأتي به لسان أو يقوله شاعر أو أديب إلا ويخطئ، ويكون في أسلوبه ركاكة، ولا نعلم أن أحداً من العرب جاء باستثناء من استثناء إلا وكان الأسلوب ركيكاً، وكذلك كان الأسلوب في قوله: إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ فيه استثناء آخر، فنستثني ما حرم فيبقى ما أحل، وما أحل نستثني منه حالة الصيد، وهذا كما ذكر في أول السورة: وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا [المائدة:2] وفي آخرها ذكر كفارة من فعل ذلك، فهذه سورة كلها أحكام، وفيها من مثل هذه العبر والدلالة.

    وقفة مع آية من سورة المائدة، وأخذ الأحكام منها

    والآن ننتقل إلى الآيات التي فيها موضوع حديثنا، وهو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا... [المائدة:41] فهنا أول ما يفتتح بقوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ أي: إن القضية قضية الكفر، والكفر إذا جاء في القرآن فهو دائماً المعهود المذكور، أي: الكفر الأكبر، والكفر في القرآن هو: ضد الإيمان كله، فهو الكفر الأكبر، فقوله: لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ لا يعني في المعصية، أو في المخالفة، أو في اتباع الهوى، بل يعني الكفر المعهود بعينه، والذي هو الخروج عن أمر الله والتكذيب بما أنزل الله، وعدم الاستسلام لحكم الله ولدينه. قال: مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ فهؤلاء كفار كفراً أكبر أيضاً، فهذا أمر.

    وقوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا وهذا أمر آخر، فهؤلاء الذين هادوا -وهم اليهود- كفار كفراً أكبر لا شك فيه، فقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [ بيَّن أنهم طائفتان: المنافقون واليهود، كما يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: ''نزلت هذه الآيات الكريمات في المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل: مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ أي: أظهروا الإيمان بألسنتهم، وقلوبهم خراب خاوية منه، وهؤلاء هم المنافقون: وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا أعداء الإسلام وأهله، وهؤلاء كلهم -المنافقون واليهود-: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ [المائدة:41]''.

    فـابن كثير يقول: ''المسارعين في الكفر، الخارجين عن طاعة الله ورسوله، المقدمين آراءهم وأهواءهم على شرائع الله عز وجل ''.

    ونلاحظ أن الحافظ يربط بين هذه المقدمة وبين الآيات التي بعدها، فلم يقل: الذين لا يؤمنون باليوم الآخر، ولم يقل: يكذبون بالقدر، لأن المقصود هنا هو مسألة الحكم والتحاكم، فمهَّد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وقدَّم للحديث عن التحاكم والحكم بغير ما أنزل الله، فناسب أن الحافظ ابن كثير رحمه الله يُراعي ذلك، ويظهر هذه المناسبة، ويبين أن هؤلاء المسارعين هم الذين هذه صفتهم: يُسارعون في الكفر، كما قال الله في سورة التوبة: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ [التوبة:37] فقد يكون الإنسان كافراً بالله، وكافراً بآياته، وهذا كفر، وقد يكون هناك مسارعة في الكفر، أو زيادة في الكفر، وهو أن يُبدل أحكام الله، أو يعترض على أحكام الله، فيطعن في رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو ينكر سنته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أو يستهزئ بآيات الله، فهذه مسارعة في الكفر، مع أنه في الأصل: اليهود كفار، والمنافقون الذين يظهرون الإيمان وقلوبهم خاوية منه كفار أيضاً في الحقيقة، ومع ذلك فإنهم يُسارعون في الكفر، ومستمرون فيه، والآيات بعضها يوضح بعضاً ويشهد لبعض.

    قال: ''وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ [المائدة:41] أي: مستجيبون له، منفعلون عنه''.

    فهذه صفتهم أنهم سمَّاعون للكذب.

    إذاً: يُحذِّر الله تعالى المؤمنين أن يكونوا سماعين للكذب، وهذا ما فعله السلف الصالح وطبقوه، فهذا أيوب [[أتى إليه مبتدع يريد أن يكلمه، يقول: كلمة، يقول: ولا نصف كلمة]].

    فالمؤمن لا يستمع إلى الكذب ولا القذف ولا الكلام الذي لا خير فيه؛ لأنه لا يأمن أن يصدقه أو يقع في قلبه شيء منه، والمؤمن دائماً يُعرض عن الكذب واللغو: وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص:55] ويعرض عن الباطل، كل هذا حتى يبقى القلب نقياً سليماً، أما المنافقون واليهود، وضعاف الإيمان، ومن كان في قلبه نفاق فهذا حالهم: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ، وكما قال: وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ .

    ثم يقول: ''سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ أي: يستجيبون لأقوام آخرين، لا يأتون مجلسك يا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام ويُنهونه إلى قوم آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك''.

    أي: إنهم إما يسمعون ممن لم يحضر عندك، أو هم ينقلونه إلى من لم يحضر عندك، والمقصود أن بضاعتهم الكذب، فيروجون الكذب والأضاليل والإفك والتهم في المؤمنين دائماً، فهذا كلامهم: محمد فعل كذا، محمد يقول كذا، محمد يريد أن يفعل كذا، وهو لا أساس له من الصحة، وأبو بكر فعل كذا، وعمر فعل كذا، وهذا حالهم، ويجدون من يستمع إليهم، ولا أعظم إفكاً وفريةً من حادث الإفك على أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، ومع ذلك انتشرت وسرت وتناقلها الناس، ولو أن الناس إذا سمعوا باطلاً أوقفوه، ولم ينشروه، ولم يسمعوا له، لكان المؤمنون في راحة، ولكانت قلوبهم في أمن وسلامة، ولكان صفهم موحداً من هذه الشكوك التي تبذر فيما بينهم.

    يقول: ''يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ [المائدة:41] أي: يتأولونه على غير تأويله، ويُبدلونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون''.

    فهنا بيَّن الله سبحانه حال هؤلاء السمَّاعين، ومن يستمع إليهم أيضاً.

    وهو أن عملهم هو نوع من الافتراء المحض، وهذا أمر آخر موجود، وقد ذكره الله تعالى في آية أخرى، فهم يقولون على الله تعالى وعلى رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لم يقل، أو على المؤمنين ما لم يقولوا، وهذا معروف قديماً وحديثاً.

    وهناك نوع آخر وهو خبيث وسيئ جداً وربما كان تصديقه أكثر عند ضعاف الإيمان وهو: ألاَّ يفتري على المؤمنين فرية، لكنه يُحرف الكلم عن مواضعه، فالقول حق، لكنهم ينقلونه إلى الناس على أنه باطل، فإذا أمر بالمعروف، أوّله هؤلاء السماعون، فقالوا: هؤلاء قد أمروا بمنكر.

    وإذا دُعي إلى سنة، قال هؤلاء السماعون وأتباعهم: إنهم يدعون إلى البدعة... وهكذا، فهذا حالهم: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ .

    ثم يقول تعالى: يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا [المائدة:41] أي: إن اليهود من كفرهم يقولون لبعضهم: اذهبوا إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإن قال ما هو في صالحكم فخذوه، وإن قال بغير ذلك فلا تأخذوه، وهذا حال المنافقين -أيضاً- ومن تبعهم من ضعاف الإيمان.

    أما المؤمن فإنه إذا بلغه عن الله وعن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شيء فإن حاله أن ينقاد له، ويقول: سمعنا وأطعنا، فكل ما جاء عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسمع له ويطيع، وإن خالف ما هو فيه.

    أما حال من رسخ في البدع والضلالات واستمر عليها طوال الدهر -إذا عُرض عليه قول الله وقول رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: إنا وجدنا آباءنا.. فلا فرق إذاً بين هؤلاء وبين هؤلاء، نسأل الله العفو والعافية.

    1.   

    الأقوال في سبب نزول هذه الآيات

    ثم يأتي ابن كثير رحمه الله بالآيات فيقول: ''قيل: نزلت في أقوام من اليهود قتلوا قتيلاً، وقالوا: تعالوا نتحاكم إلى محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإن حكم بالدية فاقبلوه، وإن حكم بالقصاص فلا تسمعوا منه''.

    وهذه هي التي سيوردها رحمه الله تعالى فيما بعد، ويقول: سبب آخر في نزول هذه الآية، فهذا السبب قد ورد، ومع ذلك قال الحافظ رحمه الله: ''والصحيح: أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وكانوا قد بدلوا كتاب الله''.

    وهذه العبارة مهمة جداً، ويجب أن نتأمل معناها؛ لأنها هي مناط الحكم في هذه المسألة، فالحكم مبني على هذا المصطلح نفسه، وعلى هذه العبارة، وهذا الفهم.

    قال: ''وكانوا قد بدِّلوا كتاب الله الذي بأيديهم''.

    فمناط الحكم هو التبديل: تبديل دين الله، وتبديل كتابه، وتبديل شرعه.

    قال: ''الذي بأيديهم من الأمر برجم من أحصن منهم فحرفوه''.

    فهذا أمر هام متعلق بمناط الحكم، وهو التبديل.

    ثم قال: ''واصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة والتحميم والإركاب على حمارين مقلوبين''.

    فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد أنزل في التوراة الرجم، وقد قال تعالى: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ [المائدة:43] فلما كثر الزنا فيهم وشاع وانتشر بينهم، اصطلحوا فيما بينهم أنهم لا يقيمونه إلا على الضعيف، ويتركون إقامته على الشريف.

    ولم يقف الانحدار عند هذا الحد، كما قال تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:78-79] فلم يقم فيهم من يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويردهم إلى الأصل، بل جاء فيهم من يقول: إن هذا لا يجوز، كيف نرجم الضعيف ونترك الشريف؟!

    فاتفقوا على حل آخر، ورجعوا إليه باسم الإصلاح، فقالوا: ليس من العدل أن نقيمه على الضعفاء فقط، ولكن العدل أننا نترك حتى الضعفاء، ولا نقيم عليهم حد الرجم، حتى نعدل بينهم وبين الأشراف، فقال بعضهم: هل نحلل الزنا؟!

    قالوا: لا، حتى لا نخالف كتاب الله!

    وهذا هو فقه اليهود والمنافقين، والذين في قلوبهم مرض، وهو فقه أعوج، فقالوا: علينا أن نعدله بأن نتفق على شيء وسط، يناسب العصر والناس والمجتمع من جهة.

    ومن جهة ثانية أن فيه موافقة لحكم الله، لأننا لو أمسكنا الدين بقوة لأصبحنا متطرفين وأصوليين، وإن تركناه بالكلية فإنه لا يصلح، فقالوا: نبتغي بين ذلك سبيلاً، ونقول: إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً، فهذا مثل ما قاله المنافقون، وكل من انحرف عن كتاب الله وعن سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    قالوا: إذاً الحل نحممهم -والتحميم: التسويد بالفحم- ونحملهم على حمارين، ونطوف بهما في الأسواق، ونقلبهم، فنجعل ظهر كل واحد إلى الثاني، فنشهر بهما.

    قال: ''فلما وقعت تلك الكائنة بعد الهجرة، قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك''.

    فهم يتحايلون على الله، مع أنهم لم يؤمنوا بهذا النبي، ولم يتبعوه في كل ما يقول.

    قال: ''وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذاك''.

    أي قولوا: لدينا أحكام نحتكم إليها، ولا نريدك ولا نريد حكمك، فهكذا كانوا يقولون!!

    ثم قال: ''وقد وردت الأحاديث بذلك، فروى مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنه قال: (إن اليهود جاءوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فذكروا له أن رجلاً منهم وامرأة زنيا -بعدما قالوا ذلك الكلام- فقال لهم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟

    فرسول الله صلى الله عليه وسلم يسألهم: ماذا ورد في التوراة عندكم في شأنهم؟

    فقالوا: نفضحهم ويجلدون).

    فأولاً: مخالفة حكم الله، ثم الكذب على الله، ودائماً كل من اتبع هواه وخالف أمر الله، واتبع شهوته، وآثر الدنيا على الآخرة، فلا بد أن يُؤدي به ذلك إلى أن يقول على الله بغير علم، حتى لو كان يعرف الآيات مثل ما يحفظ الناس سورة الفاتحة، فيحفظ الآيات ويعرف الحكم لكنه متبع لهواه، مؤثر لدنياه، فلا بد أن يقول على الله بغير علم.

    وهذه من عقوبات الذنوب -نعوذ بالله- حيث أنه يبدأ بذنب، فيبدأ بأكل الربا وهو خائف من الذنب، وبعد فترة يقول: من قال لكم إنه حرام، والله قد أحله؟

    فيكذب على الله ويفتري عليه، ويقول على الله بغير علم، وهكذا دائماً، نعوذ بالله.

    فالآن انتقلت اليهود من حالة مخالفة حكم الله إلى حالة القول على الله بغير علم.

    قالوا: الذي عندنا في التوراة أنهم يجلدون ويفضحون، فأكذبهم الله عز وجل: (قال عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه).

    وهذا هو الشاهد من بني إسرائيل، الذي شهد عليهم، والذي فضحهم وبين كذبهم، وهو عالم بني إسرائيل، وعلماؤهم الذين عرفوا الحق كثير لكنه رئيسهم ومقدمهم رضي الله تعالى عنه.

    قال: (كذبتم، إن فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفعها فإذا آية الرجم).

    وهذا فيه دلالة على أن المطلع على أحوال أعداء الله أعرف ممن لم يطلع عليهم، فقالوا: (صدق يا محمد! فيها آية الرجم) أخرجاه، وهذا لفظ البخاري، وفي لفظ له: (قال لليهود: ما تصنعون بهما؟ قالوا: نسخم وجوههما ونخزيهما، قال: فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آل عمران:93] فجاءوا، فقالوا لرجل ممن يرضون أعور: -وهو ابن صوريا- اقرأ، فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه، فقال: ارفع يدك، فرفع فإذا آية الرجم تلوح، قال: يا محمد، إن فيها آية الرجم، ولكنا نتكاتمه بيننا).

    فالسبب والمناط الآخر لخروجهم من الدين، هو قوله: ( ولكنا نتكاتمه بيننا ).

    ولذلك قال الله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ [آل عمران:187] إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [البقرة:159] إلى آخر ما جاء من وعيد من كتم وسكت عن الحق.

    قال: (فأمر بهما فرجما).

    وهذه رواية أخرى من روايات مسلم وهي صحيحة.

    سبب تغيير اليهود لحد الزنا

    قال: ''وفي إحدى الروايات أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن؟ قالوا: يحمم ويجبه ويجلد)''.

    نعوذ بالله!! مع أنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنشدهم بالله الذي أنزل التوراة على موسى!

    قال: (وسكت شاب منهم، فلما رآه رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سكت، ألظ به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النشدة -شدد به لأنه سكت- فقال: اللهم إذ نشدتنا فإنا نجد في التوراة الرجم، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فما أول ما ارتخصتم أمر الله).

    أي: كيف بدأ عندكم هذا، حيث تترخصون أمر الله وتتركوه وتعرضوا عنه، قال: (زنى ذو قرابة من ملك من ملوكنا، فأخر عنه الرجم، ثم زنى رجل في إثره من الناس -من العامة- فأراد رجمه -فأراد الملك من بني إسرائيل أن يرجمه- فحال قومه دونه وقالوا: لا نرجم صاحبنا، حتى تجيء بصاحبك فترجمه).

    فصارت مشكلة، إما أن يرجم قريب الملك ويرجم معه العامي من الناس، وإما ألاَّ يرجم هذا ولا هذا.

    فقال: (فاصطلحوا هذه العقوبة بينهم).

    فقالوا: أحسن شيء ألا نرجم هذا ولا هذا، وهذه الرواية يهمنا منها موضوع التاريخ، كيف ارتخصوا، وكيف اصطلحوا.

    وفي رواية أخرى ذكرها من رواية الإمام أحمد عن البراء بن عازب وهي في الصحيحين، قال: فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم، فقال: لا والله، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمة على الشريف والوضيع فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه -وهذا من مناقبه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: فأمر به فرجم، قال: فأنزل الله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة:41] إلى آخر الآيات).

    إذاً هم بدلوا كتاب الله، واصطلحوا فيما بينهم، وتكاتموه فيما بينهم، واصطلحوا على هذه العقوبة، واجتمعوا على التحميم، وهذا هو مناط التكفير، وهو الاصطلاح والاجتماع والاتفاق على حكم غير حكم الله ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أما من فعله خطأً وجهلاً ولا يعترف به، ويقول: أنا لم أحكم إلا بما حكم الله! ولا يجوز أن نحكم إلا بما أنزل الله! وأنا أستغفر الله! فهذا لم يدخل في هذا، وهذا لم يصطلح ولم يتكاتم مع غيره.

    إذاً: نريد من هذه العبارات الدقيقة المهمة أن نفهم حتى نعرف مناط الحكم، ولماذا كان الحاكم بغير ما أنزل الله، المتبع لشرع غير شرع الله، والمتبع لقوانين وضعية عاملاً بها يكون كافراً خارجاً من الملة.

    القول الأول في سبب النزول

    ونرجع إلى استعراض كلام الحافظ ابن كثير رحمه الله يقول : ''وروى الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: { مُرَّ على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بيهودي محمماً مجلوداً فدعاهم، فقال: أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ } ''.

    ونجد هنا أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حسب هذه الرواية: {مُرَّ عليه بيهودي محمماً} أقيم عليه هذا الحد من قبل أحبار اليهود وعلمائهم، وليس فيها أنهم جاءوا إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والروايات دائماً تختلف، ولهذا ننبه أن عمل الفقيه غير عمل المُحدِّث، فالمحدث يجمع الروايات ثم يبين الصحيح من الضعيف، ثم يتفقه، وقد يكون فقيهاً ولكن عمل الفقيه وإن كان المُحدِّث هو نفسه أو غيره، بعد ذلك يُقارن ويُوازن بين الروايات، فقد يأخذ بألفاظ في رواية ويترك ألفاظاً، وربما يرد بعض الروايات وإن كانت ثابتة وصحيحة، فيرجح بعض هذه الروايات على بعض، وهذا علم عظيم دقيق جليل يتعلق بتعارض الأدلة، وليس كل أحد يتقن ذلك.

    فالذين يتخبطون في مسائل من الدين يريدون أن ينكروا سنة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بناءً على أنها تُخالف ظاهر القرآن الكريم.

    والمهم هنا أنه من خلال ما سبق من الروايات نعلم أن الأرجح والأظهر والمطابق لنص القرآن الكريم هو أنهم جاءوا إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما في الروايات الأخرى غير حديث البراء رضي الله عنه.

    ثم قال في الحديث: {فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال: لا والله، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد، فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئاً نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللهم إني أوّل من أحيا أمرك إذا أماتوه، فقال: فأمر به فرجم، قال: فأنزل الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر ... إلى قوله: يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ [المائدة:41] أي: يقولون ائتوا محمداً فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] قال في اليهود، إلى قوله: ((وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] قال في اليهود، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] قال: في الكفار كلها} انفرد بإخراجه مسلم دون البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة.

    فهو يقرر أن الآيات في الكفار كلها، فجعل الآية الأولى في اليهود، والثانية في اليهود، والثالثة أيضاً، فقال: في الكفار كلها وهذا تفسير البراء بن عازب رضي الله عنه.

    والكفر هنا المراد به الكفر الأكبر، فالحكم بغير ما أنزل الله كفر أكبر.

    وقد يقول قائل: هذا في اليهود، فإنهم إذا حكموا بغير ما أنزل الله من التوراة كفروا، وكذلك النصارى لأن في آخرها: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] فمن لم يحكم بالتوراة أو بالإنجيل من أهل الكتاب يكون كافراً، وهذا الذي يدل عليه الحديث. وهذا الحكم لا يلزم منه أنه يتناول المسلم الحاكم بغير ما أنزل الله.

    ونجيب على هؤلاء بقول حذيفة: [[نعم أبناء عم لكم اليهود -كان الأمر كذلك- فما كان من حلوة فهي لكم وما كان من مرة فهي لهم]].

    فلا نجعل القرآن عضين، فنقول: إن من حكم بغير ما أنزل الله تعالى في التوراة فهو كافر؛ لأنه من اليهود، وأما إن كان حكم بغير ما أنزل الله في القرآن فهو مسلم لأنه من المسلمين، فهذا لا يجوز؛ لأنه إذا كان المغير الذي بدَّل التوراة أو اصطلح على غير ما فيها أو تكاتم على ما فيها وغيَّره يكون بهذا العمل كافراً بالتوراة، فمن فعل ذلك من أهل القرآن فإنه كافر بالقرآن بل هو أشد؛ لأن القرآن ناسخ ومهيمن على ما قبله، فمن كفر بالقرآن فهو أشد كفراً ممن كفر بالتوراة مع أنها موقوتة مخصوصة بزمن معين وبأقوام معينين.

    أما القرآن الكريم فهو كلام الله الذي أنزله للعالمين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالصحابي فسَّر الآية وجعلها كلها نوعاً واحداً، ولم يقل: إن الكافرين نوع، والظالمين نوع، والفاسقين نوع، ومن فعل كذا فهو كافر، ومن فعل كذا فهو ظالم، ومن فعل كذا فهو فاسق، بل الوصف واحد.

    وهذا صحيح من جهة اللغة، فإنه إذا اتحد المسند إليه فإن المسند يجب أن يكون واحداً، فقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة:45] واحد في كل الآيات الثلاث فقوله فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47].

    فالصحيح لغة أن هذه الأوصاف الثلاثة تكون أوصافاً متعددة لموصوف واحد؛ لأنه لم يتغير المسند إليه.

    فالمبتدأ واحد، والأخبار تعددت عنه، وهذا كقولك: فلان شاعر وفلان كاتب، وفلان خطيب، والمقصود هنا أنه ورد التصريح أنها في الكفار والنوع هنا واحد.

    سبب حكم النبي صلى الله عليه وسلم بموافقة التوراة

    ثم يقول: ''وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده: حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا مجالد بن سعيد الهمداني عن الشعبي عن جابر بن عبد الله، قال: { زنى رجل من أهل فدك، فكتب أهل فدك إلى ناس من اليهود بـالمدينة أن سلوا محمداً عن ذلك، فإن أمركم بالجلد فخذوه عنه، وإن أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه، فسألوه عن ذلك، فقال: أرسلوا إليّ أعلم رجلين فيكم، فجاءوا برجل أعور يقال له: ابن صوريا وآخر، فقال لهما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنتما أعلم من قِبَلكما، فقالا: قد لحانا قومنا كذلك -أي: قومنا يعدوننا أفضل من فيهم- فقال لهما النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أليس عندكما التوراة فيها حكم الله؟

    قالا: بلى، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنشدكم بالذي فلق البحر لبني إسرائيل، وظلل عليكم الغمام، وأنجاكم من آل فرعون، وأنزل المنَّ والسلوى على بني إسرائيل، ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ }.

    وانظر ما أعظم هذه المناشدة، فلو أن هناك قلوباً وفيها حياة، لكنها قلوب ميتة مغلفة: { فقال أحدهما للآخر: ما نشدت بمثله قط، ثم قالا: نجد ترداد النظر زنية، والاعتناق زنية، والقُبل زنية، فإذا شهد أربعة أنهم رأوه يُبدئ ويُعيد كما يُدخل الميل في المكحلة فقد وجب الرجم، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هو ذاك، فأمر به فرجم، فنزلت: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [المائدة:42] }.

    وهذا الحديث على أن في سنده كلام، لكن الحافظ ابن كثير رحمه الله ذكر هذه الأحاديث ليصل إلى نتيجة معينة، وهي أن هذه أحاديث دالة على أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكم بموافقة حكم التوراة، على اختلاف في ثبوت بعضها وضعفٍ في بعض رواياتها.

    يقول: ''فهذه أحاديث دالة متفقة على أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكم بموافقة حكم التوراة، وليس هذا من باب الإلزام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون بإتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله عز وجل إليه بذلك''.

    فقد أمر الله عبده صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا الأمر لِحكَم، ومنها: أن يفضحهم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ويبين لهم ما صنعوه بكتابهم وما بدلوا وحرفوا فيه، فإنهم كما ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عنهم: تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً [الأنعام:91] فهم يكتمون الحق، فيظهرون بعضه، ويخفون بعضه، ويؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض.

    يقول: ''وسؤاله إياهم عن ذلك ليقرّرهم على ما بأيديهم''.

    وفي هذا -أيضاً- دلالة على صدق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وآية بينة عظيمة على أنه رسول من عند الله، وأن الذي أوحى إلى موسى هو الذي أوحى إليه صلوات الله وسلامه عليهم؛، لأنه طلب منهم ذلك، وأراهم حكم الله، وأنه -أيضاً- جاء به، فهذا دليل على أنه نبي صادق يُوحى إليه من عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أيضاً.

    يقول: ''وليقررهم على ما بأيديهم، مما تواطئوا على كتمانه وجحده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة، فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه بأن زيغهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنما كان عن هوىً منهم وشهوة لموافقة آرائهم لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به''.

    فهم لم يأتوا إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سبيل الإذعان والانقياد والإيمان والتصديق وإنما جاءوا إليه هوىً وشهوة.

    قال: ''ولهذا قالوا: إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا [المائدة:41] أي: الجلد والتحميم: فَخُذُوهُ [المائدة:41] أي: اقبلوه: وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا [المائدة:41] أي: من قبوله واتباعه''.

    فالآية تدل على أن هؤلاء القوم ما كانوا يريدون حكم الله على الحقيقة، وليس غرضهم هو اتباع دين الله والعمل بما أنزل الله، وإنما قالوا: إن حكم بما يوافق الهوى عملنا به، وقلنا: هذا نبي من أنبياء الله وجعلناه حجة بيننا وبينكم، وإن حكم بخلاف ذلك فنحن قد كذَّبناه فيما هو أعظم فاحذروا لا تأخذوه، بل اعملوا بما اتفقتم عليه، وما كنتم تعملونه من قبل.

    فمفهوم لسان حالهم أو مقالهم ربما يقول: ليس ترككم لكلام محمد بأشد وأعظم من ترككم لكلام التوراة التي تنتسبون إليها، فمن كفر بالكتاب الذي بين يديه فلا غرابة أن يكفر بما وراء ذلك.

    يقول: {{ قال الله تعالى: وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [المائدة:41] }}.

    فهذه قلوب مفتونة غير مطهرة، وأعظم فتنة تكون في الإيمان، فتصدر منه مثل هذه الحالات من التكذيب، والالتواء، والاحتيال، والافتراء على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والجرأة على كتابه، وأخذ ما يوافق هواه، وترك ما يخالف هواه وشهوته، فهذه ألوان من آثار الفتنة: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ [المائدة:41] فلوا أراد الله ذلك لانقادوا وأذعنوا وآمنوا واتبعوا ما جاء به الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    من علامات الحكام بغير ما أنزل الله

    قال: ''سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ [المائدة:42] أي: الباطل: أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة:42]''.

    وهذه العلامة إذا وجدت في أي أمة أو فرد فاعلم أنه لا يمكن أن يحكم بما أنزل الله، ولابد أن يُخالف حكم الله، فمن يسمع الكذب ويأكل السحت لا يمكن أن يكون عادلاً أو نزيهاً أبداً، ولهذا حرمت الرشوة.

    ويجب على القاضي ألاَّ يحكم إلا بعد سماع المدعي ثم السماع من المدعى عليه، ثم يقارن، ثم يُرجح، حتى يحكم مجرداً عن أي ميل نفسي لمجرد القرابة أو الهوى أو الشهوة أو ما أشبه ذلك.

    أما إذا كان سمَّاعاً للكذب ولكل ما يلقى إليه، ثم فوق ذلك يأكل الرشوة فلا يُنتظر منه عدل.

    وهذا الداء الخبيث ليس خاصاً باليهود، بل هو في كل قاضٍ لا يلتزم بأمر الله.

    والرشوة أنواع كثيرة، ويحتالون لها بحيل عظيمة غير صورتها المعروفة البديهية، كالهدية من أجل الحكم، أو إعطائها قبل القضية والمشكلة، وغير ذلك مما يفعله كثير من الناس، وهي أعم من كونها تكون للقاضي فقط، فهي تدخل لمن يملك أن يحكم أو يقرر، أو له ولاية على شيء.

    قال: ''أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة:42] أي: الحرام وهو الرشوة كما قاله ابن مسعود وغير واحد، أي: ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه، وأنَّى يستجيب له، ثم قال لنبيه: فَإِنْ جَاءُوكَ [المائدة:42] أي: يتحاكمون إليك: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً [المائدة:42] أي: فلا عليك ألا تحكم بينهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق، بل ما يُوافق أهواءهم، قال: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ [المائدة:43].''

    يقول: ''ثم قال تعالى مُنكراً عليهم في آرائهم الفاسدة، ومقاصدهم الزائغة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبداً، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره، مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم''.

    أي: أنهم يعتقدون أن التوراة كتابهم، وأنهم مأمورون باتباعها، فيشير الحافظ ابن كثير رحمه الله إلى أنهم كفروا بالقرآن الكريم، وبرسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، معتقدين أن ما أنزل عليهم كافٍ، فهذه عقيدتهم ويرون ذلك لازماً لهم، ومع ذلك فإنهم عدلوا عنه إلى ما يعتقدون في نفس الأمر، وفي قرارة أنفسهم بطلانه وعدم لزومه، وهذا لا يفعله مؤمن.

    قال: ''فقال: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [المائدة:43] فلو كان مرادهم طلب حكم الله لاكتفوا بتحكيم كتابهم الذي يؤمنون به ويدينون به''

    ونأتي إلى شاهد آخر، وهو قوله تعالى: وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [المائدة:43] فأول ما افتتح الآيات بقوله: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة:41] فذكر الكفر المعرف بالألف واللام، ثم قال بعد ذلك: مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [المائدة:41] فلا شك أنهم كفار؛ لأنه نفى الإيمان عن قلوبهم، وهذا غاية ما يكون من الكفر، فهذه صيغة أخرى، ثم ذكر بعض صفاتهم: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ [المائدة:42] وأنهم يتحايلون على حكم الله، ثم قال: وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [المائدة:43] فاتضح أنهم كفار.

    قال: ''ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا [المائدة:44] أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يُبدلونها ولا يحرفونها: والربانيون والأحبار [المائدة:44] أي: وكذلك الربانيون وهم: العلماء والعباد، والأحبار وهم: العلماء''.

    وكأن الرباني له ميزة علم وعبادة كما قال تعالى: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران:79] فالرباني يجمع بين العلم وبين العبادة: وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ [آل عمران:146] وهم الذين جمعوا العلم والعمل، والأحبار هم العلماء، ويحكمون به وإن كان فيهم خلل أو نقص في العمل، ولو لم يعملوا لكنهم علماء كـابن صوريا وأمثاله علماء في التوراة ولو حكموا بما أنزل الله لكان ذلك موافقاً للحق وموافقاً لما طلب منهم، وإن كانوا في أنفسهم غير ملتزمين أو غير عابدين.

    تحريف التوراة والإنجيل

    قال: ''بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّه [المائدة:44] أي: بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به: وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [المائدة:44] أي: لا تخافوا منهم وخافوا مني: وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] فيه قولان سيأتي بيانهما''.

    وقوله: بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّه [المائدة:44] استنبط منها بعض العلماء: أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَكَل حفظ التوراة والإنجيل إليهم، أما القرآن فإنه قد وَكَل حفظه إليه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] فالقرآن محفوظ بحفظ الله، ولهذا لا يمكن أن يُبدل أو يُغير، أما التوراة والإنجيل وغيرهما فقد استحفظ عليها أهلها فضيعوها، ووقع فيها التحريف.

    ويشهد لهذا القصة التي رواها البيهقي وغيره: أن رجلاً كان زنديقاً لا يتدين بدين، فأراد أن يختبر أهل الملل، فذهب إلى بغداد حيث توجد الأديان والملل وكتب نسخاً من التوراة وألقاها إلى اليهود، قال: فما مضى زمن إلا ورأيتها بين يدي علمائهم يقرءون فيها حتى أصبح الواحد يقرؤها ويعطي أهله وأقاربه وقد غيَّر فيها وبدَّل كما يشاء، قال: ثم قلت: نغير القرآن! فكتب نسخاً من القرآن، فغيَّر فيها وبدل، قال: فلما ذهبت إلى الوراقين، فكلما نظروه ردوه، وقالوا: هذا فيه أخطاء، وهم لا يعلمون نيته الخبيثة فلا يبيعونه، قال: فلم يقبل مني أحد، فجاء وأعلن إسلامه، فلما سُئل عن سبب إسلامه ذكر القصة، وقال: علمت أن هذا الكتاب محفوظ، وأنه لا يمكن أن يُبدله أحد، ولو كان من عند غير الله لأمكن أن يبدل أو يغير كما يشاء الناس.

    وفي الوقت الحاضر أرادت إسرائيل أن تُغير في آخر طبعة من طبعات الإنجيل التي توزع في كل فندق وكنيسة وبيت، وفي كل مكان بأكثر من ألف نسخة، وقد طبع في إسرائيل الأناجيل الأربعة وغُيِّر فيها خمسمائة كلمة مما له علاقة باليهود، وأنهم تآمروا على المسيح، وأنهم أرادوا قتله إلى آخره، مما فيه تشنيع على اليهود فغيروه وطبعوه وانتشر، وجاءت المنظمات -التنصيرية التي تُسمي نفسها التبشيرية- وأخذت تجمع من هذه الكتب وتعيد الطبع وتوزع وتنشر في العالم دون أن يقرءوا أو يحققوا أو يدققوا.

    القول الثاني في سبب النزول

    يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: " سبب آخر في نزول هذه الآيات الكريمات.

    وقال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن العباس حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن عبد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: إن الله أنزل: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] وفأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] قال: قال ابن عباس: { أنزلها الله في الطائفتين من اليهود -أي: قبيلتين من اليهود- وكانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقاً، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق}''.

    فحصل الشطط، فالنفرين من الضعيفة يعادل نفراً من القوية، سبحان الله!

    وهذا الذي أنكره الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأنكرته الفطرة السليمة حتى فطرة اليهود في الجاهلية.

    ولو نظرنا إلى المعمول به الآن في العالم المعاصر، في ظل ما يُسمى بحقوق الإنسان لوجدنا العجب، فلو حصل حادث طائرة وتحطمت فإنهم ينظرون إلى وظائف الركاب، فإن كان دبلوماسياً فديته قد تصل إلى عشرة ملايين دولار أمريكي، وإن كان مهندساً -مثلاً- مائة ألف دولار، وإن كان فنياً خمسون ألف دولار، وإن كان عاملاً عشرة آلاف دولار وهكذا.

    فهذا ما يسمونه: العالم المتحضر، ويدعون فيه إلى المساواة في الإنسانية، فالذي كرَّم بني آدم حقاً وساوى بينهم هو كتاب الله ودين محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فالناس في ظله سواسية، وإن كان الكافر ديته غير دية المسلم، إلا أن الكفار كلهم ديتهم واحدة، والمسلمين كلهم ديتهم واحدة.

    قال: ''{ فكانوا على ذلك حتى قدم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلاً، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا إلينا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان في حيين دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض} ''.

    أي: ما دمنا نحن متساوين في كل شيء، فلماذا الدية تختلف؟!

    والذي جعل القبيلة الذليلة ترفع رأسها، وتطلب المساواة، هو قدوم محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونزول الدين الحق، وبعثة مُعلِّم الإنسانية الخير صلوات الله وسلامه عليه، الذي علَّمهم العدل حتى على نفسه، وعلى بني دينه وقومه، وأقرب الناس إليه صلوات الله وسلامه عليه، بل دعا الله إلى تثبيته، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ [النحل:90] فلأجل هذا قالوا: { إنما أعطيناكم هذا ضيماً منكم لنا، وفرقاً منكم -أي: خوفاً منكم- فأما إذا قدم محمد فلا نعطيكم }.

    أي: فقد أنقذنا الله، وجاءنا محرر الإنسانية، فلا يوجد ذليل وعزيز ومقهور ومتكبر.

    قال: ''{ فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بينهم، ثم ذكرت العزيزة }''.

    هذا في أول الأمر ما اتفقوا عليه، وقالوا: لو أنه أتانا بالوفاء بالعقود، فقالوا: نقول له هذا شيء اتفقنا عليه فلا بد أن يحكم لنا، ثم رجعوا إلى أنفسهم، فقالت: ''{ والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم}''.

    فلا يمكن أن يقر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا التفاوت لأنه نبي الرحمة ونبي العدل، يقول: { ولقد صدقوا ما أعطونا هذا إلا ضيماً منا وقهراً لهم}.

    أما في هذا الزمن فقسَّم اليهود أنفسهم إلى نصفين: صهاينة وغير صهاينة، ثم قُسِّم الصهاينة إلى نصفين: حمائم وصقور، وهل اليهود فيهم حمائم؟!

    لم نسمع ذلك في القرآن الكريم ولا في السنة ولا في التاريخ، وهناك أناس متطرفون وأناس معتدلون، فهذا لا يمكن ولو قدم بعض التنازلات، فهو لا يقولها لأنه حمامة أبداً، وإنما يقولها لأن هذا الثعلب يرى أن هذا أوثق لمصلحة إسرائيل، والآخرين الذين نسميهم الصقور هم نوع آخر من الثعالب يقولون: ليست مصلحة إسرائيل في هذا... وهكذا، فلا يمكن أن ندع ما في كتاب ربنا وسنة نبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتاريخنا كله، ونأخذ بما تقوله أبواقهم المأجورة في بعض الصحف التي تصدر بعد التطبيع.

    فهنا يقولون: كيف الحيلة؟

    قالوا: { فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه قبل أن تحكموه، فإن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم حذرتم فلم تحكموه، فدسوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أناساً من المنافقين ليخبروا لهم رأي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، -فقالوا لهم: أنتم تجالسون محمداً فاخبروا لنا رأيه- فلما جاءَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أخبر الله رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأمرهم كله، وما أرادوا -فأطلعه على ما عندهم- فأنزل الله تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ [المائدة:41] الآية إلى قوله تعالى: ((الْفَاسِقُونَ))[المائدة:47] قال: ففيهم والله أنزل، وإياهم عن الله عز وجل }.

    وهناك رواية أخرى، قال: { إنما أنزلت في الدية في بني النضير وبني قريظة، وذلك: أن قتلى بني النضير كان لهم شرف، تُؤدى الدية كاملة، وأن قريظة كانوا يُؤدى لهم نصف الدية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الحق، فجعل الدية في ذلك سواء } وذكر أيضاً رواية ابن جرير وغيره.

    فتكون الآيات هذه دالة على أن الحكم في: إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا [المائدة:41] ليس الرجم، وإنما هو الدية، ويمكن أن يكون السياق دالاً عليه.

    ثم ذكر روايةً عن ابن عباس، وأنه روي أيضاً عن ابن عباس نفسه رضي الله عنهما أنها نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، قال: ''كما تقدمت الأحاديث في ذلك''.

    الراجح في سبب نزول وأقوال العلماء في تنزيلها

    وجمع النصوص والعمل بها جميعاً أفضل، وإن كانت روايات قضية الزنا أصح، لكن يمكن أن يجتمع السببان.

    ومما يؤيد ذلك: سياق الآيات: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45]، فهذه فيها قرينة تؤكد أنه كان هناك من الحيف والجور في ترك حكم الله، وأنهم لم يلتزموا بحكم الله فيها من أن النفس بالنفس.

    قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ''ولهذا قال بعد ذلك: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45] إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أعلم، وقوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]''.

    والشاهد هنا: هل هو على أحد السببين أو على كليهما؟

    الصحيح أنها كما قال البراء بن عازب -كما تقدم-: (في الكفار كلها)، وقال حذيفة بن اليمان -وهو الحديث الذي ذكرنا أن الحاكم رواه وهو صحيح-: [[ نعم أبناء عم لكم اليهود ]]، وقال ابن عباس والحسن البصري وغيرهم: [[ نزلت في أهل الكتاب ]]، وزاد الحسن البصري [[ وهي علينا واجبة ]] فـالحسن رحمه الله تنبه لما تنبه إليه حذيفة أو نبه إليه حتى لا يقول أحد: نزلت في أهل الكتاب فيكون هذا حكماً خاصاً بهم، لذا قال الحسن: ''نزلت في أهل الكتاب وهي علينا واجبة''.

    أي: أنها حكم واحد فينا وفيهم.

    قال: ''وروى ابن جرير عن علقمة ومسروق: أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة، فقال: من السحت، قال: فقالا: وفي الحكم قال: ذاك الكفر''.

    فإذا أعطى رشوة من أجل الوظيفة، أو يمضي له معاملة فهو سحت، لكن إذا كان أعطاه ليحكم له بخلاف ما أنزل الله، قال ابن مسعود: ''ذاك الكفر -نعوذ بالله- ثم تلا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]''.

    وهنا نقول نفس الكلام الذي ذكرناه من قبل، وهو أن الحكم هنا فيمن ارتشى وهو مقيم لدين الله، ويحكم بما أنزل الله، وملتزم بشرع الله، لكن ارتشى في قضية معينة، وخرج عن حكم الله وخالفه، فالحكم فيه كما قال ابن مسعود رضي الله عنه (الكفر) والمقصود به الكفر الأصغر، فهذه معصية سميت كفراً كما أوضحنا من قبل.

    قال: ''وقال السدي: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] يقول: ومن لم يحكم بما أنزلت فتركه عمداً''.

    فالقضية ليست قضية نسيان أو جهل، فإنه إذا خالف حكم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مع أنه ملتزم بحكم الله، وبشرع الله في محكمة شرعية، ويطبق حكم الله من حيث الأصل؛ لكنه عمد إلى حكم من أحكام الله فتركه: ''أو جار وهو يعلم فهو من الكافرين''.

    كما قال ابن مسعود، فيكون قد عصى معصية تُسمى كفراً إلا إذا كان مقصود السدي أنه يترك حكم الله أو أن يجحده فيكون من الأنواع الستة التي ذكرها الشيخ، فيكون كفراً أكبر.

    قال: ''قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] قال: [[ من جحد ما أنزل الله فقد كفر، ومن أقر به فهو ظالم فاسق ]]''.

    فمن أقر به ولكنه خالفه وعصى، وتركه مع إقراره به والتزامه وانقياده وخضوعه فهذا ظالم فاسق.

    فـابن عباس رضي الله تعالى عنه فصَّل، بأن للحكم بما أنزل الله حالتان: حالة كفر أكبر، وحالة كفر أصغر، وعلى هذا فتكون الآية الأولى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] في الجاحد، ويكون الظالمون والفاسقون في المقر العاصي، وهذا الذي قلنا: إنه خلاف اللغة، وخلاف ظاهر الآية، فهذا القول مرجوح، إلا أن المهم في كلام ابن عباس رضي الله عنه أنه ذكر النوعين من أنواع الكفر.

    قال: ''واختار ابن جرير أن الآية المراد بها أهل الكتاب أو من جحد حكم الله المنـزل في الكتاب''.

    أي: إن ابن جرير رحمه الله يقول: الكفر كفر أكبر -والمقصود به كفر أهل الكتاب أو كفر الجاحد فهو كافر كفراً أكبر- سواء كان من أهل الكتاب وكفرهم أكبر لا شك في ذلك أو كان من هذه الأمة، ولكن خرج عن الملة وإن انتسب إليها، فـابن جرير رحمه الله لا يرى كلام ابن عباس رضي الله عنه المروي عنه من طريق علي بن أبي طلحة بأن الآية الأولى في الكفر الأكبر والآيتان الأخيرتان في المعصية، فهو يقول: إنهما في الكفر أو فيمن خرج عن الملة وإن انتسب إلى الإسلام.

    قال: ''وروى ابن جرير عن الشعبي [[ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] قال: هذا في المسلمين -فمن الأقوال التي نقلها ابن جرير غير الأقوال المتقدمة، قولالشعبي ومعناه: إن المسلمين إذا خالفوا القرآن الكريم كفروا-: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:44] قال: هذا في اليهود -فاليهود إذا خالفوا التوراة فهم ظالمون- وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:44] قال: هذا في النصارى ]]''.

    فـالشعبي يقول: إن الوصف الأول: للمسلمين، والثاني: لليهود، والثالث: للنصارى، ففرّق بين الأوصاف، وهذا مرجوح كما قد ذكرنا لكن ما يهمنا هو: أن الشعبي جعل الآية في حق المسلمين، فمن عدل عن حكم القرآن إلى حكم غيره أو من حكم غير كتاب الله فهو عند الشعبي كافر كفراً واحداً.

    قال: ''وروى عبد الرزاق عن طاوس عن أبيه قال: [[ سُئِلَ ابن عباس عن قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] قال:هي به كفر -أي: هذا العمل به كفر-.

    قال: ابن طاوس: وليس كمن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال عطاء -وهو تلميذه وعنه نقل-: كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق ]] رواه ابن جرير، وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] قال: [[ ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ]] ورواه الحاكم في مستدركه، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه''.

    فـابن عباس رضي الله عنه له رواية تُفصَّل أن الآية فيها كفر أكبر وفيها كفر أصغر، وروايات أخرى تقول: إن المقصود الكفر الأصغر، لكن نلاحظ أن هذه الرواية الأخيرة التي يقول فيها الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، قال: [[ ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ]].

    إذاً: ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يتكلم عن حالة واقعة معاصرة، ومسألة مختلف فيها، وهي موجودة يتناقش فيها الناس، فذهب البعض فيها إلى كذا، وذهب البعض فيها إلى كذا، وكذلك كلمة البراء: {في الكفار كلها} فالظاهر أن القولين متعارضان.

    لكن القضية أن كلاً منها يريد أن يعالج مسألة موجودة، شاعت وانتشرت في مسألة الكفر وعدم الكفر في زمن الصحابة؛ وهي: قول الخوارج الذين يُكفِّرون المسلمين بسبب المعاصي والذنوب، قالوا: إن من أدلتنا أن المسلم إذا عصى وارتكب كبيرة يكفر بمجرد ذلك، قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُون [المائدة:44] قالوا: فهؤلاء بني أمية حكموا بغير ما أنزل الله، وأمثالهم كالإمام علي رضي الله عنه، فإنه عندهم خالف كتاب الله، وحكّم الرجال في دين الله، ورضي بالحكمين فهو كافر، وعثمان عندهم كافر -أيضاً- لأنه خالف سيرة الشيخين الراشدين، ودليلهم الآية، وأنهم ما حكموا بما أنزل الله بل خالفوا أحكام الله وقصروا في بعض أحكام الله، فهم كفار، فيقول ابن عباس: [[ليس بالكفر الذي تذهبون إليه ]] والبراء يقول: (في الكفار كلها) أي: أنها ليست في العصاة المخالفين وإنما هي في الكفار، فرغم اختلافهما إلا أن النتيجة عند الصحابة كلهم أنهم متفقون على أمر وأصل عظيم من أصول هذه العقيدة -عقيدة أهل السنة والجماعة- وهي أن المسلم لا يكفر بمجرد الذنب أو المعصية كما تقدم معناه.

    يقول الشيخ أحمد شاكر بعد أن عزاه إلى الحاكم "2/313": '' ولفظه: إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، وإنه ليس كفراً ينقل عن الملة: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] كفر دون كفر، ووافقه الذهبي على تصحيحه ''.

    يقول الشيخ أحمد شاكر: - ''وهذه الآثار عن ابن عباس وغيره- أي: عطاء وطاوس وهم تلامذته، قال: مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا من المنتسبين للعلم، ومن غيرهم من الجراء على الدين -أي: المتجرئين على دين الله- يجعلونها عذراً أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة، التي ضُربت على بلاد الإسلام.

    وهناك أثر عن أبي مجلز في جدال الإباضية الخوارج إياه، فيما كان يصنع بعض الأمراء من الجور، فيحكمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة، عمداً إلى الهوى، أو جهلاً بالحكم، والخوارج من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة كافر، فهم يجادلون -أي: الإباضية- يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤلاء الأمراء؛ ليكون ذلك عذراً لهم فيما يرون من الخروج عليهم بالسيف''.

    تقدم وبينا لكم في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مذهب الخوارج ومذهب المعتزلة فيه ومذهب أهل السنة والجماعة.

    1.   

    تعقيبات الشيخين أحمد ومحمود شاكر على الآثار الواردة في الحاكمية

    وهنا نرجع إلى كلام أحمد شاكر رحمه الله، وما نقله عن أخيه محمود شاكر رحمه الله.

    يقول: ''وهذه الآثار عن ابن عباس وغيره''.

    يقصد ما ورد فيها كفر دون كفر.

    ''مما يلعب به المضللون في عصرنا هذا من المنتسبين للعلم ومن غيرهم من الجراء على الدين، ويجعلونها عذراً أو إباحة للقوانين الوثنية الموضوعة التي ضربت على بلاد الإسلام، وهناك أثر عن أبي مجلز في جدال الإباضية الخوارج إياه فيما كان يصنع بعض الأمراء من الجور، فيحكمون في بعض قضائهم بما يخالف الشريعة عمداً إلى الهوى، أو جهلاً بالحكم.

    والخوارج من مذهبهم أن مرتكب الكبيرة كافر، فهم يجادلون يريدون من أبي مجلز أن يوافقهم على ما يرون من كفر هؤلاء الأمراء''.

    أي: يريدون أن يوافقهم في أن أمراء بني أمية كفار، قال: ''ليكون ذلك عذراً لهم فيما يرون من الخروج عليهم بالسيف''.

    وهذا هو مذهب الخوارج أنهم يرون الخروج بالسيف لتغيير المنكر وإن كان منكراً في نظرهم فقط، وهذا الذي سبق إيضاحه، عندما شرحنا موضوع الأصول الخمسة، وذكرنا معنى هذا الأصل -الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- عند المعتزلة والخوارج ومعنى هذا الأصل هو الخروج على الأئمة بالسيف، قال: ''وهذان الأثران رواهما الطبري، برقم: (12025) و(12026) وكتب عليهما أخي السيد محمود محمد شاكر تعليقاً نفيساً جداً، قوياً صريحاً، فرأيت أن أثبت هنا نص أولى روايتي الطبري، ثم تعليق أخي على الروايتين ''.

    مناظرة أبي مجلز للخوارج

    فروى الطبري برقم: "12025" عن عمران بن جدير قال: [[أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس، فقالوا: يا أبا مجلز، أرأيت قول الله: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] أحق هو؟

    قال: نعم، قالوا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] أحق هو؟

    قال: نعم، قالوا: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47] أحق هو؟

    قال: نعم، فقالوا: يا أبا مجلز أفيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟]].

    فإن قال: نعم، قالوا: إن مخالفتهم واضحة، وإنكارها مكابرة، وكفى بـالحجاج ذنباً من بني أمية وأمثاله، وإن قال لهم: لا يحكمون بما أنزل الله؟

    قالوا: إذاً كفار.

    وهذه مشكلة يعاني منها كثير من الناس، وإن لم ينسبوا أنفسهم إلى الخوارج، فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لا يحاسب الناس باللافتات التي نسميها الآن في عصرنا الحاضر، فلو أنني قلت: أنا من أهل السنة، وأنا من أهل الأثر، وأهل الاتباع، ومن السلف، فإن الله لا يحاسبني بمجرد هذه الدعوى، ولا يحاسب غيري أنه يُنسب إلى الخوارج الإباضية وهو قد ظُلم في هذه النسبة، وهو فعلاً على السنة، وإنما ظلم في هذه النسبة، أو انتسب وهو لا يدري، كما أن بعض العلماء يقول: أنا أشعري ويقصد: أنا أثبت الصفات، فلا يحاسبه الله على منهج الأشاعرة في نفي الصفات.

    فالمقصود أن الحساب عند الله ليس بالانتماءات واللآفتات وإنما بالحقائق، فـالخوارج الخروج صفة من صفاتهم، وصفات الخوارج يمكن أن توجد في أي مكان وفي أي زمان، وتحت أي لا فتة أو اسم أو شعار، يمكن أن توجد صفة أو شعبة من شعب الخروج، وهذه لأجلها -والله أعلم- جعل العلماء كتب الخوارج والمرتدين والبغاة والمحاربين كتباً من كتب الفقه.

    ولو أن الخوارج هم -فقط- الفرقة التاريخية التي خرجت وانقضت لكانت تدرس في كتب التاريخ، أو كتب الملل والنحل فقط، لكن في كتب الفقه أحكام الخوارج لأنها صفة يمكن أن توجد في الناس في أي زمان وفي أي مكان، فصفاتهم التي بيَّنها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { أنهم يقاتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان }.

    وهذه قاعدة: بأنه مهما كان الشخص يدَّعي الإخلاص، ويدَّعي العلم، واتباع السنة، ويدعي إنكار المنكر والعبادة، فـالخوارج يقول عنهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وقراءتكم إلى قراءتهم} فهذا الكلام يُخاطب النبي صلى عليه وسلم به الصحابة رضي الله عنهم، ومع ذلك فهذه سيرة وعلامة من أعظم علاماتهم، أن عدواتهم منصرفة إلى أهل الإسلام، ولم يعرف ولم يشهد أن الخوارج جاهدوا الروم، ولا جاهدوا الفرس، ولا قاتلوا أعداء الإسلام، فهذا هو تاريخهم.

    وهذه من دلائل نبوة نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فهم يقاتلون المسلمين، ويُكفِّرون علماء الإسلام) ويطعنون في دين علماء الإسلام، ويحاربون أهل السنة ويزعمون أنهم ليسوا أهل السنة إنما هم مرجئة وإنما هم مداهنون، فيأتون لهم بألقاب يلمزونهم وينبزونهم بها.

    والشاهد: أن من طريقتهم في الاستدلال أنهم يظنون أن المسألة بهذا الإلزام سهلة، فيقولون: إما أن يقول: إنهم يحكمون بما أنزل الله، فنقول: إذاً هذا مثلهم؛ لأنه لا يكفر الكافرين ويشهد لهم بالإيمان فهو كافر، وإما أن يقول: لا، فنقول: فإذاً هم كفار فلماذا تجادل عنهم؟

    هكذا ظنوا المسألة إما كذا وإما كذا .

    وهذه أيضاً إحدى صفات الخوارج؛ لأن الأمر قد يحتمل أكثر من وجهة نظر، وقد يكون فيه سعة أو له جواب ثالث... وهكذا، فعدم تفصيل المجملات والمبهمات والعمومات مما ضل الناس بسببها، حتى قيل: إن أكثر ضلال الناس واختلافهم هو بسبب المجملات، وعدم تحرير موضع النـزاع.

    قال أبو مجلز الفقيه العالم : [[هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون، وإليه يدعون، فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً]].

    قال: الحكم بما أنزل الله بالنسبة للأمراء هؤلاء -بني أمية ومن معهم- هو دينهم الذي يدينون به، ولم يأتوا بقانون آخر، ولم يأتوا بالتوراة ولا الإنجيل ولا قانون الروم أو الفرس، فدينهم الحكم بما أنزل الله، وبه يقولون وإليه يدعون -أي: إلى الكتاب والسنة- فإن هم تركوا شيئاً منه أو قصروا في شيء عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً، وهم مقرون بمخالفتهم فيما خالفوا فيه، وهذا المعيار معيار سليم ودقيق جداً، فلو أنهم جاءوا بشريعة أخرى أو بقانون آخر لكان الحكم مختلفاً.

    قال: [[فقالوا: لا والله ولكنك تَفْرَق! -أي: تخاف- قال: أنتم أولى بهذا مني! لا أرى، وإنكم ترون هذا ولا تحرَّجون -أي: أنتم أولى بهذا التفكير، وأنتم لا تتحرجون فيه- ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك أو نحواً من ذلك]].

    فكلام أبي مجلز هنا مثل الذي جاء في حديث البراء من كلامه أو مرفوعاً: { أنها في الكفار } أما أن يكون الحكم بما أنزل الله هو دينه، وبه يقول، وإليه يدعو، وإذا خالفه فإنه يتحرج ويشعر أنه قد خالف أمر الله، فهذا ليس ممن حكم بغير ما أنزل الله.

    قال: ''ثم روى الطبري الأثر (12026) نحو معناه، وإسناداه صحيحان''.

    تعلق بعض المنتسبين للعلم بخبر أبي مجلز

    قال : ''فكتب أخي السيد محمود محمد شاكر بمناسبة هذين الأثرين ما نصه: اللهم إني أبرأ إليك من الضلالة، وبعد:

    فإن أهل الريب والفتن ممن تصدروا للكلام في زماننا هذا، قد تلمس المعذرة لأهل السلطان في ترك الحكم بما أنزل الله، وفي القضاء في الدماء والأعراض والأموال بغير شريعة الله التي أنزلها في كتابه، وفي اتخاذهم قانون أهل الكفر شريعة في بلاد الإسلام، فلما وقف على هذين الخبرين، اتخذهما رأياً يرى به صواب القضاء في الأموال والأعراض والدماء بغير ما أنزل الله، وأن مخالفة شريعة الله في القضاء العام لا نكفر الراضي بها، والعامل عليها''.

    يشير الشيخ محمود إلى ما وقع فيه كثير ممن ينتسبون إلى العلم، وهذه مأساة وقعت، وخاصة في مصر ابتدأها الاستعمار وأعوانه من أيام دولة محمد علي باشا بما يسمونه (قانون القناصل) ثم توسع القانون فأنشئت محاكم أهلية، ومحاكم أجنبية، ومحاكم ملية، وتوسع في الأمر لما جاء الإنجليز وجاء كرومر وجاء الشيخ محمد عبده، فأخذ يمهد لتنظيف القانون الفرنسي، وجاء تلميذه مصطفى المراغي فزاد الطين بلة -نسأل الله العفو والعافية- والمراغي هو الذي قال للجنة وضع القوانين: ضعوا أي تشريع أو قانون ترونه مناسباً للمصلحة وللعصر واكتبوه وأنا أُخرِّجه لكم من أي مذهب من المذاهب الفقيهة، فهكذا أصبحت الجرأة على الله إلى هذا الحد يخرجه إما على قول ضعيف، أو على قول راجح لكنه على مذهب خطأ، أو حتى على قول من أقوال العلماء الشاذة، أو قول من أقوال من لا يعتد بخلافهم كـالإمامية الإثنى عشرية، ولذلك من الأشياء الطريفة التي ذكرها الشيخ محمد أبو زهرة أنهم كانوا لا يعترفون بالمذهب الحنبلي، ولو رجعنا إلى كتاب الجبرتي في تاريخ مصر وهو أشهر كتاب في تاريخ مصر، وكان صاحبه حنبلياً، وكان يثني في كتابه على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى رسائل الأئمة، ويذكر قصص الخرافيين والمشركين، فالكتاب فيه فوائد من هذا الجانب، فالمذهب الحنبلي كان موجوداً لكن من كراهيتهم له لا يذكرونه، ويقولون: إنه كما قال الطبري وأمثاله: أحمد بن حنبل ليس فقيهاً، وإنما هو محدث، وكذلك ابن رشد في بداية المجتهد وغيره يذكر الفقهاء الثلاثة ولا يذكرون إلا مذهب أهل الحديث عامة إن ذكروه، فيجعلون الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه والبخاري ومسلم وأمثالهم، إما من أتباع أحد المذاهب الثلاثة، وإما من أهل الحديث في الجملة ولا يذكرون المذهب الحنبلي.

    والشاهد من ذلك أنه جاء في موضوع الزواج، وهم يريدون فرض القانون الفرنسي الذي لا يبيح للرجل أن يتزوج أكثر من زوجة، وهذا هدف عظيم للاستعمار، فهو يسعى إلى إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا وأمر آخر: هو تقليل نسل المؤمنين، وخاصة في إفريقيا كما يقولون.

    فـالنصرانية المحرفة أخذوها وأرادوا أن يفرضوا القانون الخبيث في بلاد المسلمين، فوجدوا أن المذهب الحنبلي يجيز للزوجة أن تشترط ألاَّ يتزوج الزوج عليها، فأخذوا به وجعلوها في قانون الأحوال الشخصية، قالوا: ورجعنا أيضاً إلى المذهب الحنبلي وأخذنا منه اشتراط ألاَّ يتزوج عليها، وهذا دليل على أن المذهب الحنبلي فيه مرونة، وأنه يناسب العصر ويصلح أن يستفاد منه.

    فالمقصود أن هؤلاء الناس خبثاء، ويتكلم الشيخ محمود شاكر عن هؤلاء، حيث أنه كان يرى واقعاً مؤلماً، فأي أمر يُعرض فيه أمر لتطبيق الشريعة، فيقولون: هل تريدون أن تكون الشريعة مصدراً رئيسياً، فيقول الدعاة والمشايخ وأمثالهم: لا. بل نريد أن تكون المصدر الرئيسي، وقامت على ذلك المشاكل طوال الدهر، هل هو مصدر رئيسي أو المصدر الرئيسي، فلجنة تضع المسودة، ولجنة تلغي المسودة... وهكذا أربعين سنة أو أكثر، والأمر لم يتغير فيه شيء، ولم يطبق من أحكام الله أي شيء، وكأن القضية قضية الألف واللام، نكتب "أل" أو لا نكتب "أل"، والقضية قطعاً ليست كذلك، وإنما هذه قلوب لا تريد أن تذعن لله ولا تؤمن بالله حق الإيمان، ولا تريد أن تستسلم لحكم الله كما ذكر الله: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65] فهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، كما ذكر الله عز وجل، ولذلك يجعلون القضية -قضية اللجنة- أن المسودة لم تكمل، وعندما أكملت المسودة بعد سنين، قالوا: يعرض على المجلس، فإذا عرض على المجلس قالوا: نجعل الشريعة مصدراً رئيسياً وليست المصدر الرئيسي، سبحان الله!!

    ولو فرضنا أنها المصدر الرئيسي، فمعنى ذلك: أن هناك مصادر ثانوية -فمثلاً-، لو قلنا: إن كل شيء لله، وكل شيء نعبد الله فيه ونطيع الله فيه إلا ثلاثة أو أربعة أمور نعصي الله فيها، ونأخذ غير شرع الله، ونستمدها من التوراة أو من الإنجيل أو من الياسق، فحكمنا فيها حكم من أخذ البعض وترك البعض، فسيكون قد ترك الكل، لكنهم أشغلوا الأمة بهذه الأمور، فإذا جاء من يطالب بإقامة حكم الله ودين الله، قالوا: هذا متطرف، وهذا عميل، وهذا متخلف، ورجعي، وضد التطور، وضد التحرر، ويحتجون عليه بعلماء السوء، فالشيخ شاكر كان يكتب هذا وهو يعانيه ويعيشه.

    حقيقة واقع السؤال والإجابة

    يقول: ''والناظر في هذين الخبرين لا محيص له عن معرفة السائل والمسئول''.

    فهو يعرفنا بالنوعين السائل الخوارج، والمسئول الذي هو أبو مجلز، قال: ''فـأبو مجلز لاحق بن حميد الشيباني السدوسي تابعي ثقة كان يحب علياً رضي الله عنه، وكان قوم أبي مجلز وهم بنو شيبان من شيعة علي يوم الجمل وصفين، فلما كان أمر الحكمين يوم صفين، واعتزلت الخوارج، كان فيمن خرج على علي رضي الله عنه طائفة من بني شيبان وبني سدوس ابن شيبان بن ذهل، وهؤلاء الذين سألوا أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس، وهم نفرٌ من الإباضية .

    والإباضية من جماعة الخوارج الحرورية''.

    وأبو مجلز رحمه الله التابعي الثقة يلتقي في نسبه مع إمام عظيم، هو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، من نسل قبيلة شيبان بن ذهل التي ينتسب إليها الإمام أحمد، وهم من ربيعة، وهناك عوامل جاهلية جعلت الخوارج يكثرون في ربيعة.

    والمأمون له كلمة في هذا، وقد تكون حقاً، يقول: ''أما ربيعة فلم تزل ساخطة على الله منذ أن جعل النبوة في مضر، وما خرج منها اثنان إلا كان أحدهما شارياً''.

    أي: من الشراة وهم الخوارج، كان يُقال لهم: الخوارج والشراة والقراء، فـالمأمون عباسي فيتكلم عمن خرجوا على خلافة بني العباس وانضموا إلى غيره، وبالذات هؤلاء الشراة، لأن الخوارج يقولون: الإمامة حق لكل مسلم، قرشياً أو غير قرشي، فيقولون: لماذا يشترط أن يكون قرشياً؟

    فيعللها المأمون بقوله: إن ربيعة -التي خرج منها كثير من الخوارج- ساخطة على الله لأنه اختار نبيه من مضر، ولأن الخلافة لا تكون إلا في قريش بالذات.

    وبعد ذلك تأتي مسألة الخلاف بين أهل البيت، فالعباسيون يرون أن العم أولى، والعلويون يرون أن ذرية فاطمة أولى...إلخ.

    لكن المقصود: هو أن العباسيين والأمويين -أي: المنتسبين إلى علي رضي الله تعالى عنه- متفقون جميعاً على أصل، وهو أن الخلافة في قريش، لكن الخوارج -ومنهم هؤلاء الذين ينتسبون إلى ربيعة- يقولون: لا، بل الخلافة في أي مسلم كفء، فـالمأمون يُعلل قولهم هذا.

    والمقصود أن هؤلاء الإباضية، جاءوا يسألون أبا مجلز رحمه الله. قال: ''الإباضية من جماعة الخوارج الحرورية، وهم أصحاب عبد الله بن إباض التميمي، وهم يقولون: بما قالت سائر الخوارج، في التحكيم، وفي تكفير علي رضي الله عنه، إذ حكّم الحكمين'' والخوارج، كثير منهم من بني تميم، وبنو تميم من مضر.

    والنبي صلى الله عليه وسلم حين جاءته صدقات بني تميم، قال: (هذه صدقات قومنا) فهم أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم نسباً من ربيعة أو مع ذلك كثير من الخوارج من بني تميم.

    ولهذا نقول: إن القضية ليست قضية عنصرية وعصبية، وصحيح أن العنصرية في الجاهلية كان لها دور، لكن ليس كل الخوارج ينطلقون من منطلق العصبية، وإلا لما خرج معهم بعض من قال بقولهم، وهم من مُضر، فكان الأولى أن يتعصبوا لقريش، لكن الضلال لا يعرف العنصرية، نسأل الله العفو العافية.

    فإنه إذا أضل الله أبدأ، فقد خرج من بعض أحفاد جعفر الطيار رضي الله تعالى عنه، من أدَّعى النبوة وأفسد في الدين، وهذا في عمر بني أمية، المسألة فالضلال يوجد في كل فخذ وفي كل قبيلة، وفي كل شعب.

    قال: ''فهم يقولون-الإباضية- مقالة سائر الخوارج، في التحكيم وفي تكفير علي رضي الله تعالى عنه، إذ حكّم الحكمين، وأن علياً لم يحكم بما أنزل الله في أمر التحكيم''.

    وهذه المسألة من المسائل التي ناظروا فيها عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، وكان مما جادلهم به، أن الله سبحانه وتعالى شرع لنا التحكيم في سورة المائدة: يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ [المائدة:95] فكيف بصلح بين طائفتين عظيمتين من المسلمين.

    إذاً: ليس التحكيم كفراً كما تزعم الخوارج.

    قال: ''ثم إن عبد الله بن إباض، قال: إن من خالف الخوارج كافر ليس بمشرك، فخالف أصحابه، وأقام الخوارج على أن أحكام المشركين تجري على من خالفهم، ثم افترقت الإباضية بعد عبد الله بن إباض الإمام افتراقاً لا ندري معه في أمر هذين الخبرين، من أي الفرق كان هؤلاء السائلون، إذ أن الإباضية كلها تقول: إن دور مخالفيهم دور توحيد، إلا معسكر السلطان، فإنه دار كفر عندهم''.

    وهذا مما بقيت في عقائد الإباضية إلى اليوم.

    الخوارج ثلاث طبقات -ثلاث درجات في الغلو- أشدهم غلواً الأزارقة ثم النجدات، ثم الإباضية.

    فـالإباضية أخفهم، وليس معنى هذا أنهم على السنة والهدى، لكنهم لا يكفرون كل من خالفهم كما فعل أولئك، لأنهم يقولون: الكفر ينطلق على السلطان وجنده فقط، وأما الرعية فليست كافرة.

    ثم قالوا: إن جميع ما افترضه الله سبحانه على خلقه إيمان، وهذا الكلام مما يشنع به المرجئة وأمثالهم على أهل السنة، فيقولون: إنكم على مذهب الخوارج.

    فنحن نعتقد -أيضاً- أن كل شعب الإيمان إيمان، فالصلاة إيمان، والزكاة إيمان، والصوم إيمان حتى إماطة الأذى عن الطريق إيمان. وفي هذا القول الخوارج يوافقون فيه أهل السنة، لكن قالوا: من ترك شيئاً من الواجبات كفر، وأهل السنة قالوا: من ترك شيئاً من شعب الإيمان عصى أو نقص إيمانه، إلا من ترك أعلى الشعب، التي هي شهادة أن لا إله إلا الله ولوازمها، أو ترك أحد الأركان عامداً... إلخ، مما يكفر به الإنسان، فهنا الفرق.

    فنحن نقول: إن قولهم بأن كل شعبة من شعب الإيمان -أو كل ما أمر الله به- هي إيمان، هذا القول حق، لكن رتبت عليه الخوارج أن من لم يفعله ولم يأت بهذا الواجب فهو كافر، وهذا عند النجدات، وعند الأزارقة، أما الإباضية فقالوا: نحن نخفف قليلاً، فنقول: هو كافر، لكن كفر النعمة، وليس كفراً ينقل عن الملة، فقالوا: فهو كفر نعمة لا كفر الشرك، وأن مرتكبي الكبائر في النار خالدون مخلدون فيها، فهذه هي عقيدة الإباضية، وهم موجودون اليوم في عُمان والجزائر وفي غيرها.

    وفي كتبهم أن من قال: إن الله تعالى يرى في الآخرة، فهو عندهم كافر خالد مخلد في النار، وصاحب الكبيرة عندهم -أيضاً- كافر خالد مخلد في النار، فهذا دينهم إلى اليوم.

    فيقول الشيخ محمود: ''ومن البيّن أن الذين سألوا أبا مجلز من الإباضية، إنما كانوا يريدون أن يلزموه الحجة في تكفير الأمراء؛ لأنهم في معسكر السلطان -معسكر الخلافة- ولأنهم ربما عصوا وارتكبوا بعض ما نهاهم الله عن ارتكابه.

    ولذلك قال لهم في الخبر الأول: فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنباً''.

    يقول: إنهم تقع منهم معاصي لكن يعلمون أنها معاصي.

    ''وقال لهم في الخبر الثاني: إنهم يعملون بما يعملون ويعلمون أنها ذنب''.

    أي: ويعتقدون، وليس المقصود هو مجرد المعرفة بل المعرفة، فشخص يفعل ذنب، ويقول: أنا أعرف أنه ذنب، فهذا لا يكفي إلا إذا اعتقد أنه ذنب، وأنه حرام فلا يكفر، إما لو استحله، واعتقد أنه حلال، مع معرفته أنه حرام، فإنه يكون كافراً .

    إذاً: قد يجتمع الاستحلال مع المعرفة، فيقول: أعرف أنه حرام، لكن يستحله، فليس المقصود بالعلم مجرد المعرفة، لكن المقصود بالعلم هو الاعتقاد، أي: يعتقدون أنه حرام، فكيف نكفرهم؟!

    توضيح كون التبديل إعراض عن شرع الله

    قال: ''وإذاً فلم يكن سؤالهم عما احتج به مبتدعة زماننا''.

    بل سؤالهم في موضوع آخر ليس عما يحتج به مبتدعة زماننا: ''من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة الله، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، بالاحتكام إلى حكم غير حكم الله في كتابه وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم''.

    فهو يقول: القضية قضية مختلفة تماماً عما يقوله هؤلاء المبتدعة، ونلاحظ في عبارة الشيخ رحمه الله عدة أشياء:

    أول شيء: أنه القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون -قانون عام- مخالف لشريعة أهل الإسلام، يحتكم إليه.

    ثانياً: قال عبارة أخرى: '' ولا في إصدار قانون ملزم ''.

    أي: إن خلفاء بني أمية أو بني العباس، أو غيرهم من المذنبين، أخطأوا فلم يقيموا بعض الأحكام وقصروا فيها إما لهوى أو لشهوة، لكن الحكم الشرعي موجود، ولم يأتوا بقانون ملزم مخالف للشريعة، وعلى ذلك فيوجد فرق كبير جداً بين الحالة الأولى وهذه الحالة.

    فهنا عندنا حالة تشريع إلزامي، تلزم به الأمة، ويطبق عليها، ويحاكم ويحاسب من خالفه، ويعاقب من أعترض عليه.

    أما الحالة الثانية فهو: ذنب وقع من إنسان، وإذا سئل قد ينكر، أو يعتذر بأن بعض العلماء أفتاه بذلك، أو أنه حكم على مذهب كذا، فهو ليس معتقداً وملزماً به للناس، بل هو في نفسه لا يرى أنه حلال لنفسه فضلاً عن أن يلزم به الناس.

    قال: ''فهذا الفعل -أي: إصدار قانون ملزم للناس بغير كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم- إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه، وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك فيه أحد من أهل القبلة -على اختلافهم- في تكفير القائل به، والداعي إليه''.

    أي: الفرق القديمة لم تكن تتكلم عن هذه القضية، بل كانوا يتكلمون عمن يخالف في قضايا أفراد -قضايا معينة- أما إلزام الناس بدين غير دين الإسلام، فلم يخالف في هذا أحد، حتى يأتي مبتدعة زماننا الآن ويقولون: إنه لا يزال مسلماً.

    توضيح لواقع هذه القوانين

    يقول: ''والذي نحن فيه اليوم هو هجر لأحكام الله عامة بلا استثناء، وإيثار أحكام غير حكمه في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وتعطيل لكل ما في شريعة الله''.

    وقول الشيخ محمود: بلا استثناء صحيح من جهة، فإن عندهم قانون الأحوال الشخصية وفق الشريعة، وبعض الدول زيد قليلاً في باب المعاملات، فنقول: لا يعتبر شيء من ذلك أنه إقامة لحكم الله، حتى قانون الأحوال الشخصية لا يعتبر أنه إقامة لحكم الله، لأن القوم الذين يطبقون قانون الأحوال الشخصية، لا يطبقونه على أنه منـزل من عند الله، ولا يقولون: نحن ملزمون به ولو خالفناه لأثمنا، ولوقعنا في الإثم والحرج، وأنه لا تصلح حياة المخلوقين والعباد إلا بهذا الشرع الذي أنزله الله، فهم لا يعتقدون ذلك، إنما هذا جانب من جوانب الحياة، وضعوا له تشريعات كما وضعوا للاقتصاد وللسياسة وللاجتماع، وللأحوال الجزائية، فوضعوا محاكم تجارية، وعمالية، وإدارية، وكل شيء وضعوا لها قوانين، فبقي هذا الجانب، فقالوا: هذا الجانب نأخذه من الشريعة، نقتبس -مثل ما ذكرنا- من الإمامية، والزيدية، والإباضية، والحنابلة والشافعية، فنركب شيئاً على شيء حتى نكمل جانباً من جوانب الحياة.

    لكن هذا الجانب لم يجعلوه كلياً بعيداً عن الدين؛ لأنه من الصعب على الناس أن تقول لهم: اذهبوا افعلوا عقد الزواج في البلدية، وهذا قد حصل، وقد فعله المجرم الخبيث كمال أتاتورك، وقال: الدين يلغى نهائياً، ولا يفعل عقد زواج عند مأذون أو شيخ، بل في البلدية، فهناك موظف مدني يكتب العقد، مثل أي عقد آخر، فألغى المسألة تماماً، لكن في هذه المسألة وجدوا أن في تركيا نفسها لم يقبل الناس ذلك.

    لأن هذه أشياء شخصية للغاية لو أخرجناها من عند الناس، فإن الناس لا يقبلون بهذا، فهم جاءوا بالشريعة الإسلامية حتى يكملوا القانون الوضعي، فهم يريدون أن يجعلوا القانون أبواباً متكاملة، وبقي لهم باباً اسمه: الأحوال الشخصية، قالوا: نكمله من الشريعة، فأخذو ما يعجبهم من الشريعة، وخلطوه بغيره وكمَّلوا الباقي، فهذا شيء.

    والشيء الآخر: أنه إنما يأخذ شرعيته عندهم من إصدار الدولة له واعتباره قانوناً.

    فمثلاً: شخص درس أحكام الطلاق، وخرج من دراسته بنتائج ونشر الكتاب، فمن يقرؤه من المسلمين يجد الدليل واضحاً فيه على مسألة من مسائل الطلاق، فالواجب عليه أن يتبعه ويعمل به رأساً، فإذا قرأ قاضي من القضاة هذا البحث، ورأى أن هذا الحكم أحسن من الحكم الذي كان يحكم به على المذهب، فإنه يطبق الحكم مباشرة، وهذا هو الواجب وهو الحق؛ لأن وظيفة العلماء هي الكشف عن حكم الله، وتبيين أن هذا هو حكم الله، أما الإلزام به فإنه من الله، فيلتزمه الناس؛ لأنه من عند الله .

    فالعالم يكشف عن أدلة حكم الله ويبينه، ثم ينتهي دوره، وبعد ذلك يجب على الأمة أن تعمل به -القاضي والحاكم والأمير والصغير والكبير- لكن في القانون الوضعي لو افترضنا أن شخصاً وضع مسودة للأحوال الشخصية، وضبط كل شيء فيها، ورتب فيها الأحكام الشرعية، مادة كذا ومادة كذا، وهذا حتى لا يقولون: أنتم عندكم أحكام وأبواب الفقه غير مرتبطة هكذا يظنون .

    فهذا شخص قال: أنا أضع لكم الأحكام الشرعية على الطريقة القانونية، مادة وراء مادة، ثم نشره بين الناس، فإذا جاء شخص يعمل في المحكمة القانونية، وعمل به، وقال: إني عملت بمشروع الأحوال الشخصية المقدم من فلان، فإنهم يضحكون عليه، ويقولون: إنه مجنون، لأن هذا المشروع لم يعتمده وزير العدل ولم يقره رئيس الجمهورية، لأن الإلزام عندهم ليس من كونك أبنت عن الحق، وأتيت بأدلة أرجح، بل الإلزام عندهم من السلطة، ولهذا فهم يفرقون بين القانون وبين المبادئ الأخلاقية، فالقانون عندهم لا بد أن يكون من السلطة، وأن يكون ملزماً به، وإلا أصبح توجيهات أخلاقية.

    ولهذا لا تجد في القانون شيئاً اسمه مستحب، حتى في نظام المرور ونضرب لذلك -مثالاً- في القانون لا شيء اسمه مستحب للسائق، فإذا وقف فإما أن يعاقب أو ليس عليه شيء، وهذه من الفروق الكبيرة جداً بين شرع الله وبين أنظمة البشر، حتى ولو كانت من تنظيم الأمور الجائز، فنظام المرور، فلا نقول فيه شيئاً، إذا لم يخالف الشرع، فأنت تنظم أمور الناس به، لكن في الإسلام أنت عندك أمور:

    مثلاً: لو تركت الأفضلية في المرور للكافر فإنك تأثم، ولو كان الذي يمر أمامك عاجز أو ضعيف أو أكبر منك أو.. فأعطيته فرصة للمرور، فهنا قول: هذا مستحب، وربما قد يجب فأنت في كل أحوالك تتعبد الله سبحانه وتعالى، وتشعر أنك إما مرتكب لمحرم، أو تارك لواجب، أو أنك مسدد ومقارب، وهذا الشعور حسن.

    أما عندهم، فإما أن يستحق العقوبة فهذا قانون، أو ليس عليه عقوبة فهذا يسمى توجيهات أخلاقية، ولا تُذكر في القانون، ولا يتعرضون لها، وممكن عندهم أن يكتب عنها صحفي في الجريدة، ولهذا عندهم الصحافة وهم أصحاب الجلالة الرابعة، فهي تُكمل الجوانب التي لم يأتِ بها القانون، فتقول للناس: لماذا تفعلوا كذا، ولو كنا نفعل كذا، ومن سمات المواطن الصالح أنه يفعل كذا، ويترجَّون الناس، ولا يوجد عندهم شيء اسمه: مستحب، أو مندوب إليه وتأجر عليه، بل القضية عندهم هي أن هذا مواطن أحسن خلقاً من الآخر، وهذا أفضل مواطنة من الآخر، فهذه هي القضية عندهم .

    فمن هنا كان الفرق كبيراً جداً بين ما شرعه الله وما فيه الرحمة، والعدل للعالمين أجمعين، والخير واليسر والبركة وبين تشريعات هؤلاء.

    فالآن عندما يقول الشيخ: "بلا استثناء"، فإن كلامه صحيح من جهتين، لأن هذا التشريع الذي هو من الذين لم يقم لأنه من عند الله، ولم يستمد الإلزام -أيضاً- من كونه من عند الله، وإنما لأن السلطة ألزمت به وانتقت واختارت بعض الأشياء من الشريعة، وممكن تغيرها في أي لحظة وتلغيها إذا أرادت، وتضع غيرها.

    وجه احتجاج الزنادقة على تفضيل أحكام القانون الوضعي

    يقول: ''بل بلغ الأمر مبلغ الاحتجاج على تفضيل أحكام القانون الموضوع على أحكام الله المنـزلة، وادعاء المحتجين لذلك بأن أحكام الشريعة، إنما أنزلت لزمان غير زماننا''.

    وقد كتب مصطفى أمين: إن أحكام الشريعة، أو ما يدعو إليه المتطرفون، إنما نزلت في أيام الجمل، والحمار وكذا...، أما في عصر الصاروخ والطائرة فلا بد من أخذ القوانين الوضعية، ومن شاء أن يذهب إلى القوانين القديمة فعلى الأقل عليه أن يقيمها في نفسه، ويأخذها ولا يدعو الأمة إليها، ولو كان راكباً حماراً، فهو يقول: إذا أخذت الطيارة والصاروخ والكيمياء والعلوم فإنك تأخذ معها القانون الوضعي، وإما إن كنت تريد أحكام الله فتأخذ معها ركوب الجمل أو ركوب الحمار، فهذا ربطوه هكذا.

    فيقول: ''إنما نزلت لزمان غير زماننا، ولعلل وأسباب نقضت''.

    فهم يقولون: الأسباب والعلل التي نزلت من أجلها الشريعة -كما يقول هؤلاء المبطلون المرتدون- انتهت، وهذا مثلما يقولون في التاريخ أحياناً: بعث الله محمداً -وأحياناً لا يقولوا: الرسول، بل يقولون: أرسل الله محمداً، وهكذا صلى الله عليه وسلم، ولا يذكرون الصلاة عليه- لأن العرب كانوا يعبدون الأوثان، ويقدسون الأصنام، ويئدون البنات، فبعث الله النبي صلى الله عليه وسلم، للقضاء عليها، والذي لا يعرف قصدهم يقول: هذا كلام حسن، ولكنهم يقصدون بهذا الكلام أنه الآن لا أحد يعبد الحجارة، ولا أحد يئد البنت.

    إذاً: هذه القضية انتهت.

    والآن عندهم مشاكل أخرى، فعندهم مشكلة في الإسكان، ومشكلة التضخم، والنسل -زيادة أعداد الناس- ومشاكل التنمية، أما مسألة عبادة الحجارة، ووأد البنات، فهذه كانت قديماً وانتهت، فهذا هو الكفر الذي يزينونه للناس، لأنهم مهرة وفنانون في ذلك.

    فالفنانون الذين يشيعون الفاحشة -الأفلام وغيرها- وهم جزء من الفنانين في فن النفاق الأكبر الذي يريدون به أن الأمة تُمسخ وتنسى ذاكرتها ودينها وعقيدتها وأخلاقها، فتصبح ممسوخة، بحيث يصبح الشخص أفرنجياً لكن ليس أفرنجياً من الفرنجة الغربيين، بل أفرنجي ممسوخ تماماً، فلا تعرف ولا ترى منه أي ملمح، فلا هو أفرنجي حقيقي، ولا هو ذلك المسلم الذي يعرفه الناس.

    قالوا: ''فسقطت الأحكام كلها بانقضائها -لانقضاء العلل والأسباب- فأين هذا مما بيناه، في حديث أبي مجلز والنفر من الإباضية، من بني عمرو بن سدوس؟

    ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة، فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام، أن سن حاكم حكماً وجعله شريعة مُلزمة للقضاء بها هذه واحدة''.

    وهذا مهم جداً وقوي؛ لأنه على مدار التاريخ الإسلامي لم يوجد أحد تجاوز هذا وسن حكماً وجعله شريعة ملزمة، فأما الياسق فهو موروث، لكن حاكم مسلم يشرع شرعاً ويفرضه، فهو يقول: إن هذا لم يحصل.

    أحوال الحاكم المسلم الذي حكم بغير ما أنزل الله

    قال: ''والأخرى أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها، بغير حكم الله فيها، فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة، وإما أن يكن حكم بها هوىً، ومعصية، فهذا ذنب تناله التوبة، وتلحقه المغفرة''.

    أما بالنسبة للمغفرة فإن تاب وإلا فهو تحت المشيئة: ''وإما أن يكون حكم بها متأولاً حكماً خالف به سائر العلماء، فهذا حكمه حكم كل متأول يستمد تأويله من الإقرار ببعض الكتاب وسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم''.

    فهذا الحاكم قد يقول: أصنع منفعة للمسلمين، فخالف في قضية معينة، وهو ملتزم بشرع الله، ويدين به، ويعلم أنه الشرع ولا غيره، فإما أنه جاهل، والجاهل له أحكام، وإما أن يكون صاحب هوى ومعصية، فهذه من الكبائر.

    وإما أن يكون حكم بغير ما أنزل الله متأولاً، ففهم الدليل فهماً غير صحيح، أو تأول على قول من أقوال العلماء.

    والمهم أنه يحكم في محكمة لا تحكم إلا بما أنزل الله، وفي ظل سلطان لا يحكم ولا يأمر الناس إلا بما أنزل الله، لكن خالف في مسألة، فليس كل القضاة معصومين، بل القضاة يخطئون وهم في محاكم شرعية، ويحكمون بالشرع، فهذا الخطأ لا يخرج عن ثلاث حالات:

    أولاً: إما جاهل: اعترف عنده شخص أنه شرب الخمر، وأقرّ بذلك، فقال: ليس عليك شيء، لماذا؟

    قال: قد يكون معذوراً، أو مكرهاً، أو جاهلاً، وقد يكون رجع عن الإقرار، كما يفعل بعض الناس، فهذا يكون حكمه حكم الجاهل الذي لم يمحص الشروط والأدلة.

    أو حاكم ترك حد السرقة فلم يقمه على أحد، جهلاً منه بالنصاب أو نسي أو لم يعرف.

    والجهل صوره كثيرة، وبعض الناس قد يستغرب: كيف يجهل الحاكم هذا؟!

    وكيف يخفى عليه هذا؟!

    وفي الحقيقة عندما تقرأ عن بعض الصحابة، فإنك تجد أموراً خفيت عليهم، فتتعجب منها، وتقول: كيف يجهلونها، فمثلاً: عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه، كان لا يرى القراءة في الصلاة السرية، وهذا في صحيح البخاري، فتقول: هل يُعقل أن ابن عباس، وهو حبر الأمة، لا يدري أن القراءة واجبة في الصلاة السرية، وغيرها أشياء كثيرة، قد يستغرب الإنسان منها، وأيضاً قد يخفى عليه بعض الأحكام، وقد لا تبلغ هذا الحاكم.

    والمقصود أن -خفاء الحكم بمعنى أعم- باب الجهل، وهذا يقع من القضاة حتى في عصر النبوة، وفي عصر الخلافة الراشدة.

    ثانياً: أن يحكم هوىً ومعصية.

    مثلاً: يكون هذا السكران ولد عمه أو قريبه، أو يعمل في مكان قد يخدمه منه، فيقول: لو أقمنا عليه الحد سوف تكون فضيحة، وأهله يقولون له: لم نجد من منفعة إلا أنك تطبق الحد على ابن عمنا، وهذه سوف تفشل القبيلة كلها، ولا بد تحكم أنه بريء، وهذه الحوادث تقع، بل وكثيراً ما تقع هذه، فيـبـرئه، ويقول: ليس عليه شيء.

    والثالث: المتأول.

    أي: هو عنده دليل لكنه فهمه على غير وجهه، فهو ليس كالجاهل؛ لأنه يخالف الجاهل من جهة أن الأول خفي عليه الحكم، أما هذا فعنده دليل لكنه فهمه على غير وجهه، مثلما تأول الصحابة: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا [المائدة:93].

    فرجل مؤمن تقي، ماذا عليه إذا شرب الخمر؟

    إذا ليس عليه جناح، مع أن هذه الآية لا تصلح دليلاً، لكنه تأولها كما يتأول بعض الناس؛ وقد ذكرنا بعض التأويلات أنها قد تكون باطلة أو صريحة، فبعض الناس -مثلاً- يريد أن يرد عليك، فيقول لك: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13].

    إذاً: نساوى في الحدود بين الإماء وبين الحرائر -مثلاً- في الجلد؟

    فيقول لك: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13] فهذا تأول، والحقيقة: أن الدليل غير ذلك.

    ويُتصور -أيضاً- أن التأول وارد في أحكام كثيرة، ولو لا الجهل والخطأ والتأول؛ لم تكن أحكام الفقه مملوءة بالترجيح، وبيان الخطأ، والشذوذ؛ وهذا حاصل لأنها موجودة .

    أما المعصية فهي ملء الأرض؛ والناس يخالفون أمر الله في أشياء كثيرة.

    إذاً: هذه الأحوال الثلاثة.

    قال: ''وأما أن يكون في زمن أبي مجلز أو قبله أو بعده حاكمٌ حكم بقاء في أمر جاحداً لحكم من أحكام الشريعة، أو مؤثراً لأحكام أهل الكفر على أحكام أهل الإسلام؛ فذلك لم يكن قط''.

    فهذا لم يقع ولم يحصل، والخوارج لم يسألوا عنه، وأبو مجلز لم يُجب عنه، وهذه الصورة غير واردة، فصورة أن شخصاً يحكم بحكم أو بقضاء غير كتاب الله، جاحداً لما أنزل الله، مؤثراً لأحكام أهل الكفر، ثم يقول: أنت يا أبا مجلز أو غيرك ليس لكم علاقة في الموضوع، وهذا القانون الذي حكمتُ به أخذناه من الفقه الروماني، لأنه من فقه هذه الأمة المتحضرة الراقية، فهذه الصورة لا يشك أحد في كفر هذا الحاكم أبداً لا في زمن أبي مجلز أو غيره.

    ولو قال شخص: هذا من أحكام الدول المتقدمة، ونحن أخذناه من الدول المتطورة. قالوا عنه الناس: جزاه الله خيراً، هذا يريد يطور البلد، ويريد أن يتقدم البلد، فالفرق ليس في عمله هو، بل الفرق في نظرة الناس إليه، لأنهم جهلوا دينهم.

    قال: ''فلا يمكن صرف كلام أبي مجلز والإباضيين إليه''.

    أي: لا ينصرف إلى هذه الحالة -حالة الجحود- أبداً، فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما مثل قول ابن عباس وطاوس ومجاهد: كفر دون كفر، من احتج بها في غير بابها، وقال: كفر دون كفر، مثل من يأتي بالقانون الوضعي ويقيمه ويطبقه، ويقول: هذا كفر دون كفر، قال: ''فمن احتج بهذين الأثرين وغيرهما في غير بابها، وصرفها إلى غير معناها، رغبة في نصرة السلطان''.

    وهذا أحد الأسباب، وهو نصرة السلطان على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله، وفرضه على عباده، مثل من يقول: إن الحكومة إنما أرادت المصلحة، والله تعالى إنما أنزل الدين لغرض المصلحة، فالمصلحة تتحقق بهذا القانون، وهذا القانون مأخوذ كثير منه من الفقه المالكي؛ لأن الفقه المالكي كان في الأندلس، ولما قُضي على المسلمين في الأندلس دخل الفقه المالكي إلى فرنسا، ثم جاء نابليون وأخذ من الفقه الفرنسي، وكثير منه مالكي، وهكذا... حتى يتوصل إلى أن الحكم بغير ما أنزل الله سائغ.

    يقول الشيخ شاكر: ''فحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله'' أي: أن الذي قصده نصرة السلطان أو قصده الاحتيال على شرع الله: ''وحكمه في الشريعة حكم الجاحد لحكم من أحكام الله، أن يستتاب؛ فإن أصر وكابر وجحد حكم الله، ورضي بتبديل الأحكام، فحكم الكافر المصر على كفره معروف لأهل هذا الدين'' انتهى كلامه.

    يقول: إن هذا النوع وهذا الصنف من الناس يجب أن يستتاب وأن تقام عليه الحجة، وإن لم يتب وأصر على تسويغ الحكم بغير ما أنزل الله، فحكم من يصر على جحد حكم الله، وإحلال غيره محله، معروف أو معلوم عند أهل هذا الدين، وهو أنه قد خرج من الملة نسأل الله العفو والعافية.

    1.   

    تفسير ابن كثير لآيات الحكم من سورة المائدة

    ونواصل تفسير الآيات الكريمات من سورة المائدة المتعلقة بالحكم بغير ما أنزل الله، والغرض هنا ليس تفسير الآيات، واستنباط الأحكام الفقهية منها، ولكن الغرض هو معرفة درجة الحكم بغير ما أنزل الله، وأنواعه .

    والمقصود هنا هو موضوع الحكم من جهة تعلقه بالعقيدة، فقول الله تبارك وتعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وهذه هي الآية (45/ص: 158) من عمدة التفسير.

    يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله كما اختصره الشيخ أحمد شاكر: ''وهذا أيضاً مما وبخت به اليهود وقرعوا عليه، فإن عندهم في نص التوراة أن النفس بالنفس، وهم يخالفون حكم ذلك عمداً وعناداً، ويقيدون النضري من القرظي، ولا يقيدون القرظي من النضري بل يعدلون إلى الدية!''.

    وهذا الكلام يتعلق بسبب النزول الثاني كما سبق، وسبب النزول الأول هو الزانيين، ولذلك عطف فقال: ''كما خالفوا حكم التوراة المنصوص عندهم في رجم الزاني المحصن، وعدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم والإشهار! ولهذا قال هناك: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] لأنهم جحدوا حكم الله قصداً منهم وعناداً وعمداً, وقال هاهنا: فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] لأنهم لم ينصفوا المظلوم من الظالم في الأمر الذي أمر الله بالعدل والتسوية بين الجميع فيه، فخالفوا وظلموا وتعدوا على بعضهم بعضاً''.

    وهذا الكلام كلام نفيس من الحافظ ابن كثير رحمه الله، فهو يجعل الآيات جميعاً في نسق واحد، وأنها نزلت في أناس معينين، لا كما ذكر بعض العلماء أن بعضها في المسلمين وبعضها في النصارى وبعضها في اليهود، أو كلها في الكفر الأصغر بدون تفصيل.

    فهو يجعلها جميعاً في الكفر الأكبر، كما في حديث البراء: (في الكفار كلها) فالكفر كله أكبر بغض النظر عن فاعله.

    فيقول: إن تنـزيل الآية الأولى قال فيها: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] لأن الموضوع موضوع قصة رجم الزانيين، أي: سبب النزول الأول الذي ذكره الحافظ ابن كثير وذكر رواياته, وأما الثاني، وهذه الآية التي فيها أحكام القصاص، والمساواة بين الأنفس وفي الأعضاء فإن تبديلها كان: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45] فالموصوف واحد، لكنه وصف تارةً بأنه كافر، نظراً لأنهم عدلوا إلى ما اصطلحوا عليه من الجلد والتحميم.

    وقد ذكرنا أن العلماء رحمهم الله جعلوا المناط المكفر هو: اصطلحوا أو بدلوا أو تكاتموا أو... إلخ.

    وبهذا نجد فقه السلف الصالح في عباراتهم، فواضح أن العدول عن حكم الله إلى ما اصطلح عليه الناس كفر، وهنا لا تنافي مع ذلك الكفر؛ لكن بالنظر إلى كون الحق فيه حقاً للناس، فالأول حق لله؛ لأن الزانيين متراضيان، ودليل ذلك كما جاء في الصحيحين: (فرأيت الرجل يجنأ عليها ليقيها) أي: الحجارة.

    فالزنا هنا بتراض، فالحق فيه لله، لكن في قصة بني قريظة وبني النضير في الديات، حيث جاءت الذليلة تشتكي العزيزة إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وقالوا: ما علمنا أبناء دين واحد، ونسب واحد، يكون دية أحدهما نصف دية الآخر، فلما كان الحق متعلق بالمخلوقين، ناسب أن يكون الوصف بالظلم، هكذا يرى الحافظ ابن كثير وهي مناسبة لطيفة.

    القراءات في قوله تعالى: ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا )

    ثم ذكر بعد ذلك الثلاث القراءات في الآية، وهي لا تؤثر في المعنى كثيراً.

    القراءة الأولى: قراءة الكسائي: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45] بالنصب، ومعلوم أن اسم إنّ وأخواتها منصوب، ثم يستأنف: وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ [المائدة:45].

    القراءة الثانية: قراءة أبي عمرو وابن كثير وابن عامر بنصب: "والعينَ" وما بعدها إلى الجروح، فالمعطوف كله يعطف عليها فتكون منصوبة، لكن (الجروحُ) يستأنف فيها بالرفع، ولها مناسبة من حيث المعنى, وهي: أن الأعضاء السابقة فيها تماثل: نفس ونفس، عين وعين، أنف وأنف،...إلخ.

    لكن الجروح عموماً شيء آخر، فأي ضربة في الرجْل أو الرأس ونحو ذلك فيها قصاص، فتختلف من حيث اللفظ، فكأن الاستئناف استأنف هنا بالرفع.

    وقد يقول قائل على هذا الاستئناف: إن الله لم يكتب عليهم في التوراة أمر الجروح، فتفهم على أنها عبارة جديدة مستأنفة، أي: هذا هو الحكم مطلقاً، ولا يلزم منه أنه هو المكتوب نصاً في التوراة.

    القراءة الثالثة: وهي المشهورة التي نقرأ بها، وهي: قراءة عاصم لنصبها جميعاً.

    ثم ذكر بعد ذلك في قوله تعالى: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ [المائدة:45].

    هل شرع من قبلنا شرع لنا

    وهنا يأتي سؤال وهو: هل الحكم الذي أنزله الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في التوراة: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا [المائدة:45] وهو في شرع من قبلنا يلزمنا؟

    أو هو مجرد إخبار من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن شرع من قبلنا؟

    يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: ''وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا حُكي مقرَّراً ولم ينسخ، كما هو المشهور عن الجمهور''.

    أي: ذكره الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أو ذكره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على سبيل التقرير.

    والأمر الآخر: (ولم ينسخ) فوجهة نظر هؤلاء العلماء أنه لما ذكر الله تبارك وتعالى حديث بني إسرائيل وقصصهم وخبرهم والحكم عليهم, أو ذكره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما ذكره إلا لنتّعظ ونعتبر ونعمل نحن -أيضاً- بذلك، فلو كان منسوخاً لجاءنا ناسخ متصل أو منفصل، لكن ما لم يأتِ ناسخ، فإنه إنما ذكره الله أو ذكره رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليكون -أيضاً- ملزماً لنا، فالأصل أن دين الأنبياء واحد، وكذلك الشرائع ما لم يأت دليل بخلاف ذلك، ولا سيما وقد ذُكر في كتابنا لا لمجرد أننا وجدناه في كتبهم، فالجمهور على أن هذا يُعد شرعاً لنا، فهو ملزم لنا أيضاً.

    وذكر عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: [[ هي عليهم وعلى الناس عامة ]] أي كتبها الله على بني إسرائيل، وهي -أيضاً- على الناس عامة، وذكر من نقل الإجماع على ذلك.

    ثم قال: ''وقد احتج الأئمة كلهم على أن الرجل يُقتل بالمرأة بعموم هذه الآية الكريمة''.

    فهذه نفس وهذه نفس، وإن كان الجنس مختلفاً.

    قال: ''وكذا ورد في الحديث الذي رواه النسائي وغيره: (أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتب في كتاب عمرو بن حزم: { أن الرجل يقتل بالمرأة) وفي الحديث الآخر: (المسلمون تتكافؤ دماؤهم) وهذا قول جمهور العلماء ''.

    قول أبي حنيفة بقتل المسلم بالكافر

    قال: ''وكذا احتج أبو حنيفة بعموم هذه الآية على أنه يقتل المسلم بالكافر، وعلى قتل الحر بالعبد، فقال: الآية عامة، فإذا قتل مسلم ذمياً أو معاهداً فإن النفس بالنفس، فيقتل المسلم بالكافر، وإسلامه هذا ينفعه عند الله، أما في الدنيا فإنه يقتل هذا بهذا، وقد خالفه الجمهور فيهما -وقتل الحر بالعبد أخف- ففي الصحيحين عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لا يقتل مسلم بكافر } .

    والقول الصحيح الذي لا يجوز أن يصار إلى غيره هو: أنه لا يقتل مسلم بكافر، هذا مما كتبه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما في الصحيفة التي نقلها علي رضي الله عنه عندما سئُل: [[هل خصكم رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشيء من العلم؟ -لأن الرافضة يزعمون أنه أعطاهم علم الغيب أو الجفر وهي دعوة قديمة- فقال: لا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا ما في كتاب الله، أو فهماً يعطاه رجل أو ما في هذه الصحيفة، فأخرجها من قراب سيفه فكان من جملة ما فيها: وأن لا يقتل مسلم بكافر]] وهذا في الصحيحين في روايات عدة وغيرهما، والأمة على ذلك.

    وإنما شبهة الإمام أبي حنيفة رحمه الله ومن على مذهبه هي قولهم: إن الزيادة على القرآن نسخ، وهذه الشبهة في علم الأصول، فإن عندهم قاعدة أصولية: وهي أن السنة لا تنسخ القرآن، وعلى ذلك، فالنفس بالنفس هذا في كتاب الله، أما ما في السنة فلا يعتبرونه كما فعلوا في مسألة التغريب سنة للزاني، فإنهم قالوا: إن الجلد قد ذكر في كتاب الله وفعله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لكن التغريب جاءت به السنة زيادة على ما في القرآن، والزيادة نسخ، والسنة لا تنسخ القرآن؛ فلا نعمل بها، وهي قاعدة خاطئة.

    أهواء المدرسة العصرية

    وهذا قد فرح به أدعياء المدرسة العصرية، وهذه مدرسة كما قال فيها العلماء: ''من تتبع رخص العلماء تزندق''.

    وذلك لأنه سيأخذ من هنا ومن هنا فتصبح النتيجة لا شيء -نسأل الله العفو والعافية- فلما وجد بعض دعاة الاتجاه العصري والإسلام الحديث المرن الذي يحترم الأمريكان، قالوا: هذا هو الإسلام، فلا بد أن نجعل المسلم والكافر سواء -النفس بالنفس- وقالوا: لسنا مبتدعة لمجرد أننا نعظم الغرب أو الأمريكان بمأخذنا هذا فهو مذهب قديم للإمام أبي حنيفة، وهو أحد الأئمة الأربعة، وهذا قول معتبر، وهو أوفق مع العدالة الإنسانية، ويتفق مع حقوق الإنسان، وحتى لا يتهمنا الغرب أننا ضد حقوق الإنسان؛ فنجعل الإنسان المسلم فوق الكافر.

    وهم لا يأخذون بكل ما قاله الإمام أبو حنيفة لكن بهذه المسألة فقط, وهم لا يأخذون بها لأن الدليل هو الذي رجحها، لأنهم لو أخذوا بها ترجيحاً للدليل فتكون المسألة من باب الاجتهاد الخاطئ، لكنهم يرجحونها بمقتضى العصر.

    قال الشيخ الغزالي -هدانا الله وإياه- بمعنى كلامه في جريدة المسلمون: لو أن فلاحاً مسلماً أو راعي غنم قتل خبيراً أمريكياً، كيف تكون النسبة؟

    ونحن نقول: لو أن عبداً مسلماً قتل رئيس أكبر دولة كافرة في العالم فإننا لا نقتل المسلم بالكافر، فهذا دين الله عز وجل والذي لا يجوز أن يُحكم بغيره، ولا يصار إلا إليه, وكونه يقتله ظلماً لا يعني ذلك الدعوة إلى الظلم، أو أننا نقر الظلم أو إزهاق النفس بغير حق, لكن المقصود هو أن شرع الله ودين الله في هذه الحالة ليس هو القصاص، وإنما الدية، وديّة الكتابي -أيضاً- غير دية المسلم، وهم يريدون أن يجعلوا الدية واحدة والقصاص واحد، فالمسألة ليست أن {المسلمين تتكافأ دماؤهم} كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بل هم يريدون أن يقولوا: إن الناس جميعاً تتكافأ دماؤهم، ويقولون: إن الله تعالى يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِن ْذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13] فالمسألة الكلية المطلقة جاء بها القرآن قبل حقوق الإنسان، فنكون قد سبقنا الغرب إلى ذلك.

    نقول: لا, الآية صريحة في المقصود، لأن قول الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13] المراد بها التفاخر، فالله تعالى نهى عن مجرد التفاخر بالأنساب الذي هو من شأن أهل الجاهلية، وجعل التفاخر هو بالتقوى، والشعوب والقبائل معللة: لِتَعَارَفُوا [الحجرات:13] فنعرف أن هذا من قريش -مثلاً- وهذا من هذيل، وهذا من حرب وهذا من جهينة، فهو للتعارف، أما أن يستنبط أن الناس سواسية مسلمهم وكافرهم فهو استدلال بعيد.

    ثم بعد أن ذكر الكلام في العبد، وأن السلف لم يكونوا يقيدون العبد من الحر، ثم ذكر حديثاً يستشهد به على ما قاله من نقل الإجماع على ذلك، أي: على أن شرع من قبلنا شرع لنا، بالحديث الذي رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم رضي الله تعالى عنهم أجمعين من حديث أنس بن مالك: {أن الربيِّع عمة أنس كسرت ثنية جارية، فطلبوا إلى القوم العفو فأبوا، فأتوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: القصاص} فحكم أول الأمر بالقصاص، وهذا الحكم هو المذكور في الآية، فشرعُ من قبلنا شرع لنا؛ لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حكم بذلك، وليس مجرد أنه ذكر مقرراً, وفي نهاية القصة أن أخاها أنس رضي الله تعالىعنه قال: {يا رسول الله! تكسر ثنية فلانة؟

    فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يا أنس، كتاب الله القصاص, فقال: لا والذي بعثك بالحق، لا تكسر ثنية فلانة} فأقسم أنها لا تكسر، وليس المقصود الاعتراض على حكم الله، لكن يقول: ذلك لن يقع، مهما بذلنا ومهما حاولنا إن شاء الله لن تكسر، قال: {فرضي القوم، فعفوا وتركوا القصاص؛ فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره}, وهذه كرامة عظيمة.

    ثم ذكر حديثاً آخر فيه إشكال كما قال رحمه الله: ''عن عمران بن حصين: { أن غلاماً لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء، فأتى أهله النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقالوا: يا رسول الله، إنّا أناس فقراء، فلم يجعل عليه شيئاً }, وكذا رواه النسائي وإسناده قوي, وهو حديث مشكل!! اللهم إلا أن يقال: إن الجاني كان قبل البلوغ فلا قصاص عليه، ولعله تحمل أرش ما نقص من غلام الأغنياء عن الفقراء أو استعفاهم عنه''.

    فالإشكال هو: كيف أسقط النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القود عن الغلام، وأسقط الدية بالفقر؟

    وفي الحقيقة ليس هناك إشكال؛ لأن الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أنهم فعلاً عفو عنه فلم يطلبوا القصاص أصلاً، وإنما كانوا يريدون الأرش أو الدية، فطلب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أهل الجاني الفقير، فقالوا: ليس لدينا شيء فأسقطه؛ لأنهم كانوا قد تنازلوا عن القصاص، فأمر القصاص قد قضي، وبقي الأرش فلا يوجد عندهم شيء فاستعفاهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعفوا، وإلا لو أصروا على الأرش؛ فإن الدية تلزم ولو ديناً وتظل في ذمته، أو يتحملها عنه شخص آخر أو غير ذلك، لكن كونه يسقط عنه ذلك؛ فهذا دليل على أنهم قد قبلوا وعفوا، أو كما قال: لعل النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استعفاهم أو تحمل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك, وهو كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {أنا ولي كل مؤمن}.

    ثم ذكر بعد ذلك في قوله تعالى: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ [المائدة:45] الأحاديث التي وردت في فضل العفو عما وقع له من جروح، من حديث أبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم فبعضها أسانيده صحيحة، وبعضها رجح الشيخ أنه موقوف، فهذه تدل على ما نصت عليه الآية أن الإنسان إذا ظُلم فَضُرب أو اعتدي عليه فكان به ما يستدعي القصاص من الجراحات أو أي عضو من الأعضاء فتصدق به فهو كفارة له، وهذا من فضل الله تعالى ومن جملة ما أعد الله تعالى للعافين عن الناس، قال: {إلا كان كفارة له}.

    ومن حرص الشارع الحكيم على أن الأصل بين المسلمين هو العفو، وتقرير هذا الأصل، فالعفو محبب ومندوب إليه، وأجره عظيم، وفضله كبير في هذا الموضوع، وفي غيره: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [آل عمران:134] وهؤلاء من أثنى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليهم، وهم من أهل الجنة.

    1.   

    تحريف التوراة والإنجيل وهيمنة القرآن

    ثم قال تعالى: وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإنجيل فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ * وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:46-47].

    فيقول الشيخ: ''فقوله تعالى: (وَقَفَّيْنَا) أي: أتبعنا، (عَلَى آثَارِهِمْ) أي: أنبياء بني إسرائيل: ( بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ) أي: مؤمناً بها حاكماً بما فيها''.

    لأن عيسى عليه السلام هو كما قال عنه تبارك وتعالى: وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ [آل عمران:49] .

    وبنو إسرائيل كتابهم وشريعتهم هي التوراة، وما يزالون إلى اليوم، ولذلك التحريف الكبير الذي أحدثه بولس في دين النصارى هو أنه نقلها من دعوة محلية إلى دين عالمي، وهذا أحد أنواع التحريف، فبقي الشرع عند النصارى إلى اليوم في جميع أنحاء العالم على كثرتهم هو الكتاب المقدس -كما يسمونه- ويشتمل على أسفار التوراة ثم الأناجيل والرسائل، وهم يختصرونها في اسمين: العهد القديم والعهد الجديد، والعهد القديم يعنون به التوراة وما يتبعها من رسائل وأسفار وبينهم خلاف بحسب الطوائف في عددها، ثم الأناجيل الأربعة وما تبعها يسمونها العهد الجديد، ومن العهدين -القديم والجديد- يتكون الكتاب الذي يسمونه: الكتاب المقدس.

    فالمفروض أن تكون التوراة كما أنزلها الله تعالى لليهود، فاليهود الآن يؤمنون بالتوراة فقط، ولا يلتفتون إلى العهد الجديد، والمفروض -أيضاً- أن تكون الأناجيل خاصةً ببني إسرائيل حتى ولو حرفت، والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في سابق علمه أنه سينزل الكتاب المهيمن، ويبعث الرسول العام للناس كافة صلوات الله وسلامه عليه، لكن المقصود حتى مع التحريف فكان المفروض أن يكون المؤمنون الآن بالأناجيل الأربعة هم النصارى فقط، ويكون اليهود مؤمنين بالتوراة ؛ لأنها كتابهم ولا ينازعون في ذلك، ويؤمنون بالأناجيل؛ لأنها أنزلت على رسول بعثه الله إليهم: وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ [آل عمران:49] وهو عيسى عليه السلام، فهو منهم، وبعث إليهم, فالخلل والتحريف الذي حدث هو أن بولس كان داعية من قبل أن يعتنق النصرانية كما ذكروا في تاريخه، فأصبحت التوراة شريعة عامة، لأن النصارى إلى الآن يجعلونها شريعة عامة للناس، فالنصارى من أي بلد كانوا يتحاكمون كلهم إلى التوراة التي هي في الأصل لبني إسرائيل فقط، مع أن الأناجيل -أيضاً-لم تكن إلا لهم، وفي نفس الأناجيل التصريح بأن عيسى عليه السلام إنما بُعث إلى بني إسرائيل وحدهم.

    وهذا واضح في قصة المرأة الفينيقية أو السورية، وهي امرأة جاءت إلى عيسى عليه السلام كما في أناجيلهم، وتقول: إن بها روح شريرة، يا روح الله! يا نبي الله! عالجني واهدني معك، فقال: من أين أنت؟

    قالت: أنا فينيقية أو قالت: أنا سورية! وهذا من الخلاف الموجود بين الأناجيل.

    فقال: '' إنما بعثت إلى خراف بيت إسرائيل الضالة فبكت وحزنت وتألمت، وقالت:إذا كنت للأصحاء فمن للخطاة؟

    فقال: يا امرأة! أرى أنك مملوءة إيماناً، فأدخلها واختصها بذلك''.

    وفي الأناجيل الموجودة الآن أنه بعث للبشر جميعاً.

    وقد استنبط شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله استنباطات عظيمة في كتابه الجواب الصحيح على أنه بشر، قال: '' لست أنا الموعود الذي بشرت به الأنبياء من قبل لكنه سيأتي من بعدي''.

    وهو رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما بيّن الله تبارك وتعالى: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد [الصف:6] فالشريعة عندهم هي شريعة التوراة، فكان عيسىعليه السلام يحكم بها.

    قال: وَآتَيْنَاهُ الإنجيل فِيهِ هُدىً وَنُورٌ [المائدة:46] أي: هدى إلى الحق، ونور يستضاء به في إزالة الشبهات وحل المشكلات: وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ [المائدة:46] أي: متبعاً لها، غير مخالف لما فيها، إلا في القليل مما بيّن لبني إسرائيل بعض ما كانوا يختلفون فيه وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ [الزخرف:63]- كما قال تعالى إخباراً عن المسيح أنه قال لبني إسرائيل: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران:50] ولهذا كان المشهور من قول العلماء: أن الإنجيل نسخ بعض أحكام التوراة، وهذا هو القول الصحيح، فقد نسخ بعض أحكام التوراة مما كان عقوبة على بني إسرائيل في الذبائح والطهارة وفي الأحكام الأخرى، وليس هذا مقام التفصيل فيها.

    لكن الحافظ ابن كثير رحمه الله كعادة العلماء لا يفوتهم أن ينبهوا إلى أمر مهم، ففي قوله تعالى: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإنجيل بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة:47] يقول: ''أي: ليؤمنوا بجميع ما فيه وليقيموا ما أمروا به فيه، ومما فيه البشارة ببعثة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والأمر باتباعه، وتصديقه إذا وجد -فهذا مما فيه ومما يجب عليهم أن يقيموه- كما قال الله تعالى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [المائدة:68]، وقال تعالى:الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ.... الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157]''.

    فهذا رد على ما سنذكر -إن شاء الله- مما يفتريه المنصرون المجرمون الآن، ويقولون: إن مثل هذه الآية: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [المائدة:68] تعني: أن محمداً -لا يقولون الله، لأنهم لا يعترفون بأن القرآن منزل من عند الله- يأمر أتباعه ويذكر لهم أن اليهود والنصارى على حق، وأنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل فهم على شيء.

    وقد تنبه العلماء إلى هذا، وهو واضح كالشمس بأنه يجب عليهم أن يؤمنوا بالرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا هو العهد الذي أخذه الله على جميع الرسل: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ [آل عمران:81] -كل النبيين- لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ..... وَلَتَنْصُرُنَّه [آل عمران:81] وأخذ الإقرار على ذلك: قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [آل عمران:81].

    فهذا عهد أخذه الله سبحانه على كل الرسل، فقد أخذ الله ميثاق النبيين أنه إذا جاء وبعث الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يؤمنوا به، مع أنه في علم الله أنه لا يبعث في زمن نبي من الأنبياء لكن هذا العهد فيه تكريم للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبيان لفضله وفضل دينه، وفضل أمته وفضل القرآن على سائر الكتب أو الشرائع، وأن هذا الدين سيورثه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الأرض وسوف يظهره على الدين كله.

    ثم قال تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجا [المائدة:48].

    يقول ابن كثير رحمه الله: ''لما ذكر الله تعالى التوراة التي أنزلها الله على موسى كليمه، ومدحها وأثنى عليها، وأمر باتباعها حيث كانت سائغة الاتباع -هذا القيد يعني في وقتها- وذكر الإنجيل ومدحه وأمر أهله بإقامته، واتباع ما فيه''.

    فإذا كان ما سبق هو كما تقرر والتوراة أنزلت ليحكم أهلها بها، والإنجيل أُنزل ليحكم أهله به، والذي لا يحكم بما أنزل الله أياً كان كتابه فهو كافر ظالم فاسق، وبعد هذه الأوصاف أثنى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على التوراة وأوجب العمل بها، وعلى الإنجيل وأوجب العمل به وهذا إلى أن ينسخ.

    ثم قال: ''فقال: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ [المائدة:48] أي: بالصدق الذي لا ريب فيه أنه من عند الله: مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَاب [المائدة:48] أي: الكتب المتقدمة المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينـزل من عند الله على عبده ورسوله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فكان نزوله كما أخبرت به مما زادها صدقاً عند حامليها من ذوي البصائر، الذين انقادوا لأمر الله، واتبعوا شرائع الله، وصدقوا رسل الله''.

    وقد وصفهم الله تعالى: أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا [القصص:54] وجاء ذلك أيضاً في الحديث الصحيح: (رجل آمن بنبيه ثم آمن بي) فهذا يؤتى أجره مرتين؛ لأنه آمن بالرسول الأول، فلما بلغ أو أدرك زمن الرسول الخاتم والكتاب المهيمن آمن به أيضاً، فأخذ أجر الإيمان الأول وأخذ أجر الإيمان الآخر.

    وهكذا حال المؤمنين الذين آمنوا حقاً بالتوراة الحق من غير تحريف ولا تبديل، وآمنوا بالإنجيل الحق -هذا شأنهم وهذه صفتهم- أنهم آمنوا فعلاً بالقرآن، كما قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً [الإسراء: 107-108].

    يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله: ''أي: إن كان ما وعدنا الله على ألسنة الرسل المتقدمين، من مجيء محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمفعولاً، أي: لكائناً لا محالة ولا بد''.

    وعدنا ربنا أن يبعث فينا نبياً أمياً وأوجب علينا اتباعه، وهو مكتوب عندنا في التوراة والإنجيل، فلما بعث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالوا: سبحان الله! هذا ما وعدنا الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ [آل عمران:9] فصدقوا وآمنوا واتبعوا، وكلمة: مهيمناً، هنا مهمة جداً، في قوله: وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [المائدة:48] قال: '' قال ابن عباس: [[ أي: مؤتمناً عليه ]]، وقال: [[ القرآن أمين على كل كتاب قبله ]]، وروي عن عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد نحو ذلك -وهذه كلها مدرسة ابن عباس رضي الله تعالى عنه- وقال ابن جريج: [[القرآن أمين على الكتب المتقدمة فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه منها فهو باطل]] وعن ابن عباس رضي الله عنه: [[ أي: حاكماً على ما قبله من الكتب ]] وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فهو أمين وشاهد وحاكم على كل كتاب قبله, وقد تكفل الله تعالى بحفظه بنفسه الكريمة، فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9]. ''

    قال: ''وقوله: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة:48] أي: فاحكم يا محمد بين الناس، عربهم وعجمهم، أُميهم وكتابيهم، بما أنزل الله إليك من هذا الكتاب العظيم، وبما قرره لك -يريد أن يردنا إلى مسألة شرع من قبلنا- من حكم من كان قبلك من الأنبياء، ولم ينسخه في شرعك، هكذا وجهه ابن جرير بمعناه''.

    هل التخيير في الحكم بين الكفار منسوخ

    وهنا مسألة وهي: هل في الآيات نسخ أو فيها تخيير؟

    ومتى يجب أن نحكم بين غير المسلمين، ومتى نكون مخيرين؟

    قال: ''فروى ابن أبي حاتم بسنده إلى ابن عباس قال: [[ كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مخيراً، إن شاء حكم بينهم وإن شاء أعرض عنهم، فردهم إلى أحكامهم ]] ''.

    وآية التخيير هي قوله تعالى: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة:42] لكن نجده يقول في آية أخرى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة:48] فهل آية الأمر بأن نحكم بينهم ناسخة والتخيير منسوخ؟

    نقول: لا، لا بد أن نحكم بينهم -العرب والعجم والذميين والحربيين والمستأمنين كلهم نحكم بينهم- بما أنزل الله، ولا تخيير لنا بأن نحكم أو نعرض، فهذا قول.

    وبعض العلماء قال: لا يوجد نسخ، وقد ذكر الشيخ هنا بعض التفاصيل، ولكن يهمنا هنا كلام الأئمة.

    فمثلاً كلام الشافعي رحمه الله في الجزية من كتاب الأم: ''ولا خيار له إذا تحاكموا إليه -أي: لا خيار للإمام المسلم- لقوله تعالى: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29]''.

    فـالشافعي يرد قول من قال: أن التخيير منسوخ.

    وقال: ''وهذا من أصلح الاحتجاجات؛ لأنه إذا كان معنى: وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] أي: تجري عليهم أحكام المسلمين وجب ألا يردوا إلى أحكامهم، فإذا وجب هذا فالآية منسوخة''.

    ومعنى هذا القول: أن أهل الذمة لا نردهم إلى أحكامهم؛ لأن آية التوبة: قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِر [التوبة:29] إلى قوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون [التوبة:29] متأخرة، وآية المائدة في التخيير كانت قبل ذلك، وعندما نفرض عليهم الجزية؛ فإننا نأخذها عن يدٍ وهم صاغرون، فإذا كان من يعطي الجزية بطواعية ورضا يأتي إلينا يدفعها وهو صاغر.

    واختلف في معنى صاغر: هل يلبس الذمي ثوباً معيناً ويقف في ذل وتكون يده هي السفلى ويد الآخذ هي العليا أو أن المقصود أن يضرب عليهم الصغار؟

    ولذلك ذكر ابن القيم رحمه الله في كتاب أحكام أهل الذمة بعض من خالف في هل ضرب الجزية من باب العوض والأجرة لسكنى دار الإسلام أو هو من باب الذل والصغار؟

    والصحيح أنه من باب الذل والصغار، وكذلك ضرب الأحكام عليهم.

    وفي العصر الحديث أتوا بدعوة جديدة، قالوا: هذا مقابل -كما يسمونه في القوانين الوضعية- بدل عسكري، فقالوا: المسلمون يدفعون الزكاة ويجاهدون، والنصارى واليهود لا يدفعون الزكاة ولا يجاهدون مع المسلمين فيدفع الذمي الجزية بدلاً، وإن كان بعض الكلام له نوع من التوجيه لكن في الحقيقة هي من باب الإذلال والصغار.

    إذاً: لسنا مخيرين، فيجب علينا أن نذلهم، وأن نرغمهم على أن يدفعوا الجزية، وأن نجري عليهم أحكام الإسلام إذلالاً وإصغاراً لهم، وإلا كيف إذا زنا المسلم أقمنا عليه الحد، وإذا زنا الكتابي فنحن مخيرون؟!

    هذا لا يمكن، ونقل البيهقي عن الشافعي رحمه الله قوله: ''ليس للإمام الخيار في أحد من المعاهدين الذين يجري عليهم الحكم إذا جاءه في حد الله، وعليه أن يقيمه، واحتج بقول الله عز وجل: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ [التوبة:29] قال: فكان الصغار -والله أعلم- أن يجري عليهم حكم الإسلام ''

    قال الشيخ: ''وقد رد أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن قول من ذهب إلى النسخ، فقال: وهذه دعوى عريضة، فإن شروط النسخ أربعة، منها: معرفة التأريخ بتحصيل المتقدم والمتأخر، وهذا مجهول من هاتين الآيتين، فامتنع أن يُدعى أن واحدة منهما ناسخة للأخرى، وبقي الأمر على حاله''.

    ولهذا قال الشيخ: ''وهذا كلام ملقىً على عواهنه غير محرر'' والإشكال هو أننا قررنا أن سورة المائدة نزلت كاملة محكمة، فإن كانت نزلت دفعة واحدة، فكيف نقول: هذه الآية متأخرة وهذه الآية متقدمة، وإن كانت موجودة في الترتيب في المصحف؛ لأن عندنا بعض الأحكام تكون الآية المتقدمة فيها هي الآية الناسخة، وتكون الآية المتأخرة هي المنسوخة على الأقل على قول، وهنا في سورة المائدة: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة:49] لكن قوله تبارك وتعالى: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة:42].

    إذاً: المتوقع أنا نقول: إن الناسخ هي الآية (49) وقد نسخت الآية (42) لكن القضية إذا قلنا: إن السورة نزلت دفعة واحدة فليس فيها نسخ، وهذا أحد الأوجه التي ترجح أنه لا نسخ.

    وقال الشيخ أحمد شاكر: ''وأما الطبري فإنه أبى القول بالنسخ -قال: لا نسخ بين الآيتين- مستنداً إلى القاعدة الأصولية الصحيحة، وهي: أنه لا يصار إلى القول بالنسخ إلا إذا تعارضت الآيتان تعارضاً تاماً بحيث لا يمكن الجمع بينهما''.

    هذا هو الصحيح، وإذا لم يمكن الجمع فنحمل كل آية على محمل، ولذلك قال بعض العلماء: لا نسخ في القرآن مطلقاً، وكل ما قيل: إنه نسخ خرّجه على أنه إما تخصيص للعام أو تقييد للمطلق أو بيان للمجمل... إلخ.

    فهذا أحد الأقوال لكن الصحيح: أن النسخ قائم لكن ليس كما يتصوره البعض بكثرة كاثرة؛ لأنه يوجد سر في معنى كلمة نسخ، ولو عرفنا هذا السر انتهى الإشكال.

    فالنسخ عند السلف من الصحابة والتابعين يطلق على أمور كثيرة، فليس خاصاً عندهم برفع الحكم كليةً، بل إذا رفع جزءاً من الحكم أو عموم الحكم عدُّوا ذلك نسخاً، وإذا بين ما كان مجملاً أو قيد ما كان مطلقاً عدّوا ذلك نسخاً، وهو فعلاً رفع للحكم؛ لكنه رفع جزئي .

    أما المتأخرون عندما ضبطوا وأصلوا، قالوا: كلمة النسخ لا تطلق إلا على ما كان رفعاً كلياً للحكم وإحلال حكم آخر محله، وهذا لا بأس به ولا مشاحة في الاصطلاح، فلا نعترض على المصطلح، لكن نقول: إذا فُهم مصطلح النسخ وفهم في كلام غيرهم تبين أنه لا معارضة -إن شاء الله- ولا إشكال في هذا.

    فإذاً ما نفاه الحافظ الطبري رحمه الله حيث يقول: لا نسخ، أي: بالمفهوم المتأخر، لكن الحافظ على فضله وإمامته في التفسير والعربية، إلا أنه جمع بينهما فتأول الآية تأول المتأخرة، بما يجعلها توافق الأولى، بأن قال: أنت مخير احكم أو أعرض فإذا اخترت أن تحكم فاحكم بينهم بما أنزل الله، فحمل الآية الأخيرة على الأولى، وهذا فيه فائدة تدلك على أن كل إمام له ملحظ، فيقول الطبري: إنه حتى وهم أهل الكتاب مع تحريفهم وظلمهم وجورهم ومع إفكهم وافترائهم إذا اخترت -والخطاب لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو لأي قاضٍ مسلم بعده- أن تحكم بينهم فاحكم بينهم بما أنزل الله.

    فيقول الشيخ أحمد شاكر -وكلامه وجيه هنا-: ''ومن المفهوم بداهةً: أن هذا الجمع يكاد يجعل الأمر بالحكم بينهم في الآيتين تكراراً، فقط لما مضى في الآية [43] -آية التخيير- لأن نصها: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [المائدة:42]''.

    فإذا قلنا: إنه قال بعد ذلك: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ [المائدة:49] ولاشك أن الحكم بما أنزل الله هو الحكم بالقسط، إذاً تكون الآية وليس هناك فائدة، ولا جديد في هذا الكلام، فهي مجرد مؤكدة.

    لكن يقول الشيخ أحمد شاكر: ''الوجه الصحيح في فهم هذه الآيات والجمع بينها، وفي فهم حديث ابن عباس رضي الله عنه بالنسخ: أن آية التخيير إنما هي في القوم الذين جاءوا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحكمونه بينهم في شـأن الزانيين وفي شأن الديات، وهم قوم من يهود، لم يكونوا ذميين ولا معاهدين، أعني: لم يكونوا في سلطان الدولة الإسلامية ولا خاضعين لأحكامها، بل قدموا إلى الحاكم الأعلى في الدولة الإسلامية، يجعلونه حكماً بينهم في بعض شأنهم، وكانوا مستطيعين أن يحكموا بأنفسهم في شأنهم، بحكم دينهم أو بأهوائهم، كعادتهم في سائر ما يعرض لديهم من الأقضية، فإذا جاؤا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحكمونه في بعض ما عرض لهم، أعلمه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن له الخيار أن يحكم بينهم فيما حكّموه فيه أو أن يعرض عنهم''.

    فعندنا أهل الكتاب نوعان: نوع خاضع للدولة الإسلامية، فهو ذمي يعيش في أرض الإسلام، كمن يعيش في بلاد الشام أو مصر أو الأندلس من النصارى واليهود .

    والآخر لا يخضع لأحكام الإسلام، وإنما جاء يتحاكم إلينا، وهو يعيش -مثلاً- في فرنسا أو أمريكا أو أي مكان نحوهما، فجاءوا يترافعون إلينا، وطلبوا أن نحكم بينهم، لكن قد يشكل عليه موضوع الزانيين اللذين كانا في المدينة.

    لكن قد يُقال: إن هذا كان قبل أن يشمل حكم الإسلام جميعهم.

    أو نقول: إن هذا الحكم هو المقرر الآن بغض النظر عما جرى في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ونعمل بالآيتين جميعاً دون أن يلزم من ذلك معرفة المتقدم والمتأخر أو النسخ من غيره فنقول: إن أهل الكتاب إن ترافعوا إلينا فنحن مخيرون في الحكم بينهم، أما إذا كانوا ذميين خاضعين لحكم الدولة الإسلامية، فهذا نحكم فيه بحكم الله وجوباً .

    أما أهل الكتاب الذين لا يخضعون لحكم الدولة الإسلامية فنحن مخيرون أن نحكم بينهم بما أنزل الله، أو أن نقول: لا شأن لنا فيكم ولا إثم علينا لأن شرعكم عندكم، ونطالبكم بأن تؤمنوا وأن تسلموا ثم نحكم بينكم، ويخرج على هذا احتيالهم؛ لأنهم يقولون: إن حكم بما يوافق ما قررناه نحن واصطلحنا عليه أقمناه وجعلناه حجةً بيننا وبين الله، وقلنا: هذا نبي من أنبيائك حكم به، ومعلوم أن النبي المتأخر ينسخ الشريعة المتقدمة، فشريعتنا التي في التوراة منسوخة.

    إذاً: نحن لم نخالف أمر الله، وإن حكم بما يوافق حكم التوراة قلنا لأنفسنا: نحن قد تركناه وهو في كتابنا فكيف نقبله من عنده؟

    فلا نعمل به، فهذه حالة.

    ًالحالة الأخرى: أن أهل الذمة في بلاد الإسلام، فهؤلاء يقام عليهم أحكام الإسلام، وهذا من الصغار الذي يضرب عليهم، ولا شك أنه حتى المسلم يعتبر إقامة الحد عليه عقوبة وردع له، فكذلك أولى أن يعاقب من خرج على أحكام الله من أهل الكتاب، وعلى ذلك استقر الأمر.

    ويؤيد الشيخ أحمد شاكر هذا الرأي بكلام من: ''كلام الشافعي في الأم بل يكاد يكون صريحاً، فقد قال: لم أعلم مخالفاًمن أهل العلم بالسير أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما نزل بـالمدينة وادع يهود كافة على غير جزية -أي: عقد معهم وثيقة الموادعة من غير جزية، لأنه لم تشرع الجزية يومئذٍ بعد- وإن قول الله عز وجل: فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [المائدة:42] إنما نزلت في اليهود الموادعين الذين لم يعطوا جزية، ولم يقروا بأن يجري عليهم الحكم''.

    وقد يقولون: يا محمد! لم نكتب في الوثيقة أن حكمك يجري علينا، وإنما هي على أن نعينك في الحفاظ على المدينة من الأعداء.

    قال: ''وقال بعضهم: نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، قال الشافعي: والذي قالوا: يشبه ما قالوا، لقول الله عز وجل: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ [المائدة:43]، وقوله تعالى: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوك [المائدة:49] أي -والله أعلم-: إن تولوا عن حكمك بغير رضاهم، وهذا يشبه أن يكون ممن أتى حاكماً غير مقهورٍ على الحكم، والذين حاكموا إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -في امرأة منهم ورجلٍ زنيا- موادعون، وكان في التوراة الرجم، فجاءوا بهما فرجمهما رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: وإذا وادع الإمام قوماً من أهل الشرك ولم يشترط أن يجري عليهم الحكم، ثم جاءوا متحاكمين، فهو بالخيار بين أن يحكم بينهم أو يدع الحكم''.

    وكلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في الحقيقة أتانا بحالة ثالثة، وهذا يدل على نفاسة علم السلف وكمال فقههم، فكأنها صارت ثلاث حالات لا حالتين فحسب:

    الحالة الأولى: كفار تحاكموا إلينا ليس بيننا وبينهم أية علاقة .

    الحالة الثانية: وادعناهم وتحاكموا إلينا، لكن ليس في دارنا ولا تجري عليهم أحكامنا .

    الحالة الثالثة: من في دارنا وتجري عليه أحكامنا .

    فرحم الله الإمام الشافعي وأئمة السلف.

    قال الشافعي: ''وليس للإمام الخيار في أحد من المعاهدين الذين يجري عليهم الحكم، إذا جاءوه في حدٍ لله عز وجل، وعليه أن يقيمه، ولا يفارقون الموادعين إلا في هذا الموضوع''.

    فعلى هذا انتقلت حالة اليهود من موادعين إلى معاهدين.

    فإذاً: كانوا أول الأمر موادعين على أساس أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء إليهم وهم جزء من أهل المدينة، وهذا مهاجره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وليس من الحكمة أن يبدأ فيتقاتل أهل المدينة فيما بينهم، ويقول للأنصار أخرجوهم وتقع الفتنة، ولكن هذا الدين جاء بمراحل، فكان أول الشأن الموادعة، وكانت في الموادعة خير كبير؛ لأن أهل الكتاب بدءوا يسمعون كلام النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويقولون للأنصار: إن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو الرسول الذي عندنا في التوراة، وهذا الذي كذا، وأحاديث كثيرة في هذا بلغت مسامع أهل المدينة، وفيها تأليف لأهل الكتاب، وهذا من الحكم الدعوية حتى يعرفوا أن ما جاء به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاء مصدقاً لما بين أيديهم من الكتاب، وإقامة للحجة عليهم، وحكم ومصالح كثيرة، لكن لما قوي عود الإسلام وصلب واشتد، ومن حكمة الله بأن اليهود نقضوا العهد ففعل بهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما لا يخفى عليكم.

    فكلام ابن عباس رضي الله عنه أن الحكم باقٍ في أهل الحرب من أهل العهد، وأن وجوب الحكم في أهل الذمة، ونقرأ بعض ما ذكره من كلام ابن القيم رحمه الله عن النسخ.

    يقول الشيخ: '' وليس في هذا التأويل والجمع أي تكلف''.

    أي: بيَّن هذا الجمع بالآيات ويبن كلام ابن عباس وغيره، ممن قال: إن الآية فيها نسخ.

    قال ابن القيم: ''مراد عامة السلف بالناسخ والمنسوخ: رفع الحكم بجملته تارةً -وهو اصطلاح المتأخرين- ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارةً، إما بتخصيص عام، أو تقييد مطلق، وحمله على المقيد وتفسيره وتبيينه حتى أنهم يسمون الاستثناء نسخاً، والشرط والصفة نسخاً، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد ,فالنسخ -عندهم وفي لسانهم- هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه''.

    فهو عام يشمل عندهم الاستثناء والتخصيص... إلخ. كما سبق، والمهم أن يكون الرافع للحكم خارجاً عن النص، فإن كان في اللفظ فهذا جزء منه كالاستثناء المتصل، لكن إذا جاءت آية واستثنت ما قُرر في آية أخرى، فإن ذلك يسمى نسخاً، وإن كان في الحقيقة ليس بنسخ، وإنما هو استثناء لكنه غير متصل باللفظ.

    قال: ''ومن تأمل كلامهم، رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر''

    وهذا كثير جداً في مثل هذه الأمور، والواجب وما ينبغي لطالب العلم أن يتفطن لدلالة الألفاظ ومعانيها عند السلف، ومعانيها عند العلماء المتأخرين، حتى لا يلتبس عليه الأمر هنا أو هناك.

    وذلك مثل كلمة السنة: فبعض الناس يخلط ويتكلم بالخطأ؛ لأنه لم يفقه معنى السنة، والسنة لها عدة معان، فإذا قلت: فلان قال كذا وخالف السنة، فنقول: ماذا تقصد؟

    هل تقصد السنة بمعنى المندوب أو السنة بمعنى الحديث وعلمه أو السنة بمعنى الهدي والطريقة؟

    إذاً: لا بد من تحديد، ولذلك يلتبس هذا على من لم يفهم كلام السلف، فيضع هذا موضع هذا من النص أو غيره من الألفاظ، فيكون التناقض والاضطراب في الكلام.

    قال: '' وقوله تعالى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:48] أي: آراءهم التي اصطلحوا عليها -فنفس المناط متكرر في كلام ابن كثير رحمه الله تعالى وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله، ولهذا قال: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المائدة:48''.

    1.   

    تتمـة تفسير ابن كثير لآيات الحكم في سورة المائدة

    فقوله تعالى: وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:48] يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ''أي: آراءهم التي اصطلحوا عليها وتركوا بسببها ما أنزل الله على رسله''.

    وهذا تأكيد من الحافظ ابن كثير في أن مناط النهي وهو الكفر هو ما اصطلح عليه اليهود، فهي ليست مجرد أهواء، وإن كان الهوى منهيٌ عنه، لكن هذا هوى صحبه أنهم اصطلحوا وتعارفوا عليه واتفقوا وأحلوه محل حكم الله.

    وقد وصفهم بأنهم جهلة وأنهم أشقياء، لا لأنهم لا يعلمون التوراة، ولا يفقهون أحكامها، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد وصفهم بأنهم أحبار، والحبر هو: العالم من علماء أهل الكتاب، فهؤلاء إذاً علماء، لكنه وضعهم لأنهم جهلة من جهة أخرى ستأتي في قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة:50] أي: أن من خالف شرع الله فهو جاهل مهما كان عالماً لا سيما مثل هذه الحالة؛ لأنه خالفه عن عمد وقصد، ويكفيه جهالة أنه لم يوقر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولو كان عالماً بالله ومعظماً وموقراً له ومعظماً لحرماته ولكتابه ما خالف شرع الله وأحل محله هوىً أو شهوةً أو شرعاً آخر.

    الوجه الأول في تفسير قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً)

    ثم ذكر الروايتين اللتين وقفنا عندهما قبل هذا، وهي قوله تعالى: شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً [المائدة:48] قال: ''عن ابن عباس: شِرْعَةً قال: سبيلاً أو منهاجاً، قال: سنة، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري وغيرهم وعن ابن عباس أيضاً ومجاهد عكسه، قال: شِرْعَةً ومنهاجاً أي: سنةً وسبيلاً''.

    ورجَّح الحافظ ابن كثير الأول فقال: ''والأول أنسب، فإن الشرعة -وهي الشريعة أيضاً- هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال: شرع فلان في كذا، أي: ابتدأ فيه، وكذا الشريعة وهي ما يُشرع فيها إلى الماء''.

    أي: الشريعة في لغة العرب: هي ما يشرع فيه إلى الماء المورد الذي يشرب منه، فنقلت إلى ما أنزل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من الخير يرده الناس وهو هذا الدين.

    قال: ''وأما المنهاج فهو: الطريق الواضح السهل''.

    يقال: هذا منهاج، أي: طريق وخط سهل رحب وواضح.

    فيقول: ''والسنن -في اللغة-: الطرائق''.

    فناسب إذاً أن يكون المنهاج هو السنة فـ"شرعة ومنهاجاً" سبيلاً وسنة.

    يقول: ''فتفسير قوله: (شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً) بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس والله أعلم''.

    وهذه مسألة على كل حال الأمر فيها هين.

    قال: ''إن هذا إخبار في هذه الآية: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً [المائدة:48] عن الأمم المختلفة الأديان، باعتبار مابعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام، المتفقة في التوحيد''.

    والتنوين في قوله: (لِكُلٍّ) يسمى تنوين العوض عن كلمة محذوفة، أي: لكل أمة جعلنا شرعةً ومنهاجاً، فهو يقول: فهذا إخبار من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عن الأمم قبلنا، وعن هذه الأمة، أن الله تعالى جعل لكل أمة من الأمم شرعةً ومنهاجاً، أي: سبيلاً وسنة في الفروع، لأن الأصل واحد.

    فهو يقول: ''المختلفة في الأحكام -أي: في الفروع- المتفقة في التوحيد''.

    أي: بالنسبة لتوحيد الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- والإيمان بأسمائه وصفاته والإيمان بالقدر والإيمان بالأنبياء والكتب واليوم الآخر وكل أمور العقيدة متفق عليها بين الرسل الكرام، وبين الأمم جميعاً.

    يقول: ''كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: {نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد}... كما قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25] -هذه هي دعوة جميع الرسل- وكذلك قوله تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]''.

    وكذلك ما قصه الله تبارك وتعالى عن الرسل جميعاً، عندما يذكر الله عز وجل ما دعا إليه الرسل، وبما أجيبوا، كما في سورة الأعراف وهود والشعراء والأنبياء والمؤمنون وغيرها، حيث نجد أن كل رسول أول ما يفتتح الدعوة يقول: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] ولهذا يجب على كل من يدعو إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن يبدأ بما دعا إليه الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وإن كانت مظاهر الانحراف قد تختلف، حيث أن بعض الأمم انحرفت في التوحيد، ونتج عن ذلك عبادة الصالحين، كما حدث ذلك في قوم نوح، وبعضهم ادعى الربوبية كما ادعى فرعون الربوبية.

    فالخلاصة: أن مظاهر الإشراك بالله تختلف لكنها في جوهرها قضية واحدة، فهؤلاء قوم شعيب أشركوا ولكن المظهر الواضح لطغيانهم هو نقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم وقطع السبيل، مع أن هذا تفرع عن الشرك، وكذلك قوم لوط ارتكبوا هذه الفاحشة الموبقة وهكذا.

    فنجد أن كل أمة من الأمم قد يكون مظهر الانحراف فيها يختلف في بعض نواحي المعاملات أو الاقتصاد أو النواحي المالية أو الأخلاقية، وبعض الأمم يكون الإنحراف فيها في نواحي التنسك والتعبد، فكل أمة تختلف، لكن الجوهر واحد في دعوتها، وهو أنها لم توحد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

    ولهذا نقول: الدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يجب أن تكون إلى توحيد الله أولاً، ثم تركز على الجانب الذي وقع فيه الانحراف والخلل، وإن كنا نقول هذا بكل أسف، فنحن في هذا العصر قد اجتمعت علينا كل الانحرافات، فعبادة الموتى والقبور لا يكاد يخلو منها بلد في العالم الإسلامي، فلو وجهت له الجهود وحده لا ستنفذها ولا ستهلكها جميعاً.

    وجانب الشرك الجديد -أيضاً- وهو شرك القوانين الوضعية واتباعها وتقديسها وتقديمها على كتاب الله عمَّ الأرض وانتشر في الأرض.

    وجانب الولاء والبراء من موالاة الكافرين واتخاذهم أولياء من دون المؤمنين، وهكذا.

    فالواجب الآن كبير؛ لكن بحسب الدول والبيئات والمناطق والمدن، وذلك أن الإنسان يعتبر التوحيد عنده هو الأساس، ولكن يركز على مظاهر الانحراف الموجود في بيئته التي يعيش فيها، كما كان الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم يفعلون.

    فالتوحيد هو كل شيء، لكن مع التوحيد تعالج الظاهرة الموجودة، أي إلى جانب قوله: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] يذكرهم بما يفعلون، ولذلك فتنة عاد: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ [الشعراء:128] وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ [الشعراء:129] وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [الشعراء:130] حيث أن عاداً استكبروا في الأرض، وقالوا: من أشد منا قوة، فهنا أنت تخاطب وتعالج جانباً معيناً موجوداً في هذه الأمة، لكن أمة أخرى كقوم لوط كان ذنبهم ومصيبتهم هي فعل الفاحشة، فخاطبهم باستقباحها: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ [الأعراف:80-81] ولهذا قال: مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف:80] فخصهم بهذا، وأن هذه جريمة ما سُبقتم إليها، وهو بلا شك دعاهم إلى التوحيد، فكل الرسل هدفهم الأساس هو التوحيد؛ لكن مع الدعوة إلى التوحيد يجب أن نعالج أنواع الانحراف، فالتركيز يكون على جانب الانحراف عند الناس، فإذا كان الأمر أنها انحرفت في جميع الجوانب فلتعالج كلها، والله المستعان.

    قال: ''وأما الشرائع -أي: الأوامر والنواهي- فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في الشريعة حراماً ثم يحل في الشريعة الأخرى وبالعكس''.

    مثل قوله تعالى: وعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُر [الأنعام:146]... إلخ، فكان حراماً في شريعة اليهود ثم نسخ.

    قال: '' وبالعكس وخفيفاً فيزاد في الشدة في هذه دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة، والحجة الدامغة: قال قتادة: قوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً [المائدة:48] يقول: سبيلاً وسنة، والسنن مختلفة، هي في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي الفرقان شريعة، يحل الله فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه ''.

    فاليهود لما بعث الله فيهم عيسى عليه السلام، قال: وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ [آل عمران:50] فبعضهم قالوا: آمنا بالله وصدقنا رسول الله واتبعناه، فما أحل استحللناه، وقال بعضهم: لا، هذا خلاف ما في التوراة فكفروا به، فالنسخ من الامتحان والابتلاء، فلما بعث الله محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وجاء بهذه الشريعة حدث من اليهود والنصارى مثل هذا الكفر، وأنكروا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أموراً في الشرائع كما أنكروا عليه أموراً في الأصول كالتوحيد والإيمان بالله واليوم باليوم الآخر.

    ومن الأحكام التي أمرنا أن نخالف فيها أهل الكتاب، وهي في الفروع وليس في الأصول هو: مخالفة المجوس في اللحية، فالأصل في اليهود والنصارى أنهم لا يحلقون اللحى، كما في صور كل المفكرين والكتاب والزعماء والقادة الغربيين إلى القرن التاسع عشر، وإنما شاع هذا وانتشر في الجيوش، فقالوا: العسكري لا بد أن يحلق لحيته، فجاءت إلى المسلمين، وكان المسلمون لا يعرفون هذا إلا من تشبه بالمجوس أو بأشباههم.

    وكذلك مثل القبلة، فهي من أعظم ما خالفنا فيه اليهود، ونسخ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى شريعة أهل الكتاب وجاء بها، والآيات التي تحدثت عن تحويل القبلة موجودة في سورة البقرة، وكذلك الصبغ، والصلاة بالنعال، والسحور بالنسبة للصيام، وصيام يوم عاشوراء مع تاسوعاء، ومعاشرة الحائض، وكذلك يوم الجمعة -هدانا الله لها وضلوا فيها، وإن كانت هذه قد تكون عقوبة لهم- والأذان، وأحلت لنا الغنائم.

    إذاً: أمور كثيرة خالفناهم فيها، فهي إما أن تكون منسوخة، أو أنها كانت في شرائعهم فتدخل في النسخ؛ لأنها تغيير عما كانوا عليه من الحظر إلى الإباحة، أو أنها تغيير في النوعية، أو أن يكون مما شرع الله لنا من التوسعة تكرماً وتفضلاً منه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى علينا، كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً} وكان من قبلنا لا يصلون إلا في البيع والكنائس، فتفضل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى على هذه الأمة، فجعل لنا الأرض مسجداً وطهوراً: {فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل} كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

    وقال قتادة رحمه الله: [[ليعلم من يطيعه ممن يعصيه، والدين الذي لا يقبل الله غيره هو: التوحيد -لاتفاقهم عليه جميعاً- والإخلاص لله، الذي جاءت به الرسل]] وهذا كما في الآية التي رد بها الإمام الشافعي على أهل الإرجاء، لما سئل رحمه الله عن الإرجاء وترك العمل، قال: إن الله تعالى يقول: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاة [البينة:5].

    الوجه الثاني في تفسير قوله تعالى: ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً )

    ثم ذكر الحافظ ابن كثير وجهاً آخر في الآية، وهو أن قوله: لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً [المائدة:48] أي: أن المقصود هذه الأمة، وأن الله جعل لكل واحد من هذه الأمة سبيلاً إلى المقصد الصحيح، وهذا الكلام مرجوح، وكما قال الحافظ رحمه الله: لأن الله تعالى قال: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً [المائدة:48] فلو كان المقصود هذه الأمة لما أتى بهذه الآية، وإن كان هذا المعنى صحيح، فإن الله تعالى جعل لكل إنسان سبيلاً في المقاصد الصحيحة، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا [العنكبوت:69], وقال تعالى: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ [الأنعام:153] والسبيل في الحقيقة واحد، لكن الذين جاهدوا في الله وعدهم بأن يهديهم سبله.

    والمقصود: بالسبل الطرائق الموصلة إلى الخير، وطريق الخير في أصله واحد إلا أن له فروع تؤدي إليه بحسب ما أعطى الله.

    فهذا سهل له المال يأخذه عن حله وينفقه في حقه، ينفق منه آناء الليل وآناء النهار، وهذا آتاه الله الحكمة فهو ينطق بها ويعلمها للناس.

    وهذا آتاه الله الجهاد فهو آخذ بعنان فرسه في سبيل الله إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة.

    وهذا أعطاه الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو يصدع بكلمة الحق وينكر على الناس، ومهما أوذي صبر واحتسب.

    وهذا أعطاه الله العلم فهو يحفظ ويدون ويتتبع المسائل.

    وهذا آتاه الله الصدقة بالماء ليس له شيء إلا بئر فهو يعطي الناس يشربون من الماء مجاناً بلا مقابل، وبعضهم يشتغل بالذكر وليس له مال كما قال فقراء الصحابة رضي الله عنهم: {ذهب أهل الدثور بالأجور} فدلهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على العوض، وهو ذكر الله من التسبيح والتحميد والتهليل.

    فطرق الخير كثيرة وطاقات الناس واتجاهاتهم تختلف، ولا يعني ذلك أنه يهمل الجوانب الأخرى لكن يستفيد مما هو فيه، ولذلك لايستغني أحد عن أحد، فلو جاء عالم من العلماء الذين تحتاج الأمة إلى علمهم، وقال: إنه سيذهب إلى الجهاد نقول له: لا تذهب، فمن أين لنا بالعالم إذا قتلت؟

    بينما نجد مثلك في القوة من يذهب فيجاهد وتكون نكايته في العدو أشد منك وأنت نحتاجك في العلم، وهكذا... ومن الناس من يصلح في القضاء ولا يصلح في الإفتاء، ومن الناس من يصلح في الإفتاء ولا يصلح في القضاء، ومن الناس من يصلح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولايصلح في غيره.

    فالمقصود مع أن كل المسلمين يقيمون دين الله، ويجتهدون في ذلك، لكن الله تعالى جعل طرائق مختلفة توصل إلى الخير، وكان هذا حال الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فكانوا جيشاً واحداً خلف رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كل معركة، لكن هذا معروف بعبادته، وهذا بصدقته، وهذا بحرصه، حتى أن بعضهم قد يحرص على شيء مما تزدريه أعين الناس، كالرجل الذي دخل على رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولحيته تقطر، فقال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يقدم عليكم رجل من أهل الجنة} لأن ميزته عظيمة جداً، يغفل عنها كثير من الناس، وقد لاتعد في كتب المناقب والفضائل لأنها خفية، لكن هذا الرجل لا ينام ليلة وفي قلبه على مسلم شيء.

    فسبحان الله! من يقدر على هذا، إن الإنسان كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {ليبلغ درجة الصائم القائم بحسن الخلق} فإذا تعامل مع الناس يعفو ويصفح، وإن بلغه كلام فكأنه لم يسمعه، وإن أساءوا إليه استغفر الله لهم.

    قال: ''ولكن هذا خطاب لجميع الأمم، وإخبار عن قدرته تعالى العظيمة، التي لو شاء -كما في الآية- لجمع الناس كلهم على دين واحد، وشريعة واحدة، لا ينسخ شيء منها، ولكنه تعالى شرع لكل رسول شرعة على حدة، ثم نسخها أو بعضها برسالة الآخر الذي بعده، حتى نسخ الجميع بما بعث به عبده ورسوله محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي ابتعثه إلى أهل الأرض قاطبة، وجعله خاتم الأنبياء كلهم، ولهذا قال تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم [المائدة:48] ''.

    أي: ليختبر ويمتحن كل أمة بما أوحى إليها.. إلى آخر ما ذكر .

    1.   

    وجوب الحكم بما أنزل الله

    قال: ''وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:49]''.

    هذا الذي قلنا: إن فيها تأكيد لما تقدم من الأمر بالحكم بما أنزل الله، والنهي عن الحكم بما يخالف شرع الله ودينه: وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة:49] أي: احذر هؤلاء اليهود؛ فإنهم كما قال الحافظ رحمه الله تعالى: ''كذبة كفرة خونة'' فهؤلاء اليهود فيهم هذه الثلاث الصفات ''كذبة كفرة خونة''.

    بينهم ومع الآخرين في جميع الأزمان وفي كل مكان، هذا هو الحق في وصفهم.

    قال: '' فَإِنْ تَوَلَّوْا أي: عما تحكم به بينهم من الحق.

    وخالفوا شرع الله، وهنا -أيضاً- لفتة تربوية عظيمة جداً: فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة:49]''.

    أي: فإن تولوا وأعرضوا وتركوا حكم الله وما تدعوهم إليه: فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [المائدة:49] فنأخذ من هذه الآية من الفقه التربوي وفقه التزكية، فبعض الناس يقول: أين العقوبة على المعاصي؟

    فأمة من الأمم تعصي الله عز وجل فيزداد رزقها أو فرد يعصي الله فيزداد ماله ويفتح الله عليه فيه.

    أقول: مع أن هذا داخل تحت الإمهال والاستدراج ومع أنه سيؤخذ يوماً ما أخذ عزيز مقتدر، لكن هناك حكمة أخرى عظيمة، وسر عظيم، يغفل عنه أكثر هؤلاء، وهو: أن الإنسان قد يعاقب على المعصية بمعصية شر منها، وعلى الشرك بشرك مثله أو أكبر منه -والعياذ بالله- ولذلك يجب على الإنسان أن يتقي الله، وأن يذعن، وأن ينقاد لأمر الله، قال الله تعالى: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:110] فإذا جاءك الحق فأقبل عليه؛ لأنه يخشى على الإنسان إذا أعرض عنه أن يقلب، فمهما أتاه الحق يكون قد غلف فؤاده وطبع عليه -نعوذ بالله من ذلك- فلا ينفعه ولا يدخل إلى فؤاده تذكير ولا موعظة -نسأل الله العفو والعافية- فمن إصابتهم ببعض ذنوبهم أنهم يعاقبون بأن يعرضوا عن الإيمان -نعوذ بالله- فلا يقل أحد: فلان أكل الربا، ولم تنزل عليه صاعقة من السماء، ولا خسف به وبداره الأرض.

    إذاً: فالوعيد في القرآن للماضين، وكأن الكلام لا يعنينا والخطاب لا يهمنا، ولا أُنزل إلينا، ولذلك يأكلون الربا، ويقولون: ليس علينا حرج، وينسون أن آكل الربا قد يعاقب بأن يستحل الربا؛ فإذا استحله كفر على جميع المذاهب، إذ لا خلاف أن من استحل الربا كفر، حتى وإن جاء من يفتي من القائلين على الله بغير علم، ويقول: الفوائد فيها وفيها، فوالله إنهم ليعلمون أن الربا حرام، ولو جاءتهم ألف فتوى، وكتب الفقه كلها مجمعة على أن من استحل محرماً كالربا أو الزنا أو شرب الخمر فقد كفر، وفي أي كتاب من كتب الفقه الإسلامية -في باب المرتد- تجد فيه أنهم يقولون: من استحل شيئاً مما حرم الله معلوم من الدين بالضرورة مثل كذا وكذا فقد كفر.

    إذاً: عقوبتك للربا صارت استحلالاً نعوذ بالله .

    وقد يكون زانياً يذكر بالله، لكنه يستمر في الزنا -نعوذ بالله- عند ذلك يستمرئ هذه المعصية، فيعاقب بمثل ذلك، إما بأن يستحل الزنا، وإما بأن يكفر بالدين كله، ثم يقول: القضية قضية حرية، وحب وعلاقات عاطفية، ويحتج بالغرب، فكان أول الأمر يأتي الفاحشة ولو ذكرته بالله يخشى، ولا يصرح بها، وفي النهاية يكتب في الجريدة عنها، ويتبجح بها نعوذ بالله من ذلك.

    وهذا مما ذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه يأتي أحدهم الفاحشة أو يأتي الذنب فيستره الله عليه، فيقوم وينشرها على الملأ، فيكتب عن الحب، والعلاقات الغرامية، والصداقة ويذكر لك قصته، كيف قابل امرأة وصار صديقها -نعوذ بالله- لأن القلوب قد غلفت وطمست فعوقبوا، وهكذا في كل ذنب من الذنوب لا يأمن الإنسان أن يعاقب بأشد منه.

    وبعض الناس -نعوذ بالله- ذنبه الغيبة والنميمة فهو بدأ يغتاب رجلاً ثم الثاني، ويقال له: اتق الله ولاتغتاب، اتق الله في أعراض المسلمين، ولكنه لا يبالي، فهو في أول أمره كان يغتاب الفساق، أو يذكر بعض الناس الذين فيهم أخطاء فيعاقب بعد ذلك بأن يغتاب الأبرياء والأولياء وهو لايدري، لأنه توغل في الغيبة، ولم يدر إلى أي حال قد وصل إليه! وإذا به يصل إلى أن يغتاب أولياء الله الصالحين، فتكون النتيجة كما قال الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) فيصبح يحارب الله وهو يظنه مجرد كلام وحديث عابر، فليحذر كل عاقل من هذه الذنوب والمعاصي ومن أضرارها وآثارها نسأل الله العفو والعافية.

    النهي عن اتباع الأهواء

    ثم قال: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة:49] فاختتم الآية بهذا .

    يقول ابن كثير رحمه الله: ''أي: أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم، مخالفون للحق ناكبون عنه، كما قال تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف:103] وقال تعالى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]'' الآية.

    فليست العبرة بالأكثرية، وهنا حكمة عظيمة لا سيما في زمننا هذا فأكثر الناس فاسقون، وأكثر الناس يريدون حكم الجاهلية، ولذلك هل نعرض دين الله وشريعة الله للتصويت، ونأخذ رأي الشعب؟ وهل نحكمهم بالقرآن أم بالقانون الفرنسي؟! ولذلك يقول الله تعالى: إِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة:49] أي: أن أكثرهم يريدون الشهوات، ويريدون انتهاك الحرمات، كمثل الذين وصفهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في السفينة، لا يريدون أن يصعد أحدهم إلى من فوقهم ويستقي الماء، بل يريدون أن يخرقوا ويشربوا مما يليهم، وهذا حال الكثير من الناس.

    فليست القضية قضية ديمقراطية، إنما هي قضية اتباع ما أمر الله به مهما قل العدد، ويجب أن ندعو الناس إلى ما أنزل الله وألاَّ نتبع أهواءهم وألاَّ نرد الأمر إلى آرائهم؛ لأن آراء الناس عجيبة جداً، فترى الناس سواسيه في الطريق وفي العمل وفي الشارع، وتقول: الحمد لله لأن الناس متفقون، لكنك لو قمت باختبارهم لرأيت العجب العجاب، فرجل له رأي في الربا، وآخر له رأي في تعدد الزوجات، وآخر له رأي في نظام معين، ولا يوجد أحد منهم يحتقر رأيه، بل كل إنسان منهم مستعد أن يقول: هؤلاء العلماء الكبار ليس عندهم علم، ثم يبرر موقفه، ويقول: انظر كيف أفتوا في هذه، وكذلك أجهل الناس في السياسة والاقتصاد.

    وهذه مشكلة أصحاب الهوى، فإذا وكلنا دين الله إلى هذه الأهواء ماذا نلقى؟

    فرجل لم يعجبه الدين كله، وآخر يقول: الدين حسن لكن عندي عشر مسائل أو خمس لم تعجبني، وهكذا يريدون أن يكون الدين على شهواتهم، ثم المسألة المتفق عليها بعضهم عنده فيها نظر، فيقول: الخمر لا بأس أن تقول إنه حرام، لكن نبيحه في الفنادق والقنصليات والسفارات، ويقول: أنا أعلم أنه حرام، ولكن نحن في القرن العشرين فلا بد أن نعطي هؤلاء الناس مزية، وهكذا الزنا فهو يقول: الزنا حرام، ولكن هؤلاء لو أتو بمصائبهم معهم نتركهم، وهكذا.

    فالذي يتفق معك في المبدأ يختلف معك في التفاصيل، فكيف بالذي لا يوافقك حتى في أصل المبدأ، ماذا تكون النتيجة؟

    إنها أهواء كما ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ولا يمكن أن يجتمع الناس على رأي، وإنما الذي يجب أن يخضع له كل الناس هو ما أنزله الله وما أمر به رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [المائدة:48] فمهما كانت هذه الأهواء فلا نتبعها وإن كثرت؛ لأنك إذا سلمت بالمبدأ وهو أن أهواء الناس ورغباتهم هي المعيار لن يبقى لك من الدين شيء، بل أنت يامن تريد أن تمالئ الناس ستأتي فترة من الزمن يقولون فيك: إنك لا تصلح، وكنت تظن أنهم يحبونك.

    فيجب أن يُعلم أن القضية ليست قضية أهواء، إنما هي قضية اتباع ما أنزل الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لأنه لو رُد الأمر إلى أهواء الناس لما صلحوا ولما اتفقوا، فهم يريدون أن يجعلوا العالم متوافقاً مع رغباتهم، والرغبات تختلف، وبهذا لن يكون عندنا عالم، وهكذا الحاكم والمدرس وأشكال الأسواق... إلخ.

    الفرق بين الشورى والديمقراطية

    فلا يمكن أن تستقيم الأمور على أهواء الناس أبداً، ولذلك لو نظرت إلى حقيقة ما يسمى بـالديمقراطية، هل هي فعلاً حكم الشعب للشعب؟!

    أي: أن الشعب يحكم نفسه فعلاً، وهل حكم الشعب نفسه بنفسه في التاريخ كله؟!

    ولذلك تجد أن أهل القرى في المجتمعات اليونانية الصغيرة، وفي حكومات الكوميوند، أو جزء من ذلك في إيطاليا كانوا يجتمعون ثلاثين أو أربعين يتشاورون ويحكمون أنفسهم، هذا في كتب علم السياسة، وما يسمونه بالفقه السياسي... إلخ يقولون فيها: لم يوجد حكم ديمقراطي حقيقي مباشر إلا في القرى الإغريقية القديمة، أما ماعدا ذلك فلا.

    قلت: فالفردية التي عدد أفرادها ثلاثين شخصاً، أي: الكبار منهم من يحق له الانتخاب، هل فعلاً حكموا أنفسهم بأنفسهم، أم أنه لابد من شيخ في القرية، إذا تحرك التف حوله عشرون نفراً، وخفضوا رءوسهم وسكتوا.

    حتى القرية الصغيرة الحاكم فيها ثلاثة أو أربعة وجهاء من الناس، ولا يستطيع أحد من الناس أن يرفض، وذلك لأنهم يخافون من البطش، إذاً فهي إما قوة جسدية أو قوة مالية أو قوة منصب، حتى الحكم المباشر الذي يضربون له مثال بالثلاثين والخمسين لا يوجد أبداً، ففي النهاية الذي يحكم هو صاحب الهوى، حيث يشغل قوته في هواه كما يشاء، فكيف إذا ما صارت الأمة بالملايين، وقالوا: لابد من ممثلين ينتخبهم الشعب، ويرضاهم ودخلت المتاهات.

    كما ترون في أمريكا أن الناس حزبين فقط: ديمقراطي وجمهوري، لاخيار غيرهما، حتى وصل بهم الأمر في بعض الولايات إلى أنه لابد أن تتوارث الحزبية، أي: أن الأب ديمقراطي والابن ديمقراطي والحفيد ديمقراطي إلى يوم القيامة، ولهذا تجدون أناساً كثيرون لايصوتون ثم يذهبون إلى دول أخرى، ويقولون: إن القضية ليست قضية حزبين وهكذا الضلال.

    ففي إيطاليا قبل فترة من الزمن لما تغيرت الحكومة الأخيرة، ذكروا أنه ما يقارب من خمسين حكومة تشكلت منذ الحرب العالمية الثانية -أي: تقريباً خمسين سنة- فأحياناً كل ستة أشهر في إيطاليا وفي غيرها تتشكل حكومة جديدة ووزراء جدد، فالوزير الذي يعلم أنه لن يحكم إلا ستة أشهر، ماذا تريد أن يعمل بالأموال؟

    لكن لو كان أمامه عشرون سنة فسيجمع قليلاً قليلاً، فالناس هناك في لعب وضلال وتخبط، أهذه هي القدوة التي يريدون أن نترك كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من أجلها؟!

    والشورى التي أنزلها الله وأمر بها، وعمل بها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما قال شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله: ''لا أعرف أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ''.

    وقد وردت في حديث لكن في سنده انقطاع؛ لكنه من حيث الحقيقة فهذا ثابت كما قرره شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله، فلم يكن أحد من الولاة أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثم الخلفاء الراشدين من بعده: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38]، فهم يتشاورون في الأمر العظيم، فإذا جاءهم عن الله أو عن رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نص، قالوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [البقرة:285].

    ومن القصص العجيبة في هذا: قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما ذهب إلى بلاد الشام فجاءه الأجناد والأمراء، والحديث في صحيح مسلم مفصلاً، وله أصل في البخاري وغيره، وفيها أنه جلس فقال له الأمراء: إن الوباء -وهو الطاعون- قد نزل في بلاد الشام فما الرأي؟

    وعمر رضي الله عنه ليس كأي أحد، إنما هو محدث ملهم ألقى الله الحق على قلبه ولسانه، ومع ذلك لم يستبد برأيه، بل قال: عليّ بالمهاجرين، فاجتمعوا واختلفوا، فقال: عليّ بمشيخة الأنصار، فاختلفوا كلٌّ له رأي، من يقول: نقدم، ومن يقول: نرحل، فتردد في الأمر، وفي الأخير عزم على أن يرحل، وقال: الغداة الرحيل، فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وكان غائباً لبعض أموره، ولم يكن حاضراً للشورى، فقال: عندي في هذا علم، سمعت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: {إذا نزل الوباء وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها، وإذا لم تكونوا فيها فلا تدخلوها -أو فلا تقدموا إليها} فقال عمر: الحمد لله، ولو كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه موجوداً فأخبر بهذا الحديث أول ماجاءه الخبر، لما احتاج أن يشاور أحداً أبداً.

    وفي هذا الحديث فائدتان عظيمتان:

    الأولى: أهمية الشورى، وألاَّ يستبد الحاكم برأيه.

    والأخرى: أنه إذا جاء نص صريح فلا تشاور، أما مسائل الاجتهاد وموارد الاختلاف فالأمر فيها آخر، فالقضية ليست قضية ديمقراطية: وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [المائدة:49].

    تفسير قوله تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ)

    وقوله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] فأكثر الناس هذا حالهم.

    يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ''قوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]ينكر تعالى على من خرج -أي: الاستفهام هنا للإنكار- عن حكم الله المحكم، المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ماسواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله''.

    وهذا كلام نفيس يكتب بماء الذهب، فلا يعدل الإنسان أو يخرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، في كل زمان وعصر، ولا يعدل إلى ماسواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، أي: سواء كانت فلسفات أو قوانين أو أعرافاً أياً كانت '' التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله ''.

    أي: إن القضية ليست قضية اجتهاد من العلماء في النصوص.

    قال: ''كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات '' .

    فـابن كثير رحمه الله تعالى حكيم في كلامه، حيث قدم بمثال متفق عليه، ثم انتقل إلى المثال الواقع في عصره، فأول ما مثّل قال: ''كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم''.

    فالعرب في الجاهلية في عكاظ -السوق الجاهلي القديم- ومجنة وذي المجاز عندهم حكماء غالباً إما كهان وبعضهم قد يكون مما آتاه الله بلاغة وبياناً ويسمونه: الحاكم، يأتي الناس ويتحاكمون إليه، ويحكم كما يشاء فيما يشاء بلا دليل ولابرهان من الله ولا أحد من رسله، فيفرق بين المتماثلين ويماثل بين المتفرقين، والكاهن يدَّعي أن العلم جاءه من رائيه، فينطق ويقول: أخبرني هذا، أي: شيطانه، والشيطانين يوحون إلى أوليائهم، فيحكم بينهم، وكانوا يتحاكمون إلى الأزلام، ويستقسمون بها، ويقولون: اضرب القدح، فإذا كان كذا عليك كذا، وإذا انقلب كذا عليك كذا، بلا بينة ولاسماع.

    وهذا مثال آخر: امرؤ القيس لما قتل أبوه كان عربيداً سكيراً، أي: متحرراً متطوراً، وكان يظن أنه يعيش حياة عصرية -كما يقولون- فلما قتل أبوه رجع، وقال: اليوم خمر وغداً أمر، ماذا أفعل بقتلة أبي؟

    فقالوا: تذهب إلى ذي الخلصة الذي في بلاد دوس تستشيره في أن تقتل قتلة أبيك أم لا؟

    وذهب امرؤ القيس إلى ذي الخلصة..كما ذكر الكلبي في كتابه الأصنام -وذكره غيره- واستقسم بالأزلام عند ذي الخلصة وفي كل مرة يكون نصيبه لا تفعل، والعرب دائماً عندهم الثأر، فقال:

    لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا

    يوماً وكان شيخك المقبورا

    لم تنه عن قتل العداة زورا

    ورمى الأزلام، ورحل إلى قيصر يستنجد به، يريد أن يستعين به على كندة.

    فالشاهد قوله:

    لو كنت يا ذا الخلصة الموتورا!!

    أي: الذي قُتل أبيه.

    يوماً وكان شيخك المقبورا!!

    أي: كان أبوك الذي مات.

    لم تنه عن قتل العداة زورا.

    فهو يقول: تنهاني عن قتلهم؛ لأنه ليس أبوك هو المقتول، وذي الخلصة صخرة، لا درت ولا أفتت ولا أحلت ولا حرمت، ولكنها الضلالات والجهالات، كما قال سبحانه: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُون [المائدة:50] فالناس هم من يبغون، وهذا المثال الواضح لا يخالف فيه أحد.

    التتار يحكمون بغير ما أنزل الله

    وابن كثير رحمه الله تعالى ذكر شيئاً آخر، فقال: ''وكما يحكم به التتار -ولم تكن جاءتهم المصائب التي جاءتنا ولم يأتِ نابليون ولا القوانين الوضعية- من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكيز خان، الذي وضع لهم الياسق، وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها''.

    وفيه جزء من الشريعة الإسلامية فهي تعتبر مصدراً رئيسياً، ونستطيع أن نقول: لأنه من اليهودية والنصرانية، والنصرانية أحكامها قليلة أصلاً.

    ومن أمثلة هذا المادة الأولى من القانون المدني المصري، الفقرة الثانية، تقول في معنى الكلام: يكون الحكم بما ورد في هذا القانون، فإن لم يوجد أي نص من القانون المدني على الحكم فيعمل بمقتضى العرف، فإن لم يوجد فيعمل بمقتضى الشريعة الإسلامية فإن لم يوجد فبأحكام القانون الطبيعي ومبادئ العدالة.

    وجاء الشارح -أيضاً- فزاد الطين بلة، فقال: إن قانوننا المدني أعطى الشريعة منـزلة سامية عظيمة؛ لأنه جعلها في المرتبة الثالثة.

    ويقولون: هذه فيها محاباة لأنه قدمها على مبادئ العدالة -نعوذ بالله- أما الياسق فهو مأخوذ من الإسلام واليهودية والنصرانية مباشرة، وسأذكر بعض الأحكام من الياسق، وهي مأخوذة فعلاً من الإسلام مباشرة، فالشريعة الإسلامية مصدر رئيسي في الياسق.

    قال: ''وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعاً متبعاً يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ''.

    فقدموا الياسق على الكتاب والسنة مع أن الشريعة هي مصدر من المصادر .

    قال: ''من فعل ذلك فهو كافر، يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله -أي: هذا حكم الله فيه- فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال الله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [المائدة:50] أي: يبتغون ويريدون وعن حكم الله يعدلون: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]''.

    وابن كثير رحمه الله تعالى يتكلم عن واقع الأمة كما ذكر هو في تاريخه رحمه الله.

    فاضطربت الأمة في شأن التتار، واختلف العلماء هل نقاتل أم لا؟

    ثم قالوا: إن قاتلناهم نقاتلهم على أنهم بغاة أم على أنهم خوارج، وكيف نقاتلهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وفيهم من يصلي، وفي جيوشهم جموع من الناس تصلي، ويقولون: نحن مسلمون؟

    فقالوا: كيف نقاتلهم؟

    كما التبس الأمر -تقريباً- على الصحابة رضي الله عنهم سوى أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قالوا: كيف نقاتلهم وهو يشهدون أن لا إله إلا الله؟

    وقال بعضهم: أنؤجلهم سنةً -نعفو عنهم هذا العام من الزكاة- حتى نتألف قلوبهم؟

    فاشتبه الأمر عليهم ثم أفتى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله تعالى بأن هؤلاء خارجون عن الشريعة، ويجب قتالهم، وليس قتالهم من جنس قتال الخوارج ولا البغاة، وإنما من جنس الخارجين عن الشريعة والمرتدين، كـمسيلمة وأمثاله، كمن جحد الزكاة، فهؤلاء جحدوا حكم الله، فهم كمن جحد الزكاة، فحالهم كحال المرتدين، ثم اجتمعت الأمة على هذه الفتوى وجاهدوا، وكان من يقودهم في المقدمة هو شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله.

    فهذا الحافظ ابن كثير وهو من خيرة وصفوة هؤلاء التلاميذ النجباء الذين أخرجتهم تلك المدرسة السلفية العظيمة لـشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية، حيث كانوا كلهم هو وابن القيم والحافظ المزي رحمه الله والذهبي وغيرهم من خير رجال الأمة الذين كانوا في ذلك العصر، فجددوا الدين، وكان لهم هذا الموقف الموحد من التتار، ومن الرافضة ومن الباطنية ومن كل أعداء الدين، وأعداء العقيدة، وإن تمسحوا بها وادعوها.

    فهذا الحافظ ابن كثير رحمه الله هنا يؤكد على فتوى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية بشأن التتار، وأنهم كفار، وأنه يجب قتالهم حتى يرجعوا إلى حكم الله ورسوله: ''من فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير''.

    فلا يقول: أنا عندي القانون الجزائي في العقوبات، والعقوبات كلها من الشريعة الإسلامية، ولكن القانون المدني من القانون الوضعي، ولا يجوز الحكم به لا في قليل ولا كثير، ويكون الدين كله لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، قال سبحانه: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض [البقرة:85].

    قال: ''وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن به وأيقن، وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها''.

    فيقصد ابن كثير رحمه الله هنا ذكر بعض الميزات التي أوجبت علينا أن نتحاكم إلى شرع الله وهي:

    أولاً: العدل.

    ثانياً: الحكمة، قال: ''وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها ''.

    لأن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حين شرع لنا هذا الدين وأحل ما أحل وحرم ماحرم، أرحم وأرأف بنا من الوالدة بولدها، كما أخبر بذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث الصحيح المعروف: {لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مائة رحمة أنزل في هذه الدنيا رحمة واحدة فيها يتراحم الناس وادخر تسعاً وتسعين رحمة عنده} فالذي يشرع وهو بهذه الرحمة لن يشّرع لهم إلا ما فيه خيرهم ومصلحتهم.

    قال: ''فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء''.

    أي: أن من كانت فيه هذه الصفات فهو الذي يشرع، وهذا يذكرنا بكلام الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى، ورسالة لطيفة صغيرة ولكنها قيمة، كتبها الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل، وهو من الدعاة الذين نسأل الله أن يبارك في علمهم وفي جهدهم في الرياض، عنوانها: إن ربك حكيم عليم، وله غيرها، مثل: قل إنما أعظكم بواحدة، وذكر كيف أن مقتضى أسماء الله وصفاته تحتم انفراد الله بالحاكمية، فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، والعادل في كل شيء، ولا يوجد أحد يتصف بهذه الثلاث الصفات غير الله عز وجل حتى يجوز له أن يشرع.

    وعلّق الشيخ أحمد شاكر رحمه الله على كلمة الياسق، فقال: '' الياسق، هكذا رسمت هذه الكلمة في المخطوطتين -اللتين أطلع عليهما رحمه الله- والمطبوعة، وهي كلمة أعجمية، ولذلك اختلفت المراجع في رسمها وأصلها ''.

    وأنبه على أن الموجود في مجموع الفتاوى لشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية أن المعلق قال: كلمة لم أتبين لفظها، أي: لم يعرفها، والكلمة هذه تكتب أحياناً الياسق، وتكتب أحياناً السياسة، وأحياناً: الياسة، وأحيانا: السياسا، وأحياناً: اليسغ. أي: أن الكلمة الأعجمية يتصرف فيها العرب، فحيث ما وجدت هذه الألفاظ فالمقصود واحد، وهو كتاب جنكيز خان.

    ويقول الشيخ أحمد شاكر نقلاً عن الحافظ ابن كثير في التاريخ (13/117): ''وضع لهم السياسة التي يتحاكمون إليها ويحكمون بها وأكثرها مخالف لشرائع الله وكتبه، وهو شيء اقترحه من عند نفسه، واتبعوه في ذلك، ثم سماها بعد ذلك الياسا''.

    والحافظ ابن كثير فيما نقله عن الوزير علاء الدين الجويني، سماها الياسا، قال: ''وأما كتابه الياسا، فإنه يكتب في مجلدين بخطٍ غليظ، ويحمل على بعير عندهم''.

    أي: هذا دستور يعظمونه .

    وقال الزبيدي في شرح القاموس "7/98": ''يساق -هذه كتابة أخرى على وزن كلمة- كسحاب، وربما قيل: يسق بحذف الألف، والأصل فيه: يساغ بالغين المعجمة، وربما خفف فحذف -قد تكون يسا- وربما قلب قافاً''.

    ويقصد بذلك إما أن يُقال: يساغ أو يحذف الغين ويقول ياس أو يسه: ''وهي كلمة تركية ''.

    ويقول بعضهم: إنها مغولية، وبعضهم يقول: إنها تتارية، وبعضهم يقول: أنها تركية والكلام واحد، لأنهم يقال لهم جميعاً تركاً أو أتراكاً: ''يعبر بها عن وضع قانون المعاملة، كذلك ذكرها غير واحد، وقد حررها المقريزي في الخطط "3/357-358" قال تحت عنوان: ذكر أحكام السياسة''.

    وهو قانون المعاملة أو الدستور أو القانون أو الشريعة التي وضعها جنكيز خان وأخذها من اليهودية والنصرانية والشريعة الإسلامية، وركبها وجعلها شرعاً متبعاً يتحاكم إليه قومه، وقد سبق الكلام عن تاريخ وضع القوانين، وذكرنا أن هذا يعد من أقدم القوانين بالنسبة لكونه قانوناً مكتوباً، أما القوانين العرفية غير المكتوبة فهي قديمة؛ لكن هذا من أشهر ما يسمى بقوانين القرون الوسطى.

    1.   

    التتار والحكم بغير ما أنزل الله

    لو عدنا إلى كلام الزبيدي نجد أنه دقيق في عباراته فيقول: ''يعبر بها عن وضع قانون المعاملة، كذلك ذكره غير واحد''.

    فالقانون الذي وضعه جنكيز خان المقصود به قانون المعاملة، والمعاملات العسكرية جزءاً منها -الجند والقادة- وهذا من أعظم ما اهتم به جنكيز خان، وهو أن يرتب حقوق الجنود فيما بينهم، فهو قانون للمعاملة.

    أما ما يتعلق بالدين أو التدين، أو الأحوال الشخصية كما يسمونه فقد ترك، وكان في دولة التتر النصارى والمسلمون والمشركون بجميع أنواعهم، وإنما الذي نظمه وشرعه جنكيز خان هو قانون المعاملة، وهو صورة لما تريده القوانين المعاصرة اليوم.

    فالمقصود عندهم هو تنظيم قوانين المعاملات بالدرجة الأولى -التي يسمونها المدينة عموماً- وقضايا العمل والعمال والشركات والبنوك والأمور الاقتصادية، ثم الجانب الجنائي والجزائي -كما يسمونه- وبعض الدول لا تمانع من الاستفادة في بعض هذا الجانب من أحكام الشريعة الإسلامية، لكن بقية الأحكام التي هي قوانين في المعاملة -كما ذكر الزبيدي في شرح القاموس-فلابد أن تخضع للقانون الذي وضعوه.

    نشأة القوانين الوضعية

    والمقصود أن القوانين في الياسق -كما سنستعرض بعضها إن شاء الله من كلام الحافظ ابن كثير- كانت في هذا الجانب، مع أنه أيضاً فيها أحكام جزائية أو جنائية.

    يقول الشيخ: أحمد شاكر: ''وقد حررها المقريزي في الخطط "3/357-358" قال: تحت عنوان: ذكر أحكام السياسة -والمقريزي هو من أوفى من شرح وفصل موضوع الياسق وقد ذكر الشيخ أحمد شاكر هنا الكلام المهم منه- ويقال: ساس الأمر سياسة، بمعنى قام به... فهذا أصل وضع السياسة في اللغة، وقد ذكر كما ذكر صاحب خزانة الأدب قال:

    فكيف نسوس الناس والناس دوننا      إذا نحن فيهم سوقة نتنصب

    فـالمقريزي يريد أن يرجع إلى الأصل اللغوي، لأنه حصل لبس كبير عند كثير من المؤرخين في أصل الكلمة، وهذا البيت ينسب إلى هند بنت النعمان بن المنذر، والمعنى: بينما كنا نسوس الناس أي: نقودهم ونرعاهم ونوجههم، -فهذا أصل وضع السياسة في اللغة، ثم رسمت بأنها القانون لموضوع رعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال- ولا شك بأنها مفاسد وليست مصالح لكن من وجهة نظر أهلها، يقول المقريزي- والسياسة نوعان: سياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الأحكام الشرعية، علمها من علمها، وجهلها من جهلها... والنوع الآخر سياسة ظالمة، فالشريعة تحرمها''.

    فهذه مقدمة عن السياسة وهي كلمة موجودة ومستخدمة بمعنى الوسائل والأساليب أو الأنظمة التي يتخذها الحكام والولاة لضبط الأمور.

    والسبب في احتياج الناس إليها هو تقصير القضاة والفقهاء، حيث ضيّق بعضهم مفهوم الحدود، فقصروا الحدود في الحدود المعروفة كشرب الخمر، وحد القذف، وحد السرقة، وحد الحرابة، وحد البغي وما عدا ذلك ليست حدوداً، وكان الأمراء ورؤساء الشُرط، والمكلفون بضبط الأمن في الولايات يعتبرونها من باب التعازير فلم تكن تندرح ضمن الأحكام، ولم يكن يتناولها القضاة وبعض الفقهاء المتأخرين، وإنما تركت على أساس أنها تعازير ترجع لولي الأمر، ولما صار ولاة أمر المسلمين من العجم، وكذلك الجنود، وكانوا لا يفقهون اللغة العربية أو شيئاً من الأحكام الشرعية، كان بدهياً أن يجتهدوا من عند أنفسهم، ويضعوا النظم والوسائل لضبط الأمن والأحكام التي مهدت لقبول الياسق أو الياسة.

    ومن الأمثلة على ذلك، ما ذكره ابن القيم في الطرق الحكمية، فجعل أن بعض الفقهاء منهم من لم يفهم حقائق الشريعة، فجعل البينة هي الشاهدين فقط، فإذا انتهك عرض إنسان أو سلب ماله في البر وأتى إلى القاضي أمره بإحضار شاهدين، ومن أين له ذلك وهو في البر، وبناءً على ذلك ضاع الحق، فأصبح الولاة لا يحيلون هذه الأمور إلى القضاة، فإذا لم يكن هناك شهود عذبوا الخصم بأي شكلٍ ما، ويأتون بشيخ قبيلته أو عشيرته ويعذبونه حتى يتبين أنه هو أو غيره، فيستخدمون وسائل كثيرة لاستخلاص الحقيقة، ويقول: لولا ذلك لما ضبط الأمر، لأنه لا أحد يجني جناية ويأخذ معه شاهدين، فبذلك تضيع الحقوق.

    أما ابن القيم رحمه الله فيقول: البينة ما أبان الحق، وكشف عنه أياً كان، حتى لو كان بالقرائن، كقرائن معينة تصل إلى حدِّ البينة، لكن لما ضاق الأمر من الناحية الفقهيـة، ومن ناحية القضاء ولابد للناس أن تضبط أمورهم، وكان الذين يضبطون الأمور جهلة بالشرع وبمقاصده، وشروط الاجتهاد ليست متوفرة فيهم، فضلاً على أن نقول: إنهم جهلة بالفقه، فلا فقه ولا اجتهاد.

    ولكن لا بد أن يضبطوا الأمر، فضبطوه بهذه الوسائل التي أخذوها من تربيتهم العسكرية، وخاصة الترك السلاجقة ثم مَن بعدهم، لأنهم قوم متربون تربية قبلية عسكرية.

    والقبائل إلى اليوم لها سلوم وسوالف وأحكام ونظم تطبقها، فأخذوا هذه الأنظمة ووضعوها مع الشرع، فقالوا: هذه شريعة وهذه سياسة، فإذا أحيل إلى القاضي وحكم عليه بحد من الحدود ولو بالتعزير، قالوا: هذه شريعة.

    أما إذا كان الوالي أو مدير الشرطة أو ما أشبه ذلك، قالوا: هذا قتل سياسة، أو ضرب سياسة، أو صلب سياسية، أو يعلقون أخذ أموالهم من باب السياسة، فالأمة استمرأت هذا الوضع.

    ولهذا لما جاء الحكام العادلون مثل نور الدين محمود رحمه الله، وأمر بإلغاء كل سياسة تخالف الشرع، ولا يحكم في صغير أو كبير إلا بأمر القضاة، وجعل مجلساً من القضاة والفقهاء والعلماء، فكان يستشيرهم في كل ما ينزل وهم يفتونه، انتظمت الأمور فكتب إليه بعض الناس، قالوا: إن أهل الفساد والدعارة وقطاع الطريق قد أفسدوا وفعلوا وفعلوا ولا يضبط الناس إلا نوع من السياسة، فكتب إليهم نور الدين رحمه الله.

    إن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قد شرع للخلق ما ينفعهم وما يصلحهم وهو أعلم بمصالحهم، وقد أكمل الدين فكل شيء يخالف شريعة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهو باطل، ولم يرجع عما أمر به، وذلك يعدُّ في مناقبه، فكان إذا جاء الحاكم العادل الذي يحكِّم الشرع لم يحتج الناس إلى هذه السياسة، وإن جاء حاكم جاهل أو ظالم أو جائر أخذ يستبد كما يشاء، وإذا أراد أن يحيل أمراً أحاله إلى القضاة، وقال: هذه شريعة وهذه سياسة.

    وهكذا كان الحال قبل ظهور التتار وقدومهم، وقبل ظهور كتاب أو قانون الياسق، ثم تلا ذلك مرحلة قدوم التتار، فعندما جاء التتار حصل التشابه اللفظي بين السياسة التي هي مصطلح قديم وبين الياسق، أو اليسق، فخلط الناس بينهما، والياسق الذي جاء به جنكيز خان وقومه الذين وضعوه هدفه نفس مصطلح أو مدلول السياسة الذي كان مستخدماً في السابق.

    ولهذا أنكر العلماء هذا التقسيم، مثل شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله وابن القيم في المدارج، وفي أكثر من موضع، قالوا: إن هذه القسمة في تقسيم الدين إلى سياسة وشريعة، وتقسيم الدين إلى حقيقة وشريعة، كما قالت الصوفية: هذا محرم شريعةً جائزٌ حقيقة، وأولئك يقولون: هذا لا يجوز في الشرع، لكن يجوز أن يفعل سياسة، وكذلك تقسيم المتكلمين الدين إلى عقليات تثبت بالعقل، وسمعيات تثبت بالسمع، وغيرها من التقاسيم الباطلة.

    لأن السياسة الحقيقية هي قسم من الشريعة، وليست قسيماً لها، والحقيقة هي الشريعة، والشريعة هي الحقيقة، فكل شيء خالف الشريعة فهو باطل، وإن سمي حقيقة أو سياسة.

    وكذلك كل ما سمي أو قيل: إنه معقول ولكنه يخالف المنقول فهو باطل، فإن الدين الذي أنزله الله على رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه الخير كله، وفيه الكمال كله، وتنتظم به مصالح العباد كلها في الدنيا والآخرة، ولا نحتاج إلى الزيادة عليه أبداً.

    إذاً فهذا التقسيم باطل، لكن كانت القسمة عرفية واصطلاحية في كتب علم الكلام، وفي واقع الناس بالنسبة للسياسة، حتى جاء التتار وجاءوا بهذا الكتاب، ومما فعلته الباطنية كما ذكر العلماء في ذمهم أنهم لا يعدون الشريعة إلا سياسة مدنية، وهؤلاء كفـار خارجون عن الدين بلا ريب، فيقولون: إن الشرع ما هو إلا سياسة مدنية وضعها عقلاء مفكرون عباقرة -الأنبياء- ينظمون مصالح العباد ولا نرى الشرع إلا سياسة مدنية.

    نشأة دولة التتار

    ونرجع إلى كلام المقريزي حيث يقول: ''وليس ما يقوله أهل زماننا في شيء من هذا -أي ما يستخدمه أهل زمانه وهو الياسق أو الياسة ليس هو المقصود به السياسة بمعناها اللغوي- وإنما هي كلمة مغولية -المغول هم التتار- أصلها ياسة، فحرفها أهل مصر وزادوا في أولها سيناً، فقالوا: سياسة، وأدخلوا عليها الألف واللام فظن من لا علم عنده أنها كلمة عربية! وما الأمر فيها إلا ما قلت''.

    وهذا هو رأيه، أي: هو كان يتكلم عن مصر، وكانت مصر قاعدة العالم الإسلامي في زمن المماليك.

    ثم قال: ''واسمع الآن كيف نشأت هذه الكلمة حتى انتشرت بـمصر والشام: وذلك أن جنكيز خان القائم بدولة التتر في بلاد المشرق، لما غلب الملك أورنك خان وصارت له دولة، قرر قواعد وعقوبات أثبتها في كتاب سماه: ياسة، ومن الناس من يسميه: يسق، والأصل اسمه: ياسة، ولما تم وضعه، كتب ذلك نقشاً في صفائح الفولاذ -فهذا خبيث، فمن اهتمامه بها أتى بصفائح، من الفولاذ ونقش فيها هذا القانون، وحفرها في الحديد- وجعله شريعة لقومه، فالتزموه بعده، حتى قطع الله دابرهم -فـالمقريزي يتكلم عن أمة قد قضت وانتهت- وكان جنكيز خان لا يتدين بشيء من أديان أهل الأرض، فصار الياسة حكماً بتاً في أعقابه، لا يخرجون عن شيء من حكمه''.

    وأصبح قانوناً ملتزماً به لا يخرجون عن كلامه، وجنكيز خان بنفسه لم يأتِ للعالم الإسلامي، ولكنه مات ثم الذي اجتاح بغداد أولاده وأحفاده، لأن الحرب استمرت أولاً مع دولة خوارزم شاه -الدولة الخوارزمية في المشرق- وقاومهم السلطان جلال الدين في أكثر من خمسين معركة، وفي النهاية غلبوه، واجتاحوا بلاد المشرق، وهذا أيضاً بسبب ظلم المسلمين، لأن جلال الدين كان من السلاطين الظلمة، فكان يغزوا بلاد الفرس وينهب أموالهم، وإذ قيل له: لماذا تنهب المسلمين؟

    قال: حتى أستعين بها على قتال التتار، فكان ظالماً.

    وهكذا فإن الظالم يعاقب، والأمة المسلمة تعاقب على ظلمها بتسليط أعداء الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عليها، فالذي اجتاح بغداد هو حفيده هولاكو الذي وصل إلى بغداد، ثم بعد ذلك وصلت طلائعهم إلى بلاد الشام، وكانت معركة عين جالوت مع قسم من أقسامهم، وبعد عين جالوت انحسر شأن التتار، الذين جاءوا على شركهم، وخرجوا من بلادهم وهم على دينهم الأصلي، إلا أن هولاكو كانت زوجته النصرانية، ويقال: إنه تنصر، لكن التتار كأمة بقيت على دينها القديم: الوثنية، ثم غزاهم الإسلام ودخل قلوبهم شيئاً فشيئاً لما استقروا في بلاد الإسلام وأظهروا الإسلام، حتى كان سلطانهم قازان في أيام شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية -وأول ما أتى التتار كان شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله ما يزال حدثاً طفلاً، ثم لما أصبح شيخ الأمة كان الملك في أيامه قازان- قد أظهر الإسلام، ويقول: إنهم مسلمون، كما في الفتوى المشهورة، فتوى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله في التتار، ولكن أي إسلام؟

    فإن الذي يدخل الإسلام في أي زمان ومكان يدخل في الإسلام بحسب ما عليه أهل ذلك الزمان.

    انحراف التتار في فهم الإسلام

    ولذلك نجد أن الذين دخلوا في الإسلام أيام الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كان إسلامهم صافياً على الحقيقة، لأن الذين أدخلوهم فيه هم الصحابة، فجاء التابعون فكان كذلك أو أقل، وجاء من بعدهم فكان أقل، وفي أيام التتار كان يدخل الناس في الدين وفي التصوف والرفض والخرافات، وكان منهم خذابنذه الذي ترفض وكان شيعياً، أي: أصبحوا يتدينوا بدين المسلمين الموجود، ولا يعرفون حقيقة الإسلام، كما نجد هذا اليوم، حيث قد يأتي أمريكي يسلم ويدخل في دين الرافضة، أويكون زيدياً أويكون صوفياً أو أي شيء من جنس الموجود المعروض لديه.

    فالتتار هكذا تدينوا ولكن لم يأخذوا الإسلام على حقيقته الخالصة الصافية النقية، فلذلك بقي عندهم تعظيم لـجنكيز خان، وأيضاً أخذوا يعظمون الإسلام ورسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فصارت قاعدتهم كما كان ملكهم يقول: رجلان عظيمان محمد وجنكيز خان فكانت المساواة عنده، وهو يرى أنه بهذا قد أنصف الإسلام وأنصف النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولو كان في زماننا هذا وصرح أحد زعماء أوروبا بأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل نابليون لقال الناس: هذا منصف، وهذا رجل فاضل.

    وقدكانوا يقسمون الناس إلى أقسام معينة، فيسمون المتمسك بالدين: مسلماني، والذي يساير كل شيء يسموه: عسكري وقلندري، وأسماء كثيرة بعضها بلغتهم، وبعضها بلغة العوام.

    والمقصود أنهم كانوا ينظرون إلى الناس والدين نظرة غير صحيحة، فغاية ما عندهم من تعظيم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه رجل عظيم مثل جنكيز خان وهكذا، ولذلك أفتى شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله في حقهم، وأصل الفتوى هو الياسق، وهو أنهم لا يتحاكمون فيما بينهم إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن يتحاكمون إلى الياسق، وذكر -أيضاً- الأشياء الأخرى التي أشرنا إليها بالنسبة لهم.

    الأحكام التشريعية في الياسق

    والشيخ ذكر بعض الأحكام في الياسق، ونتعرض إلى بعضها، كما في تاريخ ابن كثير رحمه الله، الجزء (13/117) يقول: ''وممن توفي فيها من الأعيان جنكيز خان سنة (624هـ)، وهو الذي وضع لهم السياسا -بالألف الممدودة- التي يتحاكمون إليها، ويحكمون بها، وأكثرها مخالف لشرائع الله تعالى وكتبه، وهو شيء اقترحه من عند نفسه، وتبعوه في ذلك، وكانت تزعم أمه أنها حملته من شعاع الشمس، فلهذا لا يعرف له أب، والظاهر أنه مجهول النسب''.

    وشَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية رحمه الله في فتواه عن التتار لما قالوا: إن جنكيز خان أعظم من الأنبياء، قالوا: هذا أمه حملت به من شعاع الشمس، فقال شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية: هذا إن ثبت فإنه يدل على أنه ابن زنا؛ لأنها لم يكن لها زوج، فكيف حملت؟

    قالوا: من شعاع الشمس؟

    والشمس لا تحبل امرأة!

    إذاً هذه زانية عاهرة حملت به وليس لها زوج فجاءت به، وإلى اليوم يعتقد اليابانيون وبعض الكوريين أن الامبراطور من نسل الشمس، والإله عندهم الشمس، والامبراطور من ذريتها، فلهذا يعتقدون أن في الامبراطور جزءاً من الألوهية تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

    قال: ''وقد رأيت مجلداً جمعه الوزير بـبغداد علاء الدين الجويني في ترجمته، فذكر فيه سيرته''.

    ثم قال: ''وكان وفاته في سنة (624هـ) فجعلوه في تابوت من حديد، وربطوه بسلاسل وعلقوه بين جبلين هنالك'' قالوا: هذا لا يدفن في الأرض فربطوه وعلقوه، وهذه من خرافاتهم، ففي الهند يحرقونه، وعند اليابانيين والكوريين والتتار يدفنون معه كل أدواته حتى النظارات والكاميرا والقلم، ولما مات هيروهيتو دفنوا معه (250) قطعة كما يقولون، ولكن كانوا يضعونها في تابوتٍ محكم قوي، من أجل أنه إذا قام يمكنه أن يستخدم أدواته التي كان يستخدمها في الدنيا، وهذا جنكيز خان كان شكلاً آخر.

    قال: ''وأما كتابه الياسا فإنه يكتب في مجلدين بخط غليظ، ويحمل على بعير عندهم، وقد ذكر بعضهم أنه كان يصعد جبلاً، ثم ينـزل، ثم يصعد، ثم ينـزل مراراً حتى يعيي ويقع مغشياً عليه، ويأمر من عنده أن يكتب ما يلقى على لسانه حينئذٍ''.

    أي: إن الرجل كان به مس من الجن نسأل الله العافية .

    قال: ''ثم ذكر علاء الدين الجويني نُتفاً من الياسا -من أحكام الكتاب- من ذلك: أنه من زنا قتل، محصناً كان أو غير محصن، وكذلك من لاط قتل''.

    فكان نظاماً جاهلياً لا شك فيه، ولكن بالنسبة للأنظمة الأمريكية والإنجليزية يعتبر نظاماً راقياً، لأنه يعتبر الزنا واللواطة جريمة عقوبتها القتل، ولا فرق بين المحصن وغير المحصن، فقد كانوا يعتبرون الزنا واللواطة جريمةً، بخلاف الأنظمة الأمريكية، ففي أمريكا تقدم عشرين مليوناً إلى الرئيس ريجن يطلبون إباحة اللواط علانية، وأن يصبح لهم تمثيل خاص بهم في الكونجرس، فقاموا بمظاهرات كبيرة في نيورليانز وفي لوس أنجلوس وغيرها، وحطموا المباني، وقالوا: أين الحرية والديمقراطية التي يدعيها ريجن وتدعيها أمريكا، وهي تهدر حقوق عشرين مليوناً من شعبها، نسأل من الله العفو والعافية؟

    فـجنكيز خان أرقى من الأمريكان في هذا الشأن.

    ثم يقول: '' ومن تعمد الكذب قتل أيضاً ''.

    فهي عقوبة جاهلية وقاسية رادعة، لكنها بالنسبة للقوانين الأوروبية المعاصرة تعتبر راقية، وتجد أن الغرب الآن يسيطرون على قوانين الإعلام كله في العالم، وخاصة الإعلام السياسي؛ لأن إعلام غير الغرب هو صدىً للغرب، وقائم على الكذب والتلفيق والاختلاط.

    فالشاهد أن جنكيز خان يريد أن يضبط هذه القبائل الهمجية، فجعل من تعمد الكذب قتل و: ''من سحر قتل''.

    وهذا موافق للشرع، وهذا -أيضاً- يترقَّى به هذا القانون الجاهلي الوضعي على قوانين الغرب؛ لأن السحر في الغرب لا عقوبة عليه، وكانت الكنيسة أيام سلطتها قبل الثورة الفرنسية في أوروبا يطاردون السحرة، ويحكمون عليهم بالقتل، وكان أكثر من يمتهن السحر هن النساء، فكل من قبض عليها تقتل، وفي القصص لـشكسبير وغيره في الأدب الأوروبي الكثير من الكلام عن الساحرات وكيف يفعلن، لأنه كان جزءاً من حياة الغربيين، فهو جزءاً من حياة أي مجتمع لا يدين بالتوحيد ولابالعقيدة الصحيحة، بعقيدة السلف الصالح فلابد أن تجد فيه السحر، فكلما ضعفت العقيدةكلما اشتد السحر والكهانه والدجل والخرافة والعرافة إلى آخر هذه الأسماء .

    فكانت العقوبة في أوروبا هي الإعدام حتى ظهرت القوانين الحديثة وألغت القوانين الدينية واعتبروا السحر مجرد هواية، ولذلك أكبر مقر للسحرة في العالم الآن رسمياً هو في وسط نيويورك، وفي مبنى ضخم جداً قريب من مبنى الأمم المتحدة، ويوجد فيه مركز كبير جداً للسحرة الذين يجتمعون من جميع أنحاء العالم ومن أمريكا خاصة ويتكهنون بأخبار الغيب والمستقبل ويتنبئون، ولهم كتب ونشرات ومجلدات واشتراكات؛ ثم تأتي لندن وباريس وتنشر هذا في كثير من الجرائد والمجلات، ثم تجد أن أي زعيم من زعماء الغرب الذين يدعون العلمية والموضوعية لا بد أن يتأثر بالساحرات، وكل رئيس لـأمريكا - تقريباً - يوجد عنده كاهنة، وكاهنة ريجن كتبت مذكراتها، وكتبت زوجته مذكراتها، ونشرت في جريدة المدينة عندنا وقرأناها، فكيف ينشر هذا عند المسلمين دون ما إنكار؟!

    فهؤلاء الهمج الجاهليون والوثنيون والمغول كانوا في حكمهم في هذا الجانب أفضل من حكم هذه الشرائع الجاهلية الحديثة، وهو موافق للشرع ومأخوذ من الشرع: ''ومن تجسس قتل''.

    وهذه -أيضاً- فيها عدالة وإنصاف، ولا شك أن التجسس جريمة في أي عرف، أما بالنسبة لتلك القبائل الهمجية فكان عندهم هذا الحكم، وإن كان مخالفاً لشرعنا إلا أن فيه شيء من حفظ الحق على الأقل.

    أما الآن فالإنسان الغربي يعيش تحت سيطرة أجهزة التصنت، فالتجسس الذي يراه هذا الغربي المتحضر حقاً عادياً على الأقل من الناحية العرفية والواقعية، كان الوثنيون الجاهليون يعتبرونه جريمة ويعاقبون عليه بهذه العقوبة القاسية والمخالفة للشرع، ففي الشرع أنه إذا كان مسلماً وأخبر وأطلع الكفار على أحوال المسلمين فإنه يقتل، لكن التجسس بين الناس بعضهم على بعض فليست هذه عقوبته.

    ثم قال: ''ومن دخل بين اثنين يختصمان فأعان أحدهما قتل، ومن بال في الماء الواقف قتل، ومن انغمس فيه قتل ''.

    يقول القانونيون المعاصرون قاتلهم الله: إن قوانين القرون الوسطى كانت ظالمة، ومجحفة وقاسية في حقوق الإنسان، لكن القوانين الحديثة ميزتها أنها تعطي المتهم الراحة والرفاهية.

    فدين الله تعالى هو دين الحق والوسطية، فالجاهلية إما أن تحكم بالقتل حتى على من بال بالماء، وإما أن تجعل من يمشي عارياً كما في أمريكا لا حرج عليه، قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] أما حكم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فهو الحق والعدل والوسط في كل شيء.

    فهذا كان بالنسبة للماء.

    '' ومن أطعم أسيراً أو سقاه أو كساه بغير إذن أهله قتل''.

    لأنهم أمة حرب كل عملهم حرب فليس إلا العقوبات.

    ''ومن وجد هارباً فلم يرده قتل، ومن أطعم أسيراً أو رمى إلى أحدٍ شيئاً من المأكول قتل، بل يناوله من يده إلى يده -وإلا يقتل- ومن أطعم أحداً شيئاً فليأكل منه أولاً، ولو كان المطعوم أميراً لا أسيراً -حتى يطمئن بأنه ليس فيه سُمّ- ومن أكل ولم يطعم من عنده قتل، ومن ذبح حيواناً ذُبح مثله -إذا ذبحه ويقصد الذبح العادي- وقال بل يشق جوفه، ويتناول قلبه بيده يستخرجه من جوفه أولاً يقول جنكيز خان: الذي يذبح الحيوان بطريقة الذبح المعروفة يذبح كما يذبح الحيوان، لأن شريعته تقول: لا بد أن يذبح الجوف ويستخرج القلب، وبعد ذلك يموت الحيوان، فهكذا أملى له هواه وسولت له نفسه الخبيثة''.

    حكم القوانين الوضعية والتحاكم إليها

    قال: ''وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام''.

    وقضية التشريع من أصلها هي حق لله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لكن الأحكام فيها الموافق وفيها المخالف.

    قال ابن كثير: ''فمن ترك الشرع المحكم المنـزل على محمد بن عبد الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر''.

    مثل شريعة التوراة والإنجيل حتى لو فرضنا أننا وجدنا نسخة من التوراة لم تحرف أو تبدل ولم يغير فيها كلمة، وجاء إنسان وقال: هذا كتاب أنزله الله نتحاكم إليه، ووضعه قانوناً، فعند ذلك نقول: هذا كافر بلا ريب وليس بمؤمن بالقرآن، فيقول: هذا في الشرائع المنسوخة: ''فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟!

    فمن فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين -فالذي يُقدم شرعاً آخر وهو شرع وضعي أكفر من الذي يُقدم شرعاً منسوخاً، فهو كافر بإجماع المسلمين- قال الله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، وقال تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [النساء:65]''.

    قال: ''ومن آدابهم -هذه ليست في الياسق لكنها آداب كان التتار يتعاملون بها الطاعة للسلطان غاية الاستطاعة، وأن يعرضوا عليه أبكارهم الحسان ليختار لنفسه ومن شاء من حاشيته ما شاء منهن -قاتلهم الله وقبحهم- ومن مر بقوم يأكلون فله أن يأكل معهم من غير استئذان، ولا يتخطى موقد النار ولا طبق الطعام، ولا يغسلون ثيابهم حتى يبدو وسخها، ولا يكلفون العلماء بكل ما ذكر شيئاً من الجنايات، ولا يتعرضون لمال ميت...''.

    إلى آخر ما ذكر، وذكر بعد ذلك شيئاً من أخباره، وكيف كان يقيم دينه وشريعته الياسق.

    1.   

    القوانين الوضعية في القرن العشرين

    وبعد أن ذكر الشيخ أحمد شاكر الجملة الأخيرة من كلام ابن كثير، رحمه الله قال: ''أقول: أفيجوز -مع هذا- في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتبس عن تشريعات أوروبا الوثنية الملحدة؟

    بل بتشريع تدخله الأهواء والآراء الباطلة، يغيرونه ويبدلونه كما يشاءون، لا يبالي واضعه أوافق شرعة الإسلام أم خالفها''.

    فهو يقيس وضعنا الحالي على حالة جنكيز خان والياسق، وكيف ابتُلي المسلمون بهذا -نسأل الله السلامة والعافية- وكيف دخل أثر هذه القوانين إلى الناس.

    فساد القوانين الوضعية

    ولعلنا نستعرض بعض الأمثلة، ثم نكمل بقية كلام الشيخ أحمد شاكر، فلقد نشر في جريدة المسلمون العدد (328)، بقلم الشيخ محمد الغزالي، يقول: للقوانين الوضعية أثر عميق في إفساد الأمم التي نكبت بها، لا سيما إذا كانت هذه القوانين قد جاءت مع استعمار حاقد على الإسلام مكذب لنبيهم، ومضاد لتعاليمه وقيمه إنه في الحالة هذه يريد زلزلة العقيدة والشريعة معاً، وتدريب الأفراد والجماعات على تحليل الحرام، وتحريم الحلال، وإنشاء تقاليد جديدة تألف الخمر، والخنا والربا ووسائل الآثام التي يستهين بارتكابها أو يستحله.

    والقصة التي أحكيها الآن كنت أحسب العلم ببواعثها حكراً على جمهور القضاة والمحامين، حتى فوجئت بأنها معروفة لدى العمال والفلاحين، فأدركت أن الفساد في مجتمعنا قد رسب في القاع بعد ما لوث السطح، وأذكر القصة التي بعث بها إلي الأستاذ فلان.

    قال: منقول عن جريدة الأخبار، القصة تقول: تلقى العميد السيد البدوي -مدير مباحث الدقهلية- بلاغاً من أهالي كوم النور قرية مركز بيت غمر، أنه تم ضبط فاطمة علي حسن عمرها عشرين سنة، وهي تحاول سرقة جاموسة، وهرب شريكها في الحقول، وكانا يريدان أن يسرقا جاموسة، وأمام العقيدين محمد شعيشع ومحمد أنور اعترفت المتهمة فاطمة علي حسن:

    أولاً: بأنها كانت تقضي بين الحقول وقتاً سعيداً مع صديقها في الزريبة، ولم تكن تحاول السرقة، وتطلب من رجال المباحث التستر عليها حتى لا يعلم زوجها، ويطلقها حفاظاً على الأسرة والأولاد، فقالوا لها: لماذا هربت؟ قالت: كان معي رجل -حتى اعترفت بالفاحشة والعياذ بالله- فهربت حتى لا تُعرف جريمتها فالقضية قضية زنا، وترجو التستر عليها؛ لأنه لو اطلع الزوج فيمكن أنه يقيم دعوى فينهدم البيت.

    يقول: ولكن تحريات الرائدين رشدي فودة، وجابر الدين وهما رائدين جيدين، قالوا: لا، فالزنا ليس هو القضية، لأن القضية أهم، فقاما بالتحريات حتى أثبتا أن شريكها في السرقة هو زوجها محمد عبد العاطي وعمره اثنان وعشرين سنة، ومهنته فلاح، وهي تريد التستر عليه بهذه القصة الغريبة، وتم ضبط الزوج الذي اعترف بالسرقة، فقرر عبد العزيز حبيب وكيل النيابة حبسهما على ذمة التحقيق أربعة أيام.

    ثم يقول: هل لاحظت شابة تصف نفسها بالزنا مع صديق، وتقول: هذا مجرد زنا وليس هناك جريمة، وتطلب من المباحث التستر عليها خشية أن تنكشف محاولتها بالسرقة بالاشتراك مع زوجها الذي ادعت أنه صديقها، وهذه الشابة تجهل القراءة والكتابة كما هو الغالب في المناطق الريفية.

    يقول الشيخ: ولكنها تعرف بالتأكيد أن الزنا في مصر لا عقوبة عليه إذا تم برضى الطرفين، وبشرط أن يكونا بالغين فهي في العشرين من عمرها، وهو في الثانية والعشرين من عمره، وهي تعلم أن هذا أهون بكثير من السرقة التي يعاقب عليها بالحبس أو السجن، وهي تعترف لضباط المباحث وقد نضب الحياء من وجهها بأنها كانت بالزريبة بقصد الزنا مع صديقها المزعوم، وتطلب بكل وقاحة من المباحث أن تتستر عليها.

    يقول الشيخ: وفي الماضي كانت الفلاحة تُفضِّل الموت على أن يقال لها: زانية! فما الذي حدث في مصرنا العزيزة منذ قيام الثورة العلمانية المباركة، حتى انقلب كل شيء رأساً على عقب في هذا البلد المسكين.

    يقول الشيخ الغزالي: وقد عجبت مما عجب منه الأستاذ محمد عبد الرحيم -الذي أرسل له- فعجبت من علم فلاحة في إحدى القرى القصية أن القانون الوضعي يبيح الزنا، وإن كان يرفض الإكراه عليه.

    يقول: وتعرف هي أن الزوج إذا سكت عن جريمة زوجته التي زنت فإن القانون الديوث لا يتدخل حماية للأسرة، فيترك المرأة تتبع صاحبها الوغد يعيشا في بيتهما الموبوء، وبقية الافتراضات القانونية معروفة، فإن الشخص الزاني إذا قتل الزوج الغضبان الثائر سقطت دعوى الزنا بوفاته، ثم اعتبر القاتل مدافعاً عن نفسه، ويضيع دم القتيل الشريف عياذاً بالله.

    يقول: ولست أدري إلى متى يظل المسلمون بعيدين عن دينهم وشرعهم وشرفهم في ظل قانون وضعي، فرضه الاحتلال الأجنبي الكفور، واستبقاه الغزو الثقافي الذي خدر الناس، وأمات في دمائهم دون أدنى مقاومة.

    محابة الشريعة الإسلامية

    ونشر أيضاً في جريدة الأخبار المصرية المستشار القانوني سعد العيسوي، يقول: إن صح ما قرأت فهو خطأ في تطبيق القانون.

    وهذا الرجل سمع ما قضت به إحدى المحاكم بجلد متهم ثمانين جلدة جزاء سكره وسيره في الطريق العام مخموراً.

    يقول: إن صح ما قرأت في الصحف عن أسباب هذا الحكم؛ فأقول إجابة على سؤالك: إن هذا الحكم من تلك المحكمة وهي جنائية، قد أصابه الخطأ والعوار من نواحي عديدة.

    والقضية أوضحها لكم بإيجاز: قاضي مسلم أحس في نفسه بأن بلدنا مسلم، ولا بد أن نكون مسلمين، وهو بإحدى المحاكم الابتدائية -أظنها في جنوب القاهرة كما في الجريدة- فقال: لماذا لا يطبق الإسلام في بلادنا، وعندنا مادة في الدستور، تقول: إن الشريعة الإسلامية مصدر من مصادر التشريع؟!

    فالمادة الدستورية هذه عندهم تقضي على اللوائح التفصيلية، وهذا معروف عندهم، فالدستور أعلى مرتبة ثم القانون ثم اللوائح، فقال: الدستور يجعل الشريعة مصدراً من المصادر، فلماذا أنا لا أحكم على هذا السكران بالجلد بحسب الشريعة، وأسند الحكم إلى المادة الثانية من الدستور؟!

    فإذا سألوني قلت: أنا ما أتيت بشيء خارج عن الدستور، وأنا حكمت بمقتضى الدستور، والدستور يجعل الشريعة هي المصدر، وأنا حكمت بحكم الشرع، فيجعلهم في حرج، ويرى هل فعلاً سيلتزمون بحكم الله؟! فأقدم على هذا العمل، فحكم بجلد الشخص ثمانين جلدة.

    فحدثت ضجة كبيرة في البلد، وكتب هذا المستشار يقول: هذا الحكم خطأ، وباطل من عدة وجوه:

    أولاً: أن من كتبه وقضى به ونطق به حنث في يمينه القضائي، وهو يمين يتعين على كل من يتولى وظيفة القضاء أن يقسمه، سواءً كان في أول سلم العمل القضائي كمعاون نيابة، أو في أعلى مناصب القضاء وهو رئيس محكمة النقض، وهذه اليمين نص عليها في المادة (71) من قانون السلطة القضائية، ونصه: ''أقسم بالله العظيم، أن أحكم بين الناس بالعدل، وأن أحترم القوانين، وحكم العدل، واحترام القوانين يتضمن أن أقضي في الواقع المعروض بالعقوبة الملآئمة في حدود القانون المطبق''.

    قال: فهذا الرجل حنث في اليمين، فهو حلف أنه يطبق القانون ثم ذهب يطبق الشريعة فهو حانث في يمينه.

    ثانياً: أن من قضى بهذا الحكم، وصح أنه فعل ذلك، فقد خالف نصاً في الدستور، وهو نص المادة (66) أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بناءً على قانون، ولا يقال في ذلك: إنه حد السكر شرعاً، وأن الشريعة الإسلامية هي الأولى بالتطبيق، فيقول: لا يقال ذلك؛ لأن الشرع يطبق قوانين مكتوبة ومقررة، وليس للقاضي أن يعمل غيرها من لدنه مهما اختلفت مع معتقده الديني أو السياسي -نعوذ بالله من الكفر- إلى آخر ما قال.

    ثم يقول: وأفصح المشرِّع عن ذلك صراحة في المادة الأولى من التقنين المدني، بأن القاضي يطبق القانون، فإن لم يجد في نصوصه ما ينطبق على الواقعة طبق العرف، وإن لم يجد طبق أحكام الشريعة الإسلامية، وإن لم يجد طبق القانون الطبيعي وقواعد العدالة، فحينئذٍ قال: هذا لا يجوز، ولا يقبل من القاضي جنائياً أن يُحرّم فعلاً لا ينص القانون على اعتباره جريمة، فلا يقبل منه أن يقضي بعقوبة لم ينص عليها القانون... إلى آخره.

    ثالثاً: إن هذا القائل بهذا الحكم، أخطأ عدة أخطاء في مجال القضاء والحكم، منها: أنه جعل من أسباب الحكم مجالاً للتعبير عن المعتقدات الدينية والسياسية، ولو فتحنا هذا الباب فسيأتي كل إنسان يطبق شيئاً ويقول: هذا موافق للشريعة، مما ينتج عنه ضياع الدولة -نعوذ بالله من الخذلان- ثم يقول: ولو كان القانون يسمح بذلك المسلك لأدى الأمر إلى فوضى، فهذا يحكم بالجلد طبقاً لمعتقده، وذاك يحكم بغيره طبقاً لمعتقده، وهو يرى أن الحكم لا بد أن يكون بالقانون.

    رابعاً: من أسباب ومبررات بطلان هذا الحكم: أن هذا الحكم يدل على أن كاتبه أو قائله لا يعرف شيئاً عن علم العقاب -فهو يقول: هذا قاضٍ جاهل لا يعرف شيئاً عن علم العقاب- قال: فهذه الجريمة من الجائر الحكم فيها بهذا، لأنه يمكن الحكم فيها بالحبس ستة أشهر.

    وهذا القاضي لم يحكم من عند نفسه، بل هذا الحكم في شريعة رب العالمين سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فالتهمة موجهة إلى الله -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- ثم بعد ذلك فصلوا هذا القاضي من العمل.

    فقدم دعوى وتظلم، وقال: أيها الناس! أنا حكمت بمقتضى الدستور، ولم أخالف الدستور، فقالوا: لا هذه مخالفة، ورفض التظلم، وتمت العقوبة التي عوقب بها.

    فالشاهد بعد ذلك، أنه عرض الموضوع وصار قصة طويلة، وانتهى الأمر بأن القاضي أدين لأنه حكم بحكم من أحكام الشريعة الإسلامية، ونشر بالصحف هذا الهجوم الشديد بأن هذا العمل غير قانوني ويؤدي إلى فوضى.

    خطر القوانين الوضعية

    وبعد هذه القصة نرجع إلى كلام الشيخ أحمد شاكر رحمه الله.

    يقول: ''إن المسلمين لم يُبلَوا بهذا قط فيما نعلم من تاريخهم -أي: بتحكيم القوانين الوضعية- إلا في ذلك العهد، عهد التتار، وكان من أسوأ عهود الظلم والظلام، ومع هذا فإنهم لم يخضعوا له، بل غلب الإسلامُ التتار، ثم مزجهم فأدخلهم في شرعته، وزال أثر ما صنعوا، بثبات المسلمين على دينهم وشريعتهم، وبأن هذا الحكم السيء الجائر كان مصدره الفريق الحاكم إذ ذاك، لم يندمج فيه أحد من أفراد الأمم الإسلامية المحكومة، ولم يتعلموه''.

    فكان خاصاً بالحكام التتار ولم يندمج في الأمة، أما الآن مثل قصة هذه الفلاحة فاطمة علي حسن فقد اندمج القانون الوضعي كقانون نابليون بالأمة، حتى عرفته الفلاحة في أقصى الريف الجاهلة بأنه لا عقوبة عليها.

    يقول الشيخ أحمد رحمه الله: إن قانون التتار لم يندمج بالأمة: ''ولم يتعلموه ويعلموه أبناءهم، فما أسرع ما زال أثره''.

    أما الآن فقد جعلوا له أقساماً: أقسام القانون، وأقسام العلوم الاقتصادية، وأقسام الأنظمة وأقسام كثيرة أخرى، وهي في الحقيقة قانون وضعي، وتدرس كل شرائعه.

    يقول: ''أفرأيتم هذا الوصف القوى من الحافظ ابن كثير -في القرن الثامن- لذلك القانون الوضعي، الذي صنعه عدو الإسلام جنكيز خان ألستم ترونه يصف حال المسلمين في هذا العصر، في القرن الرابع عشر؟

    -ونحن دخلنا الخامس عشر، فالله المستعان- إلا في فرق واحد -بين قوانين جنكيز خان وبين قوانين اليوم-: أن ذلك كان في طبقة خاصة من الحكام، أتى عليها الزمن سريعاً، فاندمجت في الأمة الإسلامية، وزال أثر ما صنعت، ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالاً وأشد ظلماً وظلاماً منهم، لأن أكثر الأمم الإسلامية -الآن- تكاد تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة، والتي هي أشبه شيء بذاك الياسق الذي اصطنعه رجل كافر ظاهر الكفر، هذه القوانين التي يصطنعها ناسٌ ينتسبون للإسلام، ثم يتعلمها أبناء المسلمين، ويفخرون بذلك آباءً وأبناءً''.

    فالواحد منهم إذا أصبح ولده مستشاراً فهذا منصب عالٍ ورفيع، أما إذا كان -مثلاً- عضواً في محكمة النقض فهذا أعلى، أو رئيس محكمة النقض، أو رئيس المحكمة العليا بالبلد فهذا يعادل رئيس الجمهورية، ويعادل رئيس مجلس النواب في المرتبة، فهذه منزلة عظيمة جداً عندهم لجميع المجتمعات التي تحكم بالقوانين الوضعية.

    يقول: ''هذه القوانين التي يصطنعها ناس... ثم يجعلون مرد أمرهم إلى معتنقي هذا: الياسق العصري!! ويحقرون من يخالفهم في ذلك، ويسمون من يدعوهم إلى الاستمساك بدينهم وشريعتهم رجعياً، وجامداً! إلى مثل ذلك من الألفاظ البذيئة، بل إنهم أدخلوا أيديهم فيما بقي في الحكم من التشريع الإسلامي، يريدون تحويله إلى: ياسقهم الجديد، بالهوينا واللين تارةً، وبالمكر والخديعة تارةً -مثل قانون الأحوال الشخصية وتعدد الزوجات، وحتى ما كان في صلب الأحوال الفردية أيضاً، أدخلوا فيه هذه القوانين الوضعية- وبما ملكت أيديهم من السلطات تارات، ويصرحون -ولا يستحيون- بأنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين!!

    أفيجوز إذاً -مع هذا- لأحدٍ من المسلمين أن يعتنق هذا الدين الجديد، أعني التشريع الجديد؟!

    أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلم هذا واعتناقه واعتقاده والعمل به، عالماً كان الأب أو جاهلاً؟!''.

    لا يجوز أبداً، ومع الأسف الشديد أن المحامي والقاضي الوضعي من أثرى طبقات المجتمع، وهذه الطبقة من أهم الطبقات، ومن أشدها ثراءً في جميع دول العالم.

    القوانين الوضعية كفر بواح

    يقول: ''أو يجوز لرجل مسلم أن يلي القضاء في ظل هذا: الياسق العصري، وأن يعمل به ويعرض عن شريعته البينة؟!

    ما أظن أن رجلاً مسلماً يعرف دينه ويؤمن به جملة وتفصيلاً، ويؤمن بأن هذا القرآن أنزله الله على رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كتاباً محكماً، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبأن طاعته وطاعة الرسول الذي جاء به صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واجبة قطعية الوجوب في كل حال، ما أظنه يستطيع إلا أن يجزم غير متردد ولا متأول؛ بأن ولاية القضاء في هذه الحال باطلة بطلاناً أصلياً، لا يلحقه التصحيح ولا الإجازة!!''.

    والقضاء باطل، وأحكامه باطلة، ولا يجوز لمسلم أن يتولى القضاء في هذه الأنظمة الطاغوتية.

    يقول: ''إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح، لا خفاء فيه ولا مداراة، ولا عذر لأحدٍ ممن ينتسب للإسلام -كائناً من كان- في العمل بها، أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرئ حسيب نفسه، ألا فليصدع العلماء بالحق غير هيابين، وليبلغوا ما أمروا بتبليغه غير موانين ولا مقصرين'' رحم الله الشيخ أحمد هكذا ظن بالعلماء، لكن سمعنا عن المفتي الجريئ الشجاع الذي أحل فوائد الربا، وأحل كل شيء حرام نسأل الله العفو والعافية.

    قال: '' سيقول عني عبيد هذا: الياسق العصري وناصروه، أني جامد، وأني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألا فليقولوا ما شاءوا فما عبئت يوماً بما يقال عني ولكن قلت ما يجب أن أقول ''.

    فقد بيّن رحمه الله ما يجب عليه أنه يبرأ منه، وبين لأمته حقيقة الأحكام والقوانين، فقد ذكر بأنها كفر بواح، واضح وضوح الشمس، لا مداراة فيه ولا مداهنة: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50] فالله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سمَّى ما عدا حكمه جاهلياً أياً كان، فأحكام الياسق جاهلية، وأحكام قريش جاهلية، وأحكام القانون الفرنسي جاهلية، والقانون الأمريكي جاهلية.

    فالحكم حكمان: إما حكم الله، وإما حكم الجاهلية، وليختر الإنسان ما يشاء، ولتختر الأمة، فإن اختارت حكم الله كانت أمة مؤمنة مسلمة موحدة مطيعة شاهدة بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والأمة التي تحتكم إلى غير شرع الله، وإن ظنت أنها تقول: إن الله موجود، وإن الدين حق، وأنها تصوم وتحج وتصلي إلى غير ذلك، فهي أمة تحتكم إلى شرائع الجاهلية، وتستحق أن تسمى أمة جاهلية، مهما كانت بها من الحضارة، أو من الرقي، أو من التقدم المادي كما يزعمون، فالقسمة ثنائية ولا ثالث لها.

    إما أن يستقي الناس أحكامهم من حكم الله ومن دين الله، وإن كانوا يُخطئون، فالكل قد يُخطئ، فالقاضي المسلم قد يحكم وقد يفهم خطأً لكنه مستمد من دين الله، وأما أن يستمد من غير حكم الله فهو جاهلي.

    وهذه الكلمة كلمة شرعية، فكلمة الجاهلية مصطلح شرعي متداول معروف في الكتاب والسنة، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لـأبي ذر رضي الله تعالى عنه لما عيّر رجلاً بأمه، قال له: يا ابن السوداء! فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنك امرؤاً فيك جاهلية) فهذا هو المعيار، فمن كانت عنده أحكام الجاهلية، قلنا: إنه رجل جاهلي نسأل الله العفو والعافية.

    النهي عن موالاة اليهود والنصارى

    وبعد آيات الحكم والتشريع مباشرة تأتي آيات الولاية، والسورة مترابطة محكمة، فبعد الإنكار على القوانين الوضعية، يأتي النهي عن الولاية والموالاة للكافرين، فيقول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ [المائدة:51-52] فيحذِّر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى من ولاية اليهود والنصارى لأنهم أعداء، ويبين الله تبارك وتعالى حقيقة هذه العداوة، فيقول: لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ [المائدة:51] فهم متعاونون في القديم والحديث وفي كل زمان ومكان.

    مثلاً أثيوبيا فيها أربعون مليون مسلم لم يتألم أحد لما يجري لهم، وفيها أربعة عشر ألف يهودي يتدخل الرئيس بوش لإيقاف الثوار عن دخول أديس أبابا، حتى تتم عملية موسى، وهي عملية نقل اليهود من أديس أبابا إلى إسرائيل، والعالم الحر الذين يحملون راية الديمقراطية والحرية، ومشعل الحرية في نيويورك الذي يفتخرون به لا يهمه أربعين مليوناً يسحقون من أيام هيلاسيلاسي، ثم أيام الحكم الشيوعي البائد، ثم -الآن- الجبهات الاشتراكية النصرانية الخبيثة، فكلها تسحق الأكثرية المسلمة، وتدمرها وتقتلها جوعاً، فلننظر ماذا قدموا لليهود وماذا قدموا للمسلمين؟

    أولاً: أيام الإغاثة اهتموا بإغاثة الأجزاء الصليبية -فقط- من الحبشة، فالطائرات تنزل المعونات الغذائية في المناطق النصرانية، والقرى المسلمة تموت من الجوع، فلما جاءت واحتاجت إسرائيل للفلاشا وعملية موسى أيام الهالك النميري، والذي خطط لها وأشرف عليها بوش حين كان رئيس الاستخبارات، وهو الذي خطط لعملية موسى فرحَّلوا الدفعة الأولى ثم رحَّلوا الدفعة الثانية، فتدخل رئيس أكبر دولة في العالم، حاملة لواء الحرية، وشرطي العالم الكبير تدخل لتأخير الثوار حتى لا يدخلوا العاصمة من أجل أن يرحل (14) ألف يهودي، والطائرات تأتي من إسرائيل وتنقلهم جميعاً، وبعد ذلك لا يبالون عن الذي مات أو عاش، والجبهة المسلحة التي تقتحم البلد جبهة نصرانية، والضحايا سيكونون من المسلمين، ولا إشكال في ذلك، فبعضهم أولياء بعض، فهل نصدق دعاوى حقوق الإنسان والعدالة والمساواة والنظام الدولي الجديد ونحوه، أو نصدق الله؛ ثم نصدق الواقع الذي ينطق كل لحظة؟

    ولا يمكن أن يخالف ما ذكر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [المائدة:51] فلا زجر ولا عقوبة أكثر من هذا.

    خطر تولي اليهود والنصارى

    ثم يبين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى السبب الذي من أجله يتولى بعض المسلمين الكافرين: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ [المائدة:52] فهذا عبد الله بن أبيّ بن سلول ومن معه، قالوا: (يا محمد ثلاثمائة دارع وحاسر تقتلهم في غداة واحدة وهم حلفائي، إني امرؤ أخشى الدوائر) فهذه حدثت في التاريخ، ولكن هل هي الحادثة والقصة الوحيدة التي تقال أم في كل زمان ومكان؟!

    فمن كان في قلبه مرض فسيسارع إلى قوانينهم وتبرجهم وحضارتهم وأنظمتهم وتوليهم وإلى أن يكون معهم، وهذا في كل زمان ومكان، فليحذر المسلمون أشد الحذر من هذا.

    ولتتأمل الأمة ماذا قال الله تبارك وتعالى بعد أن ذكر هذه الآية، قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِه [المائدة:54] أي: من يتبع قوانينهم وتشريعاتهم ومن يتولهم ويرتد عن دينه فسيصبح كالكفار، ثم سيأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه، فهذا دين الله، وليحفظن الله هذا الدين حتى يبلغ ما بلغ الليل والنهار وليرتد من يرتد، وليتولِ الكفار من يتولهم، وليفعل من شاء كما يشاء، فالله غني عن كل الناس، وله جنود يصطفيهم ويختارهم، ولا يبالي بمن عداهم أبداً.

    فإذا ارتدت أمة أو جيل أو ولاية، وتابعوا الكفار والمشركين، فعند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى البديل، فـ: مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ [المائدة:54] أول صفاتهم: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [المائدة:54] فلا يحبون الكفار ولا يوالونهم ويحبهم ويحبونه: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ [المائدة:54] فهم أذلة على المؤمن مهما كان حاله، فهو يحبه سواء كان أسود أم أبيض، غني أم فقير، في أقصى الهند أم في أقصى الفلبين، و: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [المائدة:54] ولو كان من كان من الكفار، فنحن أعزاء، وليس كحال المسلمين اليوم، فالمسلم يُهان ويُذل، والكافر يعظم ويجل حتى في الشارع والطريق -إلا من رحم الله- فأكثر المسلمين اليوم إذا رأوا أنك مسلم، وإذا رأوا أن الرجل أتى من الهند مثلاً أو من الصين وهو مسلم فلا قيمة له، وإذا قال: رجل غربي أو أوروبي أمريكي فتجد أن جميع الناس يحترمونه ويقدرونه -سبحان الله- فهل هذا يكون في قوم صفتهم يحبهم ويحبونه؟!

    فمحبة الله لا تنال بالدعاوي، محبة الله غالية: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31] فاتباع النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظاهراً وباطناً جهاداً ودعوةً، علماً وعملاً، تورث ذلك: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [المائدة:54] فهم يرفعون راية الجهاد: وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ [المائدة:54] وهذا الذي يصلح فيه ما قاله الشاعر:

    أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمني اللوم

    إذا كنت تعمل لله فليلمك الناس في الله، ويقال: هذا إنسان يُطبق السنة، أو ملتزم، أو يعادي الخواجات، أو يكرههم، أو متشدد ومتطرف وأصولي، وكل كلمة لا تهمك، فليلمك اللوم مادام غرضك ومرادك وجه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فلا تبال بهم لأنه لو كانوا يبالون بلومة اللآئم، ولو كانوا تأخذهم في الله لومة لائم، لم يكونوا محبين لله، فمن يحب الله لا يبال بالخلق أبداً.

    وكلٌ واحد منَّا ينظر في نفسه، فأنت إذا أحببت أحداً من زملائك أو من أصدقائك أو زوجتك أو أي إنسان فإنك لا تسمع ما يقال فيه، ولو قيل: اتركه، ولا خير فيه، فوالله إنك لا تبالي لأنك أحببته، فكيف بمن أحب رب العالمين سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، ومن كان من أوليائه.

    والله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لم يجعل هذه المحبة مجرد أمركما يظن كثير من الناس، فإن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عندما يحبهم يجعل لهم قيمة ومنزلة ويكرمهم ثم يدخلهم الجنة، ويرون وجه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فإن العبد إذا أحب ربه وأحبه ربه صار من أولياء الله، والله تعالى يقول في الحديث القدسي: {من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب}.

    فليتق الله هؤلاء الصحفيون والدجالون وأصحاب المجالس، وكل من يعادي من يدعو إلى كتاب الله وسنة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738873139

    عدد مرات الحفظ

    684558955