إسلام ويب

توبة تارك الصلاةللشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ابتدأ الشيخ بذكر تسعة أدلة استدل بها شيخ الإسلام على عدم وجوب إعادة الصلاة على تاركها، وحمل حديث المسيء صلاته وصاحب اللمعة على أنهما بلغهما الخطاب والوقت ما زال باقياً، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يأمرهما بإعادة ما فات. ثم تحدث عمن ترك الصلاة معتقداً سقوطها وهو الذي ذهب إليه بعض الصوفية، موضحاً حكم ذلك، ثم تحدث عمن ترك الصلاة معتقداً وجوبها، وأنه إذا فضَّل القتل على الصلاة فإنه كافر، ثم فرق بين التارك المطلق فإنه يكفر، والمتهاون فإن أمره إلى المشيئة.

    1.   

    قضاء الفرائض

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    موضوعنا هو عن حكم من تاب وقد ترك الفرائض عمداً، وأهم من ذلك وأعظمه الصلاة، فماذا يفعل الإنسان إذا أمضى شطراً من عمره، وهو تارك لهذه الفريضة، فأراد الله تبارك وتعالى ومَنَّ الله عليه بالتوبة فهل يقضي أم ماذا يفعل؟ نذكر كلاماً لـشَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله، إذ له كلام نفيس في الجزء الثاني والعشرين من الفتاوى لم أجده عند غيره ابتداءً من صفحة (40) فنذكر الأدلة :

    الدليل الأول: أن الصحابة الذين ظنوا أن الخيط الأبيض والخيط الأسود هو الحبل الذي يعرفه عامة الناس، فوضعوا حبلين ولم يعلموا أن المقصود هو بياض النهار وسواد الليل، فهذا من الأدلة التي تدل على أن الإنسان لا يقضي ما فعله وهو جاهل لم يبلغه التكليف، أو لم يبلغه الخطاب.

    الدليل الثاني: قصة عمر وعمار رضي الله عنها التي رواها الإمام البخاري وغيره لما قال عمار لـعمر: يا أمير المؤمنين أتذكر لما كنت أنا وأنت في سفر فأجنبنا، فأما أنت فانتظرت ولم تصل، وأما أنا فتمرغت كما تتمرغ الدابة، ثم أتيا النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلم يأمر عمر ولا عماراً بإعادة الصلاة.

    الدليل الثالث: دليل المستحاضة كما ذكر شَيْخ الإِسْلامِ أنها قالت : إني أستحاض حيضةً شديدة تمنعني من الصلاة، فدل ذلك على أنها كانت لا تصلي أثناء الاستحاضة، ومع ذلك لم يأمرها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالإعادة، لأنها اجتهدت وكانت تجهل أنها مخاطبة بذلك، وظنت أن الاستحاضة كالحيض تمنع المرأة من الصلاة.

    الدليل الرابع: الكلام في الصلاة كما في قصة معاوية بن الحكم السلمي في صحيح مسلم.

    الدليل الخامس: لما زِيد في صلاة الحضر، وقد كانت الصلاة ركعتين كما روت عائشة رضي الله عنها فأقرت في السفر -أي بقيت ركعتين- وزِيدت في الحضر، فأصبحت الثنائية أربع ركعات ما عد الفجر، فإنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يأمر من كان بعيداً عنه، كمن كان بـمكة أو بـأرض الحبشة أن يعيدوا ما فاتهم من صلوات بعد أن صارت بعضها رباعية.

    الدليل السادس: لما فرض شهر رمضان في السنة الثانية للهجرة، فإن الخبر بذلك لم يبلغ المسلمين الذين كانوا مهاجرين في أرض الحبشة حتى فات ذلك الشهر ولم يأمرهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن يعيدوا صيامه.

    الدليل السابع: لما حوِّلت القبلة، بعض الأنصار ذهبوا إلى النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من المدينة إلى مكة -قبل الهجرة كما ذُكر- وكان بعضهم قد صلّى إلى الكعبة معتقداً جواز ذلك قبل أن يؤمر باستقبال الكعبة، والطائفة الأخرى الذين استقبلوا بيت المقدس بعد أن نزل الأمر باستقبال الكعبة كلا الفريقين عذَرَهُ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يأمره بالإعادة.

    الدليل الثامن: لما سئل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو بـالجعرانة عن رجل أحرم بالعمرة وعليه جبة وهو متمضخ بالخلوق فلما نزل الوحي قال له:(انزع عنك جبتك واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت صانعاً في حجك) فيقول شَيْخ الإِسْلامِ: '' فهذا قد فعل محذوراً من محذورات الحج، ولم يأمره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ذلك بدم، ولو فعل ذلك مع العلم للزمه الدم، وإنما فعله قبل أن يبلغه الخطاب بالتكليف''.

    الدليل التاسع هو: أنه ثبت عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيحين أنه قال للأعرابي المسيء في صلاته: (صل فإنك لم تصل -ثلاث مرات- وهو في كل مرة يرد الرجل، ويأمره بأن يصلي -لأنه لم يصل الصلاة المشروعة- فقال الأعرابي -بعد الثالثة-: والذي بعثك بالحق، لا أحسن غير هذا فعلمني ) فعلمه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصلاة، ولم يأمره بإعادة ما كان قد صلى قبل ذلك، وقد مرت على الأعرابي أوقات وهو يصلي بهذه الصورة لقوله: ( والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا ) فلم يأمره النبي بالإعادة لأنه قد فعل غاية علمه، وقدر استطاعته، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

    1.   

    إعادة الصلاة

    قال شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله: ''وإنما أمره أن يعيد تلك الصلاة التي هي الفرض، والتي كانت بين يدي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن وقتها باقٍ فهو مخاطب بها'' لأن من بلغه الخطاب وجب عليه الامتثال، فالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمره بتلك الصلاة لهذا السبب، لكن ابتداءً من الصلاة التي قبلها وانتهاءً بأول صلاة صلاها لم يأمره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإعادة شيء من ذلك، فلذلك يقول: مادام أن الوقت باق، وتلك الصلاة التي صلاها لا تبرأ بها الذمة فلا تزال في ذمته ولو لم يبق من الوقت إلا ما يؤديها أو ركعةً منها، قال: ''ومعلوم أنه لو بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو طهرت حائض، أو أفاق مجنون والوقت باق لزمتهم الصلاة ولكن تكون أداءً''

    أراد شَيْخ الإِسْلامِ أن نتخذ هؤلاء نموذجاً ونقيس عليهم الذين لم يبلغهم خطاب التكليف، فالصبي قبل البلوغ لا تجب عليه الصلاة وإن كان يندب ويحث عليها ويعلم، ولكن الوجوب المتعين إنما يكون بعد البلوغ، فلو بلغ الصبي في وقت فريضة من الفرائض، أو أسلم كافر في وقت فريضة من الفرائض، أو طهرت الحائض في وقت إحدى الفرائض، أو أفاق مجنون ومنَّ الله تبارك وتعالى عليه بالعافية في وقت فريضة من الفرائض، ولا يزال في الوقت متسع لأدائها فإن هؤلاء يصلونها أداءً لا قضاءً، وهذا كما في حديث النائم: (من نام عن صلاة أو نسيها فوقتها حين يذكرها فإنه وقتها) فكذلك هنا وقتها بالنسبة له هو متى ما ظهرت عليه علامة البلوغ، أو أسلم إن كان كافراً، أو طهرت إن كانت حائضاً، أو أفاق إن كان مجنوناً، قال: '' وإذا كان بعد خروج الوقت فلا إثم عليهم، وليس في ذمتهم أن يؤدوا تلك الفريضة التي ذهب وقتها، والتكليف لم يجب عليهم، فهذا المسيء الجاهل إذا علم بوجود الطمأنينة في أثناء الصلاة وجبت عليه الطمأنينة حينئذٍ ولم تجب عليه قبل ذلك. ''

    إن المسيئون لصلاتهم كثير، ولو أن كل واحد منا تعهد بأن يقوم في مسجده أو عمله أو مدرسته لتعليم من لا يستطيع كيفية صلاة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لوجد العجب العجاب، فإن الملايين اليوم من المسلمين يصلون صلاة قد تكون صلاة المسيء صلاته في عهد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أكثر طمأنينة، أو أفضل منها، فهؤلاء نعلمهم الطمأنينة في الأركان كلها، وتجب عليهم الطمأنينة وهي ركن من أركان الصلاة، لكن هذه الركنية تكون في حقهم منذ أن نعلمهم، ولا نأمرهم بأن يعيدوا ما قبل ذلك.

    فيقول شَيْخ الإِسْلامِ: ''فلهذا أمره بالطمأنينة في صلاة ذلك الوقت دون ما قبلها من الصلوات التي قد صلاها ولم يطمئن فيها، وإلا لكان في ذلك من الحرج والمشقة ما الله تعالى به عليم، ولكن الله تبارك وتعالى ما جعل علينا في الدين من حرج، وبعث محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالحنيفية السمحة -ولله الحمد، قال:- وكذلك أمره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمن صلى خلف الصف منفرداً أن يعيد، ولمن ترك لمعة من قدمه أن يعيد الوضوء والصلاة لأن الصلاة تترتب على الوضوء، وقوله أولاً للمسيء صلاته ( صل فإنك لم تصل ) تبين أن ما فعله لم يكن صلاة، ولكن لم يعرف أنه كان جاهلاً بوجوب الطمأنينة؛ فلهذا أمره بالإعادة ابتداء، ثم علمه إياها لما قال: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا -قال:- فهذه نصوصه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في محذورات الصلاة والصيام والحج في من ترك واجباتها مع الجهل، وأما أمره لمن صلى خلف الصف أن يعيد فذلك أنه لم يأتِ بواجب مع بقاء الوقت، فثبت الوجوب في حقه حين أمره النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لبقاء وقت الوجوب، وأما أمره لمن ترك لمعة في رجله لم يصبها الماء بالإعادة؛ فلأنه كان ناسياً فلم يفعل الواجب، فكان كمن نسي الصلاة وكان الوقت باقياً -وهنا نلاحظ الفقه، قال:- فإنها قضية معينة بشخص لا يمكن أن يكون في الوقت وبعده، أعني أنه رأى في رِجل رَجل لمعة لم يصبها الماء، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، رواه أبو داود وقال أحمد بن حنبل حديث جيد '' فهذا الرجل الذي بقي في رِجله مثل الدرهم يعرف أن الوضوء واجب، وأنه شرط لا بد منه للصلاة، ويعلم أن الوضوء لابد أن يكن سابغاً، فتوضأ ونسي ذلك المقدار، فلما رآه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمره أن يعيد الوضوء، وأن يصلي بوضوءٍ كاملٍ، إذاً الفرض أن الوقت كان باقياً، وهذه القضية قضية شخصية تتعلق بهذا الرجل فلا يؤخذ منها قاعدة، كما أخذ بعض الفقهاء، فيقولون: كل من ترك واجباً فإن عليه الإعادة؛ فهذه حالة غير حالة الذي لم يبلغه الخطاب، فلا يقاس عليه من كان يعلم الحكم لكن لم يلتزم به، فإن هذا يعتبر تاركاً عن عمد وعن إصرار، فلا يقاس عليه.

    فإذاً: هي حالة معينة لمثل هذا الرجل، فلو أنك رأيت أحداً ترك شيئاً من أعضاء الوضوء، فأرشدته إليه، أو ترك واجباً من واجبات الصلاة، أو فاته ركن من أركانها، فنبهته إلى ذلك فالواجب عليه أن يأتي به، ويستمر كهذه القضية، لكن لا يقاس عليها الذي لم يبلغه شيء من قبل لأنه لا يزال جاهلاً بخطاب التكليف، قال: ''وأما قوله : (ويل للأعقاب من النار) ونحوه فإنما يدل على وجوب تكميل الوضوء وليس في ذلك أمر بإعادة شيء'' كما أن قوله ليس فيه ما فهمه بعض الفقهاء: أنه يجب على هذا الرجل أن يعيد كل صلواته التي صلاها من قبل، ولم يكن يسبغ الوضوء، وإنما يدل على وجوب تكميل الوضوء، هذه الحالة الأولى وهي حالة الجاهل الذي لم يبلغه الخطاب.

    1.   

    توبة من ترك الصلاة معتقداً سقوطها عنه

    الحالة الثانية: لمن أراد أن يتوب وأناب إلى الله تبارك وتعالى، وجاء إلينا وقال: أنا كنت تاركاً للصلاة وأريد أن أتوب، فهل ترون أن أقضي، أم ماذا أفعل؟ فنقول له: كيف كنت تترك الصلاة وتعلم أنها الركن الثاني من أركان الإسلام، وأن الله تبارك وتعالى قال فيها: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [البقرة:43] وأن رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (العهد الذين بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) فقال : إنه كان يعتقد أن الصلاة تسقط عن العارفين، أو عن الواصلين، وهذه بدعة الصوفية التي تملأ معظم بلاد العالم الإسلامي -وهي ضلالة كبرى، وفرية عظمى- أن أحداً من الخلق يترك فرائض الله مدعياً وزاعماً ومتوهماً أنه قد وصل إلى الله، وأن الفرائض أو التكاليف -كما يسمونها- إنما تجب على العامة لأنهم لم يعرفوا التوحيد، وأما الخاصة، أو كما يقولون أحياناً: خاصة الخاصة الذين عرفوا التوحيد، فهؤلاء لا يحتاجون إلى أن يأتوا بهذه الفرائض، لأن هذه مرحلة يفعلها المريد، وهم قد وصلوا وعاينوا الحق كما يقولون -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً- وفي نظرهم أنه قد اتحد المخلوق بالخالق.

    فإذا كان الذي جاءنا تائباً منيباً من هذا النوع -وهم كثير- وقال: كنت أعتقد أني بلغت درجة العارفين، أو الواصلين وزين لي ذلك شيوخ الضلالة في الطريقة التي كنت أنتمي إليها، والآن عرفت أن الصلاة لا تسقط عن أحد، ولو كانت ساقطة عن أحد لكمال علمه أو يقينه كما يؤولون قوله تعالى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:99] لكانت سقطت عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وعن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسائر الصحابة لأنهم أعلم الخلق بالله، وأكثر الخلق يقيناً الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عليه وسلم ثم صحابته رضوان الله عليهم، فهل تركوها؟ فالمعلوم أنه لم يتركها منهم أحد إلا إذا دخل في سكرات الموت، أما قبل ذلك فيصلي إما قاعداً، أو على جنبه، أو على أي حال من الأحوال، ولم يكن يترك الصلاة أبداً، بل كانوا يوصون بها، فقد أوصى بها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو في حال الاحتضار، وأوصى بها قبيل موته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأوصى بها عمر رضي الله تعالى عنه، وهذه أهمية الصلاة عندهم، إذاً: لا يمكن أن تسقط الصلاة عنهم إلى الموت، فإذا مات أحدهم سقطت عنه.

    ومن باطل الصوفية أن الشيخ يصلي عنهم، فمن المصائب الكبرى التي ابتليت الأمة بها شيوخ الضلالة أن الشيخ يصلي عن أتباعه ويحفظهم، وبعض الشيوخ وصل به الحال كما فعل التيجاني وكما ينسبون أيضاً إلى غيره مثل الشاذلي والبدوي والجيلاني أنه يقول : الشيخ الذي يدخل مريده النار فليس بشيخ، ومن جاءه مريده يستغيث به أو يدعوه عند قبره ولم يجبه فليس بشيخ، فلقد جعلوا أنفسهم أرباباً، أو جُعلوا أرباباً من دون الله لأن بعضهم ما قال هذا الكلام.

    والتيجاني ينسبون إليه في كتبه أنه قال: لا يدخل النار من رآني أو من رأى من رأى.. إلى سابع رجل يرى أحمد التيجاني مع أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رآه المشركون وهم من أهل النار، ومنهم الذين آذوه في مكة، ومنهم الذين في قليب بدر وغيرهم من اليهود الذين رأوه في المدينة، فهذا شيء لم يكن، وحتى أبناء أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم، وغيرهم من الصحابة ما ضمن لهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجنة لأنهم رأوا من رآه، أو يقول: كل من رأى أبا بكر فحرام عليه النار، ومن رأى عمر كذلك فكيف بالسابع، فكيف بغيره صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إنما يقرب كل إنسان إلى الله عمله وتقواه لله عز وجل.

    حكم من ترك الصلاة معتقداً سقوطها عنه ثم تاب

    من كان يعتقد أن الشيخ يصلي عنه، أو أن لله عباداً أسقط عنهم الصلاة -كما يتوهم بعضهم، وهم كثير- من المنتسبين إلى الفقر والزهد، والفقير الذي نعرفه وهو المعروف في اللغة وكما هو معروف عند العامة: أنه الذي لا مال له ولا متاع، أما عندهم فهو في الحقيقة ترجمة لكلمة هندية، فالفقير في لغة الهندوس، والبوذيين وأشباههم هو المنقطع لله الزاهد، أو الراهب على دينهم الذين يتعبدون به، ولهذا قال بعض الصوفية: إن الفقر هو الله -تعالى الله عما يقولون- وهذا كلام عجيب.

    وفي الفتاوى سئل شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله عمن يقول: إن الفقر هو الله -تعالى الله- كيف يكون الفقر هو الله؟ لكن لأنهم يعنون بالفقر مصطلحاً آخر غير ما يعرفه الناس، هؤلاء الذين يقولون: إن الله قد أسقط عنا الفرائض حكمهم أنهم متأولة، أي: أنه ترك الصلاة متأولاً وهذا من أقبح أنواع التأويل، لأنه لا ينبغي بأي حال من الأحوال أن يصل الجهل بالمسلم إلى الجهل المركب وإلى أن يظن أن الصلاة تسقط بالتأويل، ولهذا قال شَيْخ الإِسْلامِ: ''فهؤلاء يستتابون باتفاق الأئمة'' فهو إجماع بين العلماء والفقهاء أنهم يستتابون، فإن أقروا بالوجوب -وأن الله تعالى أوجب علينا هذه الصلاة- فيجبرون على أدائها، ويكونون من جملة المسلمين لهم مالهم وعليهم ما عليهم، كما أخبر صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما لنا وعليه ما علينا} وإن لم يفعل ذلك فليس له هذا الحق، قال تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ [التوبة:11] فتبدأ الأخوة في الدين منذ أن يصلوا، فإن أبوا وجحدوا وجوبها عليهم، فهؤلاء يقاتلون قتال المرتدين.

    قال شَيْخ الإِسْلامِ: ''ومن تاب منهم وصلى لم يكن عليه إعادة ما ترك قبل ذلك في أظهر قولي العلماء -لأن المسألة فيها قولان؛ لكن الأظهر من القولين أنه لا إعادة عليهم، فقال:- فإن هؤلاء إما أن يكونوا مرتدين، وإما أن يكونوا مسلمين جاهلين بالوجوب، فإن قيل: إنهم مرتدون عن الإسلام؛ فالمرتد إذا أسلم لا يقضي ما تركه حال الردة عند جمهور العلماء'' فيريد شَيْخ الإِسْلامِ هنا أن يلزم الفقهاء المخالفين الذين قالوا: إن عليهم القضاء.

    وأخذ يستدل على ذلك فقال: ''كما لا يقضي الكافر إذا أسلم ما ترك حال الكفر باتفاق العلماء'' ومثله: ما لو جاءنا اليوم رجل من أمريكا أو من الهند أو من أي بلد سواء كان عابداً للنار، أو عابداً للصليب، أو يهودياً، أو كائناً ما كان دينه، وآمن بالله تبارك وتعالى، فإننا نقول: قد تبت من الكفر وعليك الصلاة، ونعلمه أحكامها، ويبتدئ عليه الوجوب منذ أن أسلم باتفاق العلماء، ولا نقول له: اقضِ منذ أن بلغت سن البلوغ إلى اليوم، لأنها قضية متفق عليها بين العلماء وهو أن الوجوب يبتدئ في حقه منذ إعلان إسلامه، فتبعاً لذلك قال جمهور العلماء: وكذلك المرتد لا يجب عليه أن يأتي بما تركه في حال كفره، وردته.

    قال شَيْخ الإِسْلامِ : ''ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في أظهر الروايتين عنه -هذا هو الاتفاق- والأخرى يقضي المرتد كقول الشافعي والأول أظهر '' -ثم أخذ يأتي بالأدلة على ذلك، ويقول:- : ''فإن الذين ارتدوا على عهد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كـالحارث بن قيس، وطائفة معه أنزل الله فيهم كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ [آل عمران:86] الآية والتي بعدها، وكـعبد الله بن أبي السرح والذين خرجوا مع الكفار يوم بدر أنزل فيهم: ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:110] فهؤلاء عادوا إلى الإسلام، وعبد الله بن أبي السرح عاد إلى الإسلام عام الفتح وبايعه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولم يأمر أحداً منهم بإعادة ما ترك حال الكفر في الردة، كما لم يكن يأمر سائر الكفار إذا أسلموا'' فلم يأمره النبي بأن يعيد ما كان قد ترك من الأركان أو الواجبات في حال ردته، وهذا معلوم وثابت من السيرة، بل عاملهم معاملة الكافر إذا أسلم.

    قال شَيْخ الإِسْلامِ: ''وقد ارتد في حياته خلق كثير اتبعوا الأسود العنسي الذي تنبأ بـصنعاء في اليمن-والذين عظمت فتنته حتى سلط الله عليه من قتله على فراشه- ثم قتله الله، وعاد أولئك إلى الإسلام ولم يؤمروا بالإعادة'' وكان ذلك قبيل وفاة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    ثم قال شَيْخ الإِسْلامِ: ''وتنبأ مسيلمة الكذاب واتبعه خلق كثير'' كانوا في اليمامة، وهؤلاء توفي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم ما يزالون على ردتهم، ثم جاء من بعده خليفته أبو بكر رضي الله تعالى عنه، قال شَيْخ الإِسْلامِ : ''قاتلهم الصديق والصحابة بعد موته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أعادوا من بقي منهم إلى الإسلام، ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء، وكذلك سائر المرتدين بعد موته ''.

    ثم قال شَيْخ الإِسْلامِ:- : ''وكان أكثر البوادي قد ارتدوا، ثم عادوا إلى الإسلام'' فكما هو معلوم أنه عندما توفي رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كفر أكثر العرب وارتدوا، ولم يبق إلا ثلاث مدن هي: مكة والمدينة والطائف وفي البحرين وهم: بنو عبد القيس؛ لأن العقلية العربية والعقلية الجاهلية في كل زمان ومكان ترى أن المبادئ والعقائد ترتبط عندهم بالأشخاص، فإذا مات ظنوا أن دينه قد انتهى، فهذا هو الظن الباطل الذي ظنوه بالدين الذي أنزله الله تبارك وتعالى ليبلغ ما بلغ الليل والنهار، وليظهره الله على الدين كله ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون، فقالوا: مات محمد، إذن مات دينه، وظنوا أن الأمر سوف يرجع جاهلية، ويرجعون إلى عكاظ ومجنة وذي المجاز والأشعار، والأخبار، ونهب الطرق، وعبادة الأصنام لأن الإيمان لم يدخل قلوبهم، أما من آمن كما في هذه المدن الثلاث، ومن حولها ومن كانوا في البحرين وغيرها، ممن ثبت الله تبارك وتعالى الإيمان في قلبه، فإنهم كانوا أكثر علماً بالله، وأكثر يقيناً فيه وثقة في وعده، ونصرة لدينه من أن يرتدوا عنه.

    إذاً ترك أكثر العرب دينهم وارتدوا، فقاتلهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ولم يأمروا أحداً منهم بأن يقضي، وأن يعيد ما كان قد فاته من الصلوات، ثم قال شَيْخ الإِسْلامِ: ''ولم يأمر أحداً منهم بقضاء ما ترك من الصلاة، وقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] يتناول كل كافر'' فكل كافر يتوب يغفر الله تبارك وتعالى له ما قد سلف، وهذا فضل من الله تبارك وتعالى ونعمة، وباب عظيم من أبواب الدعوة وتأليف القلوب، فإن كان كافراً أصلياً فإن باب الله مفتوح، وما عليه إلا أن يتشهد وأن يؤمن بالله حقاً، وأن يدخل في هذا الدين بصدق وإخلاص؛ فيكون كواحد من المسلمين، ويغفر له ما قد سلف، هذا فضل ونعمة من الله.

    وكذلك من أضله شيطانه، أو جهله وغيه، فارتد -عياذاً بالله- بعد أن عرف الحق يظل أمامه الأمل، وباب التوبة مفتوحاً، ليتوب إلى رشده، ويعود إلى الحق، وهذه ميزة عظيمة ورحمة من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فهذا على اعتبار أن هؤلاء كان حكمهم حكم المرتدين.

    والحالة الأخرى: أن يكون لهؤلاء الصوفية المتأولين حكم الجهال قال: ''وإن قيل: إن هؤلاء لم يكونوا مرتدين، بل جهالاً بالوجوب، وقد تقدم أن الأظهر في حق هؤلاء أنهم يستأنفون الصلاة على الوجه المأمور به ولا قضاء عليهم'' وهنا نرجع إلى الأدلة التسعة التي ذكرناها سابقاً، قال: ''فهذا حكم من تركها غير معتقد بوجوبها'' فهذا حكم يشملهم جميعاً وإن اختلف السبب؛ فهذا يعتقد أنها غير واجبة لأن الشيخ يصلي عنه، أو لأنه من العارفين، والآخر يعتقد عدم وجوبها لأنه لم يبلغه حكمها.

    1.   

    حكم من ترك الصلاة معتقداً وجوبها

    قال شَيْخ الإِسْلامِ: ''أما من أعتقد وجوبها مع إصراره على الترك فقد ذكر عليه المفرعون من الفقهاء فروعاً: أحدها هذا، وقيل عند جمهورهم: مالك، والشافعي وأحمد وإذا صبر حتى يقتل فهل يقتل كافراً مرتداً، أو فاسقاً كفساق المسلمين؟ على قولين مشهورين''.

    وهنا كلام طويل للعلماء، فإذا كان رجل يعتقد أنها واجبة ولكنه لا يصلي سألناه وناقشناه فأقر بالوجوب، لكنه يرفض الصلاة؛ فجيء به إلى القضاء وقيل له: تب، أو أدِّ ما افترض الله تعالى عليك، وإلا فاعلم أن جزاءك القتل، وستؤخذ إلى الساحة، ويراك الناس ونفصل هذا الرأس عن هذا الجسد إن لم تصل، فقال: لا أصلي أبداً، فجيء به وضربت عنقه، ففي هذه الحالة ما حكم هذا الرجل؟

    فـشَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله يقول: من قال إن هذا فيه خلاف فهو مخطئ قال: '' وهذه فروع فاسدة؛ لأن الصحابة رضي تعالى عنهم لم ينقل عنهم شيء من هذه الفروع، وهم أكمل الناس فقهاً، وعلماً'' قال شَيْخ الإِسْلامِ: ''فإن كان مقراً بالصلاة في الباطن معتقداً وجوبها'' أي: بداهة بأن الله خالقه، ومعبوده، وأنه قد أمره بالصلاة، وأنه يجب عليه أن يؤديها، ثم قال: ''يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل وهو لا يصلي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم، لأنه لا يكون مقراً بشيء أو محباً له أو مؤمناًُ به، ثم يرغم عليه أن يفعله، إلا إذا كان رافضاً له، فهذا دليل على كفره، وأنه لا يقبله أبداً، وإلا كيف يفضّل السيف عليه وهو في باطنه يحبه هذا أولاً''.

    ''أما ثانياً: -وهي كلمة عظيمة له رحمه الله فقال:- ولم يقع هذا قط في الإسلام '' أن يصر على ترك الصلاة وإن قطعوا رأسه إلا من كان زنديقاً في الباطن، أما أن يكون في باطنه مؤمناً فلا، أو جاهلاً فنعلمه، لأن الجاهل لا يعرض على السيف حتى يعلم، قال: ''فمتى أمتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل، لم يكن في الباطن مقراً بوجوبها، ولا ملتزماً بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين '' كما قال رحمه الله في كتاب الإيمان إذا جئنا برجل وقال: أنا من أهل السنة، فقيل له: ترض على أبي بكر وعمر، فقال: لا أترضى عنهما، قلنا: نقتلك، ونضربك، ونعذبك فأبى، فلا يصدق أحد أنه -في باطنه- من أهل السنة ويحب أبا بكر وعمر بل نكتشف أنه رافضي؛ لأن الرافضة لشدة حقدهم، وعداوتهم للشيخين الكريمين رضي الله تعالى عنهما خصوصاً ولعامة الصحابة الآخرين، لا يمكن أن يترضوا عنهم، فالمؤمن من أهل السنة على الحقيقة لا يمنعه شيء أن يترضى عليها، لأنه مقتنع بذلك، ولا يمكن أنه يحتمل الضرب فضلاً عن القتل في سبيل فعل شيء هو مقتنع به، ولا يكون كذلك إلا إذا كان كارها له.

    فلو جئنا بإنسان وقلنا له: هذا طعام نظيف كله، وهو شدَّة من الجوع، فأبى أن يأكل، فقلنا: نضربك حتى تأكل مع أن الجائع لا يحتاج إلى الضرب ليأكل، لكن إذا امتنع حتى ضربناه، فهذا دليل على أنه إما مسموم أو حرام، لأنه فضل الضرب على أكله ولا يمكن أن يتركه وهو جائع، فالقاعدة التي يعرفها الناس جميعاً أن من تحمل العذاب أو الضرب أو القتل في سبيل شيء معين فهو معتقد له، وهذا واضح وهذا الرجل عقيدته أن يترك الصلاة، والذي وقع هو أن يؤتى برجل، ويقال له: صل، فإن أبى فنعلم أن هذا الرجل منافق زنديق ملحد، كما حدث لبعض من درسوا في بلاد الغرب، أو اعتقدوا العقائد الباطلة الكفرية، كـالشيوعية والإلحاد أو غيره، وفعلاً يصرون على ألا يصلوا فنعرف أنه قد تغلغلت في نفسه هذه العقيدة الخبيثة، حتى أصبح يرى أن عليه أن يموت ولا يرجع إلى الدين، فهذا يموت كافراً، ويقتل كافراً، ولا يجوز أن نختلف في حكمه، فنقول: لعله يكون مقراً بالوجوب، وهذا من فقه شَيْخ الإِسْلامِ، وقد أخذه من حال ومعاملة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم مع من تركوا شيئاً من الدين.

    قال شَيْخ الإِسْلامِ: '' استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا ودلت عليه النصوص الصحيحة كقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة) رواه مسلم وقوله: (العهد الذي بينا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وقول عبد الله بن شقيق: [[ كان أصحاب محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة ] فمن كان مصراً على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط؛ فهذا لا يكون قط مسلماً مقراً بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب واعتقاد أن تاركها يستحق القتل داع تام إلى فعلها'' فمعنى كلامه: أن الإنسان يقوم في قلبه المقتضي أو الدافع الذي نسميه الآن في مصطلحاتنا الحديثة (الدافع التام أو الدافع القوي) لعمل معين، فهذا إذا اكتمل لدى الإنسان، وجاء أيضاً من يحضه عليه ولم يكن مانع من فعله؛ فلا بد أن يفعله، فالاعتقاد أن تاركها يستحق القتل، وأن هذا من الدين مع اعتقاده بوجوبها فهذا داع تام ودافع إلى فعلها، ثم قال: ''والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادراً ولم يفعل قط عُلِمَ أن الداعي في حقه لم يوجد -أي الدافع غير موجود، ولو وجد لصلى أو صام أو زكى أو عمل، ثم قال- فالاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل؛ لكن هذا قد يعارضه أحياناً أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها وتفويتها أحياناً''

    أقول هذا وأنا آسف جداً، لأني سمعت شريطاً لأحد الدعاة، وله إلمام بعلم الحديث، ويدير أحد المراكز الدعوية، وجدته يقرر أن تارك الصلاة ليس بكافر، ويقول: الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، وتارك العمل ليس بكافر، ويؤصل لهذه القضية، فكأنه يدعو الناس إلى حقيقة غائبة عن أذهانهم من العقائد، ومثله الذي كتب كتاباً أسماه "فتح من العزيز الغفار وبيان أن تارك الصلاة ليس بكافر من أهل النار" فعجيب أمر هؤلاء، وخاصة الأخ الداعية كيف أنه نسي أو غفل عن النقل الصحيح، وعن إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك، وإطباق أئمة الإسلام وخاصة أهل الحديث على ذلك، وقول وفتاوى علمائنا المعاصرين -حفظهم الله- كلهم متفقون على أن تارك الصلاة عامداً مع قيام العلم والحجة كافر.

    وتعجبت من قوله بأن هذا من عقيدة أهل السنة والجماعة فمعنى كلامه: أن من اعتقد غير ذلك؛ فإنه على غير عقيدة أهل السنة والجماعة، فعقيدة الخوارج هم الذين يكفرون بترك بعض الأعمال، وهذا كلام عجيب، مع أن شَيْخ الإِسْلامِ رحمه الله يقرر هذا الأصل، وهذه العقيدة الواضحة الجلية في مواضع من كتبه ولا سيما في كتاب الإيمان بتوسع.

    لكن نقول: لعل اللبس جاء من أن بعض الناس يصلي أحياناً، ويفوت أحياناً، ويؤخر أحياناً، وهذا ما نسأل عنه كثيراً فمثلاً: تتصل امرأة وتقول: زوجي أحياناً يصلي، وأحياناً لا يصلي، فهل أفارقه؟ وتقول: قرأت أو سمعت بعض العلماء يقول: إن الرجل إذا كان تاركاً للصلاة فإن زوجته تحرم عليه، والعقد باطل، والأبناء أبناء زنا وما أشبه ذلك، فتقول: إذاً ماذا أفعل؟

    وهكذا يقرءون بعض الأدلة كما في حديث عبادة -الذي سنذكره بعد قليل- فيقولون: إذاً الذي لا يحافظ على الصلاة لا يزال مسلماً، وهكذا مثل هذه الشبهات، فيقع في حيرة واضطراب، ويقول: كيف نقول: إن الإجماع قد انعقد وثبت على كفره، ومع ذلك نسمع من يقول: لا. أو مثل هؤلاء المساكين، تقول: إذاً ماذا أفعل أنا؟ هل فعلاً أتركه وأفارقه؟ فنقول: من هنا يأتي اللبس.

    1.   

    الفرق بين تارك الصلاة وبين المتهاون فيها

    نقول هناك فرق بين التارك المطلق للصلاة، وبين الذي لا يحافظ عليها، فالتارك المطلق هو الذي لا يصلي أبداً، وهذا كافر لا ينبغي ولا يجوز أن نتنازع فيه.

    أما المتهاون وهو: الذي ينام عن فريضة -مثلاً- ويؤدي فريضة، فهذا ليس بغريب أن نقول: إنه كفر في الفجر عندما لم يصل الفجر ثم جاء الظهر فصلى فأسلم، فهذه طبيعة وحالة ذكرها الله عن المنافقين وأنهم درجات، فمنهم المنافق المحض الذي لم يدخل الإيمان قلبه أبداً، ومنهم الذي نفاقه عن ضعف إيمان، فهو لم يصل وإن كان يسمى بالمنافق لكن لا يصل به الحال لأن يكفر؛ لكنه يصلي أحياناً ويترك أحياناً إلى أن يقرب من الخيط الرقيق الفاصل بين الإسلام والكفر، فهو يذهب مرة ويعود مرة إلى أن يقرب من حافة الكفر، ومرة يعود إلى دائرة الإيمان، فهذا حال واقع عند كيثر من الناس.

    فرجل يصلي أحياناً ويترك أحياناً، فهو في هذا التأرجح بين الإيمان والكفر، فهذا نقول له: كن مسلماً حقاً وحافط على صلاتك، وإلا قد تموت ويأتيك الأجل وأنت في الخط الآخر وقد خرجت، فتموت كافراً، وليس هناك خاتمة أسوء من خاتمة الذي يموت على الكفر، ولا سيما وقد عرف الإيمان، وهو يأتي إليه أحياناً ويعود إليه إحياناً، فهذا نقول له: ابتعد ما استطعت عن دائرة الكفر بأن تحافظ على الصلاة في أوقاتها جماعة.

    إن هذا الحال هو الذي قد يشكل، وقد يسبب نوعاً من الخطأ في الفهم أو في التصور، قال شَيْخ الإِسْلامِ: '' فأما من كان مصراً على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك فهذا لا يكون مسلماً؛ لكن أكثر الناس يصلون تارة ويتركونها تارة فيشتبه الحكم، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها وهؤلاء تحت الوعيد '' وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن عن عبادة عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قال: (خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)'' فبعض العلماء فهم من الحديث أن المقصود هو: من لم يحافظ عليها بالكلية وهذا فهم خطأ، والصحيح أن هناك فرقاً بين من لم يحافظ، ومن يترك بالكلية، فالأول تحت المشيئة والثاني كافر، وبهذا الجمع تتعاضد الأدلة في هذا الشأن.

    لكن قد يعترض بعضهم بما قاله النووي وغيره من علماء الشافعية وأمثالهم فنقول: الخلاف موجود، وإنما نحن نريد بيان القول الراجح، وهو ما أجمع عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وأما غيرهم فيقول شَيْخ الإِسْلامِ -رحمه الله وقد قرر ذلك في: الإيمان الأوسط بشكل أوضح-: ''إن هؤلاء الذين يرون أن تارك الصلاة ليس بكافر دخلت عليهم شبهة المرجئة'' وهذا الأخ الداعية الذي ذكرته سابقاً دخلت عليه شبهة المرجئة، وهي فصل القول عن العمل، بينما لا يمكن أن ينفصل القول عن العمل عند أهل السنة والجماعة فإذا وجد قول القلب التام المطلوب شرعاً، فإنه يستلزم عمل الجوارح بقدره، فمن كان عمل قلبه قوياً للغاية يقيناً، وإخلاصاً، وصدقاً، وانقياداً، فلا بد أن يصلي صلاة خاشعة، صادقة، منقادة يظهر في إيمان هذا القلب، ومن كان إيمانه أقل فإن صلاته وبقية أعماله كذلك، أما من لم يؤد الصلاة مطلقاً فهذا دليل على أنه لا إيمان في قلبه مطلقاً.

    إذاً: هذا حكم التائب الذي تاب وقد ترك الصلاة؛ أن ننبهه ونذكّره بأن عليه أن يصلي، ونذكره بالله، وأنه لا يجوز له أن يترك فريضة من فرائض الله لأنه سيكون بهذا كافراً، ونقول له: يجب عليك أن تعيد، أو أن تقضي ما فات من الصلوات.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2738437207

    عدد مرات الحفظ

    684538940