إسلام ويب

الرؤيا في المنامللشيخ : محمد ناصر الدين الألباني

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تعد الرؤيا من المظاهر الطبيعية، وقد قسمها الشرع إلى ثلاثة أقسام: (رؤيا من الله.. حلم من الشيطان.. حديث نفس ) وبعض الناس يهتم بالرؤى، حى يبالغون في شيء من مظاهرها. وفي هذه المادة يوضح الشيخ رحمه الله مسائل تتعلق بالرؤى وتعبيرها وتعلقها بعلم الغيب.

    1.   

    من أحكام الرؤيا

    السؤال: كثير من إخواننا يرون بعض العلماء في المنام على هيئة حلِّيقين -قد حلقوا اللحى- فهل هنالك تأويل من فضيلة الشيخ؟

    الجواب: أولاً: نذكِّر إخواننا جميعاً بأننا لا ننصحهم أن يهتموا بالرؤى إلا إذا كانت رؤىً يشعر الرائي لها بأنها من القسم الذي أثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله سلم في الحديث الصحيح: (الرؤى ثلاثة: فرؤيا من الرحمن، ورؤيا من الشيطان، ورؤيا من تحديث النفس)، فإذا كانت الرؤى ثلاثة أقسام، فواحدة إذاً من الثلاث تكون رؤيا رحمانية، واثنتان منها لا وزن لهما؛ لأنها قد تكون من تلاعب الشيطان، أو في أحسن الأحوال من تحديث النفس، أي: أن الإنسان يفكر في أمر يهمه من خير أو شر، فيتصوَّر شيئاً في المنام يتعلق بما يفكر فيه أثناء النهار، فهذا إذا رآه لا قيمة له، كذلك إذا كان من النوع الذي هو من تلاعب الشيطان بعدوه الإنسان.

    فحينما تكون الرؤيا فيها أنه رأى عالماً حليقاً، بمعنى أنه رأى عالماً يعصي الله عز وجل، فهذه الرؤيا ما دام أن فيها رؤية عالم حليق، فهذا العالم المرئي في المنام بأنه حليق:

    - إما أن يكون واقعه كذلك في اليقظة.

    - أو أن يكون ليس كذلك.

    فحينئذٍ إن كان العالم الذي رؤي حليقاً ليس حليقاً في واقع حياته، فهذه رؤيا تبشر بشر، وتنذر به، وإن كان حليقاً في اليقظة وليس في المنام فهو عاصٍ، فلا تبشر الرؤيا بخير.

    وكلا الأمرين ما داما يلتقيان في رؤية إنسان يتلبس بمعصية، لكن رؤيا عن رؤيا تختلف، وإذا كانت الرؤيا تمثل حياة حقيقية، بمعنى أنه حليق دائماً فهي شر، وإن لم يكن كذلك؛ لكنه في المنام رُئي حليقاً فهي شر، فحينئذٍ ننصح في مثل هذه المناسبة بالأمر الآتي:

    أن يتأدب بآداب الرائي للمنام، فقد جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام: (إن مَن رأى رؤيا تسره فليحدِّث بها عالماً ناصحاً، وإن رأى رؤيا تحزنه -توقظه وظواهرها تدل على الشر- فلا يحدِّث بها أحداً، وليتفل عن يساره ثلاثاً، فإنها لن تضره)، هذا الذي يمكن أن يقال بمثل هذه المناسبة.

    وخلاصته: أن الرؤيا التي ظاهرها شر:

    أولاً: يتفل صحابها عن يساره ثلاثاً فإنها لن تضره.

    وثانياً: لا يقصها على أحد.

    الاعتداد بالرؤيا وتنزيلها على الواقع

    السؤال: هذا الأمر حصل من أكثر من ستة أشخاص، رأوا أكثر من أربعة علماء من علمائنا الذين نحسبهم -إن شاء الله- على خير، فهل هذا يعني أنه يكون فيه شر لذات العالم نفسه، أم لصاحب الرؤيا؟

    الجواب: أنا أجبت عن هذا -بارك الله فيك- أنه لا تعتدُّوا بالرؤى؛ لأن الرؤى ثلاث:

    فواحدة من الثلاث تكون رحمانية، ثم إن هذه التي تكون رحمانية -وأجيب عنها بناء على تكرارك للسؤال- تحتاج إلى تأويل، ولن تكون على ظاهرها، وهذه مشكلة أخرى، أن الذين يستطيعون أن يؤوِّلوا الرؤى عليهم أن يعلموا:

    أولاً: أنهم بحاجة إلى أن يَفْصِلوا هذه الرؤى عن القسمين الآخرَين.

    ثانياً: أن يحسنوا التأويل، مع أن تأويل المنامات ليس علماً، وإنما هو هبة من الله تبارك وتعالى.

    لذلك فأنا أقول عما شاهدتُه في غيري، ثم ما وقع لي بنفسي:

    علم تعبير الرؤيا

    لما كنت أطلب العلم التقليدي وهو المذهب الحنفي من بعض المشايخ، كنا نصلي الصبح ونقرأ درساً في الفقه الحنفي إلى الضحوة، وذات يوم أتت امرأة عجوز، فدخلت المسجد، وجلسَتْ بجانب الشيخ، فسارَّته بكلام لا نسمعه نحن لكن نسمع جواب الشيخ ونفهم أنها تقص عليه رؤيا، فسبحان الله! كان جواب الشيخ كأنه مثل ما يقال اليوم: (روتين)، أي: لا يتغير، كلما جاءت امرأة تسره بشيء نفهم أنها تقص عليه رؤيا، ويكون جواب الشيخ على وتيرة واحدة.

    بقي في ذهني الخلاصة التالية، وهي قوله: يبدو أن المرحوم بحاجة إلى صدقة، فتصدقي عنه، أو بحاجة إلى قراءة قرآن، فاقرئي عنه، ونحو هذا تكون الأجوبة.

    هذا ما شاهدته عن بعض المشايخ، وأنا نفسي كنت شغوفاً بالعلم منذ أن تخرجت من المدرسة الابتدائية، فقد سمعت بكتاب: تعطير الأنام في تفسير المنام، للشيخ عبد الغني النابلسي، في مجلدين، وعلى الهامش تفسير ابن سيرين، ومحمد بن سيرين رجل فاضل من كبار علماء التابعين والمكثرين من رواية الحديث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وكنتُ طالب علم متميزاً قليلاً عن الآخرين، فكل واحد من الإخوان إذا رأى رؤيا جاءني لأعبرها له -وأنا ما عندي علم فطري كما كان عليه ابن سيرين- فكنت أرجع إلى كتابه، أرجع إلى تعطير الأنام للنابلسي .

    فمثلاً: إذا رأى الرائي مطراً غزيراً نازلاً، فإني أرجع إلى كلمة مطر، وهنا يَتَيْهُ الإنسان من كثرة التفاصيل، فما يظهر لي شيء، وكثيراً ما تكرر معي هذا، فتركتُ الكتاب حتى عشش عليه العنكبوت، وما استفدتُ منه شيئاً.

    وفيما بعد لما تعمقت في العلم، وخاصة عندما تنوَّر قلبي بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، علمتُ أن هذا العلم ليس علماً يُكْتَسَب كأكثر العلوم، وإنما هو هبة من الله تبارك وتعالى.

    لذلك أقول: من رأى رؤيا فليضع في باله أنها واحدة من ثلاث، تُرَى أي الثلاث هي؟! لا يعرف.

    وعندما يريد أن يقصها فإني أقول: إذا كانت خيراً فليقصها على عالم ناصح كما ذكرنا، وإلا فلا يقصها على أحد؛ لأنها كما جاء في الحديث الصحيح: (الرؤيا على رِجْل طائرٍ، فإذا فُسِّرَت وَقَعَت) تشبيه خطير جداً، فلو رأى إنسانٌ رؤيا ظاهرها جيد، لكن المؤوِّلَ للمنام أوَّلَها وفسَّرها على نقيض ظاهرها، فستقع، وهذه سنة من سنن الله عز وجل الغيبية التي لا تدخل في السنن الكونية الطبيعية التي تخضع للمادة، فإذا فُسِّرَت وَقَعَت.

    لذلك لا ينبغي لإخواننا الحريصين على الانتفاع بالسنة إذا رأوا رؤيا، ولو كانت حسنةَ الظاهر، أن يقصوها إلا على عالم ناصح، وإذا كانت على العكس، فليستعذ بالله، ولا يقصها على أحد.

    أما إذا تكاثرت الرؤى بهذه الصورة، فهل يجوز أن يكون الشيطان كما يلعب بالناس في اليقظة يلعب بهم في المنام؟! نعم يجوز.

    فإذاً: لا نلقي بالاً لمثل هذه الرؤى إطلاقاً.

    علاقة الرؤيا بالغيب

    السؤال: هل الرؤيا الصالحة من الغيب؟

    الجواب: نعم. الرؤى غيب، وقال عليه السلام: (الرؤيا الصالحة جزءٌ من ست وثلاثين جزءاً من النبوة) أو كما قال عليه السلام، فهي غيبٌ.

    السائل: هل هناك أحدٌ يعلم بالغيب إلا مَن علَّمه الله سبحانه وتعالى من الأنبياء؟ وكما قلتَ أن العلماء يعلمون هذه الرؤيا هبةًَ!

    الجواب: أنا ما قلت يعلمون الغيب، ولكن نعم يعلمون كإلهام من الله عز وجل.

    نفس السائل: أي: يلهمهم ببعض الغيب؟

    الجواب: لا. هذا ليس غيباً -بارك الله فيك- وهذا سؤال -في الحقيقة- مهم جداً.

    لنعرف ما هو الفرق بين العلم بالغيب والفراسة التي يصيب بها أحياناً، وتتحدث بها بعض كتب السنة الصحيحة من جهة، ويغالي فيها الذين ينتمون إلى التصوف من جهة أخرى.

    أظنكم جميعاً تعلمون قوله عليه الصلاة والسلام: (لقد كان فيمن قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي، فـعمر ) ومعنى (محدَّثون) أي: مُلْهَمون، والإلْهام ليس هو الوحي لكنه يلتقي مع الوحي أحياناً من حيث اكتشاف ما سيقع ظناً وليس يقيناً، أي أن الذي أُلْهِم بشيء لا يستطيع أن يقول: إن هذا سيكون حتماً، إلا ما ندر جداً جداً، وهو يعترف بأنه ليس معصوماً، أما الوحي فهو يقطع به كما هو حي تماماً، يقطع بأن هذا الذي أوحاه الله إليه هو من وحي السماء، لا يدخله شك ولا لبس ولا ريب.

    فالآن: (لقد كان فيمن قبلكم محدَّثون، فإن يكن في أمتي فـعمر ) ما معنى محدَّثون؟

    أي: مُلْهَمون، فما هو الإلهام؟

    أنتم تعرفون أن عمر بن الخطاب تحدث بأمور نزل القـرآن على وفق ما تحدث به، كقوله للرسول عليه الصلاة والسلام: [لو حجبتَ نساءك!] فأنزل الله آية الحجاب.

    وقوله : [لو اتخذنا من مقام إبراهيم مُصَلَّىً!] ... إلى آخر ما قال.

    فمن هذا القبيل: ما رواه الإمام مالك في الموطأ بالسند الصحيح عن أبي بكر الصديق، أنه قال لابنته عائشة في أرض تتعلق بإرث أولاد أبي بكر رضي الله عنه قال -فيما أذكر الآن-: [إن هذه لأختك -والأخت كانت لا تزال جنيناً في بطن زوج أبي بكر الصديق - قالت: وأين أختي؟ قال: هي التي في بطن فلانة]، وفعلاً رُزِقَت زوجته بنتاً، فكانت عائشة ترث مع أختها تلك الأرض بوصية من أبي بكر الصديق في هذا الإلهام.

    وهذه القصة في الموطأ وبالسند الصحيح الذي لا إشكال فيه؛ لأنه في الموطأ توجد روايات مقطوعات وبلاغات كثيرٌ منها لا يصح، وإن كانت موصولة بعضها في كتبٍ أخرى، أما هذه القصة فهي صحيحة.

    فإذا عرفنا هذه الحقيقة، وهي: الفرق بين الوحي وبين الإلهام، يمكننا أن ندخل في صلب الإجابة.

    إذا كان هناك رجل عالم مثل ابن سيرين فسر الرؤيا التي قصها عليه قاصٌ ما أو راءٍ ما، فهو لا يستطيع أن يقول: إنها ستكون كذلك.

    إذاً: فهذا ليس من باب الاطلاع على الغيب إطلاقاً، وإنما هو الظن، والظن قد يصيب وقد يخطئ، وهذا يقع من العلماء في مناسبات كثيرة وكثيرة جداً، حتى إن بعض مشايخ الطرق يستغلون هذه الوقائع ويوهمون الناس أنها كشوفات، وأنهم يطلعون على ما في صدور الناس، والحقيقة أنها ليست شيئاً من ذلك، وإنما هي الفراسة.

    وسأقص بعض ما وقع لي أنا شخصياً مع كشف السر؛ لكي لا تُغَشُّوا بما قد تسمعون من بعض الناس.

    إذا تبين أن ابن سيرين وأمثاله هم ممن قد وُهِبوا علم تأويل الرؤيا، فذلك ليس من باب الاطلاع على الغيب؛ لأنه لا يعلم الغيب إلا الله بنص القرآن الكريم، ثم كما قال في القرآن الكريم أيضاً: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:26-27]، فالغيب هو الأمر الذي يقطع به الرسول صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل قد أوحى به إليه.

    أما العالم ذو الفراسة أو مفسر المنام، فهذا لم يطَّلع على الغيب، فقد يصيب وقد يخطئ.

    بين الفراسة والمكاشفة

    فأنا أقص لكم بعض القصص التي وقعت لي، وهي قبل كل شيء لا تدل على صلاح، ولا تدل على طلاح، وإنما تدل على أن هذا المسئول عنده شيء من العلم، وعنده شيء من اليقظة، فأصاب الهدف، فلو أراد أن يغش هؤلاء الناس سيقول لهم: هذه كشوفات وأنتم تنكرونها.

    أنا أذكر جيداً أنني كنت في دكاني أصلح الساعات، فدخل عليَّ أحد إخواننا الفلسطينيين الذين كانوا قد فروا من ظلم اليهود إلى دمشق، وتعرفوا على الدعوة السلفية -والحمد لله-، حيث جاءني ومعه رجل فلاح، وأنا أعلم مسبقاً -وهنا يبدأ موضوع الفراسة- أن هذا أستاذ في بعض القرى التي حول بلدة حمص هناك في الطريق إلى حلب، وأراني ساعة اسمها الأجنبي: (ردكو)، وقال: انظر هذه الساعة، إنها تقف، ونريد أن نصلحها لأخينا هذا، ففهمت أن أخاه هذا من تلك القرية، فرأساً قلت له: إنه اشتراها من هنا من دمشق، من المحل الفلاني؟ قال: نعم.

    ولم يهتم بهذا لكني لفتُّ نظره لأنه سلفي معنا، فقلت: إذا كنتم تنكرون الكشف فهذا كشف، وأنا عرفت أن هذه الساعة التي هي لرجل ساكن في قرية بعيدة عن دمشق نحو مائة وخمسين أو مائتي كيلو متراً، وقريبة من حمص، قد اشتراها صاحبها من دمشق، فأصبتُ.

    هذه فراسة؛ لأنني ربطت بين هذه الماركة التي لا يُعرف تاجرها إلا في دمشق، والذي يريد أن يشتريها لا بد أن يأتي إلى هنا؛ لأنها ليست موجودة في بلادٍ أخرى، فأصبتُ الهدف تماماً، فلَفَتُّ نظره إلى هذه النكتة، وقلت: هذا كشف، وأنتم تنكرون الكشف.

    وفي نفس الوقت حصلت نكتة أبلغ من هذه بكثير: دخل عليَّ طالب علم قوي فيما يسمى بعلوم الآلة في النحو والصرف، ... إلخ، فقال: يا شيخ! -بعدما سلَّم طبعاً- آية أشكل عليَّ مرجع الضمير فيها.

    فقلت له: لعلك انظروا! قلتُ: لعلَّ، ما قلت له: هي كذا؛ لأنني أحتاط، قلت لعلك تعني قوله تعالى: فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا [الأعراف:190] !

    قال: والله هي هذه.

    ورجعتُ وقلتُ له: أما زلتم تنكرون الكشف؟! فهذا كشف.

    ماذا صار معي أنا؟!

    صار معي -إذا صحَّ التعبير- (كمبيوتر إلهي)، فرجل طالب علم أقوى مني في علوم الآلة أَشْكَلَ عليه الضمير في آيه إلى أين يرجع؟! فعلى حدود ما علمت استحضرتُ الآية، وقلت له: لعلها هي! فقال: هي هي.

    فإذاً: هذا ليس كشفاً، بل هو عبارة عن فراسة، وعن مقدمات تقوم في نفس المتفرس، فيصيب الهدف أحياناً، يُخطئ أحياناً، كذلك المفسِّر أو المؤوِّل للرؤى، قد يصيب أحياناً، وقد يخطئ أحياناً، فهذا ليس له أي علاقة إطلاقاً بقضية اطِّلاعه على الغيب.

    هذا جواب ما سألتَه.

    مداخلة: أعرف من هذا النوع طالباً كان في الجامعة الإسلامية إبَّان كنتُ هناك، وكان هذا الطالب له تفرس صادق جداً، وأظن أن الحديث يشمله: (إن المؤمن يَعْرِف بالتوسم)، فكان هذا الطالب وهو من الهند، يقول لي: أنا صرت أدعو الله عز وجل أن يباعد بيني وبين الفراسة، -أي: أن يخفي عني هذه الفراسة-.

    فقلت له: لماذا؟

    قال: كنتُ إذا سرت في الشارع ونظرتُ في وجوه الناس عرفتُ أن هذا الإنسان قد يكون من وطء الحرام، إلى هذا الحد!

    قال: وكنتُ إذا سألتُ وأنتهي نهاية المطاف إلى نتيجة أعرف بها أنني أصبت في فراستي.

    ومن هذا ما جاء في السنة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام -وكان هذا أمراً معروفاً- أنه عندما مر بـزيد بن حارثة وابنه أسامة وكانا مختلفين في اللون فقال: (أشهد أن هاتين القدمين من هاتين القدمين) أو معنى الحديث.

    فالفراسة تتعلق بالأشياء المرئية، وتتعلق بالأشياء غير المرئية، وهذا علمٌ موهوبٌ، وليس علماً يلتمس في صحائف الكتب.

    1.   

    فقه حديث: (لاتزال طائفة من أمتي يقاتلون..)

    السؤال: ما فقه الحديث: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم، يقاتل آخرهم الدجال

    الجواب: الحديث ليس المقصود منه استمرارية الطائفة المنصورة في مباشرة القتال الذي هو القتال المادي؛ لأن هذا إنما يتعلق بهذا الزمن الطويل من بعد قوله عليه الصلاة والسلام لهذا الحديث الصحيح، وإنما المقصود به أن هذا القتال لا ينقطع عن هذه الطائفة المنصورة بالمرة، بحيث أنهم يبقون مغلوبين على أمرهم، فلا يستطيعون أن يقاتلوا مَن عاداهم لكن هذا الاستمرار لا ينفي أن يكون هناك انقطاع ما بين زمنٍ وزمن، هذا تماماً مثل الذي يخطر في بالي، وهو قوله عليه السلام: (إذا وضع السيف في أمتي فلا يرفع عنهم حتى تقوم الساعة) فلا يعني أن السيف ماضٍ مثل اللحَّام الذي يضع اللحم ويظل يقطع فيها خمس دقائق أو ربع ساعة فقط؛ بل معناه: لا ينقطع، ويمشي في زمن الفتنة كناية عن الفتنة والقتل الذي يقع بينهم، فهو يستمر لكن هذا لا يعني أنه لا ينقطع بسبب أن الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (أمتي كالمطر، لا يُدْرَى الخير في أوله أم في آخره).

    خلاصة الجواب: أن القتال المذكور في الحديث إذا فُسِّر بالقتال المادي، فلا يعني أنَّهم يستمرون في القتال في كل لحظة من لحظات الحياة، وإنما المراد بالقتال منهم للكفار بأنه لا ينقطع إلى يوم القيامة، أي: يستمر، ولا يؤثر في ذلك حال التقطع ما بين قتال وقتال.

    وإذا كان المقصود بالقتال هو القتال المعنوي، وهو الحجة، فهذه -والحمد لله- مستمرة دائماً وأبداً حتى تقوم الساعة.

    1.   

    من فقه حديث: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب..)

    السؤال: ما فقه حديث: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب، قيل: يا أبا هريرة ! كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولاً

    الجواب: هذا الحديث واضح جداً، ولا أدري ما هو السبب في السؤال عن هذا الأمر الواضح!

    النبي صلى الله عليه وآله سلم ينهى عن الانغماس في الماء الراكد إذا كان الإنسان جنباً، ولكنه يأمر بأن يغترف منه اغترافاً، فالأمر واضح جداً أن الانغماس يعرِّض هذا الماء الراكد لأحد شيئين ولا بد منهما:

    - إما للنجاسة.

    - وإما للقذارة.

    فإذاً: في سبيل المحافظة على طهارة الماء أو -على الأقل- على نقاوة الماء، النقاوة التي تلازمها الطهارة، فقد يكون الماء طاهراً لكنه قذر، حيث أن هذا الذي ينغمس في الماء إما أن يلوثه، وإما أن ينجسه، ففي سبيل المحافظة على ذلك كان من تأديب الرسول عليه السلام لأمته أن ينهى هذا أن ينغمس في الماء، فيأمره أن يغترف منه اغترافاً كما بيَّن ذلك راوي الحديث، وهو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه.

    وبعد هذا البيان أريد أن ألفت النظر إلى أمرٍ نحن بحاجة إلى أن نلاحظه حينما ندرس السنة، وهو أن قول هذا الصحابي هنا يُشْبِه تماماً -في رأيي- قول صحابي آخر:

    فهنا سئل أبو هريرة، وهو راوي الحديث: ماذا يفعل هذا الذي نُهي أن ينغمس في الماء؟

    قال: يغترف اغترافاً.

    فهنا نقول: الراوي أدرى بِمَرْوِيِّهِ من غيره.

    هنا نستفيد هذه الفائدة ونقعِّد هذه القاعدة في هذا الحديث، فنقول: راوي الحديث هذا ما دام أنه أجاب عن السؤال حينما رَوَى الحديث بقوله: (يغترف اغترافاً) فيكون هو أدرى بمعنى الحديث ممن قد يأتي بعده، ويتأوله بتأويلٍ آخر.

    فهذا يشبه تماماً جواب صحابي آخر، وأعني به أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، حينما روى: (أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يشرب الرجل وهو قائم، فسأل سائل: فالأكلُ؟ قال: شرٌّ) فليس في الحديث حكم الأكل قائماً، وإنما في الحديث حكم الشرب قائماً، فهو روى عن الرسول عليه السلام أنه نهى عن الشرب قائماً، فحينما سُئِل عن الأكل قائماً، أجاب بقوله: هو شرٌّ، أي: من الشرب قائماً.

    فحينئذٍ هذا الجواب يجب أن نتبناه؛ لأنه أعلم بِمَرْوِيِّهِ من غيره، وهذا بلا شك مقيد فيما إذا لم يكن هناك نصٌّ من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ينافي جواب هذا الصحابي أو ذاك.

    بهذا ينتهي الجواب عن هذين الحديثين، وينتهي المجلس.

    سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.