إسلام ويب

الصبر على مجاهدة النفسللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الشيخ حفظه الله بالتذكير بتقوى الله، وبواجب الأخوة في الله والمحبة فيه، وبأهمية الصبر في سبيل الله، ثم ذكر بعد ذلك حال هذه الأمة وما يجب عليها أمام ما تلاقيه الأمة من هجوم أعدائها وتكالبهم عليها، وداعياً إلى العودة إلى كتاب الله، مذكراً أن الملتجأ والمعتصم به هو الله، مبيناً أن الصبر وضبط النفس وعدم الاستعجال من أهم ضرورات الدعوة والجهاد.

    1.   

    التذكير بتقوى الله

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    فنحن نعيش هموماً وآلاماً وأموراً يجب أن نلحظها بعين البصيرة، وبعين النقد أحياناً، وبعين المراجعة، فيجب أن تكون القاعدة في ذلك هي التذكير، وليس شرطاً أن تكون جديدة.

    التذكير بالأمور التي قد نغفل عنها جميعاً، أو ننساها في زحمة العمل، وأهمها وأعظمها تقوى الله تبارك وتعالى، فإن الله عز وجل أوصى بها الأولين والآخرين كما في كتابه المبين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131] أن نتقي الله تعالى في كل ما نأتي ونذر، في حركات أبداننا وخلجات قلوبنا، وألفاظ ألسنتنا، وأن يكون الله تعالى -وهو كذلك عز وجل- مطلعاً ورقيباً علينا، فلنستشعر نحن هذه الرقابة دائماً، وأن نعامله ما استطعنا بدرجة الإحسان كما قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ).

    والأولى بهذه الدرجة هو طالب العلم، والداعية إلى الله، أن يعبد الله بهذه المرتبة (أن تعبده كأنك تراه) فنحن آمنا به -عز وجل- بالغيب، فيجب أن نستشعر هذه الحالة، وبقدر يقيننا وإيماننا ورسوخ الإيمان بالغيب في قلوبنا، نجد أننا نسمو ونرتفع في آفاق إيمانية عظيمة، تعجز عن وصفها الألفاظ والعبارات والألسن، ولكنها منازل يبلغها الله -تبارك وتعالى- من شاء من عباده ويرفعهم إليها درجات.

    فأولى الناس بأن يرتقوا هذه المنازل ويرتفعوا في هذه الدرجات العلى هم طلبة العلم، ونعوذ بالله أن يكون أحدنا شمعةً تحترق لتضيء لغيره، أن يستفيد الناس من مواعظنا ومحاضراتنا وندواتنا، ونكون نحن آخر من يستفيد منها، إنما الواجب علينا أن نجعل تقوى الله -تبارك وتعالى- نبراساً لنا في حياتنا وفي كل أمورنا، نحفظ قلوبنا وجوارحنا كما قال تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] وقال أيضاً: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18] فطالب العلم أولى الناس بهذا، إذا نطق أن يكون نُطْقُه ذكراً، وإذا صمت فصمته عبرة، وإذا نظر فنظره فكر، ولا تخلو حال المؤمن من هذا.

    وقد عبر عن ذلك بعض السلف -رضوان الله عليهم- فقال في معنى الإخلاص: [[أن تكون حركاته وسكناته لله تعالى، لا يمازجه شيء ولا يخالطه شيء]]، وهذه هي الدرجة التي تجعل الإنسان ولياً لله تبارك وتعالى كما في الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرب إليًّ بالنوافل حتى أحبه).

    فإذا جعل الإنسان هذه الرقابة والحصانة على أعضائه ومشاعره، وصارت حركاته وسكناته لله، استحق هذه المرتبة، فإذا كان كذلك صار كما قال الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) فلما حفظ هذه الأمور جميعاً، وزكاها وما دساها، نال ذلك بإذن الله، فتقوى الله مع الإخلاص لله تعالى في القول والعمل هو أول ما نوصي ونذكر به إخواننا.

    1.   

    التذكير بواجب الأُخوة في الله

    ومن باب التذكير أيضاً أن نذكر بواجب الأُخوة في الله والمحبة، وهذه المحبة لا نعني بها ما قد يكون عند بعض الشباب من أنه يسر برؤية أخيه، ويفرح بأن يجالسه، وأن يسهر معه، وأن يذهب معه، مجرد هذا لا يكفي وإن كان في هذا خير، وإنما نعني المحبة الإيمانية بلوازمها وموجباتها الشرعية.

    ومن لوازم ذلك وموجباته: التناصح، فالمحبة مقتضاها التناصح وتسديد العيب، وبيان التقصير، ودوام الانتباه لأمراض القلوب التي قد تعتري أخيك أو تعتريك، فكل منا يكون مرآة لأخيه، والمرآة -كما تعلمون- لا تدخر شيئا من العيوب، ولا تجامل ولا تحابي، لكنها لا تشهر، هذه هي الميزة.

    فالإنسان يجب أن يكون بالنسبة لأخيه مرآة له، يريه ويبصره بما يرى على سبيل التناصح، فالنصيحة واجبه بيننا، أما إن كانت علاقاتنا عاطفية أو أخوية تتجرد عن التناصح، وعن تسديد الأخطاء، وعن بيان الواجب في الدعوة إلى الله؛ فإننا مع الزمن تتضخم لدينا الأخطاء، ولا نستفيد من هذه العلاقة إلا راحة نفسية يجدها الإنسان عندما يرى إخوانه، ولا شك أن هذه الراحة مطلوبة، وأنها دليل الإيمان -إن شاء الله- ولكنها لا تكفي وحدها، وأنا أعزو هذا الارتياح الذي نجده عندما يقابل بعضنا بعضاً إلى شدة وطأة الغربة والألم الذي نعيشه، فالإنسان عندما يسمع دائماً عن أهل الشر والفساد والمنكر، والبدعة، والضلالات، فإذا رأى أخاً له فرح وأنس به وتحدث معه، وهذا ما عبر عنه الشاعر :

    ولا بد من شكوى إلى ذي مروءةٍ     يواسيك أو يسليك أو يتـندم

    حتى قال بعض السلف ''ذهبت لذاتُ الدنيا كلها، وبقي من لذات الدنيا محادثة الإخوان'' أو ''مناجاة الإخوان'' فلذة النساء تذهب بعد الشباب، ولذة المال أيضاً للعاقل ليست شيئاً، وإنما بقي منها محادثة الإخوان.

    وهذه من لذات الدنيا التي تبقى مهما كبر الإنسان في السن، ومهما تقدم في العمر، ومهما افتقد من الدنيا، فإذا وجد أخاً له في الله يحبه وجلس معه، استمتع ووجد راحة لا يجدها في أيٍ من اللذات الأخرى التي تضمحل وتذهب.

    إن هذا يعود إلى وطأة الغربة -أحياناً- ولكن ذلك لا يعني أن نسترسل ونسترخي لعواطفنا، وإنما محبتنا -حتى لله ولرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هي محبة إيمانية، وليست مجرد علاقة أو محبه عاطفية، وإنما هي محبة إيمانية لها مقتضيات ولوازم، وتتطلب منا أعمالاً وأموراً لا بد أن نحققها في واقعنا وفي أنفسنا، هذا الشيء لا ينبغي أن يغيب عن أذهان الإخوة الدعاة، وهذه العلاقة ضرورية في مثل هذا الخضم الذي نعيشه.

    نحن الآن نرى آثار التفكك وضعف الأُخوة والعلاقة بين الشباب، حتى سأل بعض السلف بعضاً من طلابه فقال لهم : ''هل بلغ من محبة أحدكم لأخيه أن يدخل يده في جيبه، فيأخذ ما شاء ويدع ما شاء؟ قالوا: لا. قال: فما المحبة عندكم إذاً؟!'' انظر كيف كان السلف الصالح رضي الله عنهم، وأروع مثال على ذلك مؤاخاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين المهاجرين والأنصار، وكيف تلاحمت هذه الأمة فأصبحت لحمة واحدة مع اختلاف القبيلة والوطن والحال، ولكن جمعهم الإيمان والعقيدة، ومحبة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وجمعتهم الهجرة إلى الله ورسوله، ونصرة دين الله -عز وجل- فلما كان الهدف والغاية وجه الله -عز وجل- اجتمعوا على ذلك فكانت هذه الأُخوة العميقة، بحيث إنك أحياناً إن لم تكن تعرف القبائل أو لا تعرف حال هذا الصحابي من قبل، إذا قرأت اسمه من المهاجرين أو من الأنصار، فبمجرد أنك قرأت خبراً أنه ذهب فلان وجاء فلان، تحتاج إلى أن تعرف هل هو من المهاجرين أو الأنصار، ذهبت كل الفوارق تماماً، وأصبحوا أمة واحدة، فهذه هي المحبة التي لا بد منها.

    1.   

    التذكير بالصبر

    ثم أمر ثالث يجب أن نكرر الوصية به لا نملُّ في ذلك وهو الصبر، فلا بد من الصبر، ومن أعجب ما نراه الآن ونفقده في الدعاة إلى الله وطلبة العلم: قلة صبرنا، سبحان الله! لا نصبر على طاعة نستمر فيها، الواحد منا قد يكون له شيء من كتاب الله أو من السنة يدرسه ولكنه لا يصبر عليه، فينقطع في نصف الطريق، هذا عجيب! أين الصبر؟

    بعض السلف لما قيل له: ''بمَ عرفت ربك؟ قال : عرفته بضعف الهمم، وفتور العزائم'' لأن العزائم والهمم تضعف، فيعرف الإنسان حقيقة نفسه وضعفه؛ فيعرف ربه تبارك وتعالى المتصف بصفات الكمال والثناء عز وجل، فهذه حالة تعتري الناس، لكن هناك فرق بين أن تضعف وأنت تريد الدرجات العلى فتضعف عنها، وبين أن تضعف وأنت في أول الطريق.

    ومما يذكر أن أحد العظماء قال لابنه : ''يا بني! من تريد أن تكون مثله؟ فقال: يا أبتِ أريد أن أكون مثلك، قال: يا بني! إذا كان كذلك فلن تكون؛ لأنني اجتهدت أن أكون مثل عمر بن الخطاب، فكنت كما تراني، فإذا أردت أن تكون مثلي فلن تكون'' يقول له: أنت لا بد أن تكون همتك أعلى، وتصبر وتصابر ومع ذلك لن تصل -والله أعلم- إلى النصف أو الربع مما تأمل.

    الصبر على الدعوة والعلم

    فلا بد أن يكون لدينا الصبر على طلب العلم، والصبر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحن -ومع الأسف- نعلن عن بعض المشاريع في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو بعض المبادرات الخيرة فلا نصبر، أحدنا يقول: قد ذهبنا إلى السوق مرات ولم نستفد، سبحان الله! النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: (رأيت النبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد) ونحن اليوم نملُّ من الدعوة لأن بعض الناس استجابوا وبعضهم لم يستجب!

    لقد ظل نوح -عليه السلام- يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً لم يمل ولم يكل، والنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جاهد قومه، ودعاهم إلى الله -عز وجل- كثيراً، فطريق الدعوة هو طريق الصبر على الأذى: وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا [إبراهيم:12] والصبر إما على الطاعة، أو عن المعصية، أو على الابتلاء.

    أما نحن فقد ضقنا ذرعاً حتى بالدروس العلمية، فبعض الإخوة يلقي المواعظ والدروس، وفي أول الأمر يحضر عنده عدد عشرين ثلاثين طالباً، ثم ينقص العدد فيقول: لقد صاروا أربعة أو خمسة ثم يترك، وما علم أن هناك علماء كبار يستمرون ثلاثين وأربعين سنة على خمسة طلاب أحياناً أو على عشرة ولا يملّون، والذين يعرف قيمة العلم ينظر لهذه القضية من زاوية أخرى، من زاوية أنه ينفق علمه، والعلم إن لم تنفقه ضاع، فلا تنظر إلى كثرة من حضر واستفاد؛ لكن انظر إلى أنه يجب عليك أن تُعَلِّم.

    ولهذا لو قلت اليوم: أنا اقرأ ما تيسر من كتاب الله، وشيئاً من السنة، بعد صلاة الفجر، ثم أقوم بعد صلاة العصر، فأعظ به الناس في المسجد، فإن هذا العلم سيثبت في ذهنك، لكن في الأيام التي لا تعظ فيها بما قرأت فإنكن كله أو بعضه، ففما يثبت العلم ومما يحفظه الوعظ به، وتعليمه، والعلم هو الشيء الذي يزيد بكثرة الإنفاق منه، وأما غيره فينقص بالإنفاق ولو كان البحر على كبره.

    أيضاً لا يوجد عندنا صبر حتى على التعلم، وما أكثر هذا ومع الأسف، فبعض الإخوة نطلب منهم ونلاحقهم شهوراً على التعلم ثم إذا جاء فلا يلبث حتى يترك محتجاً بأن الكتاب لم يعجبه، أو أن الشيخ يطيل أو غير ذلك، وكأن الطالب يريد أن يفعل الشيخ كما يشاء هو، وهذا أول شرط من الشروط التي تخل بطلب العلم، فطالب العلم يجب عليه أن يوطن نفسه على أن يتعلم كما يريد الشيخ، وقد كان بعض الأئمة المحدثين الكبار يرحلون إلى آفاق بعيدة من أجل الحديث والحديثين.

    بعض الناس يجلسه الحياء أول الأمر -والحياء خير كله- وكما قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أما الأول فآوى فآواه الله وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه) فالذي لا يريد أن يستفيد، فليأتِ من باب الحياء.

    وعندما يأتينا من يريد أن يعلمنا، ونعرف أن له فضلاً، ولن يتكلم إلا بخير فلنحضر ولو كان لدينا أعمال، أو ظننا أننا لن نستفيد منه، وكم من محاضرات وكتب وأشرطة تركناها نظن أن لدينا ما هو أهم وأعظم فائدة فإذا بدأنا بها ندمنا وقلنا: ليتنا قرأناها من قبل.

    كم من أناس نقول عنهم إذا أرادوا أن يحاضروا أو يدرسوا: من هو هذا في العلم والمعرفة؟ فإذا حضرت له استفدت، وهذا فيه احترام وتقدير للزائر، ولن تخلو من فائدة -إن شاء الله تبارك وتعالى- فهذه كلها داخلة في نطاق الصبر.

    الصبر على مجاهدة النفس

    إن الإنسان إذا ابتلي في نفسه أو ماله، أو أهله صبر، وهذا نوع، لكن الصبر له أنواع ومنها: الصبر على مرض النفس.

    واعلم أخي المسلم أن أعدى عدو لك هو هذه النفس، ولو عاداك الناس كلهم وسلمت من شرها؛ أنّك آمن بإذن الله ولن يضروك أبداً؛ لكن المشكلة هي: (كيف أحترس من عدوي، إذا كان عدوي بين أضلعي؟) والمشكلة هي العدو الداخلي، هذه النفس والهوى والشهوة، وحب الإخلاد إلى الدنيا، والتكاسل عن طاعة الله -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- والميل إلى ما يريحها وإن كان مُتعِباً فيما بعد، وهذا من إيثار العاجل، وهكذا طبعت هذه النفس فيجب أن تصبر على ذلك.

    بعض الناس عنده نفس غضوبة، فهذا يجب عليه أن يسأل الله دائماً أن يهديه إلى أحب الأخلاق وأحسنها إليه، لكن -أيضاً- من الابتلاء أن أكون إنساناً غضوباً فأصبر على غضبي، وأحاول أن أصبر عليها وأجاهدها؛ فإنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الصبر بالتصبر، نعود النفوس الصبر حتى تستقيم.

    بعض الناس مشكلته أنه لينٌ جداً، أي أنه متساهل، وليس عنده فطانة.

    وبعض الناس يقول: ليس عندي فطنة، فنقول له: مارس الحياة، واعرف أن فيك هذا العيب، وهذا عليه ألا يثق بكل أحد، إنما يتأكد ويتأنى ويفكر، فلا يعطي كل من طلبه كتبه أو ماله حتى يتأكد من حاجته.

    والبعض يشكو من أن نفسه تتوق إلى شيء من مظهر الدنيا فلا يصبر، فهو لا يخرج إلا بالثوب والغترة والشكل المعين، وإلا اعتذر عن الحضور، فهذا عليه أن يعود نفسه رويداً رويداً، على أن يذهب أحياناً بشكل عادي أقل من هذا، قليلاً قليلاً حتى ينتهي هذا الأمر وهكذا.

    وهذه النفس مشكلتها أنها حرون مثل الدابة مرة تمشي، ومرة تقف وسط الطريق، لا تتحرك، ولذلك القاعدة التي علَّمنا إياها السلف الصالح في التعامل مع النفس، أنها إذا أسلست لك القياد حركها بسرعة حتى إذا حرنت، تكون قد قطعت مسافة كبيرة، وكل إنسان يجد في نفسه الفتور والخير، فإذا جاءت أوقات الاندفاع والإقبال على الله تعالى فحركها، فإذا جاء وقت الفتور فستجد أنه ليس فتوراً كلياً وإنما إلى حد ما.

    فمن أهم ما يصبر عليه هذه النفوس التي بين جنبينا، فبعض الإخوة لم تكمل ما أخبرته به حتى يعطيك رأيه سريعاً فيحكم بسرعة ولا يصبر ويتأنى.

    والبعض مشكلته كثرة الكلام، فأصبحت مجالسنا فيها كثرة كلام وقلة ثمرة، وفي الحديث: (كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع) ونترك وكالة أنباء (قالوا) ونرفعها عنا، ولا نتحدث بـ(سمعنا وقالوا) ولكن نتركها ونصبر، وقد قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهذا حديث عظيم جداً في معالجة القلوب والنفوس: (ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) هو الذي إذا قلت له: اتقِ الله ولا تغضب، وقف.

    فيجب أن تجعل أهم شيء تعالجه في حياتك هذه النفس، فإذا وطنتها على أمر الله حتى تصبح مواطئة له، فأبشر بما سبق أن ذكرنا من فضل الله عليك، فتصبح لا تفكر، ولا تهم، ولا تعزم، ولا تعمل، ولا تخطو إلا كما بين الله تعالى في الحديث القدسي: { فبي يسمع وبي يبصر إلى آخره.... )، هذه الحال لا تصل إليها إلا بعد المجاهدة، مع أن كل نفس ركب فيها هذا الأمر إلا من عصم الله من الأخيار والمتقين.

    الصحابة والصبر

    وسير الصحابة -رضوان الله عليهم- في هذا عجيب -كما تعلمون- كان بعض الصحابة يشكو منه غلامه، وبعضهم تشكو منه زوجته، وكان بعضهم يشكو منه جاره، سبحان الله! لديهم طباع لكنهم كانوا سريعي الندم والتوبة والأوبة، وفي نفس الوقت أحدهم يعلم ما في نفسه من أمر، فتجد أحياناً يقول: ما منعني أن أتكلم إلا خشية كذا، ما منعني أن أمشي إلا خشية كذا، كثيراً تجد في السِّيَر أن عالماً لم يقدر على مسألة فيصبر عندها ولا يتجاوزها حتى يفهمها.

    من مظاهر ترك الصبر

    من مظاهر ترك الصبر في حياتنا أن أحدنا يتصرف بعجلة، فكثير من تصرفات الشباب ينقصها الصبر، وأستشهد ولو بمثال واحد: وهو قول بعض الشباب: والله يا شيخ ما عدل ابن باز وهو إن شاء الله غضبه لله، أو إنكاره المنكر لله، لكن تعجل فأدخل الناس في حرج، فنقول له: اصبر قليلاً فالله تعالى يقول: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38] شاور، إذا كانت قضيه تخصك في ذاتك أنت، فتعجلت فيها فلا بأس، لكن شيء يعالج وضع الأمة لا تعجل فيه، واصبر حتى تستشير أقرب الناس إليك، ومن تثق فيه وهكذا، وأقصد بهذا أن الصبر له جوانب كثيرة، ولهذا يقول الله تبارك وتعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3] ولا بد من هذا، هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم وأسأل الله لي ولكم العفو والعافية إنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    قاعدة في طريق الدعوة والجهاد

    ينبغي أن يفرق الإنسان بين ما يهواه ويتمناه، وأن يكون له قاعدة في عمله، فأنت عندما تعمل في طريق الدعوة أو الجهاد، فالقاعدة في ذلك أن لا تستعجل، ولهذا لما جاء الصحابة إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو متوسد في ظل الكعبة، قالوا: يا رسول الله! وشكوا إليه -كما تعلمون الحديث- ما نالته منهم قريش، وسألوه الدعاء، قال: (والله ليتمنَّ الله هذا الدين حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت) وقال تعالى: خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37] فليست القاعدة في الدعوة هي العجلة، وقطف الثمرة، لكن النفس تهوى ذلك وتتمناه.

    وهذا -والله أعلم- لا تؤاخذ به، فأنت تجاهد وتقدم على قتال العدو وملاقاته، أو تدعو وتقدم في سبيل الدعوة، وأنت تعلم أنك لا تدرك ثمرة عملك هذا، لا يعيقك ذلك ولا يؤخرك، لكنك تتمنى أن لا يميتك الله حتى ترى ثمرته، وهذه أمنية وللإنسان أن يتمنى الخير، وما نهانا الله أن نتمنى الخير، ولكن لا ينبغي للأماني هذه أن تؤثر على العمل؛ فتصبح هي الهدف، وهي المقصود الذي نحققه، هذا الذي يبدو لي في هذه المسألة والله تعالى أعلم.

    أما من أراد الحيطة وأراد أن يقطع هذا الأمر من أساسه، فينبغي له كما ثبت عن كثير من الصحابة منهم عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان وغيرهم رضوان الله عليهم أجمعين ممن تمنوا أنهم ماتوا ولقوا الله تعالى مع مصعب بن عمير وأمثاله، كما حدث لـعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فكانوا يخشون أن تكون حسناتهم عجلت إليهم، كما قال عتبة بن غزوان: [[وما منا اليوم إلا من هو أمير على مصر من الأمصار]] خافوا من الذي نتعجله نحن.

    ولا شك أنّ الإنسان مجبول على أنه يتمنى أن يريه الله نصرة هذا الدين، كما دعا سعد بن معاذ أن يريه الله يوماً في بني قريظة قبل أن يموت، والحمد لله فقد أراه، فهذه حالات تعرض في النفس، فإذا لم تؤثر على القاعدة، ولم تدخل إلى المنهج وإلى الغاية، فإن هذا لا يؤثر إن شاء الله تعالى.

    1.   

    الأسئلة

    فقه الدعوة وعوائقها

    السؤال: فضيلة الشيخ سفر نريد أن تحدثنا عن فقه الدعوة، وبعض ما قد يفعله المجتهدون، وربما قد يكون من عوائق الدعوة؟

    الجواب: الكلام طويل جداً في هذا، ولا أدري أي عقبة يريدها السائل، فكل طريق الدعوة عقبات، وكل ما تحدثنا هو من العقبات، عقبه النفس والهوى والشيطان، وعقبه كيد الكائدين، فهي عقبات كثيرة، وفقه الدعوة باب واسع، ولهذا من رسل الله الكرام -وهم صفوة خلقه وخيرتهم- من احتاج أن يعلمه الله تعالى فقه الدعوة بالعمل مثل يونس عليه السلام إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ [الصافات:140] فالله تعالى يريد أن يعلمه أن الإنسان الداعية، يدعو إلى الله -تبارك وتعالى- ويصبر ويصابر ولا يعجل وهكذا..

    فإذا كان الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- يعرض لهم شيء من هذا والله تعالى له حِكَمٌ عظيمة جداً، والله تعالى اختار منهم أولي العزم، وهم الذين صبروا وثابروا امتازوا عن غيرهم بهذا فما بالك بنا نحن؟ لا بد أن تعرض لنا أمور كثيرة من الضعف والفتور، ومن العقبات التي نحن بأنفسنا أكثر ما نعاني منها، وأكثر العقبات هي العقبات الداخلية، قال تعالى: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً [آل عمران:120] والعقبات الخارجية هي أهون ما يلاقي المؤمن لو أننا اتقينا الله تبارك وتعالى وصبرنا على ما يصيبنا، فالطريق كله محفوف بالمتاعب من أوله إلى آخره.

    يقول الإمام أحمد -وهو من تعلمون في الدعوة والعلم والإيمان، حتى أثنى عليه العلماء بما لم يثنوا به على أي عالم آخر بعد صحابة رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- والتابعين-: ''لا يجد المؤمن راحةً دون لقاء ربه'' .

    فالراحة الكبرى إذا جاءتك الملائكة، وبشرتك أن لا خوف عليك ولا حزن وأبشر بالجنة التي كنت توعد؛ هنا في هذه اللحظة ترتاح، أما قبل ذلك فإنه لا تأمن فتنة، ولا ابتلاء، ولا تأمن الضعف، ولا العداوة، لا تأمن إلا في الحالات التي ذكرها الله -تبارك وتعالى- في الجنة: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [فاطر:34].

    معناه: أنهم كانوا في الدنيا في حالة حزن، فأبدلهم الله بالنعيم "الجنة"، وقالوا في الآية الأخرى: قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] فلما كانوا مشفقين في الدنيا صابرين أورثوا هذه الجنة، لكن لو كانوا في الدنيا مرفهين ومنعمين لن ينالوا هذا، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [يونس:7-8].

    فعلينا أن نوطن أنفسنا على أن نكون من أهل التقوى، والعلم وأهل العمل، وأهل الصبر واليقين.

    وأهم ضابط في الدعوة كما في قوله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] والآية الأخرى قوله تعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] وهذه بينت الحالات الثلاث التي لا تخلو منها دعوة: إما أنها مع الموافقين فتحتاج إلى حكمة، وإما أنها مع الغافل فيحتاج إلى الموعظة الحسنة، وإما مع المخالف فيحتاج إلى جدال بالتي هي أحسن، فالضابط في الآية الأولى قوله: (أدعو إلى الله) لا ندعو إلى أنفسنا، ولا إلى مشايخ نحبهم، ولا ندعو إلى انتماءات ننتمي إليها، لا ندعو إلى أي شيء إلا إلى الله، وما بعده فهو تبع له، فهذه الآية آية الدعوة احتوت أعظم الغاية في الدعوة وأعظم الوسائل، في الدعوة قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ [يوسف:108] وختمت وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يوسف:108] فأعظم ما ندعو إليه توحيد الله، وأعظم ما نحذر العالم منه الشرك بالله، ثم المعيار في هذا العمل بين هذا وهذا: البصيرة، والبصيرة: أمر يجمع بين العلم النافع وبين العمل الصائب، فالإنسان إذا كان لديه علم نافع وليس له عمل صائب فلا يوصف بأنه من أهل البصيرة، ومن كان لديه عمل وإن كان يتحرى فيه الصواب لكنه بلا علم فإنه ليس من أهل البصيرة، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2963618870

    عدد مرات الحفظ

    704569953