إسلام ويب

عقوبات الذنوب والمعاصيللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أوضح الشيخ حفظه الله: أن ضرر المعاصي في القلوب كضرر السموم في الأبدان، فالمعاصي سبيل الضلال والغواية، ونقيض الرشاد والهداية، وسبب كل هم وبلاء، وكل غم وشقاء.

    1.   

    سنة الله في الثواب والعقاب

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الإخوة:

    هذا الدرس يلقى في مسجد (الأمير متعب) بمدينة جدة بعد مغرب يوم السبت الموافق للتاسع والعشرين من شهر رجب عام (1415هـ) وهو ضمن السلسلة المعلن عنها بعنوان: تأملات قرآنية من سورة الأنعام.

    وتأملات هذه الليلة ستقف بنا عند وقفةٍ بعنوان: (عقوبات الذنوب والمعاصي) الذنوب التي تدمِّر أصحابها، والمعاصي التي تهلك مقترفيها، وبيان سنّة الله التي لا تتبدل، والتي يجريها الله عز وجل في كل زمان ومكان، ومع أي جنس من البشر، إذ لا يربط الناس بالله غير العبودية، فليس بين الله وبين أحد من خلقه نسب ولا سبب إلا سبب العبودية، فمن كان طائعاً لله أعزه الله في الدنيا، وأنجاه من العذاب في الآخرة، ومن كان عاصياً لله أذله الله في الدنيا وأخزاه بالعذاب في النار في الدار الآخرة، فهذه سنة الله في خلقه.

    إن الله خلق النار لمن عصاه وإن كان حراً قرشياً، وخلق الجنة لمن أطاعه وإن كان عبداً حبشياً، واقرءوا قول الله عز وجل: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ [المؤمنون:101-105] يخاطبهم الله على سبيل التبكيت والاستهزاء، وإلا فالله يعلم أنه قد أنزل عليهم القرآن وتليت عليهم آياته، وأنهم رفضوها: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [المؤمنون:105] أي: ألم تكن آيات الله التي جاءت من عنده ومنزلة في كتابه تتلى عليكم؟!

    وما معنى أنها من الله؟ يعني ذلك: الانصياع والانقياد والإذعان، ومن يرفض ويعاند ويستمر في مخالفة أمره عز وجل رغم علمه؛ يذله الله ولا يهديه أبداً، لماذا؟

    لأن الله أراه الطريق الصحيح فتعامى عنه، يقول الله عز وجل: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثـية:23] من يهديه من بعد الله؟ ما دام أن الله أضله وختم على سمعه وقلبه، فلا يسمع كلام الله ولا يفقهه وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [الجاثـية:23] فلا يرى طريق الله، فمن يهديه من بعد الله؟!

    ولماذا أضله الله وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة؟

    لأنه اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ [الجاثـية:23] لو اتخذ إلهه مولاه لهدي، ولكن لما اتخذ إلهه هواه أضله الله، حتى لا يأتي شخص فيقول: إن الله هو الذي ختم على قلبه وسمعه وقدر عليه الغواية، فنقول: لا. إنما ختم الله على قلبه وسمعه وبصره حين اتخذ إله هواه.

    1.   

    تأملات قرآنية من سورة الأنعام

    في البداية يحسن بنا أن نربط الآيات التي تحدثنا عنها فيما سبق مع الآيات الجديدة حتى يكون النسق مترابطاً.

    قبسات من نور الربوبية في سورة الأنعام

    يقول الله عز وجل في أول السورة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ * وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام:1-3].

    تبدأ السورة بـ(الحمد لله)، أي: الثناء المطلق على الله؛ لأنه هو الذي يستحق الحمد والثناء على ألوهيته المتحققة والمتجلية في خلق السماوات والأرض، وما دام أنه الخالق للسماوات والأرض وما بينهما إذاً فهو المحمود وحده الْحَمْدُ لِلَّهِ [الأنعام:1] لماذا؟!

    لأنه الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الأنعام:1] ثم تتصل الألوهية بالخصيصة الأولى من خصائص الربوبية وهي الخلق؛ فإنه لا خالق إلا الله.

    فمن خصائص الله وصفاته: أنه الخالق، وليس هناك من يخلق غير الله سبحانه وتعالى، ولهذا تحدى الله البشر بأن يخلقوا ذبابة -والذباب أضعف شيء في الدنيا- يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73] فالطالب الإنسان، والمطلوب الذباب، ضَعُف الإنسان والذباب، ولكن الذباب أقوى؛ لأنه يسلب، بينما الإنسان يطارد الذباب فلا يستطيع أن يأخذ الذي أخذه منه.

    قال العلماء: كل الحشرات والبهائم والمخلوقات إذا أكلت الطعام فإنها تنزله إلى المعدة ثم تجري عليه عمليات الهضم، ثم يتوزع بواسطة الدم إلا الذباب، لأنه ليس لديه معدة، فينتقل الطعام من فمه إلى الدم مباشرة، ويتحلل كيماوياً، ولهذا إذا أخذ السكر، أو قطعة الحلوى، أو أي شيء من الطعام وأدخله في فمه فإنه يذوب ويتحلل بحيث لو أمسكت بالذباب وأردت أن تُخرج منه شيئاً لا تستطيع إخراجه؛ لأنه قد تحول إلى شيء آخر ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73].

    ولو اجتمع من في الأرض كلهم على أن يخلقوا ذبابة ما استطاعوا، بل ولا حتى شعيرة، لماذا؟ لأن الخلق من خصائص الرب سبحانه تبارك وتعالى.

    ثم تحدث الله في سورة الأنعام عن أضخم الظواهر الكونية الناشئة عن خلق السماوات والأرض وهي: جعل الظلمات والنور، الظلمات الحسية والنور الحسي، والظلمات المعنوية والنور المعنوي، وكما ذكرت لكم في الدرس الماضي: أن النور هو نور الله، وأن هناك -كما يقول العلماء- نوران وظلمتان، لا يتم الاستفادة من أحدهما إلا بوجود الثاني، النور الأول: نور معنوي، والنور الثاني: نور مادي، وزيادة في الإيضاح: الشمس والمصباح لهما نور، لكن لا يتم الاستفادة من نور الشمس أو المصباح إلا بنور البصر.

    إذاً لا تتم الاستفادة من نور الكهرباء أو الشمس أو المصباح إلا إذا وجد نور العين الذي هو نور الإبصار.

    فإذا لم يكن الإنسان مبصراً فهل يرى الإنسان النور؟ لا. أو وُجدت العين الصحيحة السليمة لكن ليس هناك نور هل يرى الإنسان في الظلام؟

    لا. لا يرى.

    إذاً لا بد من النورين: نور البصر ونور الضوء.

    وكذلك في الناحية المعنوية لا بد من نورين: نور القرآن ونور البصيرة، فالذي عنده نور القرآن والإيمان نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ [النور:35] فإنه يستفيد من هذا النور، وأما من عنده نور القرآن ولكن ليس عنده نور الإيمان فإنه لن يستفيد، مثله مثل المنافقين الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يرون الرسول بأعينهم، ويعايشون نزول الوحي من السماء حسب الوقائع والأحداث، لكن لما انعدم نور القلوب كفروا بالله سبحانه وتعالى، لذلك يقول الله عز وجل: وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ [التوبة:124-125].

    فإذا وجد في قلبك نور الإيمان؛ استفدت من نور القرآن ونور السنة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والإسلام والصلاة.

    وإذا لم يكن في قلب العبد نور الإيمان فلن يستفيد من نور القرآن، لماذا؟ لأن مثله كمثل الذي عنده شمس لكن ليس عنده بصر فلا يستفيد من الشمس؛ لأنه ليس لديه بصر، وكذلك لا يستفيد من نور الدين إلا من كان عنده نور بصيرة إيمانية تملأ قلبه.

    إذاً: تلك وقفة مع قوله تعالى: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام:1].

    ثم قال عز وجل بعد هذا: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] يا لها من مفارقات بين دلائل ناطقة في الكون بخلق الله للسماوات والأرض وبين انحراف وميل الكافر عن المنهج السوي! مفارقات تعدل الأجرام الضخمة، والمسافات الواسعة بين تلك الأجرام، وتعدل الظواهر المتنقلة.

    نظرة إلى أصل الوجود الإنساني تقرر وجود الخالق

    يقول الله عز وجل: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [الأنعام:2] هذه نظرة إلى أصل الوجود الإنساني، وأنه مخلوق من طين، وفي هذا لمسة وإشارة إلى أن الإنسان لا ينبغي له أن يتكبر، أو يتعاظم، أو يفخر وأصله من طين، بل عليه أن يعرف أصله وأساسه، كما قال الله عز وجل: فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق:5-7].

    قيل: إن الحسن البصري قال للمهلب : أنت الذي خرجت من موضع البول مرتين: الأولى من ذكر أبيك، والثانية من رحم أمك، خرجت من ذكر أبيك وأنت نطفة، ثم خرجت من رحم أمك وأنت طفل صغير، ثم رباك الله بالنعم، وزودك بكل هذه الإمكانيات فلا تنس أصلك.

    هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ [الأنعام:2].

    الأجل الأول: أجل الحياة، أجل الإنسان الذي يعيشه ثم يموت، والأجل المسمى عنده: الأجل العام، أجل تدمير الحياة كلها، وقيام الناس من قبورهم للبعث وللحساب يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6].

    ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [الأنعام:2] وصف الله سبحانه الكافر في الآية الأولى بقوله يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]، وهنا قال الله سبحانه: تَمْتَرُونَ ، والمرية هي: الشك، أي: تشكون في الله أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [إبراهيم:10].

    ويقول الله: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات:21] أيبقى مجال للشك أو المرية بعد كل هذه الدلائل؟!

    خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وخلقكم من طين، وقدَّر آجالاً مسماة عنده، وآجالاً معروفة مكشوفة للناس في عالم الحياة ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [الأنعام:2]؟!

    ثم يقول الله: وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ [الأنعام:3] لا تغيبون عنه، إنه مالك الملك .. عالم الغيب والشهادة يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ [الأنعام:3] أي: يعلم ما تقترفون، وما تعملون من عمل، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.

    إن الذي خلق السماوات والأرض هو الله المتفرد بالألوهية، وكل مقتضيات الألوهية متحققة فيه ولا ينازعه فيها أحد، ومقتضيات الألوهية: الخلق .. الرزق .. التدبير .. الإحياء .. الإماتة .. النفع .. الضر .. تعاقب الليل والنهار .. الرفع .. الخفض .. البسط .. القبض .. الإعطاء .. المنع .. كل هذه من الله ولا ينازعه فيها أحد؛ لذا فهو الإله الحق المستحق للألوهية والعبودية.

    لقد خلق الله عز وجل الإنسان كما خلق السماوات والأرض وهو في تكوينه من الطين، وما رزقه الله من خصائص فهي بنعمة منه وفضل، والأليق للإنسان وهو يعرف أصله: أن يتبع سنّة الله عز وجل فيما يعتقده من عقيدة، ويتصوره من تصورات، ويعيشه من حياة؛ لتستقيم حياته مع سنن الله عز وجل، ومع الحياة التي سنها الله في الكون حين تحكمها شريعة الله، ولكي لا يناقض بعضها بعضاً، ولا يصادم بعضها بعضاً، ولا يمزق بعضها بعضاً.

    إن هذه الآيات -أيها الإخوة- إنما تخاطب العقل البشري بدليل الخلق، فإن العقل يقف عند هذه الدلائل موقف المسلِّم ولا يستطيع أن يناقش أو يجادل بدليل الإحياء: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [الأنعام:2] ثم بدليل الإيحاءات التي تقذفها هذه الآيات في النفس، فتوقظ الفطرة وتحركها في صورة التقرير لا في صورة الجدل، وبسلطان اليقين المنبعث من تقرير النفس البشرية من داخلها، ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير الذي تراه مبثوثاً في كل معالم الكون.

    فوجود السماوات والأرض وتدبيرها على هذا النسق وعلى هذا النظام، ونشأة الحياة، وحياة الإنسان كلها تواجه الفطرة بالحق وتوقع فيها اليقين بوحدانية الله، والوحدانية هي القضية التي استهدفتها السورة من أولها إلى آخرها.

    إن مشركي العرب ما كانوا يجحدون وجود الله، ولهذا ليس هناك من نبي بعثه الله إلا وهو يقول للناس: أن آمنوا بوجود الله كما قال الله عز وجل في القرآن: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ [المائدة:117] لأن قضية وجود الله فطرة في النفس لا تستطيع أن تغالطها، والذين كانوا يغالطونها تركوا المغالطة، فالدهريون الذين يقولون: (لا إله والحياة مادة) -وهم الشيوعيون في الأزمنة الماضية- رجعوا، والشعوب التي مورس ضدها الاضطهاد عن طريق قصرها على الإلحاد خرجت بعد سبعين سنة من النظام الشيوعي لتعلن أنه لا بد من إله، لأن معنى أن الإله غير موجود: أنك أنت لست موجوداً أيها الإنسان؛ لأن وجودك دليل على وجود الله، من أوجدك؟!

    فالبعرة تدل على البعير، وأثر القدم يدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ونجوم تزهر، وبحار تزخر، أفلا تدل على السميع البصير!

    إن عدم إيمان الإنسان بوجود الله معناه: أنه لا يؤمن بوجود نفسه، وهل هناك إنسان عاقل يلغي وجود نفسه؟!

    أبداً. فقضية وجود الله لا جدال فيها بين العقول أبداً في القديم والحديث، إنما المشكلة في قضية وحدانية الله؛ لأن النفس البشرية اتخذت آلهة، فعبدوا الحجر، والشجر، والشمس والقمر، والبقر، اتخذوا أصناماً وآلهة متعددة، فجاء الإسلام ليلغي ويبطل هذه الآلهة المزعومة، ويبين ويثبت أن الله هو الإله الحق, ولهذا كل نبي يقول لقومه: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ [نوح:3] اعبدوا الله واتقوه وخافوه وحده، وأطيعوني في الشرع الذي بعثني الله عز وجل به.

    تكفير الله لمنكري الألوهية

    إن مشركي العرب -كما قلت- ما كانوا يجحدون وجود الله، بل كانوا يؤمنون بوجوده، ويعترفون بأنه الخالق والرازق والمحيي والمميت، يقول الله عز وجل: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر:38].

    وهؤلاء المشركون في مكة ، لو قلت للمشرك منهم: من خلق السماوات والأرض؟ يقول: الله، فإذا قلت له: إذا كنت مقراً بأن الله هو الذي خلق الخلق وحده فيجب أن تعبده وحده، يقول: لا. هذا فيه نظر، أعبده وأعبد آلهة معه، ولماذا تعبد آلهة معه؟ قال: كي توصلني إليه، ولذا قال عز وجل: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3].

    هذه شبهتهم في العبادة، يقولون: نحن لا نستطيع أن نصل إلى الله مباشرةً، فلا بد من وسيط وشفيع يقربنا ويزلِّفنا إلى الله: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3] فجاءت العقيدة لتبطل هذا الزعم، ولتبين أن الله يُعبد من غير واسطة، ويمكن الوصول إليه من غير شفيع، وإذا دعوته فإنه قريب: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].

    ولذا وصمهم الله عز وجل بالشرك والكفر مع إقرارهم بوجوده سبحانه وتعالى، فلم ينفعهم هذا الإقرار، إذ لم يوحدوا الله بتوحيد الألوهية.

    فدليل الخلق والحياة هي من دلائل وجود الله عز وجل وألوهيته، كما أنهما صالحان لمواجهة المشركين وتقرير وحدانيته أيضاً، وهما كذلك صالحان لمواجهة اللوثات الجاهلية الحديثة التي تنكر وجود الله، فهي لوثة دخيلة ومسحة تريد أن تجحد وجود الله، فنواجهها بما واجه الله عز وجل به كفار قريش بدليل الخلق، فدليل الخلق قاطع ومقنع على وجود الله تبارك وتعالى.

    حرص الملاحدة على عزل الدين من حياة المسلمين

    لئن فشل أعداء الله من اليهود والنصارى والصليبيين والوثنيين والملاحدة في إقناع البشر بعدم وجود الله -لأن ذلك مفطور في فطر الناس- إلا أنهم قد أفلحوا إلى حد بعيد في إقناع كثير من المسلمين بإمكانية تنحية هذا الدين من واقع حياتهم، وإيهامهم بأنه يمكن لهم أن يظلوا مؤمنين بالله حتى مع وجود أرباب أخرى تشرع لهم من دون الله؛ ويصلون بذلك إلى تدمير الإسلام، وعزل الدين عن حياة الناس، مع إيهام الناس أنهم لا يزالون على الدين.

    وهذا هو غاية الخبث والشر! أن يعتقد الإنسان أنه على دين وهو ليس على دين، أنه مسلم وهو ليس بمسلم، مسلم فقط بالوراثة .. بالتبعية .. بالهوية .. بالمزاج .. أما بالاستسلام لله، وبالخضوع لشرعه وبتحكيم أحكام الله، فلا!!

    هذا ما حرص عليه أعداء الله عز وجل من زحزحة المسلمين عن هذا المفهوم، وإقناعهم وإيهامهم أنه بالإمكان أن يبقى الإنسان مسلماً ولو لم يصل أو يزكِ .. بل ولو ارتكب جميع المحرمات، واقترف جميع الذنوب والمعاصي والسيئات.

    هذا هو الذي استطاع أعداء الله عز وجل أن يوقعوا الناس فيه؛ لأنهم يئسوا من أن يحولوا الناس إلى ملاحدة أو إلى ديانات أخرى، فلا يستطيع مسلم أن يتحول إلى يهودي أو نصراني أبداً.

    نعم. الآن عمليات التنصير منية بالفشل، ولكن عملية الدعوة إلى الإسلام ناجحة، فمئات البشر الآن بل الآلاف في كل دول الأرض يتركون دياناتهم اليهودية والنصرانية والهندوسية ويسلمون بجهود بسيطة.

    إن الدعوة إلى الله نور يمشي في الأرض، وتحمله ثلة قليلة، وتدعمه إمكانيات محدودة، ومع هذا ينتشر، بينما التنصير تدعمه دول، وتوظف له إمكانيات ضخمة: قنوات فضائية، إذاعات، صحف، إرساليات، كتب، أموال طائلة .. ومع ذلك لا يدخل في دين النصارى إلا أحد رجلين: جائع أو مريض، فإذا شبع قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وإذا تعافى قال: الحمد لله الذي عافاني ورد علي عافيتي، يعني بعد عشرين سنة من التنصير يقول: اللهم صلِّ على محمد؛ لأنه مسلم، فكيف يمكن أن تمسخ فطرته؟! لا يمكن. هو أطاعك يوم أن كان جائعاً يحتاج إلى الأكل، ولما أكل وشبع رجع إلى أصله وفطرته، وأطاعك يوم أن كان مريضاً يحتاج إلى العلاج.

    لكن الآن الذين يدخلون في الدين الإسلامي هل يجدون نتائج طيبة وطريقاً مفروشاً بالورود عند دخولهم في الدين الإسلامي؟

    لا. بل إنهم يقدمون التضحيات.

    حياة المؤمن هي بحياة روحه

    الإنسان عندما يُسلم تتكالب عليه الدنيا كلها، ويضايق في رزقه، ويحارب في حياته، ولكن مع كل ذلك يصبر، ويثبت على دين الله عز وجل ولا يبالي ولو مات، ولو قطع قطعة قطعة؛ لأنه وجد الدين الحق.

    قابلني أحد المسلمين الجدد -من مسلمي أمريكا - في الحج، قلت له: كم عمرك؟ -وعمره أظن أنه خمس وثلاثون سنة.

    قال: عمري ست سنوات.

    قلت: كيف ست سنوات؟! عمرك أقل شيء خمسين أو أربعين سنة.

    قال: تريد عمري الحقيقي أم عمري الوهمي؟!

    قلت: بل عمرك الحقيقي.

    قال: عمري الحقيقي ست سنوات.

    قلت: كيف ذلك؟!

    قال: أسلمت منذ ست سنوات، فأنا حي منذ ست سنوات، لكن قبل ست سنوات ما كنت حياً، كانت حياتي حياة بهيمية.

    ثم قال لي: أنتم إذا جاءكم عجل أو جحش أو أي حيوان هل تسجلون تاريخ ميلاده؟

    قلت: لا.

    قال: وإذا مات هل تعملون له شهادة وفاة؟

    قلت: لا.

    قال: حياتنا كانت هكذا، نحن كنا كالبهائم، لا نستحق أن نُسجَل في تاريخ ميلاد أو وفاة؛ لأنه لا حياة لنا، ولكن في ظل الدين والإيمان بالله عز وجل ولدت قبل ست سنوات.

    ثم قال: الحمد لله الذي أحياني قبل أن يميتني.

    يقول: الحمد لله الذي أحياني حياة الإيمان قبل أن أموت فألقى الله وأنا على غير الإيمان.

    فذكرت قول الله عز وجل: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122] وذكرت قول الله عز وجل: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ [فاطر:19-22]

    من هو الأعمى ومن البصير؟

    الأعمى هو الكافر، والبصير المؤمن.

    من الذي في الظل ومن الذي في الحرور؟

    الذي في الظل المؤمن، والذي في الحرور الكافر.

    ومن الذي في الظلمات ومن الذي في النور؟

    الذي في الظلمات الكافر، والذي في النور المؤمن.

    من الحي وهو الميت؟

    الحي: هو المؤمن، والميت: هو الكافر، وإن كان الكافر حياً لكنه يعيش حياة الصراصير والكلاب والقردة والخنازير، وهذه ليست الحياة الحقيقية، إنما الحياة الحقيقية هي التي تنبع من استجابتك لله، ولهذا يقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24].

    ما الذي يحيينا؟ إنه الدين .. إن ما يحيي الماديين الآن الهواء والغذاء والماء، لكن هذا يحييك ويحيي الحمير والبقر معك، لكن الذي يحييك أنت كإنسان هو الدين والإيمان، يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ [الأنفال:24] ثم قال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ [الأنفال:24] يَحُولُ بينك وبين قلبك، متى؟ إذا لم تستجب، فإذا استجبت لله عز وجل أصبحت حياً، وإذا لم تستجب حال بينك وبين قلبك.

    وتصور من يعيش وبينه وبين قلبه حائل هل يعرف مصالحه أو حياته أو سعادته؟!

    لا. هناك موانع بينه وبين قلبه، يعيش في وادٍ وقلبه في وادٍ آخر، عدو نفسه، تصرفاته كلها وبال عليه، يسمع ما يغضب الله فيصب في أذنيه الرصاص المذاب يوم القيامة، ينظر إلى ما حرم الله فتملئ العينات من جمر جهنم، يأكل الربا فيأكل النار -والعياذ بالله- يقع في الزنا فيعذب في النار، يمارس الجرائم وفي نفس الوقت يظن أنه في نعمة وعلى خير، لماذا؟

    قال العلماء: لأن الله قد حال بينه وبين قلبه، وإلا لو كان معه قلب ما حدث هذا، ولهذا يقول الله: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ [ق:37] وليس المقصود بالقلب هنا هذه العضلة التي تضخ الدم؛ لأن هاذ الجهاز مع الثور مثله عشر مرات تجد أن قلبه يعمل وهو أبلد حيوان، ليس هذا هو المعني، إنما المقصود هو القلب الذي يفقه عن الله، ويعي أوامر الله، ونوَّره الله بالدين، هذا هو القلب، أما العضلة التي في الجسم ما هي إلا عضلة.

    بل الآن يعالجون بنقل الأعضاء، إذا مات شخص يأخذون قلبه ويضعونه لمريض آخر، ثم بعد أن يتعافى تسأله: ما اسمك؟ يقول: أنا محمد، وكم عندك من الأولاد؟ قال: أربعة أولاد، كل حياته موجودة رغم أن القلب غير القلب، إذاً هذا ليس هو القلب، هذا اسمه عضلة ضخ الدم، تعارف الناس على أن اسمها قلب، مثل عضلة الكبد أو عضلة الرئة، أو أي عضلة في جسمك، إنما القلب هو الذي تسمع به القرآن، وتفقه به الدين، فالقلب سيد الجوارح (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

    وترون الآن في عالم المشاهدة لو أن هناك شخصاً كان ضالاً، منحرفاً، قاطعاً للصلاة، مرتكباً للجرائم، ثم منَّ الله عليه بالهداية وأصلح الله قلبه وهداه، وإذا بالرجل يعزم على إصلاح حاله، أول ما يصلح في هذا الرجل قلبه، هو الذي يصمم من القلب أن يتوب، فَيَصلُحُ مع قلبه جميع جوارحه: وعينه، وأذنه، ويده، وفرجه، ورجله وبطنه ... وحياته كلها تصلح، لماذا صلحت حياته كلها؟ لأن القلب صلُح، لكن إذا فسد القلب فسدت العين فنظرت إلى الحرام، وفسدت الأذن فسمعت الحرام، وفسدت اللسان فتكلم بالحرام، وفسد الفرج فوقع في الحرام، وفسدت البطن فأكلت الحرام، وفسدت اليد فامتدت إلى الحرام، فتفسد الحياة كلها، لماذا؟ لأن القلب خرب ميت، لكن عندما يُنَوُر بنور الإيمان، يصلح الإنسان في هذه الدنيا والآخرة.

    إن أعداء الله عز وجل لما يئسوا من إدخال الناس في الإلحاد أو الديانات الباطلة، نجحوا إلى حد بعيد في تمرير هذه الخدعة على بعض المسلمين، فحالوا بينهم وبين العمل بهذا الدين، إلا أن الأمل في الله كبير، والثقة في هذا الدين عميقة: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30] وهو الذي يقول: وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ * لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [إبراهيم:46-52].

    1.   

    عاقبة المستهزئين كما وردت في سورة الأنعام

    تكشف الآيات في سورة الأنعام بعد هذا عن طبيعة هؤلاء، وهي الإعراض والعناد رغم وضوح الآيات، فالذي ينقصهم ليس الدليل وإنما ينقصهم الاستعداد، تقول له: هذا عمود، يقول لك: لا. هذه سيارة، كيف تقنعه؟ لا يريد أن يقتنع، تقول له: هذه شمس، يقول: لا. هذه ليست شمساً هذه كهرباء، إذاً: هل يمكن أن تقنع هذا المعاند؟ لا.

    معنى قوله تعالى: (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم ...)

    يقول الله عز وجل: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ [الأنعام:4].

    إن أبرز مقتضيات طلب الهداية: الاستعداد النفسي، هل يصلح أن تضع حباً على صخرة من أجل أن ينبت لك؟ لا. لا بد من الأرضية الصالحة لاستنبات الحب، فتأتي على أرض خصبة التراب، ثم تضع فيها السماد، ثم تضع البذور وتسقيها بالماء، ثم تنتظر إلى أن تخرج لك الثمار إن شاء الله، أما أن تضع البذر على أرض صخرية فإنه لا يَنْبُت لك أبداً، كذلك القلوب المتحجرة المعرضة عندما تأتيها الآيات فإنها ترفضها، ولهذا يقرر الله هذا فيقول: وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ [الأنعام:4] وهل بقي شاهداً أعظم من القرآن يدل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!! أبداً. يقول الله: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عليهم [العنكبوت:51] لو كانوا يريدون الدليل الحقيقي فالقرآن يكفيهم، كل حرف .. بل كل آية فيه تدل على أنه من عند الله وليس من عند بشر، ومع هذا لم يؤمنوا، لماذا؟ لأنهم معرضون.

    ثم قال عز وجل: فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ [الأنعام:5] وهل جاءهم؟ نعم جاءهم، فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنعام:5] تهديد من الله لهم.

    معنى قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن ...)

    ثم يعرض الله تبارك وتعالى، ويلفت أنظارهم إلى مصارع الأولين من الأمم السابقة، فيقول عز وجل: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عليهم مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ [الأنعام:6] فماذا حصل؟ استمروا في المعاصي والذنوب قال عز وجل: فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ [الأنعام:6] وهذه سنّة الله في إفناء القرون وإحيائها، يعني: اليوم يوافق في السنة (29/7/ 1415هـ) في يوم (29/7/1515هـ) بعد مائة سنة لن يكون على وجه الأرض من الموجودين أحد، إلا النادر البسيط الذين لا دور لهم في الحياة، يعني: يبدل الله وجه الأرض كل مائة سنة مرة، فإذا ولد شخص اليوم وبعد مائة سنة لا يزال موجوداً ماذا يعمل هذا الموجود بعد مائة سنة؟ هل يعمل شيئاً في الحياة؟ لا. قطعة متاع مركونة في زاوية من الزوايا، كلٌ يقول له: نسأل الله أن يختم لك بالحسنى، يعني: نسأل الله أن يعجل بزوالك، الكل يدعون عليه، كأنه ميت.

    يقول لي أحد الإخوة: أنه رأى شائباً يرضع كما يرضع الطفل الصغير، يعطونه طعامه في رضاعة، وتغير له الحفائظ كما تغير للصغير، لا يستطيع أن يمسك نفسه، كما قال الله عز وجل: ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً [الروم:54] وهذا هو أرذل العمر الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله منه: (وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر) فأرذل العمر ألا يكون لك قدرة على عمل أي شيء، فلا حياة ولا قدرة ولا إمكانية، ترى نفسك عاجزة -نعوذ بالله من ذلك الوقت- نسأل الله أن يحسن خاتمة الجميع.

    لماذا هذا التبديل لوجه الأرض كل مائة سنة؟!

    من أجل الابتلاء والامتحان، قرن يعيش ويكسب أو يخسر، وقرن يأتي، وهكذا إلى أن تنتهي الحياة بإرادة الله عز وجل بإفناء الناس جميعاً، وفصل الحساب، وإدخال أهل الجنة الجنة وإدخال أهل النار النار.

    العقاب سنة الله فيمن عصاه من الأمم

    إن هؤلاء الكفار يتخذون موقفاً واحداً في جميع شئونهم وهو: العناد، والإصرار، والمكابرة، والرفض، والإعراض، فقد كذبوا بالرسول صلى الله عليه وسلم وكذبوا بالرسل من قبله: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ [الأنعام:5] ويتركهم الله عز وجل أمام هذا التهديد المجمل فلا يبينه، فلا يعرفون نوع التهديد ولا موعده، ويتركهم في غاية من الخوف يتوقعونه في كل لحظة من اللحظات؛ لأنهم يتأكدون من صدقه.

    جاء سعد بن معاذ إلى مكة والرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة قبل الفتح، فجاء يطوف بالبيت على عادة العرب، فمنعته قريش؛ لأن قريشاً كانت مسيطرة على الكعبة، وتعرف أن سعد بن معاذ هو الذي أيد النبي صلى الله عليه وسلم، واستقبله في المدينة، فمنعوه، فدخل في جوار أمية بن الخلف، وأمية هذا من صناديد قريش، وكان صديقاً وصاحباً لـسعد بن معاذ قبل إسلامه، فدخل عليه فعرفه، لأنه صاحبه وزميله، فقال له: أريد أن أطوف في البيت فمنعتني قريش، قال: أنت في جواري فطف بالبيت، وخرجا إلى البيت وجعل يطوف بالبيت وهو في يده، فلما رأته قريش ما استطاعوا أن يقولوا له شيئاً؛ لأن معه أمية ، فجاءه أبو جهل وقال: لماذا جعلته يطوف بالبيت وهو الذي صنع ما صنع؟ وهو الذي آوى محمداً، فنظر أمية إلى سعد وقال: أجب، قال: أجب أنت فإني لا أطوف في جوارك ولكني أطوف في جوار الله، فغضب أمية ، فقال له سعد : لا تغضب فإن محمداً قاتلك، قال: أوأخبرك؟ قال: نعم. قال: متى؟ قال: لم يبين وقت ذلك، فترك يده وذهب إلى البيت، ولما دخل على امرأته قال: إن هذا الأنصاري يقول: إن محمداً قاتلي ووالله لا يكذب محمداً، -يعرفون صدق النبي وهم كفار- قالت: هل أخبرك متى أو أين؟ قال: لا.

    ومرت الأيام، وتأتي قافلة قريش من الشام، ويخرج النبي صلى الله عليه وسلم لاقتطاعها في غزوة بدر، ويرسل أبو سفيان زعيم القافلة رسولاً اسمه: ضمضم بن عمرو الغفاري إلى أهل مكة يطلب منهم الخروج لإنقاذ القافلة، فخرجت مكة بأسرها إلا أمية وكان رجلاً كبيراً -يعني: ذو هيئة- وصنديداً لا أحد مثله، ولكنه لم يخرج خوفاً من وعيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما علم عقبة بن أبي معيط بعدم خروجه أخذ مجمر من المجامر ووضع فيه بخوراً من بخور النساء ودخل عليه ورفع ثوبه وجعل البخور تحت ثوبه قال: ما هذا يا عقبة؟! قال: هذا مجمر النساء نبخرك فإنما أنت امرأة -أي: اجلس على المجمر مع النساء- قال: ولم؟ قال: لأنك ما خرجت مع قومك لإنقاذ القافلة، فضربه، وقال: قاتلك الله! والله لقد أقذعت في سبي، ثم حمل ثوبه ودخل بيته ولبس درعه وملابس الحرب وخرج، فلحقته امرأته، وقالت: يا أمية أما تذكر قول الأنصاري: إن محمداً سوف يقتلك؟ قال: والله إنه قاتلي لكن لا خير في الحياة مع المجمر. وفعلاً خرج وقتله الله، وحقق الله قول النبي صلى الله عليه وسلم بقتل هذا الرجل.

    فهذا من التهديد الذي ذكره الله في القرآن الكريم بقوله عز وجل: فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ [الأنعام:5-6] ألم يروا مصارع الأجيال الماضية، وقد مكنهم الله وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان ما لم يعط قريشاً في الجزيرة ، أرسل المطر عليهم مدراراً، وأخصب الأرض وأنبتها بالأشجار والأرزاق، ثم ماذا؟! ثم عصوا ربهم، فأخذهم الله بذنوبهم، وأنشأ من بعدهم أجيالاً أخرى، لتأتي وترث الأرض من بعدهم، مضوا والدنيا غير مكترثة بهم وورثها قوم آخرون!

    فما أهون العصاة والكفرة والمكذبين على الله، ما أهونهم على الأرض والحياة، لقد هلكوا فما أسفت عليهم الدنيا، لقد ذهبوا وجاء من يعمِّر الحياة من بعدهم.

    وهي -أيها الإخوة- حقيقة ينساها البشر حينما يُمَكِّن الله لهم في الأرض، فينسون أن هذا التمكين من الله، وأن الله إنما مكنهم ليبلوهم فيما آتاهم بالعبودية له وحده، والتلقي عنه وحده؛ لأنه صاحب الملك الذي أعطاهم، إنها حقيقة ينساها الناس إلا من عصم الله، ينسون الله فيعبدون أهواءهم وشهواتهم، ثم ينحرفون عن عهد الله فتتحقق فيهم سنّة الله، ولا تتبين لهم سنته في أول الطريق، ولا يرون العقوبة في أول الأمر إنما يقع الفساد رويداً رويداً وهم ينزلقون وما يشعرون، حتى يستوفي الكتاب أجله، ويحق عليهم وعد الله وتتعدد صور الإهلاك في النهاية وتختلف:

    فمرة يأخذهم الله عز وجل بعذاب من فوقهم أو من تحت أرجلهم، ومرةً يأخذهم بالسنين ونقص الأنفس والثمرات، ومرةً يأخذهم بأن يذيق بعضهم بأس بعض، ومرةً يأخذهم بالصيحة، ومرةً يأخذهم بالغرق، ومرةً يأخذهم بالحرق، ومرةً يأخذهم بالعواصف والتدمير والزلازل، وهي سنة الله التي لا تتبدل، لماذا؟

    لأنهم خالفوا أمر الله عز وجل.

    وإن مما ينخدع الناس فيه: أن يروا الفجرة والمستهترين، والكفرة والملحدين ممكنين في الأرض، غير مأخوذين من قبل الله، والناس مساكين يستعجلون ولا يرون إلا أول الطريق، لا يرون نهاية الأمر، انظروا إلى فرعون والذين كانوا معه في عصره يقولون: رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ [يونس:88] قال الله: قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [يونس:89] استمر فرعون بعد دعوة موسى سنين طوال وهو في ملكه، ولكن ماذا حصل في النهاية؟

    الغرق والتدمير.

    وعاد وثمود، وكل الأمم التي كذبت، كان الناس في وقتهم يقولون: لماذا لا يأخذهم الله؟

    فالله يأخذهم لكن لا يعجل لعجلة الناس، انظر فقط للنهايات، كذلك من يموت على الكفر ممن يعيشون معنا الآن من يمنعهم من الله؟ لا يمنعهم من الله أحد، ولكن الناس يستعجلون؛ لأنهم يرون البداية فقط ولا يرون نهاية الأمر، ونهاية الطريق لا تُرى إلا بعد أن تقع، لا تُرى إلا في مصارع الغابرين بعد أن يصبحوا أحاديث، والقرآن كله يوجه الناس إلى النظر، والتأمل، والتنبه لمصارع الغابرين، حتى لا ينخدع المخدوعون في حياتهم الفردية القصيرة المحدودة؛ فيرون أول الشيء ولا ينظرون لنهايته، وإن نهاية الشيء لا يعلمها إلا الله.

    1.   

    الذنوب مهلكة لأصحابها

    هناك حقيقة أخرى تغيب عن أذهان الناس وهي: أن الذنوب تهلك أصحابها -وهو عنوان التأمل في هذه الليلة- الذنوب تدمِّر أصحابها، وأن الله يهلك المذنبين بسبب ذنوبهم، وأن هذه سنّة ماضية ولو لم يرها الإنسان في عمره القصير أو المحدود إلا أنها سنّة باقية لا تتبدل، تصير إليها جميع الأمم، وتنتهي إليها جميع الكائنات عندما تفشو الذنوب، وتنتشر المعاصي، وتقوم الحياة على المخالفات.

    في هذه الحياة المحدودة يُحِقُ الله عز وجل على العاصين العقوبات.

    والعقوبات -كما ذكرت لكم- تتنوع؛ لأن الذنوب هي سموم وهلاك القلوب، وضرر الحياة، والله يقول: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56] أصلح الله الأرض بالدين والرسالات، وأفسد الناس الأرض بالمعاصي والمخالفات، فهذه المعاصي سموم تنخر في قلوب البشر، فإذا خربت القلوب دمَّرت الحياة.

    رأيت الذنوب تميت القلـوب     وقد يورث الذل إدمانها

    وترك الذنوب حياة القلـوب     وخير لنفسك عصيانها

    وضرر المعاصي على القلوب أعظم من ضرر السموم على الأبدان، والذي يستقرئ التاريخ ويرجع إلى الوراء يرى ويلمس أنه ما من شر وقع في الأرض إلا وسببه المعاصي، يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه العظيم الذي أُوصي كل شاب بقراءته واسمه الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لأن كثيراً من الناس اليوم يقول: ما هو الدواء لما في قلبي؟ الدواء تجده في هذا الكتاب ..، فقد تكلم رحمه الله في هذا الكتاب عن آثار الذنوب والمعاصي.

    يقول رحمه الله: ما الذي أخرج آدم من الجنة؟

    كان آدم أفضل من الملائكة، والملائكة تسجد له، ولكن ما الذي أخرجه من الجنة؟! إنه شؤم المعصية، أمره الله بألا يأكل من الشجرة فأكل منها، فقال له الله: اخرج.

    وما الذي أخرج إبليس من الجنة وطرده، وبُدِّل بعد القرب طرداً، وبعد الرحمة لعنة، كان طاوس الملائكة، وما من بقعة في الأرض ولا في السماء إلا وقد عبد الله فيها، ولكن لما عصى الله ولم يسجد لآدم، وقال: أنا خير منه، قال له الله: فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ [ص:77-78].

    إهلاك قوم نوح

    ما الذي أغرق قوم نوح حتى علا الماء رءوس الجبال، وما رحم الله منهم أحداً، حتى ولد نوح، يشفع نوح في ابنه فيقول: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [هود:45] أنت قلت لي يا رب: فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ [المؤمنون:27] وهذا من أهلي فلماذا تغرقه؟ قال الله: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [هود:46] كان يتصور نوح عليه السلام أن الأهل هم أسرته وأبناؤه، والله يعني بالأهل أهل العقيدة، فإذا كان ابنك كافراً فما هو منك ولا أنت منه: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46].

    حتى ذكر المفسرون: أن امرأة من قوم نوح كان معها رضيع -وهي كافرة- فلما جاء الغرق، ونزل الماء من السماء، وخرج من الأرض، يقول الله: فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [القمر:11-12] حتى التنور الذي توقد فيه النار خرج منه الماء، يقول الله: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ [هود:40] كل مكان تتوقع أن يخرج منه الماء إلا مكان النار، ومع ذلك يخرج الله من مكان النار ماء، فالتقى ماء السماء بماء الأرض حتى غرق الناس، فكانت هذه المرأة قد صعدت على رأس جبل من أجل ولدها، فلحقها الماء وهي جالسة فقامت، ووضعت ابنها على رأسها حتى علاها الماء وعلا ولدها وأغرقهما جميعاً، ما الذي أغرقهم؟ المعاصي، كذبوا نوحاً وما آمنوا برسالته.

    إهلاك قوم عاد

    ما الذي سلط الريح على قوم عاد؟

    وعاد هي: إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:7-8] كانوا يسكنون في الأحقاف في حضرموت ، وكانت قبيلة من أشد القبائل، كان الواحد منهم طوله مثل النخلة، لما بين الله مصرعهم قال: كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة:7] كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً بأيديهم، يده مثل (البوكلين) ينحت الجبل فيصنع منه بيتاً، وكانوا على الخمر والزنا واللهو، جاءهم هود عليه السلام، فدعاهم إلى الله عز وجل فكذبوه، فأرسل الله عليهم الريح، فتح من جهنم قدر منخر ثور -مثل الحلقة- سماها الله (عقيم) وعقيم أي: لا تترك أي شيء وراءها: مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عليه إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ [الذاريات:42] ولهذا يقال للرجل الذي لا يلد: عقيم، يعني: إذا مات فليس بعده شيء، لأن العقيم لا يعقبه أحد، كذلك هذه الريح إذا جاءت على شيء لا تترك شيئاً، وإنما تهلك كل شيء.

    فلما جاءت الريح سوداء قالوا: هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا [الأحقاف:24] قالوا: هذا مطر، وهم على خمر وزنا ويريدون المطر، قال الله: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:24-25] استمرت عليهم سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة:7] كانت الريح تأتي إلى الواحد منهم فتقف عنده، ثم تلتف عليه وتحمله وتأخذه إلى عنان السماء فترمي به، فيهوي من السماء إلى الأرض ويتقطع قطعة قطعة والعياذ بالله بسبب ماذا؟ الذنوب والمعاصي!

    وما الذي سلط على ثمود قوم صالح الصيحة؟

    صاح فيهم جبريل صحية قطعت قلوبهم في أجوافهم؛ لأنهم كذبوا وطلبوا من صالح عليه السلام أن يخرج لهم من صخرة عندهم ناقة، وكان غالب أنعامهم الإبل، فطلب صالح ذلك من الله، فأخرج الله لهم ناقة عشراء، قال: قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ [الشعراء:155].. وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ [هود:64] تشرب يوماً وأنتم تشربون يوماً، فقاموا وتمالئوا عليها فعقروها، فلما عقروها سلط الله تبارك وتعالى عليهم الصيحة: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ [الحجر:83] .. فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً [المؤمنون:41] قطعهم الله وأهلكهم والأسباب هي الذنوب والمعاصي.

    إهلاك قوم لوط

    وما هو سبب هلاك قرى قوم لوط؟

    تلك القرى التي كانت تعيش في البحر الميت الذي هو الآن في الضفة الغربية ، وهذا المكان ميت لا تعيش فيه الكائنات الحية؛ لأنه موطن عذاب، كانت هناك قرى اسمها قرى سدوم، ست قرى في كل قرية مائة ألف، كانوا يأتون فاحشة إتيان الذكران من العالمين، وما كان أحد يأتي بهذه الفاحشة قبلهم، ولهذا قال الله: مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ [الأعراف:80] ولا سبقتهم إليها حتى البهائم، ما علمنا حماراً يركب حماراً ولا قرداً يركب قرداً ولا كلباً يركب كلباً أبداً، الحيوانات نفسها تعاف هذه الفعلة، لكن الحيوانات البشرية إذا ضلت عن منهج الله تفعل هذه الفعلة، ولذا أرسل الله عليهم جبريل ومعه الملائكة، فغرس جبريل جناحاً من أجنحته، ثم حمل القرى الست -قرىً فيها ستمائة ألف نسمة- بحرثهم وزروعهم وبيوتهم، حتى سمعت الملائكة في السماء أصوات الكلاب والقطط، ثم قلبها عليهم قال الله: فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا [الحجر:74] بسبب ماذا؟ المعاصي والذنوب!

    إهلاك قوم شعيب

    ما الذي أرسل الريح والسحاب والظلل على قوم شعيب؟

    فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ [الشعراء:189] تدرون ما هو عذاب يوم الظلة؟ -نعوذ بالله وإياكم من عذاب الله- كانوا يعيشون في بلادهم في مدين ، فكذبوا رسولهم شعيب عليه السلام، فأخذهم حر في البيوت، حر ضاقت منه نفوسهم، حرارة متناهية، إذا لمست جلده فإنه يفور مثل النار، إن جلسوا في البيوت حرارة، وإن خرجوا إلى الشمس حرارة، فماذا يصنعون؟

    جعل الله تبارك وتعالى في منطقة من مناطقهم ظلال، وهي سحاب في السماء من كان يجلس تحتها يأتيه برد، فاجتمعوا كلهم تحت هذه الظلة، وهذه الظلة هي ظلة العذاب: فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ [الشعراء:189] فلما جاءوا في هذا المكان نزلت عليهم هذه السحابة بالعذاب والتدمير وأهلكهم الله عن بكرة أبيهم بأسباب المعاصي.

    إهلاك قارون

    ما الذي خسف بـقارون؟

    يقول الله: إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عليهم وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص:76] إذا أعطاك الله مالاً ولست على دينه فلا تفرح؛ لأن هذا استدراج، أما إذا أعطاك الله مالاً وأنت على الدين فنعم المال الصالح في يد العبد الصالح، فكان قومه يقولون له: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:76-78].

    وهذا هو شأن الجاحد لنعم الله، يقول: إنما أوتيت هذا المال على علم، وذكاء، وفطنة، وخبرة، أنا رجل صاحب عقل، أنا عقلية تجارية، فقال الله: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ [القصص:78-79] لكن أهل الإيمان قالوا: وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ [القصص:80-81].

    لا إله إلا الله! ما أعظم الله! بينما هو في ملكه وزينته وخيلائه بين رجاله وكما في الحديث: (أوحى الله إلى الأرض أن ابتلعيه، فانشقت من تحت قدمه وابتلعته بكل ما عنده من قصور، وخزائن، ثم أُطبقت عليه).

    قال الله: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ [القصص:81-82] الذين يقولون يا ليت لنا مثل ما لـقارون يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:82-83] نسأل الله من فضله، وهذه النهاية دائماً لأهل التقوى.

    1.   

    آثار المعاصي على أهلها قبل العذاب

    أما المعاصي فإن شأنها التدمير، يقول ابن القيم : إن للمعاصي آثاراً -أيضاً- قبل العذاب:

    أولاً: أنها تجرئ العبد على الله، بدلاً من أن تكون عبداً تستحي من الله، فإنك بالمعاصي تصير عندك جرأة على الله، ولا تخاف من الله، تبارز الله بالعظائم، وإذا كثرت الذنوب طبعت القلوب؛ لأن الذنوب تتراكم وتتراكم، فلا يعرف القلب بعد ذلك إلا المعصية، ولا يعرف إلا المخالفة والعياذ بالله.

    ثانياً: ثم إنها تولد أمثالها، إذا عمل الشخص معصية قالت المعصية: أختي أختي، فيعمل الثانية، فتقول الثانية: أختي أختي فتدعو المعصية معصية أخرى إلى أن يغرق الشخص بالمعاصي، بينما إذا عمل طاعة قالت الطاعة: أختي أختي، فالحسنة تتبعها حسنة.

    ثالثاً: أن المعصية تمحق بركة العلم، العلم الذي يدرس الآن في المدارس والجامعات، ويقال في خطب المساجد والمحاضرات علم كافٍ لإنقاذ الناس، خطبة واحدة كافية، ولكن لماذا لم تعد هناك فائدة من العلم الذي يدرس في المدارس والجامعات وغيرها؟ لأنه يسمع الإنسان الكلام فيدخل من أذن ويخرج من أخرى بسبب المعصية، لكن الذي ليس عنده معاصٍ يستقر العلم في قلبه، يقول الشافعي وقد شكا إلى وكيع:

    شكوت إلى وكيع سوء حفظي     فأرشدني إلى ترك المعاصي

    وأخبرني بأن العلم نور     ونور الله لا يؤتى لعاصي

    إذا أردت أن يرزقك الله علم الخشية الذي يدلك على العمل الصالح؛ فعليك أن تتوب إلى الله من الذنوب والمعاصي.

    رابعاً: المعاصي تذهب ببركة الرزق: الرزق إذا كان فيه معصية تذهب منه البركة ولو كان كثيراً، لأن العبرة في الرزق ليست بالعدد والكم، لكن العبرة بالكيف والبركة، قد تجد شخصاً فقيراً لكن عنده بركة في رزقه وقناعة، وشخصاً غنياً وقلبه فقير، إذا سألته: كيف أنت يا أخي، كيف حالك؟ قال: الدنيا صعبة هذه الأيام، والسيولة النقدية غير متوفرة، والأحوال متأزمة، والاقتصاد العالمي متضعضع، بينما تجد آخر مصلي فتقول له: كيف حالك؟ قال: الحمد لله في نعمة وفي خير، آكل شارب والحمد لله.

    إذاً: من الفقير الحقيقي هذا أم ذاك؟ ذاك هو الفقير.

    وآثار الذنوب كثيرة جداً ولا مجال لاستقصائها لكن نذكرها باختصار:

    تعسير الأمور على الإنسان: لأن الذي يطيع الله ييسر الله له أموره، يقول الله تبارك وتعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً [الطلاق:4].

    ومنها أيضاً: وحشة يجدها العبد العاصي بينه وبين الله، وبينه وبين الطائعين من عباد الله، وبينه وبين المساجد، وبينه وبين القرآن، وبينه وبين الذكر، يعني: يُحس بوحشة فلا يستأنس، وهذه مصيبة أن تستوحش من ربك ومن بيوته وكتابه، وعباده الصالحين، وتبقى لك ألفة بالمعاصي وأعداء الله؛ لأن الذي يستوحش من الله يألف الشياطين، والذي يستوحش من بيوت الله يألف المقاهي والمخدرات والأماكن الموبوءة الخبيثة، والذي يستوحش من الطيبين يستأنس بالخبيثين، وهذه من عقوبات المعاصي التي يشقى الإنسان بسببها والعياذ بالله.

    وأيضاً: -وهي مهمة جداً- أن العاصي تسقط منزلته عند الله، وإذا سقطت منزلته عند الله سقطت منزلته في الأرض، لأن المعز والمذل هو الله، والعزة بيده عز وجل: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إليه يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ [فاطر:10] فإذا سقطت عزة وهيبة الإنسان ومكانته عند الله عز وجل أسقطها الله في الأرض، وأصبح الإنسان لا قيمة له، كما قال الله: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18].

    إن أعظم إهانة للإنسان أن يكون عبداً لشهواته، ومسخراً لتلبية نزواته، وهممه في الحياة واهتماماته محصورة بين شهوات البطون والفروج والمتع والأموال فقط، فلا يكون له أمل أكبر من هذا، إنما هو محصور في سجن الشهوة والهوى، والنفعيات فقط، لا يكون له نظرة أبعد فينظر إلى ما بعد هذه الحياة.

    هذا وأسأل الله الذي لا إله إلا هو لي ولكم التوفيق في الدنيا والآخرة.

    1.   

    الأسئلة

    هذا وأسأل الله الذي لا إله إلا هو لي ولكم التوفيق في الدنيا والآخرة، ونبدأ باختصار بالإجابة على بعض الأسئلة.

    وسائل تقوية نور البصيرة والإيمان

    السـؤال: ما هي الوسائل التي تؤدي إلى قوة نور البصيرة؟ وما هي الوسائل التي تؤدي إلى قوة الإيمان؟

    الجـواب: أما نور البصيرة فيأتي بوسائل من أهمها:

    أولاً: تلاوة كلام الله، لأن الله سمى القرآن (نور)، فالذي يكثر من قراءة النور تتجمع هذه الأنوار في قلبه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً [الشورى:52] وقال في آية أخرى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً [النساء:174] وقال في آية أخرى: قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ [المائدة:15] فتلاوة القرآن الكريم تجعل في قلبك نوراً.

    ثانياً: من وسائل تقوية نور البصيرة: قراءة السنّة المطهرة التي جاءت عن الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه، فإن الله أرسله: شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً [الأحزاب:45-46] فهو سراج للأمة صلوات الله وسلامه عليه، فإذا قرأت من سنّته أضاء الله في قلبك سراج الإيمان ونور الإيمان.

    ثالثاً: من وسائل تقوية نور البصيرة: المحافظة على الصلاة في المساجد، فإنها محطات النور، كما قال الله في سورة النور بعد أن ذكر آية النور قال: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ [النور:36] فكأن هذه الأنوار موجودة في (بيوت) أي: في المساجد.

    رابعاً: من وسائل تقوية نور البصيرة: مرافقة الصالحين الذين يحملون هذا النور؛ لأن الذي معه نور تستطيع أن تمشي معه، إذا مشيت في ليلة وليس عندك مصباح ولكن زميلك معه مصباح، فإنه يضيء لك الطريق، فترى بنوره، وكذلك الذي تعيش معه وعنده إيمان ينفعك إيمانه؛ لأنه إذا جاء وقت الصلاة قال: نذهب إلى الصلاة فتقوم تصلي معه، وإذا جاءت معصية قال: اتركها فتتركها، وإذا جاءت طاعة قال: هلم نقبل عليها فتقبل على الطاعة معه، وإذا جاء ذكر لله حثك عليه فتذكر الله، فأنت بمرافقتك للطيبين أصحاب النور الإيماني يزرع الله في قلبك النور، هذه وسائل تقوية نور البصيرة.

    أما وسائل تقوية الإيمان فهي كذلك ست:

    أولاً: قراءة القرآن.

    ثانياً: قراءة السنّة.

    ثالثاً: المحافظة على الطاعات.

    رابعاً: البعد عن المعاصي.

    خامساً: البحث عن قرين صالح.

    سادساً: الحذر من قرين السوء.

    هذه ست وسائل لتقوية الإيمان، إذا عملت بها؛ فإنه بإذن الله يزداد إيمانك.

    وصايا مفيدة لمن هدايته قريبة

    السـؤال: أنا شاب في بداية الطريق فما نصائحك لي جزاك الله خيراً؟

    الجـواب: بدايةً: أهنئك بأنك في بداية الالتزام، وأنك انتقلت من حياة العبث واللهو والباطل إلى حياة الإيمان والعمل الصالح، وأسأل الله لي ولك الثبات على هذا.

    وأنصحك: أولاً: بالتوبة من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها.

    ثانياً: بالمحافظة على الطاعات كبيرها وصغيرها.

    ثالثاً: طلب العلم: يلزمك أن تطلب العلم، فوسائل طلب العلم متعددة: عن طريق الكتاب والشريط الإسلامي، وعن طريق الحلقات والندوات، وعن طريق دروس العلم الموجودة في جدة ، فتجعل لك برنامجاً وتطلب العلم؛ لأن العلم يزيد في إيمانك إن شاء الله عز وجل.

    إضافة إلى ذلك ترك قرناء السوء، والاحتكاك والجلوس مع القرناء الصالحين الذين تزداد بهم أنساً وألفةً وأنت في طريقك إلى الله تبارك وتعالى.

    وأدلك على شريط محاضرة جيد بعنوان: (أسباب الهداية عشرة أسباب) وشريط آخر اسمه: (وسائل الثبات على دين الله اثنا عشر سبباً) وهاتان محاضرتان ألقيتهما في الرياض.

    أفضل كتاب تفسير للمبتدئين

    السـؤال: دلنا على بعض الكتب في التفسير لطالب العلم، والبعيدة عن التحريف والإسرائيليات؟

    الجـواب: أحسن كتاب ندل الشباب المبتدئين عليه، كتاب جديد اسمه: أيسر التفاسير ، يتكون من خمسة مجلدات للشيخ: أبو بكر جابر الجزائري ألفه بأسلوب عصري حديث، ثم إن الرجل مطلعٌ على كل كتب التفسير، فيأتي بالآيات ثم يشرحها شرحاً إجمالياً، ثم يشرح المفردات، ثم يبين الأحكام المستفادة والهدايات التي دلت عليها تلك الآيات.

    وسائل إزالة قسوة القلوب

    السـؤال: ما السبيل إلى إزالة قسوة القلب، وإسراع دمعة العين، والخشوع في الصلاة والخوف من الله عز وجل؟

    الجـواب: هناك وسائل كثيرة لا يتسع المجال لها، لكن أهم شيء منها:

    - قراءة القرآن بتدبر وتمعن.

    - الإكثار من ذكر الموت.

    - زيارة المقابر.

    - التأمل في هذه الحياة وفي سرعة زوالها وانقضائها.

    - أكل الحلال؛ لأن الذي يأكل الحلال يخشع قلبه لذكر الله.

    - البعد عن الذنوب والمعاصي، واستحضار عظمة الله في ممارستك للصلاة والعبادة.

    حكم من تعطرت خارج بيتها

    السـؤال: هذه أخت في الله تقول: إنها تعمل مُدَرسِة وتذهب مع السائق إلى باب المدرسة، ومعها زميلاتها، وعندما تدخل المدرسة تضع عطراً في أول اليوم الدراسي فما يأتي آخر اليوم إلا وقد ذهب العطر، وزوجها يمنعها من ذلك، فما الحكم في هذا؟

    الجـواب: لا يجوز للمرأة أن تتعطر إذا خرجت من بيتها، بل ينبغي أن يكون العطر خاص بالزوج وفي البيت في داخل الغرفة، أما إذا خرجت فلا يجوز؛ لأنها حتى إذا ركبت مع نساء فإن أثر العطر يبقى في السيارة، وحتى إذا دخلت في المدرسة فإن أثر العطر يبقى في المدرسة، وإذا جاء عمَّال النظافة ينظفون بعد العصر يشمون الرائحة، وقد تخرج الرائحة من المدرسة للمارين، فالأولى للمسلمة ألا تقرب العطر مطلقاً إلا في البيت.

    وقد تقول بعض الأخوات: إن رائحتها قد تكون كريهة؟ فنقول: إذا اغتسلت المرأة وتنظفت بالصابون والماء فإنه لا يبقى عليها أي رائحة إن شاء الله، أما العطر فإنه رائحة مغرية، فالعطر يلفت انتباه الناس نحوك، وأنتِ لستِ بحاجة إلى أن تجذبي النظر إليك إلا نظر زوجك، ولهذا سميت التي تتعطر زانية: (أيما امرأة استعطرت ثم خرجت ليشم الرجال ريحها فهي زانية زانية زانية).

    ونشير هنا إلى مسألة ذكرتها ولم تسأل عنها، وهي: كونها تأتي مع سائق، إن كانت تأتي مع سائق لوحدها فهذا محرم لأنه: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) وإن كانت تأتي مع سائق وهناك بعض الزميلات بحيث يركبن كلهن سوياً وينزلن سوياً -فلا تركب واحدة ثم تأتي الثانية، أو ينـزلن وتبقى واحدة معه- والمسافة ليست مسافة سفر، يعني: داخل المدينة، والسائق مؤتمن، والزميلات كلهن ثقات، فلا بأس، أما إذا كان السائق خائن فلا ولو كن عشر نسوة؛ لأن الخائن سوف يختلس النظر، والمرأة لا تستطيع أن تمنع عينيه من النظر، وتقول له: لا تنظر، بعضهم يرجع إلى الوراء وهو لا يحتاج أن يرجع إلى الوراء لكن من أجل أن ينظر إلى النساء، يتقحم النار والعياذ بالله.

    نصيحة لمن ابتلي بالعادة السرية

    السـؤال: لي أربع سنوات في الالتزام، وأنا في حلقة من حلقات تحفيظ القرآن الكريم، ولكني مبتلى بالعادة السرية، ولا أقدر على تركها إلى الوقت الحالي فما نصيحتكم؟

    الجـواب: يا أخي الكريم يبدو أنك ضعيف الإرادة وشهواني، ولذا لا بد من مراجعة حسابك مع نفسك، لأن العبد الشهواني لا يصلح أن يكون عبداً لله، العبد الشهواني تغلب عليه نزواته لدرجة أن يكون طالب علم وملتزم ومن أهل القرآن، وبالرغم من هذا يصر على فعل هذه العادة الشيطانية القبيحة المحرمة، والتي صاحبها -والعياذ بالله- ملعون، والتي تأتي يده يوم القيامة حبلى له، كل حيوان منوي يخرج عن طريق الاستمناء باليد -فيما يسمونه بالعادة السرية، وما هي عادة سرية إنما هي عادة شيطانية، ويسمونها في الشرع نكاح اليد والعياذ بالله- ولكن لا يرى آثار هذا الحمل إلا يوم القيامة، وتصور أن شخصاً معه ستمائة ولد يوم القيامة يسحبهم بيده، فهذه مصيبة.

    أقول لك: اتقِ الله! اتقِ الله! والرسول صلى الله عليه وسلم قد أعطاك العلاج حين قال: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم) هذا هو الدواء الرباني، لم يقل فعليه بيديه؛ لأن بعض الشباب يقول: أنا لست متزوجاً، وإذا لم يكن عندك زوجة فهل تلجأ إلى الحرام؟ أين أنت من الآية الكريمة؟ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33] معناها: أن تكون عفيفاً، وهناك وسائل كثيرة تمنعك من قوة الشهوة:

    أولاً: لا تكثر من الأكلات التي تزيد في شهوة الرجل، إذ لا تزال شاباً وأنت غير متزوج، وكل من الأطعمة التي ليس فيها ما يقوي الشهوة، فالأطعمة التي تقوي الشهوة مثل: اللحوم والشحوم والبر والسمن والعسل، لكن كل من البقوليات والخضروات، أيضاً ابذل جهداً بدنياً ليستنفذ طاقتك، فإن كان أبوك تاجراً فاعمل في الدكان احمل واصعد وانزل، وإذا كان عندك مزرعة فاعمل في المزرعة، فإذا لم يكن عندك مزرعة ولا تجارة استهلكها في الرياضة، ضع لك في البيت أثقال، المهم لا تصل إلى الفراش إلا وأنت متعب؛ من أجل أن تنام مباشرة.

    ثم لا تكثر من التفكير في هذه القضايا، إذا جاءك التفكير قم صلِّ ركعتين؛ لأنك بهذا تكيد الشيطان، فبعدها لا يجعلك تفكر؛ لأنه يعرف أنك إذا فكرت فسوف تصلي ركعتين.

    ثانياً: إذا جئت تنام على الفراش وما جاءك النوم فاقرأ القرآن، أو السنّة، لا تأتِ الفراش وأنت لا تجد حاجة للنوم، لأن تقلب الإنسان على الفراش وهو لا يحتاج للنوم يجعله يفكر في هذه الأمور، فيعبث بيده فيحصل منه هذا الشيء والعياذ بالله.

    ثالثاً: لا تنظر إلى الحرام؛ لأن النظر المحرم يذكي هذه الشهوة، فلا تشاهد الأفلام والمسلسلات التي فيها قصص غرام أو صور نساء، ولا تقرأ المجلات ولا الجرائد العارية والرخيصة. لا تقرأ القصص الغرامية.

    رابعاً: استشعر خوفك من الله، تذكر أنك عبد لله، وأن الله عز وجل ما خلقك لهذه الأفعال القذرة، وأنك إنسان مفضل ومكرم، ثم اطلب من الله أن يتوب عليك.

    أعمار أمة النبي صلى الله عليه وسلم

    السـؤال: قلت: إن الإنسان بعد المائة سنة ليس له أي دور، وهذا فيه نوع من المبالغة، إننا نعرف بعض الناس قد بلغوا المائة وهم لا يزالون أقوياء، ويوجد عندنا شيخ كبير في السن يجيد إتقان أصوات القبائل الأخرى؟

    الجـواب: أنا قلت: إن النادر ممن يجاوز المائة، يعني: أكثر من مائة سنة ليس هناك أحد يعيش، هذا بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين وقليل من يجاوزهما) والذي يقول إنه في المائة لو جئت تراجعه بالضبط لوجدت أنه أقل من ذلك؛ لأنه لم يكن في السابق تاريخ للولادة، أحد الناس يزعم أن عمره مائة وعشرون عاماً، لما جئنا نحسب تبين لنا أن عمره ثمانون سنة، وأربعون سنة من مبالغات الإنسان، فقليل الذي يصل إلى المائة، ونحن نتكلم عن العموم فقط ولا نتكلم عن التدقيق في الناس، على العموم أعمار الناس كما جاء في الحديث (ما بين الستين والسبعين وقليل من يجاوزهما).

    طلب بتكرار الزيارة

    السـؤال: لا نريد أن تكون الزيارة مرة واحدة في الشهر نريد أن تكون أكثر من ذلك، وأن تتعاونوا معنا هنا في حضور الجلسات والحلقات؟

    الجواب: جزاك الله خيراً، ولكني أرى أن في تكرار الزيارة مشقة عليَّ، فإن لدي التزامات كثيرة في غير مدينة جدة -في مكة والرياض والمدينة والطائف وأبها - وفي كل مدن المملكة مما يجعلني لا أستطيع حتى المجيء مرة في الشهر، ولكن أسأل الله الإعانة.

    حكم الطعن في أعراض المسلمين

    السـؤال: بعض الشباب الملتزم -هداهم الله- لديهم بقايا من خراب جاهليتهم السابقة قبل التزامهم، وهذا أكثر ما يكون في اللسان، فتجده يتكلم على فلان وفلان، ويصف هذا بأنه باطل، وأن فلاناً كلامه غير صحيح؟

    الجـواب: هذه من الأمراض التي يشيعها الشيطان بين الناس، فإذا رأى الشاب الملتزم الذي يحفظ نفسه، ولا ينظر إلى الحرام، ولا يسمع الأغاني وغير ذلك، استعمله في طريق ثانٍ وهي: شغله بأكل لحوم العلماء والنيل من المشايخ، وتتبع سقطات الصالحين وتضخيم أخطائهم، وكأنه جندي من جنود إبليس، وهذا لا يجوز في شرع الله، غيبة المسلم حرام، وغيبة العلماء أشد حرمة، فإن لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في الذين ينالون منهم معلومة، وما رأينا إنساناً تتبع لحوم العلماء بالجرح والثلب والتنقص إلا نكبه الله في الدنيا قبل لآخرة والعياذ بالله، فنوصي طلبة العلم والفضلاء أن ينصرفوا إلى الدعوة، وإذا رأوا في إنسان من الصالحين أو من الطيبين خطأ أو معصية أو تقصيراً فالناس كلهم خطاءون، من ذا الذي لا يخطئ؟ فالكمال لله عز وجل.

    وعليك أن تنصح هذا الشخص المخطئ بالاتصال الهاتفي، أو بالرسالة البريدية، أو بالمواجهة الشفوية، وتقول: يا شيخ أنت قلت كذا -مثل هذا الأخ جزاه الله خيراً الذي كتب لي هذه الورقة وقال لي: أنت قلت كذا وكذا- وهذا حق ليس فيه شيء، ونحن نقبل النصيحة -أيها الإخوان- فالذي يريد أن يكون كاملاً كذاب، والمعصوم هو الرسول صلى الله عليه وسلم، والعاصم هو الله تبارك وتعالى، فما ينبغي للإنسان أن يتتبع سقطات الناس، ولا أن يتخذ لحومهم غرضاً، فيتكلم فيهم في المجالس، ويضع من قدرهم بحجة أنه متدين.

    إن التدين الحقيقي هو الذي يبعثك على العمل للإسلام لا على النيل من العاملين للإسلام.

    نختم -أيها الإخوة- بالدعوة إلى التبرع لإخواننا في جميع ديار المسلمين، وهذه رسالة جاءتني من الندوة العالمية للشباب الإسلامي ، وهي ندوة مباركة تقوم بخدمة الأمة الإسلامية في كافة أنحاء العالم بما لها من برامج دعوية، وأنشطة ووسائل توعوية، وأمور إغاثية، ومخيمات شبابية، وهي تطلب منكم مد يد العون والمساعدة لتستمر في مواصلة الخير، والعمل الصالح لخدمة الإسلام والمسلمين.

    أسأل الله لي ولكم التوفيق ولهم الإعانة، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.