إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سفر الحوالي
  4. الشيوعية بين السقوط وإعادة البناء

الشيوعية بين السقوط وإعادة البناءللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحدث الشيخ حفظه الله في هذه المادة عن حقيقة الشيوعية، وما هي المراحل التي مرت بها الشيوعية حتى باتت قوة مؤثرة على الصعيد الدولي، كما بين دور المعسكر الغربي في السعي إلى إضعاف المعسكر السوفييتي الذي يمثل مركز الشيوعية في العالم، ومن ثم القضاء عليه ليتسنى للمعسكر الغربي الانفراد بالسيطرة على ثروات الأمم، وقد استخدم الغربيون لهذه المهمة رجلاً من داخل المعسكر الشيوعي، والذي كان له دور فاعل في القضاء على هذه القوة المنافسة، وكان هذا الرجل هو الرئيس الروسي جورباتشوف. ثم تحدث الشيخ عن مستقبل العالم وأشار إلى أن المستقبل في آخر الزمان هو لهذا الدين، ودعم كلامه ببشارات من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    أهمية الحديث عن الشيوعية

    الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد المبعوث رحمة للعالمين، القائل: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وكتب الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) وعلى آله وأصحابه وسلفنا الصالح أجمعين.

    وبعــد:

    فأشكر الله تبارك وتعالى على ما أنعم به علينا من نعمة الإيمان.

    أما الموضوع الذي نريد أن نتحدث عنه، ونريد أن نستمع جميعاً، ونحرص كل الحرص على كل ما له علاقة به وعلى كل تحليل له، وهو موضوع (الشيوعية بين السقوط وإعادة البناء) ومستقبل العالم الإسلامي في ضوء هذه التحولات العالمية الكبرى.

    هذا الموضوع موضوع مهم للغاية، ومتشعب جداً، ولا يستطيع الإنسان أن يحدد كيف يبدأ وكيف ينتهي، أو كيف يلم بأطرافه.

    أما أهميته فلا تخفى على أحد، فنحن جزء من هذا العالم المتغير المتماوج، والعالم تقارب بشكل لم يسبق له نظير مطلقاً، وأصداء التغييرات العالمية تدخل -لا نقول كل دولة أو كل مدينة- بل نقول: تدخل كل بيت يومياً، وقضايا مصيرية تتحدد بناء عليها مصائر الشعوب ومستقبل الأمم، ومثل هذه الأمور لا يجوز أن تمضي هكذا دون أن نستعمل انتباهنا بالتحليل والتدقيق.

    ونحن الأمة الإسلامية مع الأسف الشديد، تعودنا في الآونة الأخيرة، على ما يمكن أن نسميه (الأحلام أو الدغدغات العاطفية) أمام قضايا كبرى كان ينبغي لنا، بل يجب علينا أن نأخذها مأخذ الجد والعقل والدراسة، والتحليل العلمي المنطقي البعيد كل البعد عن الآثار العاطفية، على ما للعاطفة من دور.

    وهذا الحدث العظيم، نموذج لذلك، ونعني به ما يجري الآن في الاتحاد السوفيتي وقد شارف على إكمال السنة الخامسة من بداية عملية أو فكرة إعادة البناء، كما نادى بها الرئيس السوفيتي جورباتشوف، فماذا وراء هذه العملية؟

    وماذا يريد بها جورباتشوف؟

    وما هي أصداؤها في الغرب؟

    وما هي آثارها في واقع الأمة الإسلامية؟

    كلها قضايا مهمة.

    وإنني لأقول وأؤكد؛ أنني إن استطعت أن أثير الانتباه إلى أهمية القضية وتحليلها ودراستها، فإنني أكون -إن شاء الله- قد نجحت فيما أريد، بغض النظر عن أي تفصيل آخر، إذ الموضوع أخطر وأهم مما يخيل لنا، ومما كتب أو قيل في الأعم الغالب عن هذا الحدث العظيم، الذي وصف بحق بأنه أكبر حدث في تاريخ العالم المعاصر بعد الحرب العالمية الثانية.

    أو ليس عجيباً أن ذلك الستار الحديدي ينهار! أو ليس عجيباً أن دولاً استبدادية دكتاتورية، تنهار في أسابيع متلاحقة! وكأنها أمور تجري على المسرح، وإنما هو مسرح الحياة الكبير، وبطل هذا المسرح، وبطل هذه اللعبة رجل داهية متميز له صفات سوف نعرض لبعضها -إن شاء الله- في الحديث عن خططه وأعماله، جعلته يكون -كما أجري في أكثر من إحصاء- رجل العالم للسنوات الحالية.

    أو ليس عجيباً! أن الاتحاد السوفيتي يتغير تغيراً مفاجئاً مذهلاً إلى حد الإعلان أن الحزب الشيوعي لن يحتكر السلطة، وأن البلاد تؤمن بالتعددية الحزبية، إنها لأمور لا بد أن تشد الانتباه، ولا بد أن يتصدى لها المؤمنون، والحريصون على مستقبل هذا الأمة بكل تحليل وتدقيق.

    ونحمد الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، بادئ ذي بدئ أننا نثق في المستقبل البعيد، بلا ريب ولا مرية، ولكن يجب علينا أن نحسب الحساب في مستقبلنا الحالي، في واقعنا المعاصر، ولمستقبلنا القريب، وكيف يمكن أن نكون على مستوى التحدي، وعلى مستوى المواجهة.

    إن الشيوعية التي كانت بعبع العالم وصنمه في الستينيات الميلادية (الثمانينات الهجرية) مذهب فكري معروف لدى العالم كله، ولكنه في الوقت نفسه مجهول، فمعروف أنه نظام جماعي استبدادي مطلق، وأنه نظام شمولي -كما يسمى- ونظام عقائدي يبني كل صغيرة وكبيرة على العقيدة والمبدأ، ويفسر التاريخ تفسيراً مبنياً ومشتقاً من العقيدة.

    يحلل جميع الأحداث تحليلاً مبنياً على العقيدة الماركسية، ولكن الحقائق الخفية، أو المجهول لا يظهر إلا بعد حين، ومما ينبغي أن يعلم -ونحن لا نستطيع بالطبع عرض الشيوعية كاملة- ولكن نعرض فقط ما يتعلق بالتفسير المادي للتأريخ لنصل منه إلى المرحلة المعاصرة التي هي محل النزاع ومحل النظر والتحليل.

    1.   

    المراحل التي مرت بها الإنسانية عند الشيوعية

    إن الشيوعية تقسم تاريخ الإنسانية إلى مراحل خمس، وهي بإيجاز:

    مرحلة الشيوعية البدائية

    مرحلة الشيوعية البدائية -كما تصوروها- وهي أن العالم أول ما وجد كان شيوعياً بحتاً، ويسمونها الشيوعية الأولى أو البدائية، أي تماماً على ما نطلق عليه نحن، (بحق وحقيقة) كما نطق به وصرح به كتاب الله وسنة رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، من أن البشرية الأولى أول ما كانت على الإسلام: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [البقرة:213] قال المفسرون: أي: على الإسلام ثم اختلفوا بعد ذلك وكما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث عياض بن حمار - الصحيح-:{وإني خلقت عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين} فهكذا عشرة قرون، كانوا على التوحيد حتى ظهر الشرك في قوم نوح.والمقصود أن هذه هي المرحلة الأولى كما يزعمون.

    مرحلة الرق

    يتبعها بعد ذلك، أو جاء بعدها مرحلة الرق، والانتقال من مرحلة إلى مرحلة، وسببه عامل مادي بحت.

    كيف انتقلت الإنسانية بزعمهم كما نظرها ماركس وفريدرك أنجلز وغيرهما إلى مرحلة الرق؟

    قالوا: عندما اكتشفت الزراعة عن طريق المرأة -كما يقولون- ورأوا أن البذور التي تتساقط تنبت، فكان هذا العامل الاقتصادي عاملاً أساسيا واحداً للانتقال إلى المرحلة التي تليها وهي مرحلة الرق.

    مرحلة الإقطاع

    بعد مرحلة الرق يقولون: انتقلت الإنسانية أو المجتمع البشري بعمومه إلى مرحلة الإقطاع، وكيف انتشر الإقطاع؟

    أيضاً بعامل مادي، والمقصود أن المراحل المهمة هي الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية.

    مرحلة الرأسمالية

    وكان الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية نتيجة اكتشاف الآلة، كما يقولون في أوروبا الثورة أو الانقلاب الصناعي.

    مرحلة الشيوعية

    ثم المرحلة الأخيرة بعد الشيوعية الأولى والرق والإقطاع والرأسمالية، تأتي المرحلة الأخيرة التي لا بد أن تقع حتماً وهي الشيوعية النهائية.

    المرحلة الأخيرة هي مرحلة سيادة الشيوعية وسيطرة الشيوعية على العالم كله، حيث تلغى الدول، فلا دولة، ولا أسرة، ولا ملكية خاصة، ولا قوانين، ولا مبادئ، ولا أخلاق، إلا مبادئ (البروليتاريا) أي الطبقة الكادحة التي سوف تحكم العالم أجمع، ويكون الفردوس الذي يحلم به الناس جميعاً، كل بحسب طاقته، ولكل بحسب كفايته.

    هكذا حَلُم الفكر الشيوعي وأسس هذا في التطبيق أو في مبدأ المنهج النظري وهو -كما هو معلوم- تحوير لمنهج الجدل، أو(الديلكتاليكي)، الذي وضعه هيجل الفيلسوف المثالي الذي هو أكبر فيلسوف ظهر في أوروبا في عصورها كلها، وعلى الأقل في العصر التاسع عشر، أو العصر الحديث، فحول عالم المثل الخيالية، إلى عالم الواقع، وحول التطور الذي نادى به داروين من نظرية علمية بيولوجية (أحيائية) إلى أن وضع أساساً للتغير الحتمي، عندما يصبح العالم حتماً وقهراً شيوعياً.

    1.   

    حقيقة الشيوعية ونبذة عنها في فترة حكامها

    نسوق هذه الحقيقة لنقول: إن الفكر الشيوعي يقول- وهذا من ضرورياته ولا ردة عن هذا المبدأ- إن العالم حتماً سيصل إلى مرحلة الشيوعية المطلقة، وحكومة أو مجتمع البروليتاريا (أي الطبقة الكادحة).

    والتراجع عن هذه الفكرة هو هدم لكل الأسس الخمسة، هدم للتفسير المادي للتاريخ بأكمله، وبالتالي فهو هدم للنظرية الماركسية، وللنظرية الشيوعية مطلقاً، هذا من جهة المنهج.

    أما من جهة التطبيق فـالشيوعية أول ما وجدت كوجود حقيقي- بغض النظر عن حكومة الكوميو التي وجدت في باريس أو غيرها مما يسمى بالشيوعيات الساذجة- وجدت وجوداً فعلياً في ثورة عام (1917م)، في الاتحاد السوفيتي عندما ثار الشيوعيون، بل في الحقيقة ثار الشعب الروسي الذي ضغط على الحكومات القيصرية وعلى الاضطهاد والظلم والإقطاع، ثار بعد أن توالت الثورات -طبعاً كانت أول ثورة في أوروبا هي الثورة الفرنسية عام (1787م)- ثم توالت الثورات وآخر ثورة تقريباً هي الثورة الروسية (1917م).

    عندما قامت الثورة، كان أول من قام بها فئات لا يهمنا الآن الحديث عنها، وإنما يهمنا أن الشيوعيين تسلقوا وقطفوا ثمرة الثورة بعد أشهر من قيامها، وحولوها إلى ثورة شيوعية، وكان هذا أول انعطاف عن المراحل الخمس، التي وضعها ماركس، وذلك أن روسيا انتقلت من دولة زراعية إلى دولة شيوعية، وهنا نقطة مهمة بالنسبة للتأريخ.

    كان الحاكم الأول هو لينين وهو رجل يهودي معروف وهو أول من حكم ونَظَّر.

    اضطر لينين إلى تنظير جديد، يتناسب مع المرحلة الموجودة، فقد كان ماركس وفريدرك قد تنبأ بأن الدولة المهيأة لأن تكون شيوعية هي بريطانيا، والسبب هو أنها الدولة التي بلغت قمة الرأسمالية في ذلك الزمن، فبالتالي النقلة الطبيعية من رأسمالية إلى شيوعية سهلة عليها.

    أما النقلة من مجتمع زراعي إلى مجتمع شيوعي، فمعنى ذلك أنه لا بد من مرور بالمرحلة الحتمية الجبرية، التي هي المرحلة الخامسة، وهذه قضية فكرية، صاحبها في الواقع أن لينين عندما حكم البلاد، سلم الحكم -أو كما زعم- إلى مجالس السوفيت والبروليتاريا فعجزوا عن إدارة البلاد -وطبيعي أن يعجزوا عن ذلك- وهنا تدخل لينين ولخطط مقصودة أراد أن يحرف المسار عن التطبيق الحرفي للشيوعية.

    انقسمت الفئة أو الطغمة الشيوعية على نفسها في تلك الأثناء، وظهر المصطلح المعروف وهو البلشفيك والمشفيك، والبلشفيك معناها الأكثرية، والمشفيك معناها الأقلية.

    الأكثرية كانت تدعي أنها على منهج لينين، وكان منها جوزيف استالين الطاغية المعروف المشهور، والمشفيك الأقلية، كان لها نظرة في التطبيق تختلف، ولها تفسير للاشتراكية الحقيقة تختلف وكانت بزعامة تراوتسكي.

    الحكم الشيوعي في عهد إستالين

    وحصل الانشقاق الأول، ومن هنا ظهر الانتقاد، والقول بأن الشيوعية لم تطبق وأن الانحراف وقع عن مبادئ ماركس على يد لينين.

    توفي لينين وانتهى عام (1925م)، وورث الحكم الطاغية الرهيب المستبد استالين الذي دمر الشعوب، ولا سيما الأمم الإسلامية وقتل منها عشرات الملايين في مجزرة رهيبة بعد أن وضعت لهم الوعود المعسولة، بأن حكم القيصر وظلمه قد انتهى، وإننا نحن رسل الإنسانية والعدالة والحرية، وأن في إمكان المسلمين بل يجب عليهم أن يكونوا معنا يداً واحدة في هذا العصر الجديد الزاهي، لنحقق العدالة والأخوة والمحبة.

    وخُدع المسلمون بالطبع، أو طائفة كبيرة منهم -على الأقل- بهذه العهود المعسولة والأماني، ثم عقبها انقضاض استالين وبكل شراسة وعنف، على الإبادة الجماعية للمسلمين والتهجير الجماعي، حتى إن جمهوريات إسلامية كاملة، هُجِّر أهلها بالكامل، وأحل محلها مستوطنون من روسيا ومن النصارى، ونزح بهؤلاء المسلمين إلى سيبيريا والمصانع في مناطق أخرى.

    فترة استالين هذه سماها جورباتشوف نفسه في كتابه إعادة البناء: "مرحلة عبادة الفرد"، وهكذا كان بالفعل، ومع ذلك، حتى جورباتشوف نفسه يعتذر لـاستالين بأن ظروف الحرب والأوضاع الدولية أملت عليه بعض التصرفات وإن كان لا يرى أنها كافية للعذر.

    مرت مرحلة استالين، وكانت العلاقة مع العالم متأثرة فعلاً بظروف الحرب العالمية الثانية، وكان الغرب والشرق - أعني غرب أوروبا وشرقها- مضطراً للتعاون والاندماج في سبيل القضاء على النازية والفاشية على هتلر وموسليني دول المحور (محور الوسط).

    كان لا بد من شيء من هذا، فـاستالين جعل هذا غطاءٌ لحكم استبدادي مطلق، ولتعديلات جذرية في المنهج الشيوعي فكراً وتطبيقاً على أن الأمر أمر مرحلي! وأن المسألة لن تتجاوز استثناءات وقتية أملتها الظروف، وبعد هذه الإجراءات الاستثنائية، وبعد انتهاء الحرب يمكن أن تعود الأمور إلى مجاريها، ولكن طال الأمد جداً وحكم هذا الطاغوت حكماً طويلاً، وكانت العلاقة مع الغرب كما قلنا علاقة وئام بسبب الموقف الموحد من النازية والفاشية. أعقب ذلك - ونحن نوجز الأحقاب سريعاً حتى نصل إلى المرحلة الحالية- مرحلة خورتشوف.

    جاء خورتشوف وقال: ''إن استالين انحرف'' وندد بسياسة استالين تنديداً فضيعاً، وقال لا بد من العودة إلى منهج لينين العظيم، وهناك ما يشبه النكتة وهي حقيقة وقعت، بعد أن تولى خورتشوف رئاسة الاتحاد السوفيتي، وعقد اجتماعاً موسعاً في اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي، أخذ يتحدث لهم عن مساوئ استالين، ومظالمه واستبداده ودكتاتوريته، فجاءته أوراق، ومن جملة الأوراق جاءت ورقة مكتوب فيها: أين كنت يوم كان استالين يصنع هذه الأمور؟ وهو سؤال وجيه.

    طبعاً كان موجوداً في الوزارة، مشتركاً في كل النشاطات، ومع ذلك كان ساكتاً، والآن يندد تنديداً رهيباً فضيعاً.

    وكان خورتشوف داهية خبيثاً كالباقين هؤلاء، طبعاً وهم يهود، فـلينين يهودي، واستالين يهودي، وخورتشوف يهودي، وبرجنيف يهودي.

    فقال: من الذي كتب هذه الورقة لأتناقش معه؟ فلم يرفع أحد يده.

    قال له: كنت أنا في أيام استالين كما أنت الآن في أيامي.

    إذن من يستطيع التكلم، فالقضية واحدة! المهم أن اللاحق ينتقد السابق، وهكذا.

    الحكم الشيوعي في عهد خورتشوف

    خورتشوف مرحلته تميزت بما يسمى بالتعايش السلمي، وقد كان معاصراً لـجون كنيدي الرئيس الأمريكي القوي، وهو الذي حدثت في أيامه أزمة صواريخ كوبا وغيرها، وانتشر السلاح النووي في العالم، وكادت أن تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة.

    فاضطر الاتحاد السوفيتي أمام ضغوط كثيرة، إلى إعلان ما يسمى بالتعايش السلمي والتآلف بين الشعوب، وكانت مرحلة الحرب الباردة التي استمرت، ولكن اتفق الطرفان على أن لا يبدأ أحدهما الآخر بهجوم.

    وكان الهدف الشيوعي في هذه المرحلة يتلخص في: تنشيط الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية، وفي العالم الإسلامي، وفي العالم الثالث- لتقوم الثورات تلقائياً من داخل هذه الشعوب.

    وتسيطر الأحزاب الشيوعية، وحينئذٍ تسيطر الشيوعية على العالم.

    وبذل الاتحاد السوفيتي لـخورتشوف جهوداً كبرى مضنية، لنشر الشيوعية ومساعدات كبرى ضخمة للأحزاب الشيوعية التي لم يبق بلد في العالم إلا وأنشئت فيه، حتى الدول الغربية التي هي أشد حرباً للفكر الشيوعي (كـأمريكا مثلاً).

    وجدت الأحزاب الشيوعية، واستطاعوا أن يقيموا حتى في العالم الإسلامي دولاً شيوعية ومن بعضها قامت ثورات شيوعية ولكنها فشلت، كما حدث في السودان، وكما حدث في إندونيسيا فتحكم عدة أيام ثم تنتهي، وأما الأحزاب كأحزاب فبقيت منتشرة وموجودة في الدول كلها، وعن طريق دول عدم الانحياز وغيرها استطاعوا إيجاد مجالات أوسع للتغلغل الفكري والثقافي لنشر الشيوعية في العالم.

    ولكن الذي حصل أنه عندما ذهب خورتشوف وجاء دور برجنيف وكان هو الرجل البارز في هذه المرحلة، رأى أن الأمر لم يؤد دوره المطلوب، وأن الوضع قد تفاقم داخلياً وخارجياً، وأن الشيوعية كادت بالفعل بل فشلت فشلاً ذريعاً بأن تسيطر على العالم، وبدا هذا لديهم في مرحلة برجنيف.

    وقد كان الأمل معلقاً في الحقيقة على الأحزاب الشيوعية في أوروبا الغربية، ومدى ما تصل إليه من نجاح، وعلى التغيير الداخلي، إذ الانهيار الذي حصل في الاتحاد السوفيتي كان فضيعاً جداً في المجال الزراعي، وفي المجال الصناعي تفوق الغرب تفوقاً بعيد المدى.

    استيقظ العالم في أكثر من منطقة وبدأ ينافس الشرق والغرب، ظهرت اليابان، وظهرت كوريا، ثم بدأت تظهر بعض الدول التي بدأت تنافس، فكان هناك خطر محدق بوجود الاتحاد السوفيتي كقوة عالمية عظمى، وكان لا بد من إعادة الحساب مرة أخرى.

    الحكم الشيوعي في عهد ميخائيل جورباتشوف

    هنا اصطنع بشكل ما ميخائيل جورباتشوف، وقد كان أعضاء الحزب الشيوعي الكبار كلهم من العجائز، الذين تعدوا السبعين أو الثمانين، وهذا الشاب الوحيد الذي رُبّي على أعين الحزب -بغض النظر عن الخلاف في هذه القضية على أية حال- لكن الأحداث الواضحة الجلية تدل على أن هذا الشاب ربي، وأنه يجمع بين الذكاء، والثقافة الواسعة في الفكر الشيوعي، والدهاء السياسي، والقدرة على إقناع الجماهير، وكل هذه الصفات جمعت في ميخائيل جورباتشوف، ورقي بسرعة إلى أن أصبح قابضاً على أعلى المناصب.

    وهنا طرف لا بد أن نعرض له: وهو أن الغرب تدخل إلى حد ما في إذكاء جماهيرية وشعبية جورباتشوف، وفي فتح مجالات جديدة أمامه, ووعود معسولة فيما لو قام بنوع التجديد الذي بيِّت له. نستطيع نحن المسلمين -أو أي محلل آخر- أن نقول: إن وراء ذلك اتفاقاً سرياً ما وسيكشف، لكن سنحصد الأحداث الظاهرية نوعاً ما، حتى نرى ما ستكون النتيجة.

    فجأة يبرز جورباتشوف ويبرز زعيماً أوحداً كما برز استالين، وكما كان خورتشوف وكما كان برجنيف في فترة ما يسيطر على أزمة الأمور.

    1.   

    الأحداث التي استغلها جورباتشوف لتحقيق أهدافه

    من القضايا البسيطة أنه عندما أريد لـجورباتشوف وافتعل له أن يصبح مستبداً، رأى أن أقوى سلطة يمكن أن تقف أمامه الجيش، فالحزب فهو منظّر فكري ويستطيع أن يسيطر إلى حدٍ ما، لكن الجيش هو المشكلة.

    فكان لا بد أن يغير القيادات: قيادة الاستخبارات، وقيادة القوات الجوية والبحرية، فكانت القشة التي قصمت ظهر البعير -كما يقال- وهي تلك القصة الغريبة جداً التي ذهلنا جميعاً لها، ثم مرت كأي حدث من الأحداث العابرة دون أن تحلل التحليل السليم خاصة من المسلمين على الأقل، وهي قصة الطائرة الشراعية الصغيرة التي اختطفها أو دخل بها شاب وعشيقتة -جعلت معه عشيقة لتبدو القضية قضية مغامرة حب- واستطاع أن يطير من ألمانيا ويخترق الحدود السوفيتية، بطريقة الله أعلم بكيفيتها -ولابد من وجود تواطؤ طبعاً- وينزل في الساحة الحمراء، ويطل المسئولون في أقوى دولة كما تزعم، والتي تريد أن تنافس أمريكا في حرب النجوم، يطلون ويجدون أن طائرة غريبة، قد نزلت ووقعت في الساحة الحمراء، أين الدفاعات الجوية؟

    أين الرادارات؟

    أسئلة كثيرة.

    بناءً على ذلك قرر جورباتشوف أن هذا المجتمع يحتاج إلى تجديد، فأقال وزير الدفاع، وقائد القوات الجوية، وقائد كذا، وقائد كذا، دفعة واحدة، وينحى هؤلاء الذين أدوا إلى هذه الفضيحة كما قيل، وتخلص منهم وجاء بالعناصر التي يريد.

    بعد ذلك جاءت عدة حوادث كانت ذريعة إلى الاستمرار، وهي - كمثال - الزلازل التي حصلت في أرمينيا، فقد استطاع جورباتشوف بدهائه أن يوظفها توظيفاً رهيباً، والزلزال طبعاً حصل قضاءً من الله وهذا معلوم.

    أرسل الاتحاد السوفيتي بمعداته الثقيلة للإنقاذ، وإذا بها هزيلة لا تستطيع أن تفعل شيئاً، فاضطر جورباتشوف للاستنجاد بالغرب، فمد الغرب يده بسرعة، فهي قضية إنسانية، كعادة الغرب عندما تهبُّ نخوته الإنسانية في أي قضية غربية، وتختفي تماماً في أي قضية أو نكبة إسلامية، وإذا به يهبُّ لنجدة أرمينيا، وإذا بالناس يرون العجب العجاب.

    وقبل ذلك حدث -أيضاً- الإشعاع الذري الذي تسرب من معمل تشر نوبل، في الاتحاد السوفيتي، فوقف الاتحاد السوفيتي عاجزاً عن السيطرة أمام آثار الإشعاع، ويأتي الغرب بالتكنولوجيا، ويستطيع أن يحاصر التسرب.

    المقصود أن عدة أحداث حدثت وجورباتشوف يوظفها لمصلحة فكرة: أن هذا التخلف الفظيع الذي تعيشه الاتحاد السوفيتي كان بسبب التطبيق السيئ للاشتراكية، كان بسبب عبادة الفرد، كان بسبب التجاوزات التي ارتكبوها واستطاع الأعداء أن يتفوقوا عليهم إلى آخر ذلك، عندها أصدر جورباتشوف كتابه إعادة البناء وكان قد مضى على ما سماه بـإعادة البناء أو البروستريكا سنتان ونصف.

    عندما طبع الكتاب، وكان هذا الكتاب شرحاً لوجهة نظر جورباتشوف نفسه في إعادة البناء، نوجزه في نقاط بسيطة:

    جورباتشوف يرى أن إعادة البناء ضرورية جداً، وأنه لا تنازل على الإطلاق عن الاشتراكية، وأنه لا يقبل أية مساومة على المبدأ، وأن مستقبل الإنسانية جمعاء مرهون بالتطبيق الحقيقي للمبادئ التي نادى بها ماركس ولينين، فهي قضية لا تقبل النقاش عنده -ولاحظوا هذا شيء مهم نضعه في الاعتبار- ثم يطرح وضعاً سياسياً جديداً، يقول: مع هذا كله نحن جزء من العالم، يجب أن نتعايش، تحدث عن العالم الثالث، تحدث عن الولايات المتحدة الأمريكية تحدث عن أوروبا بعد حديثه الطويل عن الاتحاد السوفيتي طبعاً.

    تعرض لقضايا كانت أهم قضية فيه -وهي التي نريد أن نصل منها إلى ما يجب علينا نحن المسلمين في هذه المرحلة الخطيرة- وهي مسألة العلاقة مع أوروبا، والعلاقة مع أمريكا، وكيف تكون هذه العلاقة؟

    وهذه مسألة مهمة جداً سنضطر أن نتجاوز عنها قليلاً لنتحدث عن أوروبا الغربية ماذا كانت تعمل قبل إعادة البناء وأثنائها! وكيف كان العالم الغربي يفكر؟!

    1.   

    موقف الغرب من الشيوعية

    العالم الغربي سلاحه ووسيلته الكبرى للتنديد بـالشيوعية والثلم والطعن في الاتحاد السوفيتي أنه مجتمع كبت وإرهاب، وفقر ومذلة، مجتمع اللاإنسانية، وهو كذلك، وفخر أوروبا الغربية ليس بأن لديها منهجاً، أو أن لديها رسالة تقدمها إلى العالم، الفخر الوحيد لها أن لديها الديمقراطية، وإعطاء الحرية للشعوب، أما غير ذلك لا توجد عقيدة محددة ينتهجها الغرب.

    إذاً: في ظل هذا بدأ الغرب يحس بالخطر المحدق به من الجهتين:

    1- من جهة خطورة الاتحاد السوفيتي كقوة عقائدية ضخمة، هذه ناحية مهمة.

    2- ومن جهة أخرى خطورة الولايات المتحدة الأمريكية، وهي قوة اقتصادية ضخمة.

    أوروبا الغربية بالذات وجدت نفسها محاطة بالقوتين العظيمتين، وهي التي تدعي أنها أساس الحضارة الإسلامية.

    لا يوجد لدى أوروبا شيء، فقد تداعت أوروبا الغربية وقالت: لا بد من وحدة أوروبية، وبدأت -طبعاً- بالسوق الأوروبية كما هو معلوم، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مرحلة الوحدة الأوروبية التي ستعلن بوحدة البرلمان الأوروبي، ووحدة المواقف ووحدة القضايا، واستمرت في عملية مدروسة مبرمجة، لتصل بعد سنتين تقريباً إلى إعلان الوحدة الكاملة بين دول أوروبا، هذا برنامج خطير ولم يكن ليفوت الرفاق في موسكو معرفة هذا البرنامج.

    أما الولايات المتحدة الأمريكية، فتنظر للموضوع بمنظار أن الغرب غرب كله، وتحاول توظيف الوحدة الأوروبية لتضرب الاتحاد السوفيتي في العمق، وروسيا في ظل هذا الوضع لديها مشكلة ألمانيا، كما هو معلوم.

    كما أن الجيوش المرابطة في أوروبا قرابة سبعمائة ألف، تكاليفها باهضة.

    أيضاً لديها تحدٍ عالمي في أمريكا الوسطى وفي الشرق وفي كل مكان، ولا بد أن تقف دولة مواجهة لـأمريكا وهي لا تستطيع ذلك.

    فكان لابد لـجورباتشوف -وهنا نقطة مهمة- أن يقطع الطريق ضد توحد الغرب الأوروبي ضده، وضد أوروبا الشرقية فقام بإعلان الديمقراطية، وهو بهذا يسلب الغرب الشعار الذي لوح به ويفخر به على العالم كله.

    ففتح أولاً- وهذه نقطه مهمة -لم يبدأ بـروسيا وإنما بدأ بالدول الأخرى بولندا، لأن العمال فرضوا أنفسهم بالقوة من سنوات وهم ثائرون، ثم قليلاً قليلاً، وكانت مجزرة رومانيا الفظيعة.

    1.   

    جورباتشوف ينتقل إلى ديموقراطي

    أخيراً كان التغيير الذي أعلن في الاتحاد السوفيتي نفسه وهو أن الحزب الشيوعي لا يحتكر السلطة، وإنما تكون حكومات ديمقراطية وهنا تضعضع العالم الغربي واهتز وشعر بالخطر فعلاً، وبدأت التحليلات الغربية تختلف، طائفة من الغربيين أبدوا الارتياح الكامل، لهذه الخطوات الديمقراطية، وتفاءلوا بمستقبل زاهٍ للإنسانية -كما نسمع الآن ويردد كثيراً- وأن الإنسانية والعالم الإنساني مقبل على مرحلة انفراج، وأن النظم الشمولية ستنتهي، وأن الديكتاتوريات ستسقط، وأن.. وأن.. وأن.. إلخ.

    وقالوا: إن هذا نتيجة ثورة الإنسانية، وتفاعل الحرية في قلوب العالم أجمع، هذه كانت تحليلات، وتحليلات أخرى تقول: لا..! الاتحاد السوفيتي دائماً يلدغ والشيوعية لم يتنازل عنها، وإنما هذه حركة التفاف وعملية مخادعة.. وهكذا اختلفت التحليلات.

    والذي يتتبع العملية يقول: لا يمكن أن تكون هذه إلا عملية مقصودة إذ كيف يكون السقوط بهذه الدقة.

    ثم لماذا في كل دولة يسقط فيها الحزب الشيوعي يبرز في محله الشيوعيون الناقمون، أو الإصلاحيون كما يسمون، فكأن تراو تسكي الذي قتله استالين عام (1940م) قد أعيد من جديد، أو غيره كالدولية الثانية والثالثة والرابعة.

    مجموعة الأحزاب الشيوعية (خارج الاتحاد السوفيتي):

    يرون أيضاً الارتياح التي تقابل به الأحزاب الشيوعية في بلادها هذا الحدث، فيقول: لا بد أن هذا أمر دبر بليل، ووراؤه ما وراؤه من خطر على أوروبا.

    على أية حال وصلت بعض التحليلات إلى القول بأن جورباتشوف دسيسة أمريكية، ربي على عين أمريكا، ووضع ليهدم الشيوعية وليأتِ في مؤتمر مالطا ويقول لـبوش: نحن لن نتقاسم العالم معكم.

    والبعض الآخر يقول بالعكس: إن جورباتشوف هو الذي سيحتوي العالم، ويريد أن يحتوي العالم عن طريق هذا الخداع، المهم أنها تحليلات مختلفة، لكن نقتصر نحن على الأمور الظاهرة، ثم لنا الحق جميعاً أن نستنتج منها ما نستنتجه.

    القضية الأساسية هي: أن الأحزاب الاشتراكية في أوروبا، والشيوعية تكاد أن تكون هي الحاكمة في كثير من دول أوروبا، في فرنسا، في إيطاليا، في البرتغال، في دول عدة.

    الشيوعيون أو الاشتراكيون على الأقل، إما حاكمون، وإما لهم أحياناً فوق (40%) من الأصوات كما في الانتخابات الحرة التي أجريت في دول أوروبا الغربية.

    إذاً هناك عمق شيوعي ثقافي فكري داخل أوروبا الغربية مؤيد لـجورباتشوف، ثم إذا سحب جورباتشوف الأنظمة الديكتاتورية التي عفنت، وسخط عليها الناس واستبدلها بأوضاع قريبة، مما تطالب به الأحزاب الشيوعية تقريباً في أوروبا الغريبة، فإنه سيوفر على نفسه النفقات الباهضة للمنافسة النووية، ليدعم نشر الشيوعية بطريقة الفكر والثقافة.

    وقد صرح بأنا نريد أن ننشر الفكرة عن طريق اقتناع الناس بها، لا عن طريق إرغام الناس أن يكونوا شيوعيين، كما كان في الماضي، وواثق أن أوروبا الغربية ليست لديها عقيدة ولا مبادئ، وأن الشركات الأمريكية سوف تنظر للموضوع نظر ريبة.

    ثم إن جورباتشوف يرى -قد صرح بهذا في إعادة البناء- أنا نحن الأوروبيون، أوروبا بيتنا المشترك -هكذا بالنص- ونحن مثل ناس في شقق، فـألمانيا وبريطانيا وفرنسا شقق في هذا البيت حتى يقول: لماذا يقبل الغرب على الثقافة الأمريكية: ثقافة الجنس، ثقافة العنف، ثقافة الجريمة، ويترك الآداب الإنسانية الأوروبية، نحن يجمعنا أدب واحد، تجمعنا حضارة واحدة، يجمعنا دين واحد، حتى يقول: الدين وحَّدنا وهو الكاثوليكية، واختلفوا على مرور ألف سنة على دخول الكاثوليكية إلى الاتحاد السوفيتي.

    يقول: وأوروبا شيء واحد، عندما ننظر إلى ضرورة أن تعود ألمانيا دولة واحدة، وتسحب منها القوات الأجنبية، فـروسيا جغرافياً موجودة في أوروبا، لكن أمريكا إذا سحبت قواتها تكون من وراء البحار، إذن هنا نقطة أساسية في العملية الاستراتيجية العسكرية ما بين الدولتين.

    طبعاً الإعلان الذي أعلن عن توحد أوروبا هو توحد دول يسكنها ثلاثمائة وخمسة وعشرون مليوناً، ومعنى ذلك أنها أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الاتحاد السوفيتي التي يسكنهما تقريباً مائتان وسبعون مليوناً.

    إذاً: أوروبا ستكون أقوى سكانياً، وجورباتشوف يريد احتواء هذا بطريقة أن يضيف إلى الثلاثمائة وخمسة وعشرين مليوناً المائتين والسبعين مليوناً الذين في الاتحاد السوفيتي فتصبح أوربا قوية.

    ويقول: نحن لدينا خبرات، لدينا تقدم في إنتاج الفولاذ وغيره، ولدينا موارد هائلة، ولدينا امتداد جغرافي كبير، نستطيع توظيف الأموال الأوروبية فيه، وبذلك ينفصل الغرب عن الولايات المتحدة الأمريكية، فتكون النتيجة أن توجد أوروبا الموحدة، والتي إذا ضمت لها أوروبا الشرقية مع الاتحاد السوفيتي سيكون شيء لا يكاد يصدق، أكثر من سبعمائة مليون قوة بشرية وعلمية هائلة، وتجد أوروبا الغربية إما أن توافق وإما لا قيمة لها، شعاراتها مفقودة، وستجد على الأقل أن الأحزاب الشيوعية فيها والاشتراكية ستطالب وتقول: لم لا ينظم الاتحاد السوفيتي إلى أوروبا الغربية؟

    فإذا قيل: إنها دولة استبدادية، سيقال لهم: لقد انتهت الاستبدادية، وانتهى الظلم وانتهت الاشتراكيات، والآن أصبحت أحزاب ديمقراطية، فلماذا لا تمدون لهم يد العون؟

    والشيوعية متغلغلة حتى في غير الأحزاب الشيوعية، ومتغلغلة في أوروبا الغربية، والنتيجة المتوقعة أنه ستقتنع أوروبا، بشكل ما على الأقل، ويعجب المرء عندما يسمع طبعاً نداءات جورباتشوف المتكررة بتعجيل مؤتمر الأمن القومي الأوروبي، وإدخال الاتحاد السوفيتي ضمن هذا المؤتمر، وأن تُعلن أوروبا الموحدة ومن ضمنها الاتحاد السوفيتي.

    إذاً سوف تتوحد أوروبا بشكل ما؛ لتصبح سبعمائة مليون أو أكثر لتكون قوة واحدة في مواجهة العالم، وبطبيعة الحال الأموال الأوروبية بدأت تتدفق من ألمانيا الغربية غيرها، إلى دول أوروبا الشرقية، وهذا أقوى شيء يؤمن به الغرب، وهو الاقتصاد والوحدة الاقتصادية.

    يبقى هناك أمريكا هل ستستسلم أمريكا بهذه السهولة، وتعطي أوروبا شرقها وغربها لقمة سائغة لـجورباتشوف؟

    هذا غير معقول، فلا يمكن أن أمريكا التي أنست الناس كل أنواع الاستبداد والاستعمار القديم، باستعمارها الفظيع الحالي للعالم كله تقريباً جوه وبحره، وإنما أمريكا وجدت عدة وسائل لتضغط بها على الاتحاد السوفيتي.

    1.   

    علاقة إعادة البناء بالأمة المسلمة

    وهنا -وأرجو عدم المؤاخذة على الاختصار الذي نضطر إليه- ندخل في قضية ما يمس الأمة الإسلامية بالذات وبالنص:

    الولايات المتحدة الأمريكية يهمها أولاً استرضاء إسرائيل، لأن اللوبي اليهودي مسيطر عليها، كما على الطرفين طبعاً، فهو وسيلة ضغط على الاتحاد السوفيتي وعلى أوروبا الشرقية.

    أولاً: تغيير الموقف من إسرائيل، وجورباتشوف يقول: نحن من الدول التي أسست إسرائيل، يقول هذا في إعادة البناء، وليس لنا موقف معادٍ لإسرائيل، ونؤمن بحق إسرائيل في الوجود، لكن لا توجد علاقات أو مواقف سياسية معروفه معلنة في الأمم المتحدة، أو الفيتو.

    الآن أمريكا والغرب تضغط على الاتحاد السوفيتي، ودول أوروبا الشرقية لهجرة اليهود الروس، وهي هجرة فضيعة جداً، وعلى غفلة الأمة الإسلامية وعلى غفلة الأمة العربية استيقظت لما رأت هذا الخطر المحدق، وأصبحت على ألسنة جميع الناس تقريباً، والصحافة العربية والإسلامية، وهي مسألة الهجرة اليهودية، لأنه كما أعلنت منظمة التحرير وهي المصدر الرسمي على أية حال، ما تعرضت له الانتفاضة في فلسطين، أنه أكثر من عشرة أو اثني عشر ألف جرحى، يقارب العدد ستين ألفاً بين جريح وسجين وقتيل، وثلاثمائة ألف حالة إجهاض متعمدة من اليهود لإجهاض النساء المسلمات في فلسطين يقابل ذلك هذه الأيام بالمعدل الذي أعلن، معدل ثلاثمائة يهودي سوفيتي يصلون يومياً إلى فلسطين، ففي عامٍ وصل قرابة خمسة وسبعين ألف يهودي، وهم يزدادون عاماً بعد عام، لا شك أنه وجود بشري مكثف.

    قرأنا أن إسرائيل بنت مائتي ألف وحدة سكنية جاهزة لاستقبال اليهود من أوروبا الشرقية، أي إذا افترضنا تقديرياً أن الأسرة تتكون من خمسة أفراد فمعنى ذلك أن مليون يهودي سيصلون إلى الأرض المحتلة فلسطين الإسلامية، وسيسكنون في المناطق التي فيها وجود إسلامي، والتي يوجد فيها العرب.

    أما بالنسبة لـأمريكا، فمن مصلحة أمريكا من الناحية الاقتصادية أيضاً التغلغل داخل الاتحاد السوفيتي وإمداده، وبناء وإنشاء المشاريع، والشركات الأمريكية تضغط -كما هو معروف- على الحكومة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي مفتوح كما تبين الآن لمشاريع رهيبة تربح وتجني منها الشركات الأمريكية أرباحاً خيالية كبرى.

    العدو المشترك بين الشرق والغرب هو الإسلام

    أهم من هذا كله: العدو المشترك للشرق والغرب الذي لا بد أن يتوحدوا ليقفوا أمامه.

    أرنلد توينبي أكبر مؤرخ غربي في العصر الحديث يقول: ''نستطيع أن نتحاور مع الشيوعية (وهذا في فترة الحرب الباردة)، نستطيع أن نتحاور مع كل دين إلا الإسلام، فإنه يضل العدو الأبدي لنا'' هذه كلمة مفكر، أما الساسة فيعلمون ذلك وأكثر. وأذكر مثالين على ذلك:

    الأول: حدث في الجزائر أن خرجت ثلاثة آلاف امرأة شيوعية بمظاهرة، يطالبن بإلغاء دستور الأسرة؛ لأنه ينص على شيء من الشريعة، فقامت الرابطة الإسلامية، وهي امتداد لدعوة الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمة الله عليه، وأخرجت قيل: خمسمائة ألف وقيل مليون امرأة مسلمة محجبة، ورفعن شعارات -وأنتم رأيتم جميعاً صورهن في الصحف- احكمونا بالإسلام، لا نريد إلا الإسلام، لا نريد إلا القرآن، ففزع الشيوعيون وغيرهم فزعاً رهيباً، ليس هذا هو الشاهد، بل الشاهد أن الرئيس أعلن أنه إن وصل الأصوليون إلى الحكم في الجزائر، فسأضطر للتدخل عسكرياً، كما تدخل بوش في بنما.

    الثاني: وهو ما حصل في اليمن الجنوبي، حدث قد ينظر إليه أنه بسيط ونشرته الصحف، أنه قامت فتيات المدارس الثانوية، بمظاهرات يردن الفصل عن الطلاب ويردن الحجاب، وكان استنفار شديد فضيع من السلطات الشيوعية لهذا الحدث.

    لأنه طولب بإلغاء مادة التربية الرياضية في المدارس، وطولب بالفصل بين الذكور والإناث، وطولب بالحجاب، لقد كان شيئاً فضيعاً جداً لا يمكن أن يتخيله العقل في دولة كانت ماركسية حرفياً، وآخر من استجاب لعملية إعادة البناء.

    وبالمناسبة خذوها عابرة وهي أن ما أراد جورباتشوف أن يطبقه في روسيا من التوحد مع الغرب تحت ستار إعادة البناء، بدأت الدول الشيوعية أو الدائرة في فلك جورباتشوف، تحاول أن تتوحد مع الجيران مهما اختلفوا معهم، وهنا تأخذون العبرة، واللبيب بالإشارة يفهم.

    هذان الحدثان يعطيان قناعة أن العالم الصليبي الأوروبي، يكن الحقد الشديد على الإسلام.

    بدأت العملية في أمريكا بطريقة غريبة، مع ما نشر وما ينشر من حقد على الإسلام لكنه كان محصوراً في المثقفين تقريباً، كيف استطاع الأمريكان أن يجعلوا هذا الحقد الدفين على الإسلام يتوقد بطريقة شعبية؟

    قاموا بإنتاج أفلام خيالية بحتة على مدى ثلاث ساعات أو أربع ساعات تتحدث عن مستقبل أمريكا، منها: فيلم مشهور، كيف إذا هاجم الاتحاد السوفيتي أمريكا-مثلاً- وانتشر وبيع أكثر من مائة مليون، ومعه أفلام أخرى، نهاية أمريكا تكون على يد رجل راكب جمل معمم، من أتباع محمد، ويأتي ويحتل أوروبا، ثم يدخل إلى أمريكا ويدمر الحضارة الأمريكية، وهكذا يكون المضمون واحد، وهذا يؤدي إلى أن الشعب يظل في مخيلته هذه الفكرة وإن كانت قصصاً وحكايات ولكن باللاشعور يترسب أن هذا هو العدو، وأن هذا هو الخطر.

    وللعلم هذا - أيضاً - حدث في عام (1983م) أن الاستخبارات الأمريكية موَّلت أكثر من مائة وعشرين ندوة لدراسة الصحوة الإسلامية، أي: أكثر من معدل ندوة كل ثلاثة أيام، لدراسة الصحوة الإسلامية في معظم أنحاء العالم.

    فالغرب والشرق حذر من العدو الأساسي وهو العالم الإسلامي، فكيف نتوقع إذا توحد الشرق والغرب؟

    أعني أن أمريكا أمام هذه الأمور ستتوحد مع الغرب نوعاً ما، أقول: لا نفرض صورة الاتحادات، ولكن سيصل الأمر إلى أن ألف مليون على الأقل من الصليبيين من أوروبا شرقها وغربها وأمريكا ستصبح وفق إرادة واحدة، وقرار واحداً بأي شكل اتخذ هذا القرار فليس مهماً، وذلك للوقوف في وجه هذا العدو الذي بدأ يستيقظ، وبدأ يهدد العالم الغربي كما يقولون.

    مستقبل العالم الإسلامي في ظل التحزبات الكفرية

    كيف يكون مستقبل العالم الإسلامي في ظل هذه العملية إن استمرت الأمور كما هي عليه الآن، مع غفلة الأمة الإسلامية، مع ما تعانيه من التبعية السياسية والاقتصادية والفكرية، ومع ما تعانيه من الفرقة والانقسام، ليس على مستوى الشعوب، ولا على مستوى الحكومات؛ بل على مستوى الدعاة.

    لا توجد دعوة إسلامية على الأقل موحدة لتواجه هذا الخطر، كيف نتصور وضع العالم الإسلامي عندما يكون القرار الدولي واحداً، وقد كنا نعاني الأمرَّين وهو مختلف، فنوعاً ما يستطيع الناس في ظل الاختلاف الدولي أن يجدوا ثغرة أو منفذاً، أو على الأقل نشراً للأخبار إن انتهكت روسيا فتنشر أمريكا أحياناً، أو العكس، فأمور الخلخلة السياسية قد تعطي شيئاً من الانفتاح الذي قد يعطي بعض الاطمئنان.

    لكن كيف لو توحد هذا العالم وهو مقدم على ذلك؟

    هنا سيكون المستقبل خطيراً جداً، وأنا أترك النتيجة والتحليل الأخير لكل إنسان، لأني قلت: المهم لدي هو أن تتضح الصورة، وأن يتضح هذا الخطر الداهم، ولكن هذا لا يمنعني من أن أطرح ما وصلت إليه من وجهة نظر؛ لعلها تكون لبنة على ما ستصلون إليه -إن شاء الله- في تحليلكم الأوسع أفقاً ونظراً مني.

    مستقبل الأمة الإسلامية قريب، الأحزاب الاشتراكية، والأنظمة الشيوعية، والأنظمة الاستبدادية الشمولية -كما تسمى- سوف تنتهي -فعلاً- وتختفي، وسوف يشهد العالم الإسلامي - على تحليلي الشخصي- انفتاحاً أيضاً قريباً من الانفتاح الذي في أوروبا الشرقية، ولكن لحساب من؟ هنا المشكلة.

    قد يسمح لبعض الجماعات والدعوات والحركات الإسلامية، التي لها وجود شعبي بأن تشارك جزئياً في الحكومات الديمقراطية، التي ستقوم على أنقاض الحكومات الشمولية الموجودة الآن في العالم الإسلامي.

    سوف تنفتح العلاقات بشكل أكبر، لأن الحرج ارتفع بالنسبة لـروسيا، وهو مرتفع من قديم طبعاً بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فسوف يكون الغزو الثقافي والاقتصادي والتبعية بشكل أكبر، وهنا سيجد العالم الإسلامي نفسه منقسماً إلى قسمين رئيسين تقريباً: قسم سيفرح بالوزارتين أو الثلاث الوزارات، أو بعض النقابات، وينسى القضية الأساسية ويندمج في هذا الواقع، ومع الزمان سوف يرى أنه في النهاية سيخسر قضيته كلها.

    القسم الآخر وهو الطبيعي ولا بد أن يوجد الطرف الذي يسميه الغربيون "الأصوليون، المتشددون، المتزمتون" إلى آخره، لن يرضى إلا بالإسلام الواضح الجلي الكامل النقي، وهذا القسم أمامه أحد احتمالين: إما أن يقضي عليه القسم الأول، لأنه لن يتدخل الغرب وقد أخذ الدرس الرهيب في أفغانستان وفي غيره، ولن يتدخل بشكل مباشر؛ بل حتى عقائدياً لا أتوقع أن يتدخل الغرب؛ لأنه لو جاء بـالشيوعية أو الاشتراكية الوجودية، أو أي فكرة لتقاوم، فلا يمكن أن أي إنسان عرف منهج الكتاب والسنة أو كما يسمونه الأصولية أن يصدق أي فكرة غربية، فالحصانة تلقائية لا يمكن أن يفكر فيها الغرب، لكن ربما تنجح.

    نقول: إما أن يقضي عليه الغرب بواسطة الطرف المعتدل -كما يسمى- الذي يؤمن بالموديل إسلام، إسلام الموضة والإسلام المتطور.

    التوقع الثاني: أنه تسيطر هذه الدعوات السنية -التي تعتمد منهج الكتاب والسنة- ويكون لها قوة، وتملك زمام الأمور، فماذا؟ فالنتيجة إذا لم يستطع الغرب أن يقضي عليها عن طريق الحركات الداخلية فإنه لا بد أن يتدخل الغرب عسكرياً، كما أنذر وتوعد ميتران وغيره، لأن الغرب سيجد أنه لا مفر له من المواجهة.

    هل في إمكان الغرب أن يواجه بالغرور، والكبرياء، والتكنولوجيا المتفوقة، وحرب النجوم.... إلخ؟

    كل ذلك يهيئ للغرب الاشتباك المباشر، والإنزال المباشر في الأرض الإسلامية.

    وستكون النتيجة إذا حصل الإنزال المباشر أن الأمة الإسلامية تهب هبة رجل واحد، وتتفانى وسيخسر الغرب في هذه المرحلة -لو حصلت طبعاً- الطرف الذي يسميه المعتدل، أو أكثر.

    وعلى أية حال سوف تستيقظ الشعوب، وسوف تكون هناك مواجهة عامة كما حدث في أفغانستان وهذا مثال بسيط وواضح، وقضية واضحة لكم والحمد لله.

    لو أن أيام الملكية بقيت لسيطرتأمريكا على الأوضاع في أفغانستان عن طرق الملك والحكومة الملكية الفاسدة الموجودة البعيدة عن شرع الله والاهتداء بهداه، وتحقق كل شيء لـأمريكا من خلاله، لو أن ذلك حصل لم يكن لدى الشعب الأفغاني المسلم هذا الوعي الآن بالأحداث والخطر، ولن يكون هذا الجهاد طبعاً؛ لأن الذي حصل كان نتيجة العدوان المباشر بالإنزال المباشر، فهب الناس هبة رجل واحد، والحمد لله.

    إذاً سيستثار العالم الإسلامي، والغرب المتفوق تكنولوجياً ستدفعه هذه القوة والحقد الصليبي إلى القضاء المباشر، والإنزال المباشر لجيوش غربية.

    وليس سراً أن أكثر من مائتين وخمسين ألف جندي أمريكي يتدربون في صحراء وسط الولايات المتحدة الأمريكية، للتكيف مع المناخ الصحراوي، وهؤلاء معدون لأي إنزال سريع في أي وقت من الأوقات، وهذا شيء يعرفه العالم كله.

    والأساطيل تملأ جميع البحار والخلجان والمنافذ، والإنزال هذا بأبسط ما يمكن ستكون مواجهة حاسمة عليها.

    الوضع مخيف جداً ولا بد أن نأخذه مأخذ الجد.

    ولكن لا بد من قضية أذكرها وأختم بها: نحن لا نتمنى لقاء العدو كما أرشد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولكن أنفع وأجدى للإسلام المواجهة المباشرة مع الغرب، من وجود أنظمة نفاق، وإسلام أمريكاني، أو إسلام مروض كما يقال.

    هذا أنفع للمسلمين وأسرع لليقظة، وآثار الحروب الصليبية أكبر دليل على ذلك، فإن الهجمة الصليبية أيقظت الأمة الإسلامية. وسأذكر أثراً واحداً:

    عندما قدمت الحملة الصليبية الأولى، كان في دمشق وهي أكبر مدينة إسلامية في بلاد الشام التي استهدفها الصليبيون مدرسة واحدة شرعية، كأنها كلية باعتبار ما نحن فيه الآن، لكن عندما قام صلاح الدين كان ما يقارب مائة مدرسة في دمشق؛ لأن العلم بين الشباب أهم شيء، فهو يؤدي إلى أن الأمة تعي وتعرف إلى أي شيء ترجع، إلى الدقة العلمية والتحليل العلمي والمواجهة العلمية.

    كان على ميمنة صلاح الدين ابن قدامة رحمه الله صاحب المغني.

    وكان من العلماء الأفذاذ الذين واجهوا التتار، شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية والذي كان في وسط المعمعة، ويرفع الحماس.

    والمقصود أن الأمة استيقظت بعد القرن الخامس، قرن الهبوط، وقرن الموت، وقرن الضعف القرن الذي سيطرت فيه الرافضة على العالم الإسلامي، وسيطرت فيه الباطنية، ثم يعقبه بعد ذلك شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية فكانت تلك الحياة العجيبة.

    الآن الأمة الإسلامية على أي ثقافة تعيش؟

    على أي علم تعيش؟

    بعد علم السلف طبعاً بعد كتب الأصول والحديث القديمة، لكن انظروا لمن تقرأ؟

    إنها تقرأ لـابن تيمية، ولـابن قدامة، ولـابن حجر ، وللنووي، وللذهبي، وللمزني، ولـابن كثير، ولـابن رجب سبحان الله! متى ظهر هؤلاء الأفذاذ! لقد ظهروا بعد مرحلة الحروب الصليبية والتتار، أي: بعد أن استفزت واستنفرت الأمة الإسلامية وأظهرت قيادات.

    ظهر صلاح الدين وهو رجل جدد سيرة الخلفاء الراشدين، وظهر نور الدين محمود، وهو رجل أحيا سيرة الخلفاء الراشدين، وللأسف غفلت عنه الأمة وعن عماد الدين وغيرهم.

    فظهرت قيادات سياسية وعسكرية وعلمية، وعادت الأمة من جديد، وقاومت من جديد.

    1.   

    بشائر النبي صلى الله عليه وسلم بأن المستقبل لهذا الدين

    نقول هذا إذا حدث، قد يكون وقد لا يكون، ولكن يهمنا أن نذكر أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بشر بهذا كله في أحاديث كثيرة.

    بشر في آخر الزمان بسيطرة الأمة الإسلامية وتفوقها، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بـالأعماق أو بدابق) والروم هم الغرب، الم * غُلِبَتِ الرُّومُ [الروم:1-2] وهي (الامبراطورية الرومانية) كانت أوروبا امبراطورية شرقية وامبراطورية غربية، وأوروبا كلها هي الروم، (تقوم الساعة والروم أكثر الناس)، أي: أقوى الناس، والأكثر في لغة العرب من معانيه: الأقوى والأظهر (لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بـالأعماق أو بـدابق) وثم أحاديث كثيرة لا يمكن أن نستعرضها ولكن ليرجع إليها في صحيح مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة.

    من أهمها حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه، ونافع بن عتبة، لما قال نافع رضي الله عنه قال: (قدم إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أناس من جهة المغرب، يعني من غرب المدينة فانفرد بهم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فخرجت إليه خشيه أن يغتالوه فإذا به يقول: تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله لكم، ثم تغزون فارس، فيفتحها الله لكم، ثم تغزون الروم فيفتحها الله لكم، ثم تغزون الدجال فيفتحه الله لكم، قال نافع بن عتبة رضي الله عنه لـجابر: قال يا جابر، أُرى أن الروم تفتح قبل الدجال).

    ومع ذلك أيضاً نذكر الحديث الآخر الذي يذكر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه، أن المسلمين سينقسمون إلى ثلاث فرق -وهو حديث صحيح ومعروف- أثناء المواجهة مع الروم اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث، ثلاث فرق تكون في المعركة مع الروم، فرقة يفرون لا يرضى الله عنهم أبداً -عياذاً بالله- وثلث يقتلون وهم من خير الشهداء عند الله، والثلث الثالث تكون الدائرة لهم بإذن الله.

    وفي الحديث الآخر يقول عبد الله بن عمرو رضي الله عنه: (سُئل رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أي المدينتين تفتح أولاً قال: مدينة هرقل تفتح أولاً قبل روميا) فـالقسطنطينية تفتح أولاً، ثم تفتح روما، أوروميا مقر البابوية الكاثوليكية، وهي العاصمة الدينية لـأوروبا.

    إذاً عندنا بشائر والحمد لله بأن المستقبل في الأخير للإسلام، مهما توحد الغرب، وأنه مهما حصل من معارك على يد الغرب فالنهاية للمسلمين بإذن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، لكني أعود فأذكر وأوجز، أن الواقع الآن، والمستقبل القريب منذر بخطر عظيم يستدعي منا أن تتضافر الجهود جميعاً لبيان معنى لا إله إلا الله، لبيان الولاء للمؤمنين، والعداء للكافرين، ولبيان حقائق الإسلام، كما أنزلها الله تعالى، وكما بلغها رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وكما طبقها السلف الصالح وأصلوها في كتبهم، وبإلغاء بل بمحاربة شديدة لكل دعوى تدَّعي أنها تبدل أو تغير أو تجدد في دين الله سبحانه ما ليس منه فتجعله مرناً أو عصرياً، إلى آخر الدعاوى التي يأتي بها هؤلاء الذين سينبتون على أعين الغزاة الروم الجدد.

    1.   

    حاجة الأمة الإسلامية إلى اليقظة العلمية

    نحتاج إلى يقظة علمية، ولا تكفي هذه الصحوة العاطفية التي نشهدها، بل يجب أن تكون يقظة علمية، كما كان العلماء في الماضي، وأن تقاد الأمة بطريق العلماء.

    نحتاج إلى وعي مركز وقوي ونشط، ومعرفة بالواقع، ومعرفة الأعداء وغزوهم، وخططهم ومحاولاتهم.

    وأن نستبعد دائماً الانفعالات العاطفية، والتحليلات والتفسيرات السطحية أو الساذجة أو القريبة التي قد تكون أحياناً حقناً مخدرة للأمة دون أن نشعر، وأن نعلم أن الزمن يتقارب، والأمم تتقارب، وأن التقارب الذي حصل أو قد يحصل الآن في أوروبا لتوحدها، كان حقيقة مبنياً على تقاربٍ فعلي، وهو أن الرأسمالية تنازلت للعمال كثيراً، وأن الشيوعية أعطت أيضاً الناس ملكية خاصة فتقاربت الأنظمة، ثم تقاربت الأمم بطريق وسائل الاتصال، حتى أصبح العالم كما يسمى قرية إعلامية! ثم توحدت التوحد الصليبي القديم، وبدأت الآن كل أمة في العالم تنبش وتبحث عن ماضيها، وتفتخر برجالها الأولين، فـالهند تريد أن تظهر، واليابان، وكوريا، وكوبا وغيرها كذلك، كل أمة تريد أن تظهر وتفتخر بماضيها، ونخشى أن تضيع الهوية الإسلامية إن لم يكن لدينا هذه الجدية.

    والزمن سريع جداً وما نستطيع أن نعمله اليوم، لا يجوز أن نؤخره إلى غد، ويجب أن تتركز الجهود نحو هذه المقاومة، مقاومة الأعداء الداخليين!! الذين يريدون إبعادنا عن منهج الكتاب والسنة بالبدع والضلالات في الوقت نفسه ولا انفصام بينهما، محاربة بالغزو الفكري بكل أشكاله وألوانه وصوره.

    فلابد أن نقاومهم مقاومة إيجابية حقيقية، حتى لو أدى الأمر إلى أن الإنسان المسلم يفكر في السلعة التي يشتريها بريال واحد من الغرباء، يفكر قبل أن يشتريها، لأننا لا بد أن نستغني عن هذا العدو، وما دمنا نعيش على استجدائه ثقافياً، واقتصادياً، وفكرياً، فلا بد أن سيطرته تظل مفروضة علينا، ولا بد أن يأتي يوم ندفع فيه ثمن هذا الترف الكاذب، الذي تعيشه الدول الغنية في العالم الإسلامي، ومرارة الحرمان المفروض على الدول الأخرى الفقيرة، سندفع ثمنه، لأنا أضعنا الفرصة في أن نحاول أن نواجه مواجهة شاملة وعامة، وعلى مستوى تكوّن العقيدة، وتكّون أحكام الله، ويكون منهج السلف الصالح هو الذي يوجهه في كل صغيرة وكبيرة.

    إلى هنا أختم حديثي، وأسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يكتب لي ولكم الأجر إنه سميع مجيب.

    1.   

    الأسئــلة

    مدى تأثير روسيا على الجمهوريات الإسلامية المجاورة

    السؤال: ما هو تأثير هذه التطورات على الجمهوريات الإسلامية في روسيا، وهل للشيعة تدخل في روسيا وما موقف روسيا منه؟

    الجواب: طبعاً التأثير العام حاصل، فكما حصل انتعاش في دول أوروبا الشرقية، حصل أيضاً انتعاش للمسلمين، والأمل كبير في رفع هذا الكابوس الرهيب.

    وبدأنا نسمع عن إنشاء مساجد، وإرسال مصاحف، وأمور طيبة، وأتوقع أن يكون لها شيء من الحقيقة؛ لكن أقول: لا ننسى تجربة استالين ولينين أول ما أعطوا المسلمين المصحف - مصحف عثماني أي من أيام عثمان رضي الله عنه- الذي يقولون إن القيصر يحتفظ به، وأهدوه للمسلمين وأعلنوا الأخّوة والمحبة، وأعلنوا زيادة المساجد، وأعلنوا.. وأعلنوا.. أكثر من خمس سنوات، وكانت بعد ذلك الإبادة التي تحدثنا عنها.

    العدو اللدود لن ينسى أبداً أننا أعداؤه، حتى لو تناسينا نحن عداوته، فالآن الشعوب حتى الأفراد الذين غرقوا في الغرب إعجاباً به وانبهاراً بما عنده، ليس لهم قيمة عند الغربيين بل ويعتبرونهم أعداء.

    الآن الاتحاد السوفيتي لا يثق في الأحزاب الشيوعية العربية، ولا في الأحزاب الشيوعية الإسلامية، وهنا طرفة قالها السادات، قال: هو في الدنيا كلها يوجد قسم ديني في حزب شيوعي في مصر يوجد قسم ديني، ومحاضرات إسلامية، في ضمن الحزب.

    المقصود يا إخوان اللعبة لا ينبغي أن تتكرر، ولا ينبغي أن نخدع، الغرب ينظر إلينا ويعتبر أن هذا وإن كان شيوعياً ماركسياً فاسمه محمد وعبد الله وفلان، فإذن لن يعطيه الولاء كما يعطيه للإنسان الأوروبي.

    أذكر قصة ذكرها جورباتشوف في كتابه (إعادة البناء) يقول: ''عمل فلم مشترك بين الروس والأمريكان يبحرون خلال نهر الفولجا، يقول وكنت أقول للرئيس الأمريكي انظر، هل تستطيع أن تميز الأمريكيين من الروس؟ قال: لا، لا يمكن'' ما معنى ذلك: معناه أنا شعب واحد، أمة واحدة، دين واحد، حضارة واحدة، لا يكاد يوجد بيننا أي فرق، العدو اللدود هو المسلم.

    حتى الآن لم يؤخذ رأي الأحزاب الشيوعية، إلا ما كان منها عميلاً صرفاً، فهو ينفذ المخطط في منطقته بطريقته -مثلاً- وليست الثقة الكاملة في أية حال، فكيف يوثق بالمسلمين أن يرجعوا إلى الإسلام.

    قلت -وقد أشرت إليه سابقاً-: سيسمح بلون من التدين -أو قد يسمى إسلاماً- ولكن ليس الإسلام الذي أنزله الله، ولا الإسلام الذي طبقه وآمن به السلف الصالح هذا يجب أن نؤمن به وأن نضعه في الاعتبار.

    أما بالنسبة لـالشيعة لا نملك معلومات وافية، عما يحدث في أذربيجان باعتبارها مواليه لـإيران وفيها شيعة، وإن كانت أذربيجان فتحت في عهد الخلفاء الراشدين وهي على سنّة، حتى إيران كانت على السُنّة إلى أيام الصفويين وهناك أبيدت السنة إبادة تامة أو شبه شاملة، في معظم مناطق إيران ما عدا المناطق التي كان يسيطر عليها العثمانيون الأتراك.

    أقول: لا نستطيع لأن المصادر غربية، وأنا أتحفظ كثيراً أن أتكلم عن أي شيء من خلال المصادر الغربية وحدها، ولذلك لما تكلمت عن جورباتشوف، اعتمدت على نفس كتابه وبالتحليل العام لا ندخل في تفاصيل أخرى، حتى نتمكن من معلومات أكثر.

    موقف العالم الثالث من النقلة الشيوعية وما حقيقته

    السؤال: بما أن الشيخ تطرق للأحزاب الاشتراكية التابعة للحزب الشيوعي في روسيا، ما هو موقف دول العالم الثالث التي تتبع وتوالي النظام الشيوعي بعد التطور الجديد؟

    سؤال ثان: في إحدى المؤتمرات الإسلامية قال أحد المفكرين: إن تلك النقلة التغييرية في فكر الشيوعية هي حيلة ووسيلة للدخول إلى أوروبا والغرب عن طريق تلك النقلة فما تعليقكم على ذلك؟

    سؤال آخر: يقول أحد أعضاء الأحزاب الشيوعية العربية: إن انهيار الشيوعية في تلك البلاد، ناتج عن عدم التطبيق الصحيح لتلك المبادئ، أما الأحزاب العربية فلا زالت في مرحلة التطبيق فما رد فضيلتكم على ذلك؟

    الجواب: بالنسبة للعالم الثالث، فإنه لم يكن له رأي، بل تقرر القرارات ثم تطبق، وأفضل حال للعالم الثالث، أن يتعامل مع أقل الظروف سوءً، أو يتصرف مع القرار الذي لا يملك له دفعاً.

    وبالنسبة للعالم الثالث، فإنه ينضم كله تقريباً ضمن ما يسمى بدول عدم الانحياز، وهي دول في الغالب الأغلب عليها الاتجاه الاشتراكي نفسه، ثم هذا العالم وأمام الديون المتراكمة، أمام الضغوط الكبرى عليه لا يستطيع إلا أن يستسلم للأمل الخادع، ولهذا نجد العالم الثالث صحافته متفائلة بالانفراج الدولي بالأوضاع الحالية، بالتحسن الذي سيطرأ على الحضارة الإنسانية، إلى آخره، وستظل الأحلام تدغدغه.

    على أية حال تهمنا قضية أساسية فيما يسمى بالعالم الثالث، فما كان منه صليبياً لم ينسه السخاء الغربي، وعلى الأقل من العمالة، بالمساعدات والقروض وغيرها، وما كان منه إسلامياً فسوف يتعرض لعقوبات أقسى، ولأوضاع أشد بلا ريب، إلا في حدود ما يمكن أن يسمح بإبقائه ليكون منطقة استهلاك للإنتاج الغربي.. هذا هو المتوقع في الجملة.

    بالنسبة للذي قال إنه وسيلة، أقول: نعم، هذه وجهة نظر وهي تطرح في الساحة وأستطيع أن أقول: إنها وجهة نظر جورباتشوف الحقيقية، التي يريدها ونستشفها من أعماله: التغلغل داخل المجتمعات الغربية عن طريق الأحزاب الشيوعية، وعن طريق نشر الفكر الشيوعي، وعن طريق تحديث الفكر العالمي كما يسمى.

    أما قول الشيوعي العربي: إن انهيار الشيوعية بسبب أنها لم تطبق تطبيقاً نهائياً، وأن الأحزاب العربية الشيوعية في مرحلة التطبيق، فنقول كما قال الشاعر:

    ويقضى الأمر حين تغيب تيم      ولا يستأمرون وهم شهود

    لم يؤخذ قول الأحزاب العربية، ولن يؤخذ إن حضروا وإن غابوا، لا أحد يهمه كلامهم، وكما عبر أحدهم يقول: أنا أخشى أن تستمر هذه الموجة من إعادة البناء، حتى تصل إلى حد أن ينتقد ماركس ولينين نفسه، أخاف أن يصل إلى حد الردة الكبرى.

    فالآن هذه القضايا عنده هي ارتكاب كبائر، وانحراف، وبدع، ويخاف أن يصل الأمر إلى الردة الكبرى، إنهم متخوفون على سمعة لينين أكثر من جورباتشوف نفسه.

    هؤلاء ما قيمتهم ما وزنهم، حتى يقولو: إنا نطبق أو لا نطبق؟ لقد فشلت الشيوعية، وانهارت كمبدأ وكفكرة، متى طبقت الشيوعية تطبيقاً صحيحاً، حتى نقول إنها تراجعت؟

    فهي لم تطبق أصلاً تطبيقاً كاملاً؛ لأنها لا يمكن أن تطبق في الواقع تطبيقاً كاملاً، وكما أشرنا إلى تلكم التجارب الشيوعية تجربة لينينية، تجربة إستالينية، تجربة خوروتشوفيه، ثم تجربة برجنيف وجورباتشوف، فهذا الكلام هراء أو هو من الدغدغة العاطفية الذي تعيشها الأمة الإسلامية أحياناً، أو تحصل لدى الأحزاب الشيوعية.

    أثر الجهاد الأفغاني على روسيا

    السؤال: ما أثر الجهاد الأفغاني على روسيا؟

    وهل انسحاب الروس الحاصل هو عن عجز أم خطة جديدة لـروسيا؟

    الجواب: أما أثر الجهاد الأفغاني على روسيا، فبالطبع كانت تجربة مُرة، لم يكن يتوقع الاتحاد السوفيتي، حتى أعداء إعادة البناء المحافظين أشد المحافظة، لم يكونوا يتوقعون تلك النتيجة التي حصلت ولله الحمد على يد هذا الشعب المسلم، ولذلك لجأوا إلى المناورات السياسية كما رأينا.

    الآن أعلن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية معاً الاتفاق على إعادة الملك، وأن يتولى الأمور في أفغانستان ولو لفترة وجيزة، بديلاً عن المجاهدين وعن نجيب الله معاً، وهذا من نتائج الوفاق الدولي الذي نقول في ظل الوفاق سنجد أنفسنا في مواقف صعبة للغاية.

    المقصود أن الجهاد الأفغاني كان له أثر كبير جداً، وجورباتشوف استطاع أن يوظف هذا لمصلحة إعادة البناء، ويعتبرها من الأخطاء، ويقول: لو أن إعادة البناء كانت مطبقة من قبل أو كان لها رأي أو دور بارز لما كان هذا التدخل.

    فقد قال في كتابه - ولا بد أن يتطرق هذا الكلام إلى الأذهان - نعم هذا البلد اضطررنا أن نتدخل فيه لمّا أن رأيناه يكاد أن يقع في قبضة الإمبريالية الأمريكية، وبيننا وبين أفغانستان اتفاقية دفاع مشترك، وقد طلبت منا أكثر من عشر مرات الحكومة الأفغانية التدخل لتخليصها من يد الإمبريالية.

    فاضطررنا حماية للإنسان الأفغاني -كالعادة في الشعارات - ويقول: كنا نأمل أن نصل إلى حل عاجل في القضية، ولكن تزويد أمريكا للثوار بصواريخ (ستنجر) وأمثالها مما يؤجل في عملية الحل والحسم في أفغانستان، وبالطبع في المنظور القريب إن لم يجمع الناس على عودة الملك -وطبعاً لن يجمعوا- سوف تقسم أفغانستان.. هذا هو المتوقع! ونسأل الله أن يعين إخواننا المجاهدين هناك على أية حال، ولكن هناك بوادر لتقسيم البلد إلى منطقة شيوعية وإلى منطقة أخرى للمجاهدين، أو شكل من الأشكال والله أعلم ماذا يكون بعد ذلك.

    أما الجواب عن الطرف الثاني من السؤال وهو: انسحاب الروس عن عجز أم فيه خطة.

    أقول: الاثنان معاً.

    أولاً: فيه خسائر فادحة.

    ثانياً: الخطة واضحة انسحب الروس، ولم ينسحبوا جميعاً بل بقي المستشارون والعقول المدبرة.

    ثالثاً: أرطال المساعدات تتدفق إلى أفغانستان إلى الحكومة الشيوعية.

    رابعاً: المليارات تتدفق أيضاً عليهم.

    خامساً: في المحافل الدولية ما زال الاتحاد السوفيتي مصراً على رأيه في أن أمريكا مع المجاهدين، فهو لا بد أن يكون مع الشيوعيين.

    فاللعبة ستطول، وكسب جورباتشوف من جهة نوعاً من حفظ ماء الوجه بالانسحاب، ومن جهة أخرى يريد أن يكسب الموقف في النهاية وهو فرض حكومة قريبة من الشيوعية أو شيوعية في منطقة ما -على الأقل- وإن تم التقسيم، لن يفرط هؤلاء المجرمون بسهولة، ولا نقول هذا تثبيطاً، فالمستقبل للإسلام، والأمل موجود، لكن يجب أن نضع الحقائق ونترك الأحلام العاطفية الهائجة.

    مدى قدرة العالم الإسلامي على مواجهة الدول العظمى

    السؤال: بعد الأحداث الأخيرة، ما هو توقعك لأثر اتحاد الألمانيتين على وجود قوتين عظميين في العالم، وما هو أثر ذلك على العالم الإسلامي؟

    وسؤال أيضاً عن العالم الإسلامي وقدرته على مقابلة ما فعله جورباتشوف، وهل يستطيعون الدخول في مثل هذا المجال أم لا؟

    الجواب: بالنسبة لتوحيد الألمانيتين أمر عادي جداً أن يتوحدا، وسيتوحدا في ظل اتفاقيات صارمة للسيطرة على ألمانيا لكيلا تعود إلى قوتها السابقة فتهدد المعسكرين، وسوف تتدفق رءوس الأموال.

    وطبعاً ألمانيا الغربية من أقوى دول العالم اقتصادياً، وسوف تتدفق ملياراتها وشركاتها على أوروبا الشرقية، ويرتاح الاتحاد السوفيتي من النفقات الباهضة التي ينفقها على قرابة سبعمائة ألف جندي في أوروبا الشرقية، وبطبيعة الحال سيحرج الولايات المتحدة الأمريكية التي إن أبقت سلاحها وقواتها فهي تظهر أمام العالم أنها تريد الاحتلال ولا ترغب في السلام، وإن سحبتها فسوف تتراجع إلى وراء البحار كما أشرنا، بينما الاتحاد السوفيتي وجوده حاضر، ووجوده الفعلي قريب، ولا سيما مع وجود عابرات القارات في حالة الاضطرار إلى ذلك.

    فقضية ألمانيا جزء من القضية الكبرى، وتأثيرها علينا نحن المسلمين لا يشكل أي أهمية بقدر ما يشكل على أوروبا الشرقية.

    وأثر ذلك على العالم الإسلامي أننا في ظل الخلاف بين الشرق والغرب، وضعنا هذا المتردي المحزن المؤلم الذي عبر عنه الشاعر:

    أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد     تجده كالطير مقصوصاً جناحاه

    كيف تظنونه في ظل الوفاق، وفي ظل التكتل القوي الدولي الذي كما قال جورباتشوف نراعي مصالحنا المشتركة نحن، وننسق ونتفق ونتحاور، ثم الاتجاه إلى الآخرين "الأعداء" بموقف موحد وقوي.

    البديل الديمقراطي للشيوعية

    السؤال: أغلب المحللين يتوقعون أن يكون الحل الغربي الديمقراطي بديلاً للشيوعية، فهل يمكن أن يكون ذلك؟

    الجواب:هذه طبعاً سذاجة من جهة.

    يجب أن نعلم أن الغرب مفخرته في التاريخ كله الديمقراطية، الغرب ماذا حقق للإنسانية؟

    الإنسان الغربي يعيش أسوأ أنواع الاضطهاد إلى أن جاءت الثورة الفرنسية ثم ظهرت الديمقراطية.

    ليس للغرب أي ميزة فكرية، عدا هذه التي تسمى الديمقراطية أو حرية الإنسان، ولهذه الإعلانات المتكررة عن حقوق الإنسان وانتهاكاتها في دول العالم الثالث، وكذا وكذا، لإيهام الناس أكثر بأن الغرب والديمقراطية هي الحل.

    لكن هل الديمقراطية سوف تسيطر على العالم لتصبح عقيدة المستقبل -كما يقول الناعقون في الغرب وأتباعهم هنا- في الشرق؟

    لا، الأحزاب الشيوعية نفسها تدعي أنها ديمقراطية، هل قام في العالم الإسلامي دولة اشتراكية ما سمت نفسها الديمقراطية؟ كل واحد يدعيها، ويرفع لواءها، ويُسمى بها، فالقضية ليست بهذه البساطة، فمبدأ مرن ومنهج مرن واسع، كل إنسان يمكن أن يدعيه.

    على النمط الغربي الكامل (100%).

    نقول: يكفي أن من إفرازاته أن الأحزاب الشيوعية والاشتراكية تحكم كثيراً من البلاد، فما بالكم بالدولة التي هي الشيوعية الأم.

    افرض أنه سمح لغير الحزب الشيوعي بالحكم كما قد يحدث في روسيا كما في تشيكوسلوفاكيا وغيرها فالحكام سيكونون شيوعيين أو اشتراكيين لكن ليسوا من الحزب الشيوعي.

    ما الفرق؟ لا شيء! هذه الخسارة المحدودة هنا يعوضها احتواء والتفاف حول العالم الأوروبي الغربي بأكمله ليوضع في حوزة أنظمة أو عقول مدبرة، تسعى إلى مستقبل أوسع للاشتراكية كما يقول جورباتشوف.

    استغلال اليهود لحدث التطور الروسي

    السؤال: هل استغل اليهود حدث التطور الروسي الجديد، وما هي علاقة الهجرة الروسية الجديدة بالتطور؟

    الجواب: طبعاً من أول لحظة، وتعجبون كيف أنه عندما التقى بوش وجورباتشوف وأعلن عن الهجرة اشتراطاً وبدأت شركات الطيران تتطوع، أو حتى تنذر نفسها لحمل المهاجرين.

    إذاً هو اتفاق واضح.

    ما قيمة مائة ألف هاجروا إلى دولة ما؟

    ما قيمة الهجرة بالنسبة لمسائل السباق النووي، حرب النجوم، التسلح، تراكم الديون، الشمال الغني والجنوب الفقير -كما يسمى- قضايا خطيرة جداً، ومع ذلك قضية اليهود في الصدارة وفي القمة في كل لقاء وعلى كل لسان، والآن اقرأ أي صحيفة تجد الأحاديث والأخبار عن هذه الهجرة بما يدل على عمق المسألة، والجدية في تطبيقها.

    كتب سياسية عن أحداث إعادة البناء

    السؤال: يسأل عن كتب تفيد في مثل هذا الموضوع وتحليلات سياسية؟

    الجواب: الكتب طبعاً لا أدري، لأننا نحن المسلمين لا نستيقظ إلا بعد فوات الأوان، ولهذا قلت: اعتبروا هذا الكلام من أخيكم نصيحة ولفت انتباه. وأن تبدءوا بالبحث والتحليل، فيجب على الأمة أن يكون لديها هؤلاء المفكرون.

    أما التحليلات.. التحليلات التي في الساحة الآن سطحية، وحقيقة أنا قرأت تحليلات لكنها سطحية للغاية، وأنا لا أدعي العمق، لكن أقول بالنسبة لما نراه في ظاهر الأمر أمامنا في الساحة الغربية، وفي الصحافة الغربية وفي كلام جوربا تشوف نفسه، ليس ما ذكر قريباً من الواقع أبداً، ولذلك نحتاج إلى جهدنا نحن المسلمين وإلى أن أقول هناك واجب يقع على الصحافة الإسلامية بالذات، أنها ترسل المراسلين، وتستكتب المحللين وتكتب بعمق وبتتبع دقيق وإن طال الزمن؛ لأنا لا نملك الأقلام ولا الأجهزة، لكن مهما طال الزمن يجب أن يكتب تحليل علمي موضوعي مجرد.

    دور الصين الشيوعية

    السؤال: عن الصين الشيوعية، وما دورها الحالي والمتوقع في نظركم مستقبلاً؟

    الجواب: طبعاً أريد للصين الشيوعية أن تكون فيها إعادة بناء وعلى أيدي الطلبة، سحقت ثورة الطلبة بشكل رهيب جداً والأصابع الغربية واضحة، حتى إننا سمعنا وقرأنا : أن الولايات المتحدة أعطت حق اللجوء السياسي لأربعين ألف طالب صيني يدرسون في الولايات المتحدة دفعة واحدة، بينما لو ذهب داعية مسلم قد يضل سنة أو سنتين لا يحصل على إقامة في هذه الدول التي تدعي الحرية والإنسانية، فالغرب وراء الحدث، لكن الحكومة والسلطة العسكرية تواجهه بعنف، ولها وجهة نظر تختلف عن نظرة جورباتشوف، وفي نفس اليوم الذي أعلن فيه جورباتشوف أن الحزب الشيوعي لن يحتكر السلطة بعد اليوم أعلنت الصين رفض هذه الفكرة، وأن الحزب الشيوعي سيظل محتكراً للسلطة.

    موجز عن جهاد فلسطين

    السؤال: هل بالإمكان أن تعطينا موجز عن جهاد فلسطين من نظرة إسلامية صافية والآمال المتعلقة على ذلك؟

    الجواب: الجهاد الفلسطيني أول ما بدء قام على أيدي الدعاة الإسلاميين، وقبل أن تعلم به الجبهات العلمانية، فلم تسمع به إلا بعد شهرين تقريباً، وقام في قطاع غزة، وعلى يد دعاة معروفين، واتجاهه أيضاً اتجاه إسلامي معروف وواضح، وأذكر لكم أن أحد المصادر في هذا: بعثة أمريكية لتقصي الحقائق ذهبت ونشرت هذا في مجلة الجيل، وكتابها فلسطينيون وليست إسلامية؛ لكنها ذكرت ترجمة للتحليل، تقول البعثة:

    الذين يذهبون إلى الضفة الغربية لا يرون الأمور على حقيقتها؛ لأن الضفة الغربية منطبعة بطابع غربي واضح، أما الطابع المتدين الواضح فهو في قطاع غزة، حيث بدأت حركة الانتفاضة، وإلى الآن قطاع كبير والحمد لله من هذه الحركة بيد الشباب المسلم.

    -طبعاً- مؤامرات دولية وأشياء كثيرة ومستقبل مؤلم، لكنها موجودة كحقيقة.

    الغرب يركز على الأحداث، وعلى المظاهرات، وعلى الإضرابات التي تنظمها القيادات العلمانية، والفتيات عاريات الصدور والشعور، لكنه إلا ما غلبه أحياناً الصور، ولكنه يطمس ما يكون في المساجد وما يكون من تكبير، وما يقوم به الدعاة والعلماء المسلمون إلا ما غلبه أحياناً.

    وما يدور على مستوى الساحة العامة يدور بالنسبة لقضية فلسطين، إما الترويض وإظهار نوع من الإسلام المرن المطور، وإما المقاومة، وفي النهاية سنجد اليهود والمنظمات العلمانية جبهة واحدة لاستئصال الإسلاميين فيما لو كان لهم وجود فعلي.

    وهذه حقائق لا شك فيها، ولا نقولها اعتباطاً بل تجارب مريرة مرت بها حركات الجهاد الإسلامية في معظم البلاد التي كانت مستعمرة تقريباً.

    الفرق بين بعض المصطلحات الشيوعية

    السؤال: ما هو الفرق بين الاشتراكية واشتراكية الإسلام، والماركسية والشيوعية ويقول: وهل المصطلحات مترادفة وهل في الإسلام شيوعية؟

    الجواب: بالنسبة للاشتراكية أو الشيوعية فالمصطلحان مترادفان تقريباً لكن لماذا أفرد كلمة الاشتراكية وبدأت تروج.

    الاشتركية تعبر عن وجهة نظر أو تصور اقتصادي تقريباً، ولذلك وجد غربيون قبل ماركس، مثل سانس سيمون الفرنسي - على سبيل المثال - نادى بالاشتراكية وقامت حكومة تقريباً اشتراكية وهي حكومة الكوميون كما تسمى سنة سبعين في القرن التاسع عشر في فرنسا اشتراكية كأنها ترمز إلى مبدأ اقتصادي بينما الشيوعية معناها كأنه يعطي دلالة العقيدة الأشمل، هذا تقريباً الفرق، ولكن المصطلحان يكادان يكونان شيئاً واحداً وهو في الواقع كذلك.

    مصطلح الاشتركية الإسلامية، أو الشيوعية الإسلامية، أو ماركسي إسلامي، هذه نغمة غريبة، أو نشاز، ذكرت أو تعمد ذكرها منذ أيام خورتشوف.

    لما وجد أن الشيوعية لم تنجح، فأول حزبين شيوعيين في العالم الإسلامي هم الحزب الشيوعي الفلسطيني، والحزب الشيوعي المصري ومعها تقريباً الحزب الشيوعي العراقي، وفي روسيا يعلقون الآمال بمتى تثور الشيوعية في مصر؟

    ومتى تثور في العراق؟

    فلما جاء الروس أيام جمال عبد الناصر إلى مصر، وجدوا أن الشيوعية لا وجود لها ولا يمكن أن تنتشر.

    فاتخذوا مبدأ الاشتراكية الذي -كما قلنا- لا يضفي طابعاً عاماً بل كأنه مجرد اقتصاد، وأما فصل الدين عن الحياة، فالمسجد موجود وتطبيق الاشتراكية موجود.

    واتخذوا أيضاً مبدأ استكتاب بعض الناس من صنفين:

    الصنف الأول: شيوعيون مثل الشرقاوي وحسن حنفي ومحمد عمارة، وبدءوا يكتبون عن الإسلام، الإسلام الشيوعي، الإسلام الاشتراكي، اشتراكية أبي ذر.. إلى آخره.

    والصنف الآخر: وهو الذي عرضت له في المحاضرة الذي يوصف بأنه المعتدل والمرن، انخدع أو بحسن نية المهم أنهم كتبوا عن اشتراكية الإسلام، كما كتب الداعية الإسلامي المعروف مصطفى السباعي رحمة الله عليه، وكما كتب الشيخ محمد الغزالي وغيره، فوجدت الكلمة من الطرفين ولكن أولئك لهم هدف بعيد، وهؤلاء مجرد مخدوعون مع الأسف.

    والحمد لله أن كثيراً من الإسلاميين عدلوا رأيهم لكن الآن الإسلاميين مخدوعون بـالديمقراطية، واقرءوا الصحف تجدون أنهم أكثر من يستكتبون -كما في الشرق الأوسط وغيرها- عن الديمقراطية وحرية المرأة، الحرية عموماً.

    تأثير الأحداث الجديدة على الحداثة

    السؤال: ما تأثير الأحداث الجديدة على الحداثة وهل لها علاقة بـالشيوعية، وما موقف روادها من التغيرات الجارية على الساحة؟

    الجواب: الحداثة هي أحد وسائل التعمق الفكري لنشر الشيوعية لا عن طريق الثورة، ولكن عن طريق البروستريكا إعادة البناء، وهناك شيوعي فرنسي معروف وهو زعيم بارز من أكبر زعماء الشيوعية كان نظيراً لـرجاء جارودي الذي قد يكون له دورٌ آخر، ولكن يهمنا الآن هنري لوفيفر، وهنري هذا شيوعي معروف بارز جداً في فرنسا كتب كتاباً اسمه الحداثة، يقول:

    إن الحداثة هي ظل الثورة الغائبة هنا، وغير المكتملة هناك، الحداثة هي ظل الثورة الشيوعية الغائبة في فرنسا، وغير المكتملة في موسكو. لأنه يريد أن تطبق الشيوعية وأن تعم العالم، وذكر أنه بواسطة الحداثة يمكن أن يعاد العالم المقلوب ليقف على قدميه وليعرف الحقائق، ويقول:

    نستفيد من الحداثة في هدم رموز الماضي: الأديان، والعادات، والتقاليد.. وكل شيء تمهيداً لإقامة الشيوعية النهائية الأخيرة، التي لا أخلاق فيها ولا قيم ولا مبادئ، ولذلك عندما تتعمد الحداثة ضرب اللغة وهدمها، يُقال: قضية أدبية، قضية لغوية لا علاقة لها بالدين.

    والحقيقة أن ضرب اللغة "ضرب النص" أكبر عملية ضرب يمكن أن توجه إلى أي دين، فلو أن أحداً أراد أن يهدم القرآن مثلاً، فهل تتوقع أنه يحرق نفس المصاحف؟

    لو هدم النص القرآني وقال: النص القرآني ليست دلالته كذا، كما فعلت الباطنية، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً [البقرة:67] قالوا: البقرة عائشة إلى آخر التأويلات الباطنية التي أفقدت القرآن معناه تماماً، وأفقدت الحديث معناه تماماً وجردته، فإذا جردت اللغة من مدلولاتها، فالنص الشرعي "القرآن والسنة" لم يعد لهما مدلول، إذن الأمة لم يعد لها قرآن، وإن كان موجوداً مكتوباً، فقد جرد من معناه ومن دلالته، وهذه أحد أهداف الحداثة.

    والعلاقة بين الواقعية الاشتراكية، أو كما تسمى "المذهب الواقعي الاشتراكي" وبين الشيوعية أنها نسخة طبق الأصل، واستالين هو الذي استطاع أن يأتي ويجعل جاكوسن المجرم الملحد وأمثاله يمثلون المدرسة الروسية الشكلية وهي أساس الحداثة، فالمدرسة الشكلية الروسية هي أساس فكرة الحداثة والبنائية في عالم الغرب ثم في العالم الذي صدرت إليه.

    عموماً: الاتجاه الواقعي في الحداثة هو نسخة عن الفكر الشيوعي.

    وإذا أردت مراجعة أية مقالة حداثية واقعية ستجدها تتكلم عن الحوارات الجدلية، الديليكتيك، الصراع، الطبقية.. إلى آخره، وتجده مليء بالمصطلحات الشيوعية، وبعد ذلك له ما بعده، لماذا؟!

    لأن الأحزاب الشيوعية أخفقت كتنظيم، فاستعيض عن ذلك بفكرة ثقافية تتغلغل في الصحافة، وفي الأندية الأدبية، وفي كل مكان دون أن يشعر أن وراءها هدف آخر، ومن الثقافة ينشأ التنظيم، هذه هي عملية إعادة البناء، يقول جورباتشوف: من الثقافة ينشأ التنظيم، فأول شيء ثقافة شيوعية ثم بعد ذلك ننظم الناس، لكن يبدءون ينظمون الناس في الشيوعية ثم يثقفون المجتمعات بها أو عن طريق الثورة فلا تنجح.

    النظر إلى المناهج لا إلى الأشخاص

    السؤال: يقول الشيخ رحمه الله إن محمد عمارة من الشيوعيين، وللتنبيه هو على طريق الحق الآن؟

    الجواب: أنا ما كنت أريد التعرض للأسماء؛ لأن الأسماء تسبب إشكالاً، ولكن أقول: استكتبوا وهم شيوعيون في الأصل، هل الآن كتاباتهم من الكتابات الإسلامية، أسأل الله أن يكون رأيي خطأ، ولكن ستثبت الأيام على أية حال، ولا أستطيع أن أفصل الآن، ولو كان في وقت آخر للحديث المفصل عن هذه النوعية المستكتبة هذا وأمثاله لهم مدرسة فكرية معينة، ولهم اتجاه واضح، تتبناهم اتجاهات أو دول واضح ولاؤها.

    أقول: هذا الرجل وفهمي هويدي وكمال أبو المجد وحسن حنفي وعبد الرحمن الشرقاوي لهم اتجاه معروف.

    وأقول: ما كنت أريد أن أذكر الأسماء لما تثيره من حرج وحساسية، وأقول بصراحة: بهذه المناسبة نحن أمة لم نرتق إلى أن ننظر إلى المناهج بغض النظر عن الأشخاص، أمة لا تزال ترتبط أمورها بالأشخاص، أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي وقف في أشد اللحظات حرجاً في تأريخ الأمة الإسلامية على الإطلاق يقول: [[من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت]] يقول في هذا الموقف وفي حق رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لحكمة واضحة.

    نحن لدينا منهج، فعادة إذا ذكر الأشخاص بعض الناس لعاطفة ما، أو نظرة ما، أو حب لشخص ما ينعكس هذا الأثر على إخفاء المنهج، أو تشويه المنهج، أو الغض من قيمة المنهج مقابل الشخص، بينما المفروض أن كل الأشخاص هم يخدمون هذا المنهج، وكلنا يجب أن نسعى من أجل هذا المنهج، ومن أجل إقامة هذا الدين بغض النظر عن الأشخاص دون أن نظلمهم، ودون أن نتجنى على أحد، وقد نخطئ في حقهم طبعاً ونتراجع، ولكن يبقى أن المنهج فوق جميع الأشخاص، فأقول هذا كقضية عامة، وإن كان هذا الرجل في ذاته لا يستحق هذا الشيء.

    والحمد لله رب العالمين.