إسلام ويب

وسائل الثبات على دين الله [1،2]للشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الثبات على دين الله موضوع مهم وخطير؛ وذلك لأنه متعلق بحسن الخاتمة، ومتعلق بالقلوب التي هي الأساس، ولأنه منَّة يمتن الله بها على من يشاء من عباده، ولكثرة الفتن والمغريات السائدة في عصرنا الحاضر كان المسلم بحاجة إلى ما يثبته على دين الله والاستقامة عليه، ومن أعظم ما يثبت العبد في هذه الدنيا الوسائل المستقاة من كتاب الله وسنة رسوله، وكلام أهل العلم: كتلاوة القرآن وتطبيقه، ولزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتدبر قصص الأنبياء والمرسلين وغير ذلك من الوسائل.

    1.   

    أسباب التذبذب في دين الله وعدم الثبات

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الإخوة في الله: إن ظاهرة التذبذب وعدم الثبات والاستقرار عند حد معين من الالتزام بالدين، والبقاء في صعود وهبوط، وفي ارتفاع وانخفاض، وفي مد وجزر، ظاهرةٌ ملاحَظَةٌ في هذا الزمان، إذْ نرى البعض من الناس يهتدي وتُلاحَظ عليه علامات الهداية من حرصه على الفرائض، وتمسكه بالسنة، وابتعاده عن قرناء السوء، وعن مقارفة الآثام، ثم ما يلبث أن تمر عليه فترة طالت أو قصُرت حتى يبرد في إيمانه، وينهزم في استقامته، ويعود إلى ما كان عليه، بل يعود بعضهم إلى أسوأ مما كان عليه.

    هذه الظاهرة هي ظاهرة مَرَضية، وهي خطيرة جداً، ينبغي للإنسان أن يحذرها، وأن يتجنب الوقوع فيها لعدة أسباب:

    تعلق ظاهرة التذبذب بحسن الخاتمة

    السبب الأول: أنها متعلقة بحسن الخاتمة:

    فإن الإنسان لا يدري متى يموت، وقد يهتدي ويلتزم ثم ينهزم، فيموت في ساعة الانهزام، قد يعيش طول حياته متمسكاً بطاعة الله، ثم في لحظة من لحظات السيطرة النفسية والغلبة الشيطانية يرجع -والعياذ بالله- فتأتيه مَنِيَّته في هذه اللحظة فيُخْتم له بسوء الخاتمة فيخسر دنياه وآخرته، وهذه خطيرة جداً، إذ أن حسن الخاتمة عليه المعوَّل في استقامتك -أيها الإنسان- وكان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقول: (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة).

    وهذا معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يُفْهَم عند كثير من الجهلة -الذين يصطادون في الماء العكر- فهماً مغلوطاً، الحديث الصحيح يقول فيه عليه الصلاة والسلام: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذارع، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) وفي روايات كثيرة: (فيسبق عليه الكتاب) وفي رواية: (فيما يظهر للناس) وفيه عدة روايات، لكن هذا مضمون الحديث.

    هذا الحديث فيه حث وتحفيز شديد من النبي صلى الله عليه وسلم لمن يعمل بعمل أهل الجنة أن يتمسك، وأن يثبت عليه حتى يموت، إذ ربما تركه وعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، ولا ينتفع بما عمل من عمل صالح طول حياته.

    وفيه حث لمن يعمل بعمل أهل النار، أن يسارع في التوبة والرجوع إلى الله عز وجل؛ إذْ ربما يتوب هذه اللحظة ويرجع إلى الله في هذه الساعة، فيموت بعد أن عمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنة.

    هذا هو المفهوم الصحيح لهذا الحديث.

    وليس مفهومه كما يود المنهزمون أن يبقوا عبيداً لشهواتهم، منهزمين أمام نزواتهم، يلبُّون رغباتهم، ويتركون طاعة الله ويقولون: ربَّما أنا أعمل بعمل أهل النار حتى ما يبقى بيني وبينها إلا ذراع وبعد ذلك أدخل الجنة. لا. هذا كلام فارغ، حسن الخاتمة أمر هام، وقضية الثبات متعلقة بحسن الخاتمة.

    تعلق ظاهرة التذبذب بالقلوب التي هي ميدان السباق

    السبب الثاني: أن ميدان الثبات وحَلَبة السباق فيه: القلوب: والقلوب أمرها بيد الله، وهي حساسة وكثيرة التأثُّر، وسريعة التغيُّر، بحسب العوامل والمؤثرات التي ترد عليها.

    وما سُمِّي الإنسـانُ إلا لنسيهِ     ولا القلبُ إلا أنه يتقلبُ

    فالقلب ينتابه حالات كثيرة جداً من التغيرات، فالإنسان الميدان الحقيقي وحَلَبة الصراع هي داخل قلبه وليس شيئاً مادياً ينفقه.

    فلو كانت القضية معلقة بالعين لكان في إمكان الإنسان أن يغمضها، أو في اليد لكان في إمكانه أن يكفها، أو في الأذن لكان في إمكانه أن يحفظها، أو في الرِّجل، أو في أي جارحة، لكن القضية في القلب، والقلب كيف تدخل عليه؟ صعب، فالقضية معلقة بالقلب؛ ولصعوبة الأمر ولأن الجوارح كلها تنطلق بتصرفاتها من توجيهات القلب -إما بالإيجاب أو بالسلب وإما بالخير أو بالشر- كان من الضروريات أن تحرص باستمرار على ثبات قلبك على دين الله.

    فمتى ثبت القلب على الدين ثبتت كل الجوارح، ومتى انصرف القلب وزاغ عن الدين انصرفت كل الجوارح؛ لأنها تابعة له وهو الموجه والمسيِّر لها، إما بالحسن أو بالسيئ.

    كثرة الثقافات والأفكار الغربية الهدامة

    السبب الثالث: أننا نعيش في زمن زالت فيه الحواجز بين الأمم وبين الشعوب واختلطت الثقافات، وأصبح العالم مكشوفاً كأنه في غرفة أو في شاشة، يستطيع الإنسان وهو في غرفته وعلى سرير نومه أن يجول ويصول حول العالم، إما بمؤشر راديو، أو بقناة تلفاز، أو بأزرار وأرقام هاتف، أو بقراءة مجلة، أو باستعراض جريدة وأخبار، المهم أن الثقافات والأفكار التي تدور والتي تنتشر في العالم كله ما أصبحت حكراً على أصحابها، بل متداولة في العالم كله، تجد الإنسان يستمع إلى إذاعة القرآن، فيسمع برنامجاً إسلامياً يثبِّت العقيدة ويقوي الدين في قلبه، وبإمكانه أن يغيره فيجد إذاعة كافرة، إما إذاعة موسكو، أو لندن، أو صوت أمريكا تدعو إلى الكفر والضلال؛ فأصبح الإنسان الآن بين مؤثرات متعددة متناقضة ومتضاربة ومتصارعة، مما يجعل مهمة الثبات عنده صعبة جداً.

    كان الناس في الماضي الأثر فقط للأم والأب، وللإمام في المسجد، والمدرس في المدرسة، والزميل في الشارع، بل بعضهم يحيا ويموت وهو لا يعرف القرية المجاورة له، يخبرني كثير من كبار السن يقولون: والله إن الأوائل لا يعرفون خميس مشيط ، يعيشون في أبها وفي قرى الحجاز أو الشعوف ويموتون وهم ما انتقلوا إلى خميس مشيط أو إلى أبها ! لماذا؟

    ليست هناك حاجة، لا وظيفة يتبعها، ولا سوق يذهب إليه، وإنما مع غنمه وأبقاره وفلاحته وأولاده بمزرعته في الليل والنهار حتى يموت.

    لكن الآن أصبحت الحياة كلها مُتَغَيِّرٌ وجهها، وأصبح الإنسان ترد عليه كل أفكار الأرض، مما يجعل الثبات على دين الله عنده من أصعب المهمات وأشق المشاق، وهذا تحقيقٌ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يأتي على الناس زمان -أي: في آخر الزمان- يصبح الرجل من أمتي مؤمناً، ويمسي كافراً، ويصبح كافراً، ويمسي مؤمناً) أي: يسهل عملية تغيير العقائد؛ لأن العقائد ليست ملابس تغيرها، وليست بدلة، ولا زِي، وإنما العقيدة شيء تعقِّد القلب عليه، ولا يمكن أن تبدله، ولكن مع المؤثرات القوية والخلخلة الإيمانية التي تحصل في قلوب الناس يحصل التساهل؛ حتى ينقلب المسلم كافراً، والكافر مسلماً بجلسة واحدة.

    ولذا كثير من دعاة الضلال يجلس مع بعض المؤمنين جلسة واحدة، يهزه هزاً، وينـزل وهو يقول: والله غسلت مُخَّه، يعني: غسل مُخَّه من الإيمان. تراه في اليوم الثاني لا يصلي رغم أنه كان في الصف الأول! والثاني ينطلق إلى الشهوات! وفي اليوم التالي يعُبُّ من النزوات، لماذا؟!

    غَسَلَ مُخُّه بكلمة أو بفكرة أو بنظرية أو بشبهة أو بشهوة يوردها على قلبه، فيتخلخل إيمانه ويسقط والعياذ بالله.

    الثبات على دين الله نعمة يَمُنُّ الله عز وجل بها على من يشاء من عباده، امتَنَّ الله بها على رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً [الإسراء:74-75].

    لمن يوجه هذا الكلام؟ هذا الكلام يوجه لسيد البشرية، والذي أرسله ليثبت الأمة، يقول الله له: لولا أنك مُثَبَّتٌ من الله لقد كِدْتَ تركن -شارفت على الركون والميل إليهم- شيئاً قليلاً، وإذا فعلت الشيء هذا من الركون والميل إليهم فالعذاب عليك، ليس العذاب على غيرك، إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً [الإسراء:75].

    وذكر الله عز وجل في كتابه العزيز، أنه يثبت طائفة من الناس؛ لأن المثبِّت هو الله -لا تظنن أنك أنت الذي تُثَبِّتُ نفسك، فإنه المثبت على الدين- ولأن الهادي هو الله، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وإذا هدى أيضاً يثبت أو يضل، لكن له سنن في الكون تبارك وتعالى، أنه يثبت طائفة استحقوا التثبيت بمبادرات من عندهم، ويضل طائفة استحقوا الإضلال بمبادرات من عند أنفسهم؛ لأن إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النساء:40].

    1.   

    أقسام الظلم

    يقول الله في سورة إبراهيم: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا [إبراهيم:27] هذه المبادرة والإيمان تأتي من العبد، فهو الذي يؤمن ويخضع لمولاه، وهو الذي يعمل الصالحات، فعندما يحصل منه الإيمان والإقبال على الله والتصديق والجزم بقضايا الإيمان يحصل من الله له التثبيت، يقول الله تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم:27] القول الثابت هو: الإيمان القوي: فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [إبراهيم:27] يعني: في الدنيا على دين الله: وَفِي الْآخِرَةِ [إبراهيم:27] يعني: عند الموت، وفي القبر، وفي عرصات القيامة حتى يدخل الجنة، هؤلاء ثبتهم الله لَمَّا آمنوا، والآخَرين قال عنهم: ويضل الله الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] فالإضلال حصل على طائفة معينة من البشر اسمهم: الظالمون، والظلم هو: وضع الشيء في غير موضعه، هذا هو الظلم. والعدل هو: وضع الشيء في موضعه، إذا وُضِع الشيء في موضعه قالوا: والله عدل وحق، وإذا وُضِع الشيء في غير موضعه يصير ظلماً.

    فالظالم هو: الذي يضع الشيء في غير موضعه، ولما ظلموا أُضِلُّوا.

    قد يتصور بعض الناس أن الظلم فقط هو ظلم الناس الآخرين، لا. هو هذا وغيره.

    فالظلم ثلاثة أقسام:

    1/ ظلم العبد لنفسه.

    2/ وظلم العبد لغيره.

    3/ وظلم العبد لربه.

    ظلم العبد لنفسه

    فظلم العبد لنفسه: أن يوردها موارد الهَلَكَة:

    لا يأخذها بالكمال، وإنما يذهب بها -والعياذ بالله- إلى مواطن الزيغ والضلال من الانحرافات، والمعاصي، والذنوب، والزنا، والخمور، واللواط، وقطع الصلاة، وإتيان المعاصي والمنكرات، هذا ظالم؛ لأن الله يقول: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1] لأن الله حد حدوداً، فهناك حدود للنظر: محصورة في الحلال، وفي التأمل في ملكوت السماوات والأرض، وحدود للأذن: فيُسْمَع شيء معين، وحدود لليد: فيُبْطَش بها شيء معين، وحدود للرِّجل: فيُمْشَي بها في شيء معين، وحدود للفرج: فيَقَع في شيء معين، وحدود للبطن: فيُؤْكَل شيء معين، وحدود للزواج: فيتْرَك الزنا، وحدود للطيبات من عسل وغيره، فتُتْرَك الخمور والخبائث، فهذه هي الحدود (وحد الله حدوداً، فلا تنتهكوها).

    ليس هناك شيء إلا وقد جعل الله له حداً، فمن يتعدَّ حدود الله فقد تجاوز هذه الحدود. مثل أنظمة المرور في الشوارع العامة لها حدود، تجد إضاءات في الإشارة صفراء وحمراء وخضراء، الضوء الأحمر يعني: قِفْ، الضوء الأصفر يعني: هدئ السرعة، الضوء الأخضر يعني: تفضل. هذه حدودٌ أم لا؟! لا أحَدَ يأتي ويتعدى الحدود، فعندما يراها حمراء يمشي، هذا ماذا فعل؟ ظَلَم النظام، وظُلْم النظام يترتب عليه عقوبة، بأن جندي المرور يلاحقه، ويأخذ رقمه، ويجازيه؛ لأنه اعتدى على الحق العام بقطع نظام المرور، وتعريض حياة الناس للخطر، وإذا لم توجد إشارات والناس هكذا يتسابقون فستصبح فوضى، وتكون الحياة فيها للأشجع، ولذا إذا لم توجد إشارة ترى الخائف واقفاً طوال يومه، لكن عندما يكون هناك نظام فإن الشجاع والجبان كلاهما وقوفان حتى تأتي الإشارة الخضراء ويمشيان.

    فالله حد نُظُماً في هذا الكون، ضوء أحمر، وضوء أخضر، وضوء أصفر يعني: قِفْ، لا تقرب من هذا الشيء، هذه النظم هي حرمات الله تبارك وتعالى، فالمؤمن وقَّاف عندها، يخاف من العقوبة، ومن القسيمة الأخروية في النار، وأما المنافق والكذاب والكافر فإنه لا يقف عند حدود الله، بل يقف إلى حد الزنا ويتخطاه، رغم أنه مؤشر أحمر: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى [الإسراء:32] لأن (لا) هذه ناهية، و(اعمل) علامة الأمر، والقرآن بين (لا) وبين (اعمل) وبين خبر من الله تبارك وتعالى، فموقفك من (لا) الابتعاد، وموقفك من (اعمل) الامتثال، وموقفك من الخبر التصديق، لا يوجد في القرآن إلا ثلاثة أشياء:

    إما أوامر، أو نواهٍ، أو أخبار.

    وأنت عليك التصديق بخبر الله، والامتثال لأمر الله، والابتعاد عن نهي الله تبارك وتعالى، فهنا المؤمن وقاف عند حدود الله عز وجل، ولا يتجاوزها إلى شيء مما حرم الله تبارك وتعالى.

    فظلم العبد لنفسه أن يتعدى حدود الله.

    ظلم العبد لغيره

    وظلم العبد لغيره: أن يعتدي على شيء معصوم للمسلم بدين الله: (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا) هذا قاله النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، يوم عرفة، كان يخاطب الناس ويقول: (اللهم فاشهد، اللهم فاشهد، ألا هل بلغت؟!) فدم المسلم وماله وعرضه معصوم، وهل في الدنيا غير دمه، وماله، وعرضه؟! لا شيء لك في الدنيا إلا هذه الأشياء الثلاثة.

    فلا يجوز لك -أيها المسلم- أن تعتدي على شيء من هذا بغير حق، وإذا اعتديت فقد ظلمت، وديوان الظلم بين العبد وبين أخيه المسلم ديوان حساس لا يتجاوز الله عنه بشيء؛ لأن حقوق العباد قائمة على المشاحَّة، وحقوق الرب قائمة على المسامحة.

    ظلم العبد لربه

    والثالث: ظلم العبد لربه وهو أن يشرك به؛ لأن حقُّ الله على العبد أن يوحده، وألا يعبد معه غيره؛ لأن الله هو المستحق للعبادة وهو الخـالق وحده: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [الأعراف:54] فكما أنه الخالق لوحده فإنه المعبود لوحده، فإذا عبدتَ معه غيره فقد ظلمته، ولهذا قال لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13] فالله يضل الظالمين؛ لأنهم ظلموا أنفسهم، أو ظلموا غيرهم، أو أشركوا بربهم؛ فيحصل لهم الإضلال بناء على المبادرات السيئة منهم بارتكاب الظلم، وهؤلاء يحصل لهم التسديد بناء على المبادرات الإيجابية الحسنة منهم بالإيمان والعمل الصالح.

    1.   

    من وسائل الثبات على دين الله: تلاوة القرآن الكريم والعمل به

    وقد يقول قائل: ما هي وسائل التثبيت؟ أريد أن أثبت على الدين ما دام أن مسألة الثبات بهذا القدر من الأهمية يترتب عليها حسن الخاتمة؛ وهي نعمة يمن الله بها على من يشاء من عباده. إذاً كيف أثبت؟ ما هي وسيلة الثبات على دين الله؟!

    أريد من الإخوة الشباب حفظهم الله وبارك فيهم، أن يأخذوا هذه الوسائل مأخذ المنهج الذي يسيرون عليه في حياتهم، لا نريد من المواعظ والخطب والمحاضرات والدروس أن تكون فقط للاستهلاك، يعني: نصبح مُدْمِنِي مواعظ، يدخل الشخص إلى الموعظة، ويجلس يتابع الألفاظ، والاستشهادات والآيات والأحاديث، ثم يخرج مثلما دخل، لا تغير الموعظة في حياته شيئاً، هذا لا ينفع أبداً بأي حال من الأحوال، وبعد ذلك -وهذا من أخطر الأشياء على الإنسان- يصبح همه فقط السماع، والنقد، ويخرج لا يتغير ولا يتأثر بأي شيء، وهذا صعب، لماذا؟ لأنه يصبح مدمن مواعظ، لا يستطيع أن يعيش إلا إذا سمع موعظة؛ لكن ما الذي تغيَّر منه؟ ما استفاد من الموعظة شيئاً، فنريد سماعاً وتطبيقاً.

    فسأذكر اثنتي عشرة وسيلة من وسائل ثبات القلب على دين الله عز وجل:

    أول وسيلة وأعظم وسيلة للثبات على دين الله -وهي وسيلة ممكنة وسهلة وميسرة- هي: تلاوة كتاب الله عز وجل:

    تلاوة القرآن العظيم الذي أنزله الله نوراً وهدىً للعالمين من أعظم وسائل التثبيت، لِمَ؟

    القرآن الكريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه

    أولاً: لأنه لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ [فصلت:42] وما دام أن الباطل لا يَرِد عليك أثناء قراءتك للقرآن الكريم، فأنت بالتلاوة محفوظ ومحصَّن: لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت:42].

    تلاوة القرآن الكريم أعظم وسائل الثبات على دين الله

    ثانياً: أن الله نص في القرآن على أن أعظم وسيلة للتثبيت هي تلاوة القرآن، فقال تبارك وتعالى في سورة الفرقان: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً [الفرقان:32] قال الله: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ [الفرقان:32] نثبت بهذا القرآن قلبك، نثبت إيمانك ودينك في قلبك: كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان:32] ثم قال: وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ [الفرقان:33] يعني: بالقرآن وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً [الفرقان:33].

    ما من شبهة ولا باطل ولا زيغ ولا انحراف إلا وقد جاء التفسير والدحض والتكذيب والرد له في كتاب الله تبارك وتعالى، حججهم كلها باهتة وداحضة ومردودة بأنوار القرآن؛ لأنه نور، وهؤلاء الذين يوردون هذه الشبهات أو هذه الضلالات كمن يريد أن يطفئ نور الشمس بفمه، ولهذا يقول الله عز وجل: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ [الصف:8] بماذا؟! بِأَفْوَاهِهِمْ [الصف:8] والتعبير (بأفواههم) فيه مزيد من التهكم، والسخرية، والاستصغار، والاستهزاء بهم، فإن الذي يطفئ نور الشمس بفمه هل يستطيع؟ لا يستطيع، لو أراد أن يطفئ نور الشمس بكل ما في الأرض من وسائل وليس بفمه فقط لا يستطيع، فكيف وهو يريد أن يطفئ بوسيلة إطفاء بسيطة لا تستطيع أن تطفئ شمعة على بُعْد مترين؟!

    الآن لو أن شمعة بسيطة على بعد مترين تريد أن تنفخها من هنا، هل ستطفئها وهي هناك؟! لا تنطفئ؛ لأنها بعيدة، وإذا قربت منها على بعد متر، وقمت لتنفخ فلن تستطيع، إلا إذا قربت منها على بُعد [10] سنتيمترات ونفختها ربما تنطفئ، وهي شمعة، فكيف بنور الله تبارك وتعالى الذي أنار به العالمين وهو القرآن الكريم!! يقول الله عز وجل: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة:15].

    ويقول: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى:52-53].

    فالقرآن نور، وأيضاً مثبت؛ لأنه لا يأتيه الباطل.

    وبالاستقراء -أيها الإخوة- وبالمشاهَدة في حياة الناس ما علمنا والله أن رجلاً اعتصم بكتاب الله، وداوم على تلاوته ولاذَ بِجَناب الله عن طريق التقرب إلى الله بالقرآن، أنه ضل أو انحرف.

    وبالاستقراء أيضاً علمنا ولَمَسنا وشاهدنا كثيراً ممن كان قد اهتدى، ما إن أعرض عن القرآن وهجره ونسيه حتى أضله الله، ولو أنه بقي معتصماً بكتاب الله مستمسكاً به لحفظه الله وثبَّته؛ لأن الله يقول: فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ [الزخرف:43] و(استمسك) فعل سداسي ما قال: (امسك) من الرباعي، لا والله، ما أرسل الله رسولاً إلا وأمَرَه بدعوة الناس إلى توحيد الله تبارك وتعالى، فالقرآن هو خير وسيلة للثبات على دين الله، ومن رحمة الله تبارك وتعالى أن دلنا على هذه الوسيلة العظيمة وهي من أيسر الوسائل، فالقرآن الكريم يقول الله تعالى فيه: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر:21] لو خوطبت الجبالُ الرواسي الشُّمُّ بالقرآن، لخشعت وتصدعت، لكن الله خاطبنا بالقرآن ويسَّره لنا، حتى أننا أصبحنا نقرؤه وهو كلام المولى تبارك وتعالى، يقول الله فيه: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17]؟! هل من معتبر؟! هل من مقدر لهذه النعمة؟!

    أي شيء أعظم -يا أخي المسلم- من أن يجعل الله عز وجل كلامه يجري على لسانك، فتتكلم بكلام الله أي تكريم أعظم من هذا التكريم؟!

    لا إله إلا الله! والله ما بعده تكريم، أن يُنـزل الله عليك كلاماً من كلامه، تتحدث به أنت بلسانك، فهذه إمكانية سهلة ويسيرة، ونتائجها عظيمة من أن الله يثبتك.

    لكن يوم أن تعرض عن الله وعن كلامه، ولا تريد أن تقرأ كلام الله، فهذا دليل على عدم محبتك لله عز وجل؛ لأن من أحب شيئاً أكثر من ذكره، فهذه خير وسيلة.

    القرآن الكريم شفاء ودواء للقلوب

    ثالثاً: ولأن القرآن شفاء ودواء للقلوب، فالقلوب حرجة، وحساسة، وخطيرة، ولا علاج لها غيره، فليس لها حبوب تشربها، أو إبرة تعطيها، أو شراب، أو عمليات تفتحها، ونعني بالقلوب: القلوب الإيمانية، الواعية، الفاهمة، لا القلوب المادية، القلب المادي هو: عبارة عن عضلة تضخ الدم في العروق وتوصله إلى الرئة وترجعه لكي تكرره، هذا معك، ومع الحمار قلب مثله، ومع الثور مثل الدلو، أنا رأيت قلب ثور مثل الدلو، ومع ذلك لا يفهم، ورغم أن الثور والحمار أبلد الحيوانات لكن قلوبها أكبر القلوب؛لأن عملية الضخ فيها أكثر للجسم الحيواني.

    فالقلب الذي نعنيه: القلب الفاهم الواعي عن الله، وإلا فإن الله يقول: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179].

    فما دام أن القلب هو الميدان فلا بد أن تبحث له عن شفاء وعلاج، وعلاجه من القرآن، يقـول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس:57] ما هي التي في الصدور؟ القلوب وماذا أيضاً؟! توجد في الصدور أشياء أخرى، فهناك الرئة وغيرها، لكن كيف عرفنا أن القرآن شفاء لما في الصدور المراد به أنها القلوب؟!

    ففي القرآن نفسه قال الله: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].

    فدلت هذه الآية على أن المعنى وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس:57] يعني: القلوب، وليس شفاءً للرئة، ولا شفاءً للكبد، ولا شفاءً للبنكرياس، لا. بل شفاءٌ للقلوب التي تفهم وتعي، قال الله: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].

    والله يقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:57-58].

    أيها الإخوة! هل وسيلة تلاوة كتاب الله مُمْكنة أم غير مُمْكنة؟

    ممكنة، وقد أقام الله الحجة على العباد كلهم؛ لأنهم أصبحوا يقرءون كلام الله.

    ولكن هل مجرد القراءة ووجود القدرة على نطق الحروف هو وسيلة القرآن التثبيتية؟

    لا. ورد في بعض علامات الساعة أنه يظهر في الناس القلم، أي: من علامات الساعة أن ينتشر العلم ويظهر في الناس فيقرأ القرآن الرجل والمرأة، والكبير والصغير، وكل الناس يقرءون القرآن، لكن هل بمجرد قدرتهم على القراءة، أو قراءتهم للقرآن بالمزاج الذي يريدون يحصل لهم التثبيت؟ لا. كما جاء في بعض الآثار: (رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه).. (وإذا قرأ القرآن ظالم لنفسه، ناده القرآن من جوفه، يقول له: يا ظالم! أين زواجري؟! أين قوارعي؟! أين آياتي؟!).

    إذا ارتكب الإنسان محرمات وهو يقرأ القرآن، يصيح القرآن في جوفه.

    1.   

    مآخذ تحقيق وسيلة الثبات بالقرآن الكريم

    تكمن وسيلة التثبيت بالقرآن إذا أُخِذ مأخذان:

    المأخذ الأول: التلقي الصحيح على أيدي أهل العلم

    المأخذ الأول: التلقي الشرعي الصحيح على أيدي علماء القرآن؛ لأنه كلام الله، لا تقرؤه مثلما تقرأ جريدة، أو مجلة، أو مثلما تقرأ كتاباً، لا. كلام الله له أداء معين، له هيئة معينة، هو وعبادة تؤديها، الله يقول: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:4].

    ولما سئل علي بن أبي طالب عن الترتيل قال: [هو معرفة الوقوف، ومعرفة مخارج الحروف] هذا معنى الترتيل، أن تعرف كيف تخرج الحرف وأين تقف، وهذا كله لا بد أن يكون عن طريق التلقي من عالم يعرف القرآن وأسراره، فتدرس على يديه؛ لأن التجويد لا يأتي بالقراءة في كتب التجويد، وقد كنا نقرأ -من قبل أن ندرس القرآن على المشايخ- القرآن ونعرف أحكام التجويد، أحكام النون الساكنة والتنوين أربعة:

    الحكم الأول: الإدغام: وحروفه ستة، مجموعة في قولك: (يرملون) وهو ينقسم على إلى قسمين:

    القسم الأول: إدغام بغنة: وحروفها أربعة، وهي مجموعة في قولك: (ينمو) الياء والنون والميم والواو.

    القسم الثاني: بغير غنة وله حرفان هما: اللام والراء.

    هذا الحكم الأول. فوالله أني كنت أحفظه مثلما أعطيكم الآن في السنة الرابعة أو الخامسة الابتدائي، ولا أدري ما هو الإدغام، وما هو الإقلاب، لكن فقط أحفظه هكذا.

    وحروف الإخفاء خمسة عشر حرفاً، مجموعة في أوائل هذه الأبيات:

    صف ذا ثنا كم جاد شخص قد سمـا     دُم طيباً زد في تقى ضع ظالما

    لا أدري ما معنى: ضع ظالماً، وما معنى: دُم طيباً، أقرؤه فقط، وإذا جئت عند الأستاذ قال: كم حروف الإخفاء؟

    قلت: خمسة عشر حرفاً، مجموعة في أوائل هذه الأبيات، وأذْكُرُه.

    فقال: تفضل، أنت مُجَوِّد، لكن اقرأ القرآن فما أجود، مثل الذي يعرف نظام السير لكن لا يعرف كيف يقود السيارة، ما رأيكم في شخص يعرف أن الاتجاه يكون إلى اليمين، وأنه لا بد أن يقف عند الأحمر، وأنه لا بد إذا وقف أن يشير بشِماله، وأنه إذا أراد أن يأخذ يميناً يؤشر إلى اليمين، وإذا أراد أن يأخذ شِمالاً يؤشر إلى الشِّمال، لكن إذا قلت له: قد السيارة، قال: والله لا أعرف، أريد رخصة بالكلام فقط!

    فهذا هو الذي يعرف التجويد، ولا يعرف التطبيق، يريد رخصة في التجويد وهو لا يعرف أن يطبق التجويد، ولكن شخص آخر يعرف قيادة السيارة، ويطبق تعليمات السير كلها مضبوطة، لكن عندما تسأله لا يعرف، يعرف عملياً، ما رأيكم أيهما الأحسن العملي أو ذاك؟!

    العملي، وإذا وجدنا شخصاً عملياً ونظرياً، يعرف أحكام السير العملية، والنظرية، فهذا نور على نور.

    وكذلك القرآن، لا بد فيه من التلقي على يد عالم، يقول ابن الجزري في قصيدته :

    والأخذ بالتجويد حتـمٌ لازمُ     مَن لَمْ يُجَودِ القرآنَ آثمُ

    لأنه به الإله أنزلا     وهكذا منه إلينا وصلا

    وهو أيضاً حلية التلاوةِ     وزينة الأداء والقراءةِ

    وليس بينه وبين دَرْكِهِ     إلا رياضة امرئ بفَكِّهِ

    يعني: ما بينك وبين إدراك التجويد إلا ترويض وتعويد الفم، هذا تأخذه من الكتاب؟! تأخذه من عالم تراه أمامك يقرأ، يقول: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ [الناس:1-2] هذه غُنَّة، أين؟ في النون المشددة، أيُّ نونٍ في القرآن عليها شدة أصلها نونان، تحتاج إلى غُنَّة من أين تأخذها؟! لا تأخذها إلا من التجويد، والتجويد مأخوذ من: جوَّد الشيء يعني: أحسنه وأتقنه، عندما تقول لشخص : بالله افعل لي هذه الفِعْلة لكن جودها، يعني ماذا؟! يعني: أحسنها، ودائماً الناس إذا رأوا شخصاً حَسَناً قالوا: فلان والله جيد، يعني: لا يوجد أحد أحسن منه!

    فالتجويد مأخوذ من الإحسان وأداء القرآن في أحسن هيئته، فالأخذ به حتم لازم، من لم يجوِّد القرآن وهو قادر على التجويد آثم، لا سيما -من فضل الله- بعد أن توفر مدرسو القرآن في أغلب المساجد في هذه المدينة، وفي غيرها من مدن المملكة الطيبة، كثيراً ما تجد مسجداً والعالم جالس هناك من بعد المغرب إلى العشاء، ولكنه جالس وليس عنده أحد.

    كأن الأمة قد حفظت التجويد من أوله إلى آخره، وأصبحت مستغنية عن علماء التجويد، ولو وقفت على الشارع، أو زرت الدكاكين، ولقيت اثنين أو ثلاثة جالسين في الدكاكين، فتقول له: تعال يا أخي! أنت تجود القرآن؟

    قال: لا والله، لا أعرف فيه كلمة.

    فتقول: إذاً لماذا أنت جالسٌ هنا؟! تعال اجلس مع الشيخ، تلقَّ التجويد عن العالم.

    قال: لكن لا يوجد اهتمام.

    يضيع وقته وحياته، ورغم أن الفرصة متاحة أمامه، وكذلك بعض طلبة العلم لا يهتم بهذا.

    فأول وسيلة للتثبيت بالقرآن: أن تحرص على قراءة القرآن كما أنزله الله تبارك وتعالى؛ لأنه فرق كبير بين من يقرأ القرآن دون مراعاة لأحكام التجويد، وبين من يجوِّد! أنت لو جلست بجانب رجلين، واحدٌ عن يمينك، وآخر عن يسارك! فالأول يقرأ القرآن بسرعة يهذه هذاً، والآخر يقرؤه بترتيل وتؤدة.

    فهما قرأا القرآن، لكن فرقٌ بين هذا وذاك مثل ما بين السماء والأرض، مثل شخص -ولله المثل الأعلى- أحب أن يدعوك إلى وليمة، ويحضر لك طعاماً من أحسن الأطعمة منوعاً، وكل نوع في صحن ومجملاً، فتأتي على السفرة فتجد شيئاً منمَّقاً.

    وشخص آخر يدعوك، ولكنه مستعجل، يريدك أن تتعشى وتمشي، فوضع الأرز على السلطة و(العصيدة) والمرق والفاكهة، و(المهلبية) وخلطها كلها، وفتح فمك بقوة وأخذ يدخل فيه الطعام، ويقول: أسرع، تعشَّ. بالله ما رأيك في هذا الإنسان؟! هذا مسكين، طَبَخَ ونَفَخَ وتَعِبَ واشترى من السوق، لكن ما قدم لك السفرة بشكل لائق، فتقول: الله أكبر عليك! دعني آكل على راحتي يا أخي! ماذا بك؟! تريد أن تغذيني أم تريد أن تذبحني؟! هذا بذاك سواءًَ بسواء.

    هذا الذي يسرع بالآيات القرآنية ويقرؤها عليك بسرعة ما أفادك ولا استفاد، فلا بد من تلاوة القرآن كما أنزله الله تبارك وتعالى.

    المأخذ الثاني: أخذ القرآن بنية العمل

    المأخذ الثاني -وهو مهم جداً-: أن تأخذه بنية العمل:

    تقرأ القرآن كما يقول ابن مسعود : [لا تهذُّوا القرآن هَذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدَّقَل، ولكن قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب].

    والله يقول: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].

    ويقول: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]؟! نعم والله عليها أقفالها، ونسأل من بيده مقاليد الأمور أن يفتح قلوبنا للقرآن.

    ويقول في آية أخرى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82]؟!

    أحد الإخوة يقول لي: يا أخي! هناك شخص يقرأ القرآن من يوم عرفته، ولكن ما تغير في شيء.

    قلت: كيف يقرأ؟

    قال: والله إني أجلس عنده بجانبه أقرأ، وهو يقرأ ثلاث أو أربع صفحات، وأنا لم أكمل نصف صفحة، مثل (الماكينة).

    قلت: مسكين، اسأله: ماذا قرأ بعد أن يكمل قراءته؟ قل: يا أخي المسلم! ماذا قرأت؟! أيُّ أمر تلقيت؟! أيُّ نهي ورد عليك؟! ما هي الأخبار التي سمعتَها في القرآن؟!

    فسيقول لك: لا أدري.

    وهي قراءة الكثير من الناس؛ إلا من ندر.

    فإذا أردت أن يثبتك الله عز وجل بالقرآن الكريم، فالذي ينبغي عليك أن تسعى أولاً إلى تجريد القرآن وليس بالضرورة أن يكون غيباً؛ لأن بعض الشباب يقول: والله لا أستطيع أن أقرأ غيباً، ليس من داعٍ لهذا، الغيب هذا هبة من الله، إذا قدرت عليه فأنت ممن يأتي يوم القيامة وأناجيلهم في صدروهم كما جاء في الحديث: (أن موسى يقول: إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم، اجعلهم أمتي يا رب! قال: هؤلاء أمة محمد صلى الله عليه وسلم).

    والله أثنى على الحفظة فقال: بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49].

    وفي الحديث أيضاً يقول عليه الصلاة والسلام: (من أوتي القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه، غير أنه لا يوحى إليه) لم يعد يأتي الوحي، لكن النبوة كلها في صدره، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن أشراف هذه الأمة هم حَمَلَة القرآن الكريم، يعني: حَفَظَته.

    فالذي يحفظ القرآن هذا له فضل كبير من الله تبارك وتعالى، والذي يحفظ منه نصفه عظيم، والذي يحفظ ثلثه عظيم، والذي يحفظ ربعه طيب، والذي يحفظ منه أربعة أجزاء، أو ثلاثة أجزاء، أو جزئين، المهم احفظ ما تستطيع، ولكن ليس لك عذر في تجريد القرآن كله بالنظر، ماذا معك من عذر؟! لا عذر، إلا أنك مشغول عن القرآن، لا بد من تجريد القرآن أقل شيء برواية واحدة، رواية الإمام حفص عن الإمام عاصم ؛ لأن عاصماً له روايتان: حفص . وشعبة .

    المشهورة عندنا الآن رواية حفص ، إذا استطعت أن تأتي بالروايتين، وتعرف الفوارق بينهما عن الإمام عاصم بن أبي النجود فعظيم جداً، وإذا لم تستطع فأقل شيء أن تعرف كيف تجرد القرآن من أوله إلى آخره بالتجويد على رواية الإمام حفص ، وهذه مشهورة وموجودة، وفي هذا المسجد عالِم -من فضل الله- يدرس القرآن، وفي مسجد اليحيى عالِم متفرغ أربعاً وعشرين ساعة في تعليم القرآن، وفي كل مسجد من مساجد المنطقة هذه، في أبها لوحدها أكثر من ثلاثين عالماً متفرغون لكتاب الله، ولكنهم والله يشكون إلينا وقلوبهم تتقطع، وأعينهم تدمع، يقولون: والله نكون جالسين من المغرب إلى العشاء وما يأتينا أحد، الناس معرضون لا يريدون القرآن، لا حول ولا قوة إلا بالله! هذه مصيبة!

    فلا بد -أيها الشاب- أن تجلس وتبرمج وقتك من الآن، الشيخ الأفغاني موجود -من فضل الله- في مسجده، والشيخ الأفغاني الآخر موجود في مسجد اليحيى، والشيخ محمد بشير الباكستاني في هذا المسجد، كثير من العلماء، اجلس عندهم وسجل اسمك، وادرس على الترتيب، اقرأ كل يوم ربعاً، أو صفحة، أو صفحتين، ستجد صعوبةً في أول الأمر حينما تمارس التجويد، لكن ما إن تأخذ فيه جزءاً أو جزئين إلا وينطبع لسانك على أحكام التجويد، حتى تقرأ القرآن كله بالتجويد بيُسر وسهولة إن شاء الله.

    ثم بعد ذلك أثناء القراءة تفهَّم المعاني، وتعرَّف على أسرار القرآن، ثم ناقش نفسك على الأوامر والنواهي، والأخبار.

    فالأخبار صدِّق بها، والأوامر نفِّذها، والنواهي انتهِ منها.

    إذا سمعت الله يقول: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] فاسأل نفسك، أين أنت من الصلاة والزكاة؟!

    إذا سمعت الله عز وجل يقول: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32].. وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام:152] ولا.. ولا إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36] هذه الأوامر في القرآن ينبغي لك أن تقف عندها، وأن تنفذها حتى يكون القرآن لك موطن ثبات، ووسيلة ثبات حتى تلقى الله تبارك وتعالى.

    أسأل الله عز وجل أن يثبتني وإياكم على القول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

    1.   

    من وسائل الثبات فعل أوامر الله واجتناب نواهيه

    الوسيلة الثانية هي: فعل الأوامر، واجتناب النواهي: فمن وسائل الثبات على دين الله: الحرص كل الحرص على فعل أوامر الله والابتعاد عن نواهيه؛ لأن الله عز وجل يقول في القرآن الكريم: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ [النساء:66] وماذا؟! وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء:66].

    هذا منطوق الآية، بمعنى: لو أن الناس فعلوا ما يوعظون به، يعني: لو أن الناس التزموا بالأوامر، وابتعدوا عن النواهي، وصدقوا بالأخبار، وتمسكوا بالقرآن، وعملوا بالسنة: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ [النساء:66] أي: ما يوجه إليهم من توجيه إلهي القرآن أو عن طريق السنة المطهرة: لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء:66] أي: ثباتاً على دين الله.

    لكن الذي لا يفعل ما أمره الله به، ولا ما وعظه الله عز وجل سيكون في شر، ولن يكون مُثبتاً، وهذا واقِعٌ ومشاهَدٌ ومُجَرَّبٌ.

    فالقضية -أيها الإخوة- تحتاج إلى دور بارز منك في الموضوع، بعض الشباب يقول: والله أنا أريد أن أهتدي، ولو اهتديت أسير في الطريق أسبوعاً أو أسبوعين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة، ثم لا أدري ما الذي يُرجعني!

    ماذا بك؟! أنت الذي رجعت! من الذي جاء وسَدَّ الطريق عليك؟! الشيطان، انهزمتَ أنت أمام شهوة من شهوات نفسك، أمام شبهة من شبهات الشيطان. أذَّن المؤذن وأنت على الفراش دافئ ومبسوط وتعبان وسهران وتريد أن تنام، فنمت، لكن لو أنك استعذت بالله عز وجل من الشيطان الرجيم، واستعنت بالله، وقمت لأعانك الله، أم أنك تريد شخصاً يأتي ويأخذك من الفراش ويضعك في المسجد؟!

    لا أحد يستطيع أن يقوم بدورك إلا أنت بالهداية؛ لأن دورك هذا تريد منه نتيجة وثمرة، تريد منه جنة عرضها السماوات والأرض، أيعطيك ربي جنة وأنت ليس لك دور؟!

    أيعطيك ربي جنة وأنت منهزم؟!

    لا. لا بد من التعب، الله يقول: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت:69].

    فلا بد من المبادرة والدور الإيجابي الذي تشعر فيه بأنك مسئول عن تنفيذ كل ما أمر الله، وعن الابتعاد عن كل ما نهى الله عنه؛ لأنك بهذا تعمل على تثبيت قدمك على دين الله، أما إذا تخلخلت في الأمر، كلما جاءك أمر وإذا بك تعمل عليه حيلة، هذا بداية الانهزام.

    أحد الشباب كان في أول حياته مؤمناً ملتزماً، كان يصلي معنا الفجر في المسجد، أمه وأبوه غير ملتزمَين ومع ذلك واقفَان ضده، وهو بِحُكْمِ كَوْنِه شاباً ينام ولا يستيقظ، ولا أمه توقظه للصلاة، ولا أبوه يصلي في المسجد، ويضع الساعة عند رأسه فيضرب الجرس حتى تسكت ولا يقوم، فمسكين مِن حرصه على الصلاة والله ما كان ينام إلا في هذا المسجد! كان يسمر في البيت فإذا جاء وقت النوم أخذ المخدة والبطانية وجاء ونام في طرف المسجد هناك، بحيث عندما يدخل أول شخص إلى المسجد يوقظه، فيقوم ليصلي، وبعد الصلاة يجلس ويقرأ القرآن إلى الإشراق، ويصلي ركعتين ويذهب إلى البيت، إن كان معه عمل ذهب إليه، وإن كان ليس عنده عمل جلس في بيته.

    فهذا الشاب كانت له استقامة تعتبر مثالية، ولن نستطيع أن نصفها؛ لكن بسبب الزعزعة وعدم الثبات على دين الله -والعياذ بالله- وبسبب الإيحاءات الشيطانية وقرناء السوء، والذين يردُّونه عن وسائل التثبيت، فشخص من قرناء السوء ركب معه في سيارته، وشغل له شريطاً من الأغاني، فقال له: أغلقه يا شيخ! هذا حرام.

    قال: ماذا؟

    قال: حرام.

    قال: من الذي قال لك: أنه حرام؟

    قال: سمعنا العلماء يقولون: إن الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل، وإنه لا يجتمع حب القرآن وحب الغناء في قلب عبد مؤمن، والله تبارك وتعالى يقول: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [لقمان:6] وبدأ الرجل يعطيه الأدلة.

    قال: يا شيخ! لا، أبداً أبداً، الأغاني حلال ( 100 % ) ما دخل الأغاني في الدين؟! -انظر كيف يضله الشيطان الرجيم هذا- الدين أنك تصلي وتصوم، أما الأغاني هذه فليس فيها علاقة بالدين.

    وهو مسكين يحب الأغاني قبل الهداية! ولما سمع فتوى شيطانية من شيطان تتيح له فرصة الأغاني، قال: صحيح.

    قال: نعم. تعال أُرِيْك.

    وذهب وأخذه إلى البيت، وأظهر له كتاباً أو نسخةً من فتاوى بعض المغفلين الذين يصطادون في الماء العكر، والذين يضلون عباد الله عز وجل، وبدأ يبين له أن هناك خلافاً بين أهل العلم في مسألة حكم الغناء.

    والخلاف الذي بين أهل العلم في مسألة التغني بالألفاظ فقط، أما الآلات الموسيقية؛ كالعود، و(الكمان) و(الناي)، والطنبور، وهذه الأجهزة كلها فالأمة مُجْمِعة بجميع فئاتها على أنها حرام، كل آلة من آلات الموسيقى فهي محرمة في الشرع، وكل الأمة تعتقد بهذا، ولكن هناك خلاف بين أهل العلم بين طائفة بسيطة في حكم التغني بالألفاظ، يعني: شخص يأتي ببيت من الشعر بطريقة سليمة، فيقول:

    ألا ليت الشباب يعود يوماً     فأخبره بما فعل المشيبُ

    وشخص آخر يقول: لا تقل هكذا يا شيخ! ائت به بطريقة تتغنى بها

    ألا ليت الشباب يعود يوماً     فأخبره بما فعل المشيب

    وشخص يقول: لا. هذا ليس جميلاً، هذا يُفتن.

    وآخر يقول: لا. ليس فيه شيء.

    هذا هو الخلاف فقط، فأخذ الرجل هذا الخلاف وحمله على الأغاني كلها، وقال: أسمع أغاني فقط.

    فبدأ الرجل يستمع إلى الأغاني، كان في البداية يأخذ بالملعقة، لكن يوم أن عاد أصبح يأخذ (بالكُرَيْك) وبدأ يسمعها، وقد أصبح قلبه مفتوحاً لها، وفجأة وإذا به ينزل .. وينزل .. وينزل، بدأ نزوله بترك الصلوات في المسجد، ثم نزوله الآخر بتركه الصلوات في البيت، ثم بالردة عن دين الله والكفر والعياذ بالله.

    كيف بدأ؟!

    بالانهزام، ما فعل ما وعظه الله به: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً [النساء:66].

    فلا تتوقع -يا أخي الشاب- أن يأتي أبوك أو أمك أو شيخك أو أستاذك أو زميلك، أو أن يأتي الداعية أو العالم ليقول لك: لا بد أن تفعل هكذا، ويشد على قلبك بمسمار، ويقول: خلاص! اثبت، لا. بل أنت المسئول، هذا واقع ضمن دائرة اختصاصك، في أن تأخذ نفسك بالكمال وتبتعد بها عما حرم الله، وتجبرها على أوامر الله،حتى يثبتك الله تبارك وتعالى.

    أما أن تنهزم وتقع وتضعف أمام الشهوات والشبهات، ثم تقول: والله أنا ما هداني الله، لا. لقد شاء الله لك الهداية، ولكنك أنت الذي لم تُرد لنفسك النجاة في الدنيا والآخرة.

    فهاتان وسيلتان من وسائل التثبيت على دين الله تبارك وتعالى.

    1.   

    من وسائل الثبات: دراسة في قصص الأنبياء

    الوسيلة الثالثة من وسائل التثبيت: التمعُّن ودراسة قصص الأنبياء الذين وردوا في القرآن الكريم، ليس مجرد المتعة القصصية، فالقرآن ليس كتاب أحاجي ولا قصص، لا. بل القصص التي وردت في القرآن وردت لحكمة: كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً [طه:99].. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَـنَ الْقَصَصِ [يوسف:3].. لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ [يوسف:111].. وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ [هود:120] ماذا؟!

    مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120].

    القصص القرآنية أوردها الله عز وجل دروساً عملية، ونماذج حية يتعلم منها الإنسان كيف يثبت على دين الله، فما تمر قصة من قصص الأنبياء مِن أولهم إلى آخرهم إلا وهي تؤثر في قلبك، وتسكب في يقينك شيئاً مما يثبتك على دين الله، وهذا معنى قول الله عز وجل: وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] الهدف من قصص القرآن وما أوردنا فيه من قصص الرسل والأنبياء هو: مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ [هود:120] أي: جاءك في القرآن الحق وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120].

    وميادين البلاء والافتتان وعدم الثبات كثيرة جداً، مِن الناس مَن يُفْتَتن ولا يثبت في ميدان المال، ومِنهم مَن لا يثبت في ميدان شهوة النساء، ومِنهم مَن لا يثبت في ميدان الجاه والمنصب، ومنهم مَن لا يثبت في ميدان الابتلاء والامتحان والضرب والسجن والقتل، ومِنهم مَن يمتحن ولا يثبت في ميدان الأولاد وكثرتهم والبنين والعشيرة، ومِنهم مَن يُفْتَتن في ميدان السلطة والمنصب، هذه كلها ميادين للبلاء والفتنة، وهناك: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ [إبراهيم:27].

    وإذا درستَ سير وقصص الأنبياء وجدتَ أن كل موضوع ورد في القرآن يعطيك معنىً يجب أن تستفيد منه في حياتك العملية.

    أخذ العظة والعبرة من قصة يوسف عليه السلام

    هذا يوسف عليه السلام ابتُلِي واختُبِر بفتنة من فتن الناس في هذا الزمان وهي: فتنة الشهوة، شاب غريب، وطبعاً الغريب ليس مثل المقيم في بلده، دائماً الغريب عندما يقيم في بلده يخشى من الفضيحة ويحرص على السمعة، وعلى ألا يلوِّث عرضَه أو عرض أهله أو قبيلته، لكن الغريب لا يفكر في هذه الأمور، يقول: أنا غريب، ماذا عليَّ؟! لا أحد يعلم أني هنا، لكن بالإيمان وباستشعار عظمة الله يشعر المسلم بأنه تحت النظَّارة، وتحت المراقبة الربانية في كل مكان، وتحت أي سماء، وفوق أي أرض، في الليل والنهار، في الظلام والنور، مع الناس وفي الخلوة، لماذا؟! لأنه يراقب الله تبارك وتعالى.

    وإذا خلوت بريبة في ظلمةٍ     والنفس داعية إلى الطغيانِ

    فاستحي من نظر الإله وقل لهـا     إن الذي خلق الظلام يراني

    هذا يوسف عليه السلام كان شاباً، غريباً، وجميلاً، وأعزباً، وكان يعيش في بيت مُلْك في بيت امرأة العزيز التي دعته وهي ذات منصب، لا أحد يستطيع أن يقول لها أي كلمة، وكانت ذات جمال، ومن الطبيعي ألا يتزوج عزيز مصر إلا أجمل نساء مصر ، وأيضاً تراوده يعني: ما عرض هو الموضوع عليها، لا. بل هي التي تراوده وتطلبه، وبعد ذلك أمَّنَتْه: وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ [يوسف:23] غَلَّقَت، ما قال: أَغْلَقَت، بل قال: غَلَّقَت، هنا صيغة مبالغة، عندما تقول: أنا أَغْلَقْتُ الباب ربما يحتمل أنك أجفيته؛ لكن عندما تقول: أنا غَلَّقْتُ الباب، يعني: أحَكمْتُه بقوة وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وبعد ذلك دَعَتْه وقالت: هَيْتَ لَكَ تقول له: إلى أين أنت ذاهب؟! أين تريد؟! ولكن لما كان مُثَبَّتاً من عند الله ثبَّته الله: قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ [يوسف:23] يقول: هذا العمل الخبيث والسلوك المشين ليس لنا، ولا من طبعنا، إنه فعل الساقطين وعُبَّاد الشهوات، الزناة الذين يسقطون من عين الله في الدنيا والآخرة: مَعَاذَ اللَّهِ [يوسف:23] يقول: لا يمكن، ثم إنها تراوده، وتطارده، وتضاربه.

    ويهم أن يضربها، كما يقول علماء التفسير، لأن بعض الإخوة يغلط في قضية تفسير قول الله عز وجل: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24].

    أنا قرأتُ التفسير في هذه الآية، وسمعتُ كلاماً كثيراً، ولكن الذي اطمأن إليه قلبي، والذي يليق بمقام النبوة -لأن يوسف عليه السلام نبي معصوم عصمه الله عز وجل واللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام:124]- أنها هي هَمَّت به بأن يزني بها، والهَمُّ في اللغة هو: العزم على فعل الشيء، بحسب الحالة التي تحيط به وتلابسه، الله يقول في القرآن: إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا [آل عمران:122].. إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيكُمْ [المائدة:11] ما معنى: هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا [المائدة:11]؟! يعني: هموا أن يزنوا؟! لا. بل الهم على فعل الشيء يعني: العزم على فعله، فهو هَمَّ بشيء، وهي هَمَّت بشيء، فهَمُّها منطلق من موقفها، وهَمُّه منطلق من موقفه، فهَمُّه منطلق من موقفه الرافض، وهَمُّها منطلق من موقفها الراغب، لو أنه هَمَّ بها فما الذي يمنعه؟ كلمة: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24] عائدة على هَمِّه هو، يقول المفسرون: إنها هَمَّت به ليزني، وهَمَّ بها ليضربها، ما يمنعها من هذا إلا الضرب، ولكنه قبل أن يضربها رأى برهان ربه، قال المفسرون: قذف الله في قلبه أنه لو ضربها لازدادت الشبهة تأكداً أنه أرادها، إذ أنها اتَّهمته أنه أرادها ولم يضربها، ولكن لو ضربها ضربة وبقي أثرها، لكانت شبهتين: هذا راودني، وضربني، لازدادت شبهة أنه يريدها تأكيداً، فالله عز وجل منعه: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ [يوسف:24] فلم يضربها حتى لا تتأكد الشبهة ضده، إذ أن الله يعلم أنها سوف تتهمه بالزنا.

    وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا [يوسف:24] ودليل هذا أنها هي في آخر الأمر لما اعترفت قالت: ! الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ [يوسف:51] لم تقل: فأرادني، تقول: وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ [يوسف:32] فاستعصم، أو فهَمَّ بي وأرادني؟! لا. بل استعصم، اعترافها في آخر الأمر -كما في التفسير- أنها قالت: اعتصم بالله عز وجل.

    فيوسف عليه السلام موقفه الإيماني العظيم الذي لا يقف فيه إلا من وفقه الله.

    القضية يا إخواني! في الذهن والتصور والخيال سهلة، يقول الشخص: والله يمكنه أن يثبت، لكن في ميدان الاعتبار لا يثبت إلا من وفقه الله، ولذا كان عملها سبباً من أسباب نجاة أحد الثلاثة الذين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيمن كان قبلنا، والحديث في الصحيحين عند البخاري ومسلم : (أن ثلاثة كانوا في سفر، فآواهم المبيت إلى غار، فوقعت عليهم صخرة سدت عليهم باب الغار حتى لا يستطيعون منها خروجاً) وهذه أزمة ما لها من فارج إلا الله، لا يوجد هاتف يتصلون بالنجدة، ولا بالدفاع المدني، ولا توجد جماعة قريبة يفتحون لهم الغار، ولا عندهم جرافة تأتي فتأخذ الحجر، ولكن من معهم؟ معهم الله الذي لا إله إلا هو، فأحدهم قال: إنه لا يفسح ما بكم إلا الله، فادعوا الله بصالح أعمالكم -تعرفوا إلى الله في الشدة، الآن كما سبق أن تعرفتم إليه في الرخاء يعرفكم في الشدة ادعوا الله- فقام الأول ودعا بدعوة: أنه كان له أبوان ...، ودعا الثاني أنه كان له أجير ...، والثالث -الذي نستشهد به في هذا الحديث- أنه كانت له ابنة عم يحبها كأشد ما يحب الرجل المرأة، ثم راودها يوماً من الأيام عن نفسها فرفضت، وراودها فرفضت، وراودها فرفضت، ثم بعد ذلك حصلت عندها حاجة ماسة وفقر مدقع، فلم تجد لها فرصة إلا أن تأتي لتستلف من ابن عمها، فجاءت إليه تستلف منه، وقالت: أعطني مبلغاً من المال قرضة أرده لك، قال: لا -استغل نقطة الضعف ليلبي نزوته ورغبته- قال لها: لا. أنا لا أعطيك شيئاً، إلا أن تفعلي، واتركيني وأنا سأعمل ما تعلمين، فقالت: له حسناً فوافقت وهي مكرهة، ولا تريد هذا الشيء؛ لأنها مؤمنة وتخاف الله، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته -لم يعد هناك أحد أبداً يستطيع أن يمنعه إلا الله في تلك اللحظات- قالت له المرأة: اتقِ الله يا هذا! -خَف من الله! راقب الله! اشعر بأن الله يراك!- ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام الرجل -والله هذا عنده من الإيمان مثل الجبال- قام الرجل عنها، ثم قال: اللهم إن كنتَ تعلم أنني إنما تركتها وقمتُ منها من أجلك وخوفاً من عقابك فافرج عنا ما نحن فيه، قال: فتحركت الصخرة؛ فخرجوا يمشون من رحمة الله تبارك وتعالى بهم.

    فيوسف عليه السلام في درسه العملي هذا تثبيتٌ لك -أيها المسلم- يا من تواجه مثل هذه المواقف! في هذه الديار أو في غيرها من ديار المسلمين، ربما لا تجد هذا الموقف في هذه الديار، لكن ربما تجد هذا الموقف في بعض بلاد المسلمين أن تعرض عليك امرأة نفسها في حكم الحاجة، أو الرغبة الجنسية، أو أنك شاب، لكن هناك: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27].

    في تلك اللحظات تَذَكَّرْ يوسفَ ومواقفَه من امرأة العزيز، وقل: معاذ الله، لماذا تقولها؟! لأنك سبق أن درست في القرآن الكريم قصة يوسف، وانقدحت في نفسك آثار هذه القصة، عصمة على دين الله، وتمسكاً بطاعة الله، وعدم انهزام في معصية الله عز وجل، هذا معنى القصص القرآني الذي يقول الله فيها: وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120] هذا معنى هذه الآية.

    أخذ العظة والعبرة من قصة نوح عليه السلام

    وعندما تأتي على قصص نوح عليه السلام، ففي قصصه عبرة عظيمة جداً وعبر كثيرة، آخذ منها عبرتين:

    الأولى: عندما أمره الله عز وجل أن يصنع الفلك:

    كان يعيش في بلاد فلسطين في الطور في الصحراء، لا بحر ولا ماء، فكان يصنع الفلك، الله قال له: وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا [هود:37].

    فكان يصنع الفلك أي: سفينة، فمر عليه مجموعةٌ من قومه، قالوا: ما هذا يا نوح؟!

    قال: هذه السفينة أصنعها؛ لأن الله سينجيني أنا ومن آمن معي، ويُغْرِق أهل الأرض كلهم.

    قالوا: انظروا الغباء! انظروا هذا النبي الذي يقول: إنه نبي! أين البحر إذاً؟! تصنع سفينة في الصحراء؟! الذي يصنع السفن يجب أن يكون على المرفأ بجانب الشاطئ من أجل أن يصنعها ويركب فيها في البحر حتى لا يغرق، أنت الآن تصنع سفينة في وسط الصحراء، قال الله: وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ [هود:38].

    لكن ما عنده انهزام، ولا ضعف في عقيدته وإيمانه، لا. بل معتز، رغم أن الواقع في الحقيقة يجعلهم يسخرون لأن سفينة في الصحراء ما لها داعٍ: قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38] هذه تبين وتوضح مبدأ الاعتزاز والثقة، وأيضاً اليقين على أنك على الحق.

    بعض الشباب عندما يطيل لحيته ويمشي في الشارع، ويسمع بعض الناس يتكلمون فيه: انظروا فلاناً! ذقن.. ذقن..، فيخجل من لحيته التي في وجهه، بينما هم ما أحد منهم يعفي لحيته.

    أحد الشباب يقول: إنه ناقشَ أحد الحلِّيقِين الذي قال له: يا أخي! أنت لماذا تعفي لحيتك؟!

    فقال: وأنت لماذا تحلق لحيتك؟!

    بنفس المنطق، يعني: واحدة بواحدة.

    قال: أنا حر.

    قال: وأنا لستُ بعبد، مثلما أنك حر في حلقها أنا حر في إبقائها، لماذا تطلب الحرية في حلقها، وأنا لا أطلب الحرية في إعفائها؟!

    فقال الرجل: الشعر لا يُحلق كله في الجسد، ولا يُترك كله.

    قال: ماذا تعني؟!

    قال: أعني أن الشعر يُترك في الرأس ويحلق في أماكن ثانية.

    قال: أنا أريد لحيتي مثل رأسي، وأنت اجعل لحيتك مثل الشيء الآخر عندك.

    فخجل الرجل وصمت، ولم يتكلم بكلمة واحدة.

    فهذا مثال على أنك إنسان تعتز بعقيدتك، المسألة ليست مسألة شعر -يا إخواني- إنما هي مسألة اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: (قصوا الشوارب، وأعفوا اللحى).. (أكرموا اللحى).. (أرخوا اللحى).. (أسبلوا اللحى).. ليست مسألة شعر، فالشعر نحن مأمورون بحلقه في أماكن، ونتفه في أماكن، وإعفائه في أماكن، المسألة هوية، المسألة عنوان لظرف معين، ظرفك أنت ماذا؟! الدين وسنة محمد صلى الله عليه وسلم، ودائماً الذي معه الظرف المجهول وبداخله شيء فلا أحد يعلم عنه، لو جاءك ظرف من البريد ما عليه اسم، ولا مرسل، ولا عنوان، فما يدريك أن بداخله شيء؟ بعض الناس يحولنا على قلبه يقول: الدين في القلوب والصدور، ما أدرانا يا أخي؟! تريدنا أن نأخذ الفأس ونكشف على صدرك، ونرى ما بداخله؟!

    لا نستطيع، الله يحاسبك يوم القيامة على ما في قلبك، نحن الآن نتعامل معك على ضوءِ ظاهرِك، فإذا كان متمسكاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم حكمنا على ذلك بأنك -إن شاء الله- ممن يحب الرسول صلى الله عليه وسلم ويتمسك بسنته.

    فيجب عليك -يا أخي المسلم!- يا من تريد أن يثبتك الله على الإيمان! أن إذا مر بك موقف من مواقف السخرية أو الاستهزاء أو الطعن أو النَّيْل منك ألا تهتز، ولا تضعف وتنام، لا. بل اثبت، إنك على الحق، وخذ من موقف نوح عليه السلام موقفاً يثبتك على دين الله، وقل: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ [هود:38].

    الثانية: موقف آخر من نوح عليه السلام، وهي: حينما ركب وقومُه في السفينة، وطلب من ابنه الكافر أن يركب، ورفض الولد وقال: سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ [هود:43].

    فنوح عليه السلام كان قد فهم مِن وعد الله عز وجل حينما قال له: فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ [المؤمنون:27] فَهِم من هذا أنه مسموح له بأن يركب مع مَن آمن به ومع جميع الأهل، والمقصود بكلمة (أهلك) أي: أهله الذين آمنوا به وصدقوه، وأن من ليس من أهل الإيمان فإنه ليس من أهله ولو كان ولده، فقال نوح: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ [هود:45-46].

    هنا وقف نوح عليه السلام الموقف العظيم، موقف الأنبياء: قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:47-49]. فنوح عليه السلام تبرأ واستعاذ بالله أن يسأله ما ليس له به علم في وساطة أو شفاعة في شيء لا يحبه الله ولا يرضاه.

    وهذا الموقف نتعلم منه أن الرابطة الإيمانية هي الرابطة الوثيقة التي نتعامل مع الناس على ضوئها، وأن نحب ونعادي ونبغض من أجلها؛ لأن الله عز وجل يقول: لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [المجادلة:22].

    ثم قطع الله الخط على أي شخص يقول: ولدي يا رب! أبي يا رب! نسبـي فقال الله: وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22].

    وسوف نتكلم -بإذن الله- عن بعض المواقف التي نستفيدها من القصص القرآني في مناسبات قادمة بإذن الله عز وجل ونكتفي بذكر هذه الثلاث التي هي وسائل التثبيت:

    الوسيلة الأولى: الإقبال على الله وعلى كتاب الله عز وجل بالتلاوة الشرعية عن طريق تطبيق قواعد التجويد والقراءة بالطريقة الصحيحة، والعمل بالقرآن.

    الوسيلة الثانية: فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه.

    الوسيلة الثالثة: التمعن والتدبر في قصص الأنبياء.

    وبعض الإخوة يسألني ويقول: اذكرها لنا كلها الآن ولو ما تكلمت عليها كلها، لكن أذكرها كلها على سبيل السرد.

    1.   

    من وسائل الثبات: الحرص على التربية الإسلامية العملية الجادة

    الوسيلة الرابعة: الحرص على أن تكون تربية الإنسان تربية إسلامية عملية تبلغ عمق وجذور النفس البشرية، لا تربية سطحية؛ لأن التربية السطحية ما إن يأتيها أقل هزة حتى تذوب وتنمحي، لكن لما تكون عميقة داخل النفس، مثلما ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في مكة ، لما كانت تربيتهم عميقة وعملية وصحيحة ثبتوا على دين الله إلى آخر لحظة.

    لكن الذين تربوا في ظل الحياة المدنية من المنافقين أو بعد الفتح لا تأتي أية هزة إلا تكشفهم، لماذا؟ لأن تربيتهم ليست سليمة وعميقة، وضاربة في جذور قلوبهم، وإنما في السطح فقط، فهذه الوسيلة الرابعة.

    1.   

    من وسائل الثبات: الحرص على سلوك منهج أهل السنة والجماعة

    الوسيلة الخامسة: الحرص على أن تسلك في سيبل هدايتك مسلك أهل السنة والجماعة، فلا تسلك سبيلاً غير سبيل أهل السنة والجماعة ، كـالصوفية ، والشيعة ، وأهل الإلحاد، أي وسيلة من الوسائل التي ليست من وسائل مذهب أهل السنة والجماعة هذه لا يستقر عليها الإنسان. وترون الآن حالة كثير من الناس كـابن عربي ، وابن الفارض فهؤلاء ضلوا؛ لأنهم ما سلكوا الطريق الصحيح، فدائماً الذي لا يسلك الطريق الصحيح لا يثبت عليه، وهذا يحتاج إلى كلام كثير؛ لكن ليس موضوعه الآن.

    1.   

    من وسائل الثبات: كثرة ذكر الله عز وجل

    الوسيلة السادسة: كثرة ذكر الله عز وجل: لأن ذكر الله سبب عظيم من أسباب التثبيت، يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً [الأنفال:45] فيأتي الثبات من شدة الذكر، يعني: ذكر الله تبارك وتعالى يثبت الإنسان في كل المواقف، ومن أحرج المواقف: الثبات في قتال أعداء الله.

    1.   

    من وسائل الثبات: كثرة الدعاء والابتهال إلى الله

    الوسيلة السابعة: كثرة الدعاء والابتهال إلى الله أن يثبتك: لأن الله يقول في القرآن: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8] ينبغي أن تجعل هذه الآية ضمن الأدعية الخاصة التي تدعو بها في الصباح والمساء، وفي كل أوقات الاستجابة، وفي السجود: رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران:8]. ولقد رُوِي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه كان يقول: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على طاعتك، اللهم يا مصرف القلوب والأبصار صرف قلوبنا على دينك وطاعتك) إذا كان سيد الهداة صلوات الله وسلامه عليه يطلب من الله التثبيت فنحن أولى بالسؤال منه، فعليك أن تسأل من الله الثبات؛ لأنه هو الذي يثبتك، فعليك أن تسأل المثبت أن يثبتك مع الأخذ بدواعي التثبيت.

    1.   

    من وسائل الثبات: الثقة الكاملة المطلقة بأنك على الطريق الصحيح

    الوسيلة الثامنة: الثقة الكاملة المطلقة بأنك على الطريق الصحيح، وأن من عداك على الطريق الضال، فالذي ليس على مثلما أنت عليه فهو ضال، وهذه تبين مبدأ الثبات على العقيدة والدين، وأيضاً هي ثمرة ونتيجة لمعرفة الطريق، فالذي يعرف أنه على حق لا يمكن أن يتزعزع عنه، أعطيك مثالاً: الآن أنتم تعرفون أن هذه طريق الخميس ، أليس كذلك؟! هل عندكم شك في أن هذه طريق الخميس ؟! ولو قلتُ: أنا ذاهب إلى الخميس ، ولقيني شخص وأوقفني وقال لي: إلى أين أنت ذاهب؟

    قلت: أريد الخميس . فقال: هذه ليست طريق الخميس ، ارجع من هنا واسلك طريق السودة .

    أأصدقه أم أكذبه؟!

    ما أصدقه، بل أقول: لا. هذه هي طريق الخميس . يقول: لا يا شيخ أنت مخطئ، أنت مجنون، أحْلِفُ لك، أُقْسِمُ لك.

    والله لو يحلف ما يحلف فإني لن أصدقه، وبعد ذلك تركني ولقيني شخص وقال لي: إلى أين أنت ذاهب؟ قلت: أريد الخميس . فيقول: يا شيخ! هذه ليست طريق الخميس .

    ويأتي آخر ويقول: بلى، هذه ليست طريق الخميس ، فتقول: بل هي طريق الخميس ، أنت مخطئ، وأنت أيضاً مخطئ، قالا: لا. أبداً لسنا مخطئين، وأنت لست مخطئاً؟! هذه الطريق ليست طريق الخميس . يقول: لا.

    فيأتي ثالث ورابع ومائة، ووالله لو يجتمع أمامي أهل الأرض كلهم ويقولون لي: إن هذه ليست الطريق. أقول لهم: لا.

    لماذا؟! هذا نتيجة ماذا؟!

    نتيجة علم أن هذه طريق الخميس ؛ لأني ذهبت إلى الخميس ألف مرة من هنا.

    لكن لو أنني لا أعرف طريق الخميس أو جئتها مرة ونسيتها منذ زمن، ومشيت فيها، ولقيني شخص وقال: إلى أين أنت ذاهب؟ تقول: أريد الخميس . يقول: أخطأت، هذه ليست طريق الخميس ، بل طريقها من السودة ، فتقول: لا. يا شيخ! أنا أغلب ظني أن الطريق هي هذه، أنا أعرف يا أخي! أن الخميس شرق أبها ، أتريد أن ترجعني إلى الغرب، ليس معقولاً يا أخي! فيقول: يا شيخ! لا شرق ولا غرب أنت مخطئ، نحن نعرف الطريق، نحن أهل البلد. تقول: لا. مخطئ أنت.

    ومشيتُ قليلاً، ولقيني شخص وقال لي: إلى أين أنت ذاهب؟! تقول: ذاهب إلى الخميس . قال: لا. هذه ليست طريق الخميس .

    فهنا تبدأ الثقة تهتز، فأقول: والله الاثنان ليس من المعقول أن يكونا كاذبَين وأنا الصادق، وبعد قليل أدوِّر السيارة وأرجع؛ لأني لا أعرف طريق الخميس أصلاً.

    ولذا أنا أدعو الناس وإخواني في الله أن يعرفوا الدين حقيقةً، الله يقول: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى [الرعد:19] الذي يعلم دينه الحقيقي بالدليل من الكتاب والسنة لا يَضِل، والله لو اجتمع أهل الأرض كلهم ليضلوه فلن يستطيعوا، ولهذا كان شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في أول الرسائل يقول: اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة تعلُّم أربع مسائل:

    الأولى: معرفة الله.

    الثانية: معرفة رسوله.

    الثالثة: معرفة دينه.

    الرابعة: معرفة الأدلة.

    هذا معناه في علم الدين.

    فعليك -أيها المسلم- أن تتعلم الدين، فإذا تعلمته وثقت فيه، وإذا وثقت فيه لا أحد يضلك أبداً، فالثقة بدين الله مسألة من مسائل الثبات؛ لأنك من عندما تتزعزع عندك الثقة بأنك على الدين الصحيح أو لا فمباشرة تهتز، لكن إذا عرفت أنك أنت على الدين الصحيح، وأن أهل الأرض لو كانوا كلهم على الباطل لا تتزعزع، ولا ترجع عن دين الله، وتثبت حتى تلقى الله عز وجل.

    1.   

    من وسائل الثبات الالتفاف والمجالسة والاحتكاك بالمثبتين على دين الله

    الوسيلة التاسعة: الالتفاف والمجالسة والاحتكاك بالمثبِّتين على دين الله: لا المثبِّطين عن دين الله، فانظروا كلمة واحدة ليس فيها إلا حرف فقط، مثبِّت، مثبِّط، بل الحرفان مخرجهما واحد، لكن التاء مرقق والطاء مفخم.

    المثبتون على دين الله هم العلماء العاملون الثابتون على الدين، أكْثِرِ الاحتكاك بهم، جالسهم، تابعهم حتى تثبت معهم، ولا تتابع ولا تجالس المثبِّطين الخاملين المنحرفين فيردّونك عن دين الله عز وجل، واعلم أن النصر لهذا الدين، وأن المستقبل لهذا الإسلام، مهما كان، ومهما أظلم الليل، ومهما انتفش الباطل، ومهما كثر الكفر، ومهما كثرت المعصية، إنه كله زبد، ولو جاء السيل من رأس الوادي ترون الزبد كيف يكون في أوله؟! ما هو الزبد هذا؟! لو أخذت قطعة من الزبد وأردت أن تعاينه فقط لوجدت بَعَراً وخشباً وحشرات وذباباً فقط، فهو زبد يذهب وينخلع، لكن الله يقول: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ [الرعد:17].

    1.   

    من وسائل الثبات الثقة بأن النصر والعاقبة لدين الله وعباده المتقين

    الوسيلة العاشرة: كن على ثقة بأن النصر لدين الله، وأن العاقبة للمتقين: عندما لحق سراقة بن مالك بالنبي صلى الله عليه وسلم في يوم الهجرة أدركه؛ لأن قريشاً جعلت مائة بعير لمن يأتي به حياً أو ميتاً، فكل شخص يريد مائة بعير -البعير مثل السيارة الآن، أي: مائة سيارة (مرسيدس)- سفينة الصحراء، فقام سراقة -وكان من أشرس وأشجع الرجال من العرب في الجاهلية والإسلام- قام يدور ويصول ويجول حتى لحقه، فلما لحقه قال الرسول صلى الله عليه وسلم لَمَّا رآه: (اللهم اكفناه بما شئت، فساخت قدما فرسه ويداه إلى الأرض -غُرِست في الأرض- فقال: ادعُ لي، ودعني أخرج، قال: وما تُعْلِم أحداً؟ قال: ولا أُعْلِم أحداً عليك، قال: كيف بك يا سراقة ! إذا لبست سوارَي كسرى؟).

    أمعقول أن يصدق هذا؟! أنه يأتي بعد أيام وهو جالس على كرسي كسرى دون أن يسعى إليه! لن يصدق، يقول: هذا لا يعقل! هذا رجل من الأعراب في وسط الصحراء، وكسرى زعيم الفرس كلهم، لا إله إلا الله! وهذا يؤمل إلى ذلك! ولكن كانت عنده ثقة، وفعلاً حقق الله نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي عهد عمر ، لما جيء بالغنائم كان من ضمنها سواري كسرى وكان ملبوساً في يدي سراقة بن مالك رضي الله عنه وأرضاه.

    فيجب أن تثق، فثق، وسيجعلك الله تبارك وتعالى ممن آمن وعمل صالحاً.

    1.   

    من وسائل الثبات: معرفة الباطل

    الوسيلة الحادية عشرة: معرفة الباطل؛ لأن الله يقول: وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ [الأنعام:55] وكان حذيفة بن اليمان متخصصاً في معرفة الشر، يقول: [كان الناس يسألون الرسول صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنتُ أسأله عن الشر] لماذا؟! [مخافة أن أقع فيه] بعض الناس يسأل عن الشر من أجل أن يدخل فيه، أول ما ينزل يسأل: أين مكان كذا؟ أين السمرات؟ أين الجلسات؟ أين المنتديات؟ أما هذا فيسأل عن الشر حتى لا أحد يجره إليه.

    فعليك يا مسلم! أن تكون عارفاً بالشرور كلها؛ لئلا تقع فيها؛ لأنك إذا عرفت مرض السِّل، فقد عرفت أعراضَه ونتائجَه فلا تقع فيه، وإذا عرفت الفشل الكلوي و(الكوليرا) و(الإيدز) فهو كذلك، لكن الذي لا يعرف الأمراض والشرور ربما يقع فيها بغير علم، فعليك إذا كنت تريد أن تثبت على الدين أن تتعرف على الشرور والمفاسد حتى لا تقع فيها، وألا تغتر بدولة الباطل؛ لأن الله يقول: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ [آل عمران:196-197].

    ويقول: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر:4] لا يغرك أن ترى الباطل منتفشاً أو منتفخاً وترى أهل الحق ضعفاء! إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ [إبراهيم:47].

    1.   

    من وسائل الثبات الصبر

    الوسيلة الثانية عشرة: الصبر.

    الصبر هو: أنك تعاني من شيء لا تقدر عليه يعني: الشخص منا يصبر على أكل الأرز، أيسمى صابراً وهو يأكل أرزاً؟!

    لا. اللذات والشهوات والمباحات لا يحتاج لها إلى صبر، هذه لذات.

    وإنما الصبر لغة هو: حبس النفس على ما تكره. تصبِّرها على طاعة الله، وتصبِّرها عن معاصي الله، وتصبِّرها على أقدار الله المؤلمة، ولذا قال الله: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].

    هذه اثنتا عشرة، وسوف نتحدث عنها بإذن الله بشيء من التفصيل في المستقبل، وقد تحدثنا عن ثلاث فقط منها.

    1.   

    الأسئلة

    أهمية التربية الجادة

    السؤال: ما هي أهمية وثمرة التربية الجادة الصحيحة؟

    الجواب: مُسْلِمَة الفتح الذين أسلموا بعد الفتح هم مسلمون دخلوا في دين الله، ومنهم من نصر الله عز وجل فيما بعد؛ لكنهم في درجة الإيمان ليسوا كمُسْلِمَة مكة الذين أسلموا مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا في غزوة حنين لما بدأت المعركة انكشف ظهر المسلمين لأول لحظة؛ لأنهم أُعْجِبوا وقالوا: لن نُغْلب اليوم من قلة، ورجعوا ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ [التوبة:26] فما ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا أصحاب بيعة العقبة، وأصحاب الشجرة، وأصحاب سورة البقرة؛ لأنهم أهل تربية من طراز خاص، مع أن البقية الذين أسلموا مسلمون، ومنهم من نصر الله، وكُتِبَت لهم -إن شاء الله- الحسنى في الدنيا والآخرة بإذن الله عز وجل.

    حكم الاستمناء باليد وطرق التخلص منه

    السؤال: ما حكم العادة السرية؟ وما هي طرق التخلص منها؟

    الجواب: هذه العادة السرية اسمها في الشرع: نكاح اليد، وسميت بالعادة السرية؛ لتخفيفها ولإمضائها على الناس بسهولة، وإلا فاسمها: نكاح اليد، وقد ورد في الأثر لعن صاحبها، قال: (لعن الله ناكح يده).

    وجاء في الأثر أيضاً: (أن ناكح يده يبعث يوم القيامة ويده حُبْلى منه) أي: ما من حيوان منوي يخرج عن طريق الاستمناء باليد إلا ويده تحمل منه، ولكن آثار الحمل لا تظهر الآن، تظهر يوم القيامة إذا بُعث الإنسان وقام من قبره، وإذا به يجد يده مثل الجبل، لها ستون سنة، فمن يحاسب في ذاك اليوم على الحفائظ وعلى الرضاعات؟! وكيف يخارج نفسه في ذلك اليوم لا حول ولا قوة إلا بالله؟!

    وما موقفه إذا جاء أهل الإيمان يأخذون كتبهم بأيمانهم، وإذا قالوا: خذ كتابك وإذا بها مشغولة بشهوته والعياذ بالله والله إنها سفاهة وسفالة وخسة ونذالة، أن تستعمل يدك في هذا الأمر.

    إن الله عز وجل يقول وهو يصف عباد الرحمن: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:5-6] أي: الأمة، الجارية التي تملكها؛ لأن أحد الشباب يقول: إلا ما ملكت أيماننا، يحسب أنها يده اليمين، لا. بل مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:6] أي: الأمة، القَيْنَة التي يملكها الإنسان وهي رقيقة عنده، فيجوز له أن ينكحها ويتسرَّى بها: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [المؤمنون:6].. فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ [المؤمنون:7] ابتغى وراء الزوجة أو ملك اليمين المتسرِّي بها: فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:7] أي: المعتدون على حرمات الله.

    والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) وجاء أي: حاجز وحصن. فالصوم يقطع منك الشهوة، ولا تأتيك بإذن الله.

    كيف تصوم؟

    تصوم الإثنين والخميس، وتصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وتستعين بالله، وعليك أن تتقي الله عز وجل.

    ثم إن هناك فتوى من هيئة كبار العلماء بإجماع الهيئة : أنها محرمة تحريماً قطعياً، وأنه لا يجوز أبداً أن يقع فيها المسلم بأي حال من الأحوال.

    ثم إن هناك فتاوى طبية من منظمة الصحة العالمية ، يقولون: إن مزاولة هذه العادة مضر بالجسد وبالعقل وبالنفس:

    أولاً: تضعف الأنسجة الموجودة في عضو الإنسان؛ مما يجعله غير قادر على مباشرة زوجته إذا تزوج.

    ثانياً: تضعف الحيوانات المنوية؛ لأنه يستهلك في الاستمناء باليد طاقة كبيرة من القوة والشباب والحيوية، مما يجعله إذا تزوج غير قادر على الإنجاب، فلا يرمي إلا حيوانات منوية تموت قبل أن تصل إلى رحم المرأة، فلا ينجب، ويعيش عقيماً

    والعياذ بالله.

    ثالثاً: يقول العلماء والأطباء: إن الإنسان الذي يزاول هذه العادة تشعره دائماً بالإحباط وبالضمور، وتجعله دنيء الهمة، خفيف القصد؛ لأنه كلما بدرت عنده هذه النزوة وَجَدَ زوجةً قريبة، فقام على يده، يعني: امرأته يده -والعياذ بالله- فيتحول من إنسان كريم إلى إنسان سافل هابط.

    فاتقِ الله يا مسلم! واستعصم به.

    ثم هناك وسائل:

    لا تسمع الغناء، ولا تقرأ القصص الخليعة الغرامية، ولا تنظر إلى الحرام، ولا تتابع الأفلام؛ لأن هذه تُذْكي فيك نار الشهوة وتشعله، وإذا اشتعلت نار الشهوة فما يبرِّدها إلا خروج هذه الحيوانات المنوية عن طريق الحلال بالزوجة، أو طريق الحرام إما بالزنا أو بالاستمناء.

    فلا يجوز لك يا مسلم! أن تشعل هذه الشهوة، وإذا زادت عندك فعليك بالصوم، فإن الصوم وجاء، وأيضاً من رحمة الله أنه إذا زادت عندك نسبة الحيوانات المنوية أن الله يصرفها لك بطريق الاحتلام، تنام وتخرج منك في النوم، فلا يأتيك أي ضرر، وذلك من فضل الله تبارك وتعالى.

    فعليك أن تعتصم بالله، وأن تتوب، وألا تقع في هذه المعصية الكبيرة والعياذ بالله.

    نصيحة لمن وجد في نفسه زيغ وصدود وعدم قبول للنصيحة

    السؤال: أشهد الله على حبكم ومن حضر في هذا المجلس، ثم إنني شاب ملتزم، ومحب للخير في طاعة الله؛ ولكنني أجد في نفسي بعض الأحيان زيغاً وصدوداً وعدمُ قبول للنصيحة، فما العمل؟

    الجواب: أحبك الله الذي أحببتنا فيه، ونسأل الله عز وجل أن يظلنا في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، فإن من ضمن الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: (رجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وافترقا عليه).

    والعمل: من نفسك، ماذا تريدني أن أقول لك؟! أقول: ركِّب لك (قفل) في نفسك، لا. بل اعمل أنت، واستعن بالله، وتمسك بطاعة الله، واقبل النصيحة، دُم على الطاعة، ابتعد عن المعصية، هذه مسئولياتك، هذه واجباتك، هذه دائرة اختصاصك، لا أحد يستطيع أن ينفعك في هذا إلا أنت إذا كنت عاقلاً، أنت الآن طالب في المدرسة، إذا جئت تقوم في الصباح لتذهب إلى المدرسة وشعرت بالنوم والثقل والسهر، وتريد أن تنام، من الذي يستطيع أن يوقظك؟ لولا حرصك على الدراسة والمصلحة والشهادة، وخوفك من المدرسين، لا أحد يستطيع أن يوقظك، هذا من ضمن مسئولياتك، فقم إلى طاعة الله وابتعد عن معصية الله كما تقوم إلى المدرسة وإلى الواجبات الدنيوية.

    نصيحة لمن لا يقرأ القرآن

    السؤال: أنا لا أقرأ القرآن، وفي بعض الأوقات لمدة أسبوع، نظراً لظروفي الخاصة، فما العمل؟

    الجواب: اقرأ القرآن، وإن كنت مشغولاً والذي لا يعرف القراءة مثل الأميين فقد يسر الله من الوسائل والإمكانيات ما يستطيع المسلم به أن يكون تالياً للقرآن عن طريق أخذ القرآن المجوَّد للشيخ علي جابر ، أو الشيخ المنشاوي ، أو للشيخ عبد الرحمن السديس، أو أي قارئ من القراء الطيبين الذين لهم قراءة ندية عذبة طرية، تتلذذ بها، عليك أن تُشغل القرآن في غرفتك، وفي سيارتك، وفي مكان جلوسك، اجعل القرآن معك، وأيضاً هناك إذاعة اسمها: إذاعة القرآن الكريم، تبث ثماني عشرة ساعة، تبدأ الساعة السادسة صباحاً، وتغلق الساعة الثانية عشرة مساءً، هذه الإذاعة تعتبر مدرسة وجامعة، مَن عَكَف عليها ففيها الأسئلة، والبرامج الإسلامية، والتاريخ، والسيرة، والقصص، والتوحيد، والمحاضرات، والندوات، واللقاءات، فمن لزم هذه الإذاعة فسينوِّر الله بصيرته وقلبه إن شاء الله.

    أما أنت إذا كنت تقرأ القرآن بالنظر فلا بد أن تجعل لك ورداً معيناً، تجعل المصحف عند رأسك عندما تنام تقرأ، وحينما ترجع من صلاة الفجر قبل أن تنام تقرأ، ثم يكون المصحف في جيبك تقرأ فيه في المكتب، تقرأ فيه في المسجد، ومصحف في منضدتك، إذا كنت في المكتب، وانتهى عملك وأنت جالس فاقرأ القرآن، ومصحف في السيارة إذا خرجت للتمشية، أو للنزهة، وليس هناك شغل فاقرأ، اجعل المصحف معك، كن رفيقاً لكتاب الله عز وجل، حتى يثبتك الله على الإيمان.

    أما أن تهجر القرآن فلا، بعضهم لا يعرف المصحف إلا في رمضان، ويريد أن يثبته الله!

    علاج الرياء والغرور

    السؤال: أنا شاب ثابت إن شاء الله على دين الله، ولكني أخشى من الرياء والغرور، فما علاج ذلك؟

    الجواب: علاج ذلك أن تدحر الشيطان، وتستعيذ بالله من وساوسه، فإن الشيطان حريص على الإضلال من كل جانب، فإذا وَجَدَ أنه سينالك من جانب الإقعاد قَدَر عليك، وإن رآك متمسكاً جاءك من باب الغرور وقال: لا. أنت مرائي، لا تعمل شيئاً، اترك الصلاة في المسجد؛ لأنك إذا صليت في المسجد صرت مرائياً، اقعدْ وصلِّ في البيت.

    يقول العلماء: إن ترك العمل من أجل الرياء شرك، وفعل العمل من أجل الرياء رياء. وطريق السلامة: أن تجعل العمل خالصاً لوجه الله، وتسأل نفسك لِمَ هذا العمل؟ إنه من أجل الله، لا أحدٌ يعطيك عليه فلوساً، ثم تدحر وساوس الشيطان بالاستعاذة بالله منه.

    حكم الجلوس عند أناس يستمعون الأغاني

    السؤال: أنا شاب أركب مع شباب يستمعون للأغاني، ولا أستطيع أن أنهاهم فما الحكم؟

    الجواب: لا تركب معهم، لا تركب مع شاب يستمع الغناء وأنت لا تستطيع أن تغلق (الراديو) بأي حال من الأحوال، والله خير لك أن تمشي على وجهك وليس على رجليك من البيت إلى المدرسة. قد يقول أحد من الزملاء: والله بيتنا بعيد عن المدرسة، وما عندي سيارة وأبونا ليس عنده سيارة، وإذا ركبت مع زملائي هؤلاء فسَيُسْمِعُوني الغناء، فأنا بين خيارين: إما أن أمشي على رجلي، أو أركب معهم وأسمع الأغاني.

    نقول لك: امشِ على رجلك، أو لا تدرس، أو اركب مع الزملاء الطيبين، أما أن تركب مع شباب يسمعون الأغاني وأنت ساكت، فاعلم أن البداية هكذا، والنهاية سوف تضل معهم، إما أن تقفل (الراديو) أو لا تركب معهم، والله يقول: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً [النساء:140].

    فلا تجلس في مجلس يُعْصَى الله فيه وأنت جالس. بعض الناس يقول: جلستُ في مجلس في وليمة زواج، وكانت الأغاني شغَّالة، يقول: دخلت أريد أن أتعشى، وإذا بهم مُشَغِّلين الأغاني.

    قلت: وماذا فعلت؟

    قال: والله إني جلست ولم أستطع أن أقول شيئاً، فهذا زواج.

    قلت: وأنت لماذا جلستَ؟! لِمَ لَمْ تخرج؟!

    قال: أريد أن أتعشى.

    قلت: الله أكبر على بطنك هذه التي لا تمتلئ، لو أنك عملت احتجاجاً يا أخي! أليس الناس يحتجون على بعض الأعمال؟ إذا أحد أغضبهم يحتجون ويخرجون، إذاً: فأنت جالس في مجلس عُصِي الله فيه، إذا كنت تستطيع أن تغير المنكر فالحمد لله، وإذا كنت لا تقدر فقل: أستأذن.

    وإذا قيل: لماذا؟!

    قل: معاصٍ، لا أقدر أن أجلس.

    والله هذا يؤدبهم أكبر أدب، يؤدب صاحب البيت، والجالسين.

    وقد أخبرني من أثق فيه، يقول: كنت مدعواً في مناسبة زواج، ولما دخلتُ وإذا بالصور قد أُلْصِقت ، والأغاني، وإذا بالمغرِّدين يصيحون بالوَلْوَلَة هذه، فدعيت صاحب البيت قلت: يا أخي! أنت دعوتني لأتعشى أم دعوتني لأعصي الله عزَّ وجلَّ؟!

    قال: والله يا أخي! لا نقدر، لكن استرح أنت .

    قلت: لا. والله لا أستريح.

    قلبه أصبح مثل النار، قلبه حي يخاف الله.

    يقول: فخرجت، فرآني بعض الناس الذين يعرفونني، فنادوا: أين الشيخ فلان؟! أين الشيخ فلان؟!

    قال صاحب البيت: والله دخل وسمع الأغاني هذه وأبى أن يجلس، يقول: إنها حرام!

    يقول: فالجميع كلهم تأثروا، وقالوا: أقفلوها، جزاه الله خيراً.

    أقفلوها لأنه خرج، لكن لو أنه جلس وبقي مثل الشاة الرابضة من أجل لقمة أرز يملأ بها بطنه والعياذ بالله؟!

    أعتقد أن فيما حصل كفاية.

    وأسأل الله تبارك وتعالى لي ولكم التوفيق.

    والله أعلم.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2742283295

    عدد مرات الحفظ

    684662490