إسلام ويب

الدعوة السلفيةللشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكلم الشيخ في البداية عن أصول الدعوة السلفية، ثم بين مقاصدها، ومن ثم قارن بينها وبين منهج المعتزلة والمتصوفة والقاديانية في التأويل. ثم تحدث عن حكم اجتهاد العامة في استنباط أحكام الكتاب والسنة. وبعد ذلك تكلم عن حكم تعطيل السنة بحجة مصلحة الدعوة، ثم تكلم عن منهج السلف في الأخذ باجتهادات الأعلام المتقدمين، وكذلك تكلم عن مفهوم التجديد للإسلام.

    1.   

    أصول الدعوة السلفية ومقاصدها

    السؤال: ما هي أصول الدعوة السلفية ومقاصدها؟

    أصول الدعوة السلفية

    هذا سؤال هام بطبيعة الحال، وسوف نجيب بقدر ما يساعد المكان والزمان.

    نقول: أصول الدعوة السلفية قائمة -كما يعلم الجميع- على ثلاث دعائم:

    الدعامة الأولى: القرآن الكريم.

    والدعامة الثانية: السنة.. والسنة الصحيحة، ويركز السلفيون في كل بلاد الدنيا على هذه الناحية (السنة الصحيحة)؛ ذلك لأن السنة -بإجماع أهل العلم- قد دخل فيها ما ليس منها منذ أكثر من عشرة قرون، هذا أمر لا خلاف فيه؛ ولذلك من المتفق عليه أيضاً أنه لا بد من تصفية السنة مما دخل فيها مما ليس منها؛ ولذلك فالسلفيون يتبنون أن هذا الأصل الثاني (السنة) لا ينبغي أن يؤخذ على واقعه؛ لأن فيه الضعيف والموضوع مما لا يجوز الأخذ به حتى ولا في فضائل الأعمال، فهذا هو الأصل الثاني، وهذا متفق عليه تقريباً بين المسلمين سلفهم وخلفهم.

    والدعامة الثالثة: وهو مما تتميز به الدعوة السلفية على كل الدعوات القائمة اليوم على وجه الأرض؛ ما كان منها من الإسلام المقبول، وما كان منها ليس من الإسلام إلا اسماً، فالدعوة السلفية تتميز بهذه الدعامة الثالثة ألا وهي: أن القرآن والسنة يجب أن يفهما على منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم، أي: القرون الثلاثة المشهود لهم بالخيرية بنصوص الأحاديث الكثيرة المعروفة، وهذا مما تكلمنا عليه بمناسبات شتى، وأتينا بالأدلة الكافية التي تجعلنا نقطع بأن كل من يريد أن يفهم الإسلام من الكتاب والسنة بدون هذه الدعامة الثالثة فسيأتي بإسلام جديد، وأكبر دليل على ذلك الفرق الإسلامية التي تزداد في كل يوم؛ والسبب في ذلك هو عدم التزامهم هذا المنهج الذي هو الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.

    لذلك نجد الآن في العالم الإسلامي طائفة ظهرت من جديد، وطلعت علينا من مصر، ثم بثت أفكارها وسمومها في كثير من بلدان العالم الإسلامي، ويدعون أنهم على الكتاب والسنة، وما أشبه دعواهم بدعوى الخوارج ؛ لأنهم أيضاً كانوا يدعون التمسك بالكتاب والسنة، ولكنهم كانوا يفسرون الكتاب والسنة على أهوائهم، ولا يلتفتون إطلاقاً إلى فهم السلف الصالح وخاصة الصحابة منهم، وأنا لقيت من هؤلاء أفراداً كثيرين، وفي الفترة القريبة في الأردن جادلت رأساً من رءوسهم للمرة الثانية، وهو يصرح بأنه لا يعتد بتفسير الآية ولو جاء عن عشرات من الصحابة، أي: لو جاء هذا التفسير عن عشرات من الصحابة، فهو لا يقبل هذا التفسير إذا كان هو لا يراه، وهذا الذي يقول هذا القول لا يستطيع أن يقرأ آية بدون لحن وغلط وخطأ فيها، هذا هو سبب انحراف الخوارج القدامى، الذين كانوا عرباً أقحاحاً، فماذا نقول عن الخوارج المحدثين اليوم، الذين هم إن لم يكونوا أعاجم فعلاً فهم عرب استعجموا، وليسوا عجماً استعربوا، هذا واقعهم، فهؤلاء يصرحون بأنهم لا يقبلون تفسير النص إطلاقاً، إلا إذا أجمع عليه السلف، هكذا يقول قائلهم تمويهاً وتضليلاً.

    فقلت له: وهل تعتقد إمكان إجماع السلف على تفسير لنص من القرآن؟

    قال: هذا مستحيل.

    قلت: إذاً أنت تريد المستحيل، أم أنك تتستر؟

    فخنس وسكت.

    الشاهد: أن سبب ضلال الفرق كلها قديماً وحديثاً هو عدم التمسك بهذه الدعامة الثالثة: أن نفهم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح.

    المعتزلة .. المرجئة .. القدرية .. الأشعرية .. الماتريدية ؛ وما في هذه الطوائف كلها من انحرافات، سببها أنهم لم يتمسكوا بما كان عليه السلف الصالح؛ لذلك قال العلماء المحققون: وكل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف.

    فهذا ليس شعراً، بل هذا الكلام مأخوذ من الكتاب والسنة: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] لماذا قال: ويتبع غير سبيل المؤمنين؟ كان يستطيع ربنا أن يقول: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً) فلم قال: ويتبع غير سبيل المؤمنين؟ حتى لا يركب أحد رأسه، ولا يقول: أنا فهمت القرآن هكذا، وفهمت السنة هكذا، فيقال له: يجب أن تفهم القرآن والسنة على طريقة السلف المؤمنين الأولين السابقين.

    وقد أيد هذا النص من القرآن نصوص من أحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام، كحديث الفرق، قال عليه الصلاة والسلام: (.. كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: في رواية الجماعة. وفي أخرى: ما أنا عليه وأصحابي) لماذا وصف الفرقة الناجية بأن تكون على ما كانت عليه الجماعة، وهي جماعة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لكي يسد الطريق على المؤولين، وعلى المتلاعبين بالنصوص.

    منهج المعتزلة في تأويل النصوص

    يقول تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [القيامة:22-23] نص صريح في القرآن أن الله عز وجل يمتن على عباده المؤمنين يوم القيامة، فيرون وجهه الكريم، كما قال الفقيه الشاعر السلفي:

    يراه المؤمنون بغير كيفٍ     وتشبيهٍ وضربٍ للمثال

    قالت المعتزلة: لا يمكن للعبد أن يرى ربه لا في الدنيا ولا في الآخرة. أين تذهبون بالآية؟ قالوا: معناها: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا [القيامة:22-23] أي: إلى نعيم ربها ناظرة، فهذا تأويل، بمعنى: إلى نعيم ربها، ربنا قال: إِلَى رَبِّهَا [القيامة:23] من أين جئت بهذه؟ قال: هذا مجاز الحذف، ومن هنا أنكر ابن تيمية المجاز في القرآن؛ لأنه كان معولاً من أعظم وأقوى المعاول هدماً للعقيدة الإسلامية، هذا النص يثبت لله عز وجل نعمة منه على عباده أن يروه يوم القيامة، ويقول هؤلاء: لا يمكن!

    الله يقول: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] فيقولون: لا. ليس سميعاً ولا بصيراً، لم؟ لأننا إذا قلنا: سميع بصير شبهناه بأنفسنا، إذاً ما معنى: سميع بصير؟ قالوا: عليم، سميع بصير لفظتان عربيتان تساوي عندهم عليم فقط، وهل خلصنا من المشكلة، وفلان العليم! اليوم يقال عند الدكتور في اللغة العربية: عليم، تعبير لا بأس فيه، ويجوز أن نقول عن الإنسان: عليم، مبالغة في الوصف، هل يجوز أن نقول: فلان عليم؟ نعم. إذاً: لا نقول الله عليم؛ لأنه صار فيه تشبيه لله بعبد الله، وهكذا عطلوا صفات الله عز وجل، ووصل بهم الأمر أن أنكروا وجود الله، سواء اعترفوا أو لم يعترفوا فذلك يلزمهم، ورحم الله ابن القيم حين يقول: (المجسم يعبد صنماً، والمعطل -أي: المؤول- يعبد عدماً)، ولذلك يقول هؤلاء المؤولة الذين لم يلتزموا منهج السلف الصالح في آيات وأحاديث الصفات، يقولون: الله لا فوق.

    هل تجدون في القرآن (الله لا فوق)؟ نجد في القرآن يصف عباده: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [النحل:50] هم يقولون: لا فوق، تجدون في القرآن: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طـه:5] .. تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ [المعارج:4] .. إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10] إلى آخر ذلك.. الله لا فوق -مثلاً- إذاً هل هو تحت؟ لا تحت، إذاً هل هو يمين؟ لا يمين ولا يسار، لا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، إذاً ماذا بقي؟ العدم.

    هذا هو العلم الذي تورط فيه كل علماء الكلام بدون استثناء، إلا من كان على منهج السلف الصالح، فكل علماء الكلام، لا أستثني لا أشاعرة ولا ماتريدية إلا أفراداً منهم آمنوا بما كان عليه السلف الصالح، كما قال صاحب قصيدة بذل الأماني :

    ورب العرش فوق العرش لكن     بلا وصف التمكن واتصال

    يعني: ليس كمثله شيء، الله وصف نفسه بأنه على العرش استوى.

    ورب العرش فوق العرش لكن     بلا وصف التمكن واتصال

    انظروا -يا إخواننا الشباب!- بصورة خاصة، نحن الآن نزعم بأننا نريد أن نحقق المجتمع الإسلامي، وأن نقف جبهة أمام الإلحاد، وأمام الشيوعية، ونحوها من الأحزاب، فبم نقف أمامهم؟ أبعلم كتاب الله وحديث رسول الله على منهج السلف الصالح، أم بعلم الكلام؟

    لا تشعرون في الواقع -ولعل هذا من الخير لبعضكم- لو أنكم درستم علم الكلام لأقام المبطلون الحجة عليكم؛ لأن الملحد الشيوعي ونحوه حين يقول لك: لا يوجد في هذا الكون إله، لا تستطيع أنت أن تقيم الحجة عليه وأنت تقول: يوجد إله؛ لأنه قد يقول لك: أرني إياه، مثلما قال لي أحدهم: إن الذي صعد إلى القمر ما رأى الله عليه، يقول لك الشيوعي: أرني رب العالمين. تقول له أنت: لا فوق ولا تحت، لا يمين ولا يسار، لا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، فهذا الكلام أتقدر أن تقيم به الحجة على الملحد؟ الجواب: لا. لكن لو أنك تلوت آيات الله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] والله أكبر من كل شيء.. إلخ، نحن لا نريد أن تقنعه، حسبنا أن نقيم الحجة عليه، ولله الحجة البالغة على الناس، فإذا قلت له هذا الكلام الذي يوجد في كتب الماتريدية والأشاعرة -إلا قليلاً منهم -كما قلنا- ما استطعت أن تدعو إلى إسلامك، لكن أقول: من الخير لكم أو لبعضكم، أنه لم يقرأ علم الكلام، هذه حقيقة، ولا يعرف أنه قد يسمع هذا الكلام فيستغرب، ويقول: أيوجد من المسلمين من يعتقد هذه العقيدة؟ نعم. اقرءوا كتب الغزالي .. اقرءوا إحياء علوم الدين .. اقرءوا بعض الرسائل الجديدة المطبوعة والمنشورة اليوم باسم العقائد؛ فستجدون فيها الجحد الذي يساوي: أنا أؤمن بالله، ولا أؤمن بالله.. أؤمن بالله على أساس لا كبير ولا صغير، أي: لا يوصف بأنه كبير ولا صغير، وهذا مطبوع في طبعة جديدة وعصرية، وأنه لا فوق ولا تحت، لا يمين ولا يسار... إلخ، سيجد أنها لا توزن لا بميزان، ولا بقبّان، ولذلك رحم الله أحد أمراء دمشق حيث حضر مناقشة جرت بين شيخ الإسلام ابن تيمية وأمثال هؤلاء المعطلة، لما سمع كلامهم، وسمع كلام ابن تيمية المستند إلى الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح؛ اقتنع أن هذه هي العقيدة الصحيحة، والتفت إلى شيخ الإسلام ابن تيمية وقال: هؤلاء -يشير إلى المشايخ- قوم أضاعوا ربهم. لماذا؟ لا فوق ولا تحت، لا يمين ولا يسار.. إلخ.

    من ضلالات الصوفية

    الشاهد -والكلام طويل في هذا المجال- ما الذي أودى بعلماء المسلمين، فضلاً عن طلاب العلم، فضلاً عن عوام المسلمين، إلى هذا الحضيض وهذا الضلال المبين؟ اليوم على غير ما مبالاة أحدنا يقول: الله موجود في كل مكان.. الله موجود في كل الوجود، هذه هي بذاتها ولكنه إلحاد على نمط آخر، ووحدة الوجود التي يقول بها غلاة الصوفية هي على ألسنتنا في كل يوم: الله موجود في كل مكان.. الله موجود في كل الوجود. وحدة الوجود تفخر بأنها موحدة، لا يوجد خالق ومخلوق، فالخالق والمخلوق شيء واحد، وهذه هي وحدة الوجود، وهذه فلسفة من علم التصوف، كما أن عامة المسلمين -والحمد لله- ما قرءوا هذا العلم، لكن هم واقعون ولا يجهرون، هم يقولون: الله موجود في كل مكان.

    هذا شخص جاء إلي في رمضان منذ ثلاثين سنة، وأنا سهران بعد صلاة التراويح، فجاء إلي ليقول: أنت الذي تنكر وجود الخضر وتقول: إنه ميت؟ قلت له: نعم. قال: أنا الخضر، فلما سمعت هذا الكلام قلت له: اتق الله يا رجل! ظناً مني أنه عاقل، فقال: أنا شرعة الله ومحمد، ماذا أعمل؟ هذا صوفي، وقد قرأ الفتوحات المكية على الشيخ ومات.. إلخ، ما الذي أوصل المسلمين إلى هذا الكفر باسم الإسلام؟ إنه الانصراف عن منهج السلف الصالح، فنحن ننصح كل المسلمين في عالم الدنيا كلها، إلى ضرورة التمسك بالكتاب والسنة، وهذه هي الركيزة الثالثة، وهي: على منهج السلف الصالح، وإلا فكل طائفة في الدنيا تقول: نحن على الكتاب والسنة.

    القاديانية فرقة ضالة

    أضل فرقة اليوم تنتمي للإسلام، وتصلي الصلوات الخمس، وتحج إلى بيت الله الحرام، وهي القاديانية، مع ذلك فهم ينكرون حقائق من الإسلام باسم التأويل، وعدم التمسك بما كان عليه المسلمون -حتى الخلف منهم- لأن المسلمين جميعاً اتفقوا على أنه لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف جاء هؤلاء يدعون الإسلام؟! ويقولون: جاء نبي اسمه ميرزا غلام أحمد القادياني، وسيأتي من بعده أنبياء كثر، وجاء أحد تلامذته هنا، وحاول أن يبث هذه الفكرة، وقام المشايخ والحمد لله تارة بالسياط، وتارة بالصياح، وتارة بالكلام، والحمد لله كفينا شرهم، وكان لي مشاركة في المجادلة معهم كثيراً.

    الشاهد: كيف ضل هؤلاء؟ يقولون: قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا نبي بعدي) أتعرفون ما معنى: لا نبي بعدي؟ أي: معي، وليس بعدي، أي: لا يوجد نبي يكون معي أنا، ولكن إذا مِتُّ سيأتي بعدي نبي. ويؤولون النص: وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ [الأحزاب:40] ما معنى: خاتم النبيين؟ يقولون: زينة النبيين، كما أن الخاتم زينة الإصبع، فالرسول زينة الأنبياء، وليس بمعنى أنه لا نبي بعده. إذاً هؤلاء المسلمون كلهم كانوا على خطأ في فهم هذه النصوص.

    تأتي الآية: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] كيف كان المؤمنون في فهم هذه النصوص يا قاديانيون؟! كانوا يفهمونها خطأ، إذاً ما معنى قوله : وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [النساء:115] والبحث كثير وطويل جداً، فحسبنا الآن أصول الدعوة السلفية ثلاثة: الكتاب والسنة، وعلى منهج السلف الصالح.

    مقاصد الدعوة السلفية

    أما مقاصدها: فلا شك أن من مقاصدها هو أن يحققوا المجتمع الإسلامي الذي به يمكن تحقيق الحكم بالإسلام لا بسواه، فالحكم بالإسلام في غير مجتمع إسلامي ضدان لا يجتمعان، لذلك أختم الجواب على هذا السؤال بكلمة في منتهى الحكمة -عندي- فنقول للمسلمين جميعاً: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم؛ تُقم لكم على أرضكم.

    1.   

    حكم الاعتبار بفهم العامة للقرآن الكريم والسنة في استنباط الأحكام

    السؤال: يقال: إن الدعوة السلفية تشترط أخذ الأحكام من الكتاب والسنة، دون اشتراط أخذها عن أهل العلم والاختصاص، فهل يمكن للعامي اعتماد فهمه للنص دون الرجوع إلى أهل العلم؟

    الجواب: إن ما نسمعه كثيراً وكثيراً جداً من بعض الناس الذين لم يفقهوا ولم يفهموا الدعوة السلفية، لا من أشخاص الدعاة إليها مباشرة ولا من مؤلفاتهم، وإنما فهموا الدعوة السلفية من خصومهم وأعدائهم، وهؤلاء هم الذين يأتون بمثل هذا البلاء في سوء الفهم لهذه الدعوة، كثير من الناس ينقلون عنا، وبعضهم يتصل بنا، وبعضهم يحاربنا ويطعننا في الخفاء، ويقول: بأننا نحن ندعو المسلمين جميعاً حتى عامتهم إلى الفهم من الكتاب والسنة مباشرة.

    وأنا أقول صراحةً: لو كان هناك فعلاً أناس يدعون الجهال الأميين، الذين لا يقرءون ولا يكتبون، إلى أن يأخذوا الفقه والعقيدة والدين كله من الكتاب والسنة مباشرة، وهم لا يحسنون قراءة آية ولا رواية حديث؛ لصح كلام هذا، وصح كلام أولئك الأعداء، ولكن هل الدعوة هكذا؟ أنحن ندعو من لا يفقه شيئاً من العلم أن يتسلق على الكتاب والسنة، وأن يفرض جهله، وعاميته، وأميته على الكتاب والسنة، ثم يقول: أنا أفهم هكذا، وأنا مأمور باتباع الكتاب والسنة؟! فهذا لا يوجد مسلم -صفه كما شئت، سلفي أو خلفي- أبداً يقول بمثل هذا الكلام، ونحن قلنا دائماً وأبداً، وفي الأمس القريب نهار البارحة جاءني أشخاص من حمص، فيهم شاب مثقف بعض الشيء، وقد بلغه من اللامذهبية المعروفة ونحوها ما يشير إليه هذا الكاتب، من أننا ندعو الناس جميعاً إلى اتباع الكتاب والسنة، يعني: أن الجهال يفهمون الكتاب والسنة بجهلهم، فشرحت له المسألة بشيء من التفصيل، إيجازه قلت له: نص القرآن الكريم جعل الناس من حيث العلم والجهل قسمين: علماء، وهم الذين يفهمون الكتاب والسنة، ويقابلهم غير العلماء، ونسميهم الجهال الذين لا يفهمون الكتاب والسنة، وعلى كل من القسمين واجبه بنص القرآن الكريم، قال تعالى: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] إذاً: هو يخاطب الأمة في مجموعها، في علمائها وجهالها، في مثقفيها وأمييها، يقول: أنتم طائفتان: علماء وغير علماء، غير العلماء عليهم أن يسألوا العلماء: فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [النحل:43] نحن هذا الذي ندعو الناس إليه، لكن قد نختلف مع المقلدين في مفهوم العلم والعالم، ما هو العلم؟ ومن هو العالم؟

    1.   

    قاعدة: حمل العام على الخاص لرفع الإشكال في بعض النصوص

    السؤال: كيف يمكن الجمع بين قولي الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله من نبي إلا كان في أمته قوم يهتدون بهديه ويستنون بسنته) والحديث الآخر (رأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد

    الجواب: الذي يبدو لي -والله أعلم- أن الحديث: (ما بعث الله من نبي إلا كان في قومه من يهتدي بهديه) هذا من النصوص العامة التي تخصص بالحديث الآخر، الذي عرض فيه على الرسول صلى الله عليه وسلم: النبي وليس معه أحد أي: أن الغالب -وهذا أمر مقطوع به نظراً وبصراً- الغالب أن الله عز وجل حين بعث الأنبياء، فلا بد أن يكون هناك من يستجيب لدعوتهم؛ ولكن ما بين أن يكون المستجيب قليلاً أو كثيراً؛ ولكن هذا لا ينفي أن يكون هناك بعض الأفراد من الأنبياء لم يستجب لهم أحد، فالحديث الأول يحمل على الغالب من شأن الدعاة مع المدعوين، أي: شأن الأنبياء مع المدعوين، فعلى الغالب أن يستجيب المدعوون لدعوة الأنبياء؛ لأنها دعوة حق، مع الاختلاف -كما قلنا- في الكثرة والقلة، ولكن أحياناً لا يستجيب للرسول أحد إطلاقاً، وهذا من جملة الامتحان والاختبار من الله عز وجل.

    فإذاً: التوفيق بين الحديثين بقاعدة: حمل العام على الخاص، وبذلك يزول الإشكال، وهذا لا يشكل على طلاب العلم؛ لأنه مثل قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ [المائدة:3] فهذا يشبه تماماً لو سأل سائل: كيف التوفيق بين الآية، وبين قوله عليه الصلاة والسلام: (أحلت لنا ميتتان ودمان: الحوت والجراد، والكبد والطحال

    الجواب: حرمت عليكم الميتة إلا كذا كذلك الدم إلا كذا، فهذا النص القرآني نص عام، خصص منه ما ذكر في الحديث، كذلك المبدأ العام أن كل نبي بعثه الله عز وجل استجاب له من استجاب إلا..، فنأخذ الاستثناء من الحديث الثاني (فرأيت النبي وليس معه أحد)، إذاً: عام وخاص، فهكذا يكون الجمع.

    1.   

    حكم ترك السنة من أجل ما يرى أنه في مصلحة الدعوة

    السؤال: يقال: إن الداعية إلى الإسلام يجب ألاّ يكون متشدداً بأمور السنة، وأن يتجنب -أكثر ما يمكن- المواقف التي تثير الأمور المتعلقة بالسنة، وأنه يجب أن يكون له سياسة بعيدة تقريباً عن السنة، فهل هذا صحيح ومفيد في أمور الدعوة؟ وإن كذلك فهل يجوز لنا اتباعه؟ وكيف التوفيق بينه وبين الحرص على السنة؟

    الجواب: الحقيقة أن السنة -لاسيما في معناها العام- لا يجوز لمسلم أن يعرض عنها ولو مؤقتاً، فالمسلم لاسيما إذا كان يقول، أو يقال عنه: إنه داعية؛ فيجب أن يدعو إلى الإسلام، والإسلام كلٌ لا يتجزأ، وأن يبين للناس كل ما يتعلق بالإسلام، لكن الأمر كما قيل: (العلم إن طلبته كثير، والعمر عن تحصيله قصير، فقدم الأهم منه فالأهم).

    وأن يهتم الداعية بالدعوة إلى أهم شيء، ثم الذي يليه وهكذا، ولكن إذا كان في مناسبة ما وبدت له خطيئة من بعض الناس تخالف الشريعة في بعض الأحكام التي ليست من أصول الشريعة، لكن الوقت وقت بيان، ووقت أمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ فلا يجوز له أن يكتم ذلك باسم السياسة، وإنما يدعو إلى السنة التي يعرفها في تلك المناسبة، ولكن كما قال الله عز وجل: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [النحل:125] فلم يقل الله عز وجل: ادع إلى شيء واترك شيئاً، وإنما أمر بالدعوة بالحكمة والموعظة وبالتي هي أحسن.

    فمثلاً: إذا كان هناك إنسان يصلي في مسجد، فرأى بجانبه شاباً في مقتبل العمر يصلي وهو متختم بخاتم من الذهب، فقد يرى بعض الناس أن من السياسة في الدعوة أن يسكت، وألا ينصح هذا المصلي بهذه المخالفة، فهذا من السياسة الشرعية، ومتى ينصحه يا ترى! وهو قد يفوته، ولا يراه مرة أخرى؟! والصور تتعدد وتتكرر، وخاصة من الشخص -كما قلت في أول الجواب- الذي نصب نفسه للدعوة إلى الإسلام، فهو لا يجوز أن يدعو إلى بعض الإسلام ويترك البعض الآخر، لكن يجب أن يهتم بالأهم فالأهم، هذا لا بد منه، ولكن يرى المنكر ويسكت عنه اليوم، واليومين، والثلاثة، والأربعة، والشهر، والشهرين؛ بزعم أن هذا من سياسة الدعوة؛ فلم يكن الأمر كذلك في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا في عهد السلف الصالح، وإنما القاعدة في ذلك من ناحيتين:

    الناحية الأولى : من حيث الأسلوب.

    الناحية الثانية: من حيث عموم الأمر، فهو شامل لكل شيء؛ لأن هناك نصوصاً كثيرة جداً، ومن أشهرها ما هو معروف لدينا جميعاً: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) رأى منكراً لم يستطع تغييره بيده فينزل إلى المرتبة الثانية، ويغير ذلك المنكر بلسانه، بالتي هي أحسن، كما في الآية السابقة، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان، فلم يقل: إن اقتضت حكمة الدعوة أو سياسة الدعوة فعليك أن تسكت، لا. بل قال: إن استطعت، فما دمت تستطيع أن تغير المنكر مهما كان، ما دام أنه -كما جاء في السؤال- مخالف للسنة فعلينا البيان، ثم لست عليهم بمسيطر.

    الواقع أن المشكلة ليست مشكلة تقسيم الإسلام والدعوة إليه إلى قسمين: القسم الأول: أن ندعو إليه عاجلاً. القسم الثاني: أن ندعو إليه آجلاً، أو لا ندعو إليه بتاتاً.

    ليست هذه هي المشكلة، لاسيما أنه ليس هناك كتاب مصنف في بيان الإسلام الذي يجب أن ندعو إليه عاجلاً، والإسلام الذي يجب أن ندعو إليه آجلاً، أو لا ندعو إليه مطلقاً، بزعم أن سياسة الدعوة تقتضي ذلك، فليس هناك كتاب، ولا يمكن أن يوجد مثل هذا الكتاب، فهذا الذي يزعم ويريد أن يقسم الإسلام إلى قسمين: قسم ندعو إليه مباشرة، وقسم نؤجل أو ننسئ، من أين له هذا التقسيم؟ وما دليله؟ هذا في الواقع ينبغي أن يكون من أكبر علماء المسلمين؛ حتى قد يسمح له بهذا التقسيم، فأين هؤلاء؟ نحن نعرف الذين يتولون الدعوة لا يعرفون من الإسلام إلا شيئاً قليلاً، ثم هم أنفسهم يخالفون هذه القاعدة، أنا أقولها صريحة: إن الذين يدعون نظرياً إلى تقسيم الإسلام إلى قسمين: قسم هام يبدأ به، وآخر لا يشغل به، نحن نعرف أن هؤلاء يدعون إلى أمور قد لا تكون في الإسلام مطلقاً، فضلاً عن أن تكون من الإسلام الذي هو من القسم الأول الهام، ونحن تكلمنا في هذا كثيراً وكثيراً، ولذلك نقتصر على هذا، وبهذا القدر الكفاية، والحمد لله رب العالمين.

    1.   

    منهج أهل السنة في الأخذ باجتهادات المتقدمين من أهل العلم

    السؤال: يتهمونك بأنك لا تأخذ بأقوال الأئمة الأربعة رضي الله عنهم، أو إن صح التعبير: باجتهاداتهم الفقهية، فما صحة ذلك؟

    الجواب: يقصد أننا نأخذ باجتهاداتنا الفقهية، أسأل الله أن يوفقنا والله المستعان.

    أقول: إن الذين يتهموننا بهذه التهمة شأني معهم كما قال الشاعر:

    غيري جنى وأنا المعذب فيكم     فكأنني سبابة المتندم

    غيري جنى: غيري الذي لا يأخذ باجتهادات الأئمة، أما نحن فنأخذ باجتهادات الأئمة جميعاً؛ لأن الطالب للعلم لا سبيل له إلى طلب العلم إلا من طريقين: إما أن يأخذ عن إمام فقط من الأئمة الأربعة.. وأنا أختصر كلاماً، وأقطع مراحل لا بد من شرحها؛ لأن طلاب العلم اليوم لا يستطيعون أن يأخذوا حتى ولا من إمام واحد، إنما بالوسائط، لكن أقول: طالب العلم اليوم لا سبيل له إلى تحصيل العلم إلا من طريقين: إما أن يأخذ عن إمام واحد، والطريق الثاني: أن يأخذ عن كل الأئمة، فالطريق الأول هو طريقة المذهبيين.. طريقة المقلدين الجامدين، الذين أولاً: لا يلتفتون أبداً إلى ما قال الله، وإلى ما قال رسول الله. وثانياً: لا يلتفتون إلى الأخذ من الأئمة الآخرين، والذين لا ينتمي إلى مذهبهم في طلبه للعلم.

    إذاً: طريق طلب العلم إما بتقليد مذهب معين، وإما باتباع الأئمة دون تعصبٍ لواحد منهم على الآخرين، فما هي طريقة القوم -اليوم- الذين يتهموننا بأننا لا نأخذ باجتهادات الأئمة؟ وما هي طريقتنا؟

    إذا علمتم أن طريقتنا هي الأخذ عن كل إمام، وليس فقط الأئمة الأربعة، فإن الله عز وجل قد تفضل على أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأئمة من أمثال الأئمة الأربعة بالعشرات، بل بالمئات، بل بالألوف المؤلفة، فالذين يأخذون بطريقة اتباع الكتاب والسنة، فهم الذين يأخذون باجتهادات الأئمة، أما الذين يقلدون مذهباً معيناً، فهؤلاء لا يستفيدون من الأئمة الآخرين، ولا يأخذون باجتهاداتهم، إذاً: فقد ظهر أن -كما قلت لكم آنفاً: غيري جنى وأنا المعذب فيكم.. غيري الذي لا يأخذ باجتهادات الأئمة وليس أنا، فأنا آخذ باجتهادات الأئمة كلهم، دون تفريق بين واحد والآخر منهم.

    ثم لابد هنا إلى التنبيه بأن هذه الطريقة التي نسلكها نحن لعدم التعصب لإمام على إمام، هي الطريقة التي خطها ونهجها نفس الأئمة الأربعة وغيرهم للمسلمين؛ لأن ذلك هو الذي يقتضيه الكتاب والسنة، ألا نقلد شخصاً معيناً؛ لأن الشخص المعين معرض للخطأ والصواب، ونحن حين نقول: خطأ، لا نعني الغمز، ولا اللمز، ولا الطعن، كما يتهمنا أولئك الناس، وإنما نعني: أنه -أي: المجتهد من هؤلاء المجتهدين- إما أن يؤجر أجرين، وإما أن يؤجر أجراً واحداً، فإذا أُجر أجراً واحداً فذلك يساوي عندنا (أخطأ)، وأخطأ يساوي عندنا أجر أجراً واحداً، فالناس من جملة ما اضطربت فيه مفاهيمهم، وخرجوا عن الفهم الصحيح للكتاب والسنة: أن المسلم إذا قال في حق رجل عالم أخطأ، اعتبر هذا طعناً في الذي قيل فيه: إنه أخطأ، وهذا جهل، لقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في أبي بكر في قضية: أخطأت. فهل طعن الرسول في صاحبه في الغار؟ حاشا! بل لقد قال في بعض أصحابه حينما أفتى فتوى فأخطأ فيها: كذب فلان، وكذب في اللغة العربية التي نكاد أن ننساها معناها: أخطأ، فنحن إذا قلنا اليوم: كذب فلان. يا لطيف! -ولا نقولها؛ لأن القوم لا يفقهون لغتهم- ولكن لا يسعنا أن نقول إلا: أخطأ، وأخطأ يساوي أجر أجراً واحداً.

    الخلاصة -والبحث في هذا طويل-: نحن نحترم الأئمة كلهم، ونأخذ باجتهاداتهم، وليس باجتهاد واحد منهم، وعلى العكس من ذلك؛ كل متمذهب إذا قال: نحن نحترم الأئمة ونعظمهم! فهو منافق، يقول ما لا يعتقد، في كتب المذهب الحنفي -بصورة خاصة- يقول ابن عابدين : إذا سُئلنا عن مذهبنا قلنا: مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، وإذا سُئلنا عن مذهب غيرنا قلنا: خطأ كله. أي: أنا حنفي ومذهبي كله صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غير أبي حنيفة، مذهب مالك والشافعي وأحمد والثوري وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم؛ كل هؤلاء مذهبهم خطأ يحتمل الصواب، هذا قولهم مسطور مطبوع، أما نحن إذا قلنا: فلان أخطأ في هذه المسألة، ونعني: أجر أجراً واحداً، يا غيرة الله! أما المطبوعة بالكتب (كل المذاهب خطأ إلا مذهبنا) فهذا لا بأس، وهذه عقيدة يجب أن يعتقدوها.

    خلاصة القول: فرمتني بدائها وانسلت.. نحن نتبع الأئمة، وليس المقلدون هم الذين يتبعونهم، واحترامهم للأئمة إن أرادوا أن يكونوا صادقين؛ فعليهم أن يثبتوا لنا في ماذا اتبع الحنفي الشافعية، في أي مسألة؟ وفي أي مسألة اتبع الإمام مالكاً؟ وفي أي مسألة اتبع الإمام أحمد؟ حتى نعتقد أنهم يحترمون الأئمة، أما أن يظل يعيش أحدهم لا يحيد قيد شعرة عن مذهبه، ولا يعترف قيد شعرة بالمذاهب الأخرى، ويعتقد في نفسه أنه على صواب، فهو حين يقول: إنه يحترم الأئمة، يحتاج إلى ما يدعمه ويصدقه، أما نحن فواقعنا يشهد أننا نحترم الأئمة كلهم.

    أنا -مثلاً- رجل حنفي، وفي بلادي لا يعرف إلا المذهب الحنفي، والإسلام هناك كله مذهب حنفي، وربنا عز وجل تفضل علينا وألهم أبانا فهاجر بنا؛ لنتعلم اللغة العربية ونتعلم الإسلام من مصدريه الصافيين: الكتاب والسنة، فقد عرفنا الأئمة، وعرفنا فضلهم، وعرفنا علمهم.. إلخ، فأنا حنفي، وتعلمت في الفقه الحنفي أنه يكره رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وقيل: إنه حرام، وقيل: إن الصلاة باطلة إذا رفعت يديك عند الركوع والرفع منه، وهذا مسجل في كتب وهي مطبوعة، فلما تبينت لي السنة في رفع اليدين، فوجدت الإمام الشافعي، والإمام أحمد، والإمام مالك أيضاً يقولون بأنها سنة أخذت بها، وكذلك كل مسألة يتبين أنها الحق أخذناها، إما من الجمهور، كـمالك، والشافعي، وأحمد، أو تارة عن الشافعي دون مالك، وتارة عن مالك دون الشافعي، وتارة عن أحمد دون هذا وهذا، فهذا هو احترامنا للأئمة، لكن هم تارة بقصد سيء، وتارة بسوء فهم -وقد يكون القصد حسناً- يتوهمون أننا إذا قلنا: إن القول بأن رفع اليدين في الصلاة مكروه خطأ، فإننا نطعن في الإمام أبي حنيفة . فنقول لهم: إذاً أنتم ماذا تقولون؟ أنتم تقولون: مذهبنا كله صواب يحتمل الخطأ، إذاً طعنتم في الأئمة كلهم، في أقوالهم كلها، هكذا يجمعون بين متناقضات في أذهانهم، نسأل الله عز وجل أن يهدينا وإياهم لاحترام الأئمة واتباعهم حسب منهجهم هم، لا حسب منهج المقلدين تقليداً أعمى.

    1.   

    تجديد الإسلام يكون بتجديد مفاهيمه الصحيحة

    السؤال: ورد أن الله سبحانه وتعالى يبعث على رأس كل قرن هجري مجدداً لهذه الأمة، فهل هذا صحيح أولاً؟ وإن كان صحيحاً فما نوع التجديد الذي يتم على يد هذا المجدد؟

    الجواب: الحديث صحيح، والتجديد أنواع، هذا هو الصحيح في تفسير الحديث، فالإسلام يحتاج إلى تجديد كلما مضى عليه مدة من الزمن -طويلة أو قصيرة- وتجديد الإسلام يكون من نواحٍ متعددة، أهمها: تجديد مفاهيمه الصحيحة، حيث ينحرف المسلمون مع الزمن عن فهم الإسلام -كتاباً وسنةً- فهماً صحيحاً، فأعظم تجديد هو هذا التجديد، الذي يأتي إلى المسلمين بالمفاهيم الصحيحة التي كان عليها سلفنا الصالح لنصوص الكتاب والسنة.

    ومن هذا التجديد الأهم: أن يصفي السنة مما دخل فيها مما ليس منها، ثم هو يدعو المسلمين إلى الاعتماد على هذه السنة الصحيحة مع القرآن، ومع ذاك البيان الصحيح لكل منهما، الذي كان عليه سلفنا الصالح، هذا تجديد وهو أهم تجديد، ولا تقوم قائمة المسلمين، وقائمة الحركات الإسلامية، والدعوات الإسلامية كلها، والأحزاب الإسلامية كلها؛ إلا إذا بنيت على هذا التجديد الأصيل؛ وهو: تجديد السنة بتمييز ما ليس منها وطرحه جانباً، وتجديد المفاهيم الصحيحة لنصوص الكتاب والسنة، بدعوة المسلمين إلى المفاهيم التي كان عليها سلفنا الصالح.

    لكن هذا في الواقع لا يكفي، فلا بد من تجديد -مثلاً- لعلوم أخرى يتطلب تطور الحياة العلمية والاجتماعية أن يتوجه بعض الناس إلى تجديدها، ونضرب على ذلك مثلاً.. علم اللغة، فهذا العلم لا بد من التجديد فيه، وتقريبه إلى الناس، وحتى إلى العرب أنفسهم الذين ابتعدوا قليلاً أو كثيراً عن لغتهم، بسبب العُجمة التي تسربت إليهم، فلا بد إذاً من تجديد هذا العلم، وكذلك يقال: لا بد من تجديد النواحي التربوية والنفسية، وتوجيه المسلمين إلى ما يوافق الكتاب والسنة من هذه النواحي كلها، ولا شك أن فرداً بل جماعة لا تستطيع أن تقوم بكل هذه الجهود وهذه التجديدات، ولذلك ذكر بعض العلماء -كمثال لأنواع التجديد- من المجددين: صلاح الدين الأيوبي ؛ مع أن الرجل لم يكن مشهوراً بالعلم، ولكن لما جدد الحياة الإسلامية؛ بأن حضهم على الجهاد، وحملهم على مقاتلة الأعداء، وإخراجهم من البلاد بعد أن احتلوها سنين طويلة؛ فاعتبروه من جملة المجددين، فإذاً: لا يحصر التجديد في ناحية دون أخرى، فما دام أن الحياة تتجدد فلا بد للعلوم من أن تتجدد، وأن تمشي هذه العلوم وفق الكتاب والسنة الصحيحة، وعلى المفهوم الذي كان عليه سلفنا الصالح رضي الله عنهم.

    1.   

    التزام الصحابة بالنص النبوي في صفة التشهد

    السؤال: في كتاب صفة الصلاة ذكرتم الحديث المروي عن الصحابة في كيفية التشهد، والصحابة قد غيروا صيغة (السلام عليك) بـ(السلام على النبي ورحمة الله وبركاته)، كيف لنا أن نوفق الأمر الثاني بالأول، علماً بأن الدعوة السلفية منهجها الأخذ بالقرآن والسنة، وفهم الصحابة لهما؟

    الجواب: كأن السائل فهم أن الصحابة غيروا النص الذي تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الذي هو بصيغة الخطاب: (السلام عليك أيها النبي)، فكأنه فهم أنهم غيروه من عند أنفسهم، وهذا ما نبرئ منه أقل الناس فهماً للسنة حتى لو كان خلفياً سلفياً، أعني: حتى لو كان من الخلف الذين يتبنون مذهب السلف، فلا نتصور أن رجلاً من المتأخرين يفقه أن الأوراد توقيفية، يتجرأ على أن يغير حرفاً واحداً في ورد تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأسانيد، فكيف نتصور صحابياً واحداً -لاسيما إذا كان مثل ابن مسعود - يقدم على تغيير نص تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة؟! هذا الخاطر يجب ألا يخطر على بال السائل أو غيره أبداً، وإنما يقول العلماء في مثل هذا: إن ذلك الذي فعلوه هو بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم إياهم، ومعنى التوقيف: أن الرسول عليه السلام هو الذي ألمح وأشار إليهم أن هذا يكون في حياته، أما بعد وفاته فيتكلمون بصيغة الغيبة، وليس بصيغة الحاضر، فيقولون في التشهد: السلام على النبي، ونحن نعرف بعد الصحابي عن الابتداع بصورة عامة، وبعدهم عنه في الأذكار بصورة خاصة، وبالأخص منهم عبد الله بن مسعود الذي جاء النص الصحيح في صحيح البخاري عنه أنه قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد في الصلاة وكفي بين كفيه) كناية عن اهتمام المعلم بالمتعلم بتلقينه ما هو في طريق تعليمه إياه، قال ابن مسعود: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه، التحيات لله...) وذكر التشهد المعروف عن ابن مسعود، والذي عليه الحنفية: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) قال ابن مسعود بعد أن ذكر النص الذي لقنه إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفه بين كفي الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: (وهو بين ظهرانينا) أي: علمه أن يقول هذا وهو بين ظهرانيهم، وهو حي معهم عليه الصلاة والسلام، قال (فلما مات قلنا: السلام على النبي) ما قال هو: قلت، وحاشاه أن يقول! -كما قلت لكم آنفاً- وحاشاه أن يتصرف في مثل هذا النص الذي تلقاه من الرسول مباشرة، وبهذا الاهتمام الذي عبر عنه بقوله: (وكفي بين كفه) وإنما ذلك مما فهمه في أثناء التلقين، لذلك قال في هذا الحديث: (وهو بين ظهرانينا، فلما مات قلنا...) ما قال: قلت، فكيف يقول من عند نفسه شيئاً يبدل فيه نص الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو يعلم أن تعليم الرسول صلوات الله وسلامه عليه هو وحي من الله؟!

    والذين يجهلون هذه الحقيقة، أو يغفلون أو يتغافلون عنها، هم في الواقع في خطر كبير جداً، فالذين يتقدمون إلى أوراد الرسول عليه الصلاة والسلام وإلى أذكاره، فيزيدون فيها ما شاءوا من الزيادات، لا يتصورون أبداً أنهم يزيدون على الوحي ولا يخطر هذا في بالهم، وهذا في الواقع تفريق خبيث بين الله ورسوله، وهم لا يتنبهون له، وهو تفريقٌ خبيث بين الكتاب والسنة، أي: بين ما جاء في الكتاب وما جاء في السنة، وإلا هل يجرؤ أحد هؤلاء أن يزيد في نص القرآن حرفاً واحداً؛ من أجل إشباع نهمته وغلوه في حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم؟ مثلاً: هل يقول أحدهم حين قال الله: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ ... [الفتح:29] إلخ ما ورد في الآية، هل يقول أحدهم: سيدنا محمد رسول الله؟ لا أحد يقول هذا؛ فمباشرة سيقال له: هذه زيادة على ما في القرآن، وهو وحي فهو أيضاً لا يجوز، لكنهم يفرقون -كما قلت لكم- بجهلهم، كذلك لا يقول أحدهم: محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول الله؛ لأن هذا زيادة على النص، فنحن معشر الذين ينتمون إلى السلف لا نفرق بين الله ورسوله أبداً، ولا نفرق بين كتاب الله وحديث رسول الله، وبين تعليم الله وتعليم رسول الله؛ كلاهما يصدران من مشكاة واحدة وهي مشكاة الوحي من السماء؛ لذلك لما علم النبي صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب ورد الاضطجاع عند النوم: (اللهم إني أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، قال له: إذا أنت قلت ذلك ومت من ليلتك تلك مت على الفطرة) فأعاد البراء بن عازب هذا الدعاء بين يدي الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ليتمكن من حفظه، فلما وصل إلى قوله في الأخير: (آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت) قال: (وبرسولك الذي أرسلت)، بدل أن يقول: (وبنبيك الذي أرسلت) فصده الرسول عليه الصلاة والسلام ورده عن ذلك، وقال له: قل: (وبنبيك الذي أرسلت) لو سألنا هؤلاء المغيرين والمبدلين في أذكار الرسول عليه الصلاة والسلام: هل هناك فرق يفسد المعنى الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الورد، بين تعليم الرسول الذي هو: (وبنبيك الذي أرسلت) وبين ما أخطأ فيه البراء فقال: (وبرسولك الذي أرسلت). هل هناك فرق؟

    لو لم يكن محمد عليه الصلاة والسلام رسولاً وكان نبياً فقط؛ لصار هناك تغيير للمعنى؛ لأن الرسول أعم من النبي، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، لكن نبينا عليه الصلاة والسلام ليس فقط رسولاً، بل هو خاتم الأنبياء والرسل جميعاً، فحينما قال البراء: وبرسولك الذي أرسلت، ما خالف الواقع أبداً؛ ولكنه خالف التعاليم النبوية -إخواننا انتبهوا لهذا- كل ما في الأمر أنه خالف تعليم الرسول إياه، أما المعنى فمستقيم تماماً؛ لذلك قال له: قل: (وبنبيك الذي أرسلت) وعلى هذا جرى الصحابة.

    أمثلة على تقيد الصحابة بألفاظ النصوص

    وقد ذكرت لكم مراراً في مثل هذه المناسبة عن كثير من الصحابة، وكيف كانوا يفرون من أن يعدل الرجل عن لفظ الرسول إلى لفظ من عنده، فهناك -مثلاً- في مسند الإمام أحمد: [أن سعد بن أبي وقاص سمع رجلاً يقول في تلبية الحج: لبيك ذا المعارج، فقال له -وهذا من حكمة الصحابة في إنكار المنكر- قال: إنه لذو المعارج؛ ولكن ما هكذا كنا نقول في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، كنا نقول: لبيك اللهم لبيك] إلى آخر التلبية المعروفة، قال له: الله هو ذو المعارج، لكن التلبية ما كانت هكذا في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.

    وأبدع من هذا -أيضاً- في أسلوب الإنكار، قصة ابن عمر التي ذكرتها لكم أكثر من مرة أيضاً، [أن ابن عمر سمع رجلاً عطس فقال: الحمد لله، والصلاة على رسول الله، فقال: وأنا أقول معك: الحمد لله، والصلاة على رسول الله، ولكن ما هكذا علمنا رسول الله، قل: الحمد لله رب العالمين] كأن القضية الآن تتكرر تماماً، لكن -مع الأسف!- دون أن يكون هناك متجاوبون مع المنكرين.

    وهذه الزيادة -اليوم- في عبادتنا تأتي في صور عديدة، وأشهرها الزيادة في الأذان، والصلاة على الرسول عليه الصلاة والسلام، كما قال ابن عمر: [وأنا أقول معك: الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الرسول ما هكذا علمنا] فهكذا الصحابة، والآثار عنهم كثيرة جداً جداً، كانوا يتورعون أن يأتوا بتغيير للفظ الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن أشهرهم وأدقهم في ذلك صاحبنا.. صاحب حديث التشهد الذي علمه الرسول إياه وكفه بين كفيه، ألا وهو عبد الله بن مسعود، حيث روى الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثار، بالسند الصحيح عن ابن مسعود: [أنه كان إذا علم أصحابه التشهد يأخذ عليهم الحرف الواحد]. أي: إذا زاد حرفاً، أو نقص حرفاً، يقول له: لا. ارجع وقلها كما تلقيتها عن الرسول عليه الصلاة والسلام. فهل نتصور مثل هذا الصحابي -لو كان وحده- يأتي إلى التعليم الذي لقنه الرسول عليه السلام إياه مباشرة: السلام عليك أيها النبي، فيأتي ويعدل منه إلى (السلام على النبي) دون أن يكون عنده تعليم وتوجيه من الرسول عليه السلام له بذلك؟ حاشاه من ذلك! فكيف وليس هو في الميدان وحده، هو أولاً: يروي لنا فيقول: [فلما مات الرسول صلوات الله وسلامه عليه قلنا -أي: نحن معشر الصحابة- السلام على النبي]، ولذلك تأكيداً لهذا المعنى الذي رواه لنا ابن مسعود بصيغة الجمع: قلنا، جاء هذا التشهد مع اختلاف الألفاظ، كما هو مذكور في صفة الصلاة عن السيدة عائشة بـ: السلام على النبي، وجاء عن عمر بن الخطاب في موطأ مالك: السلام على النبي وهكذا.

    إذا: ما نقوله هو اتفاق وإجماع من الصحابة، وذهبوا إليه ليس اجتهاداً منهم وتغييراً للنص -كما يتبادر من سؤال السائل- وإنما بتوقيف من الرسول صلوات الله وسلامه إياهم.

    ما أبدع هذا الأمر فيما إذا عرفنا اليوم غلو الناس في دعاء الموتى، والاستغاثة بغير الله عز وجل، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أومأ وأشار إلى هؤلاء الصحابة من باب سد الذريعة، إذا أنا مت فقولوا: (السلام على النبي)؛ ذلك لأن كثيراً من الناس اليوم يتوهمون أوهاماً كثيرة، منها: أن الموتى كلهم يسمعون كثير من الناس اليوم -إذا لم نقل كلهم- يتوهمون أن الموتى يسمعون، فإن سيدهم وسيد المسلمين جميعاً محمد عليه الصلاة والسلام يسمع من باب أولى، فما بالكم إذا كان الرسول لا يسمع حتى الصلاة عليه، وهو أفضل ما يقال في حقه عليه الصلاة والسلام؟ فهل يسمع استغاثة المستغيثين به من دون الله عز وجل؟ هل يسمع توسل المتوسلين به من دون الله عز وجل؟ فالصلاة على الرسول لا يسمعها هو، وقد يستغرب بعضكم ممن لم يطرق سمعه مثل هذا الكلام من قبل.. كيف أن الرسول لا يسمع الصلاة عليه؟ نعم. اسمعوا حديث الرسول عليه السلام الذي قال فيه: (أكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني). فقال: (فإن صلاتكم تبلغني) ما قال: أسمعها، قالوا: (كيف ذاك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) ويوضح هذا التبليغ: (فإن صلاتكم تبلغني) يوضحه حديث آخر يرويه أيضاً عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام) إذاً الرسول عليه السلام إذا صلى أحدنا عليه، فإنه لا يسمع هذا السلام كما يتوهم جميع الناس تقريباً، وإنما هناك ملائكة مخصصون وموظفون من رب العالمين؛ لينقلوا سلام المصلين عليه إليه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا كان عليه الصلاة والسلام لا يسمع؛ فإذاً نحن نخاطبه حيث جاء الخطاب فقط كما نخاطب الموتى ونقول لهم: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ...) إلى آخر الدعاء المعروف، لكن هذا لا يعني أننا نخاطب من يسمع، فالموتى لا يسمعون بنص القرآن ونص السنة، ولقد شرحت هذا شرحاً وافياً في مقدمتي لكتاب: الآيات البينات في عدم سماع الأموات عند الحنفية السادات، وهي مقدمة وافية هناك، فمن شاء منكم رجع إليها بتوسع في هذا الموضوع.

    خلاصة القول: السلام على النبي، هذا توقيف من النبي للصحابة وليس تغييراً منهم، وحاشاهم في مثل ذلك، وبهذا القدر نكتفي والحمد لله رب العالمين.