إسلام ويب

قوارب النجاةللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن كثيراً من الناس اليوم يبحثون عن قوارب النجاة في هذه الحياة الدنيا التي هي دار فناء، فمنهم من يريد أن يؤمن مستقبله، ومنهم من يريد أن يؤمن عيشة أولاده ... إلى غير ذلك، ولكن القليل منهم من يبحث عن قوارب النجاة التي توصله إلى الآخرة .. القارب الذي ينجي العبد من ساحل جهنم ويدخله إلى جنة الله سبحانه، وإن من أعظم القوارب المنجية تلاوة القرآن الكريم وتدبره، وإقامة الصلاة كما شرعها الله سبحانه، وذكره سبحانه في كل وقت.

    1.   

    سبيل النجاة في الدنيا والآخرة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أولاً: أشكر رئيس نادي الوديعة وهيئة الإدارة على إتاحة هذه الفرصة المباركة؛ لنلتقي في هذه الليلة المباركة في سمر إيماني رمضاني نصل فيه عبادة الصيام بعبادة التراويح والقيام، بعبادة السمر الإيماني في روضة من رياض الجنة تحفنا فيها الملائكة، وتغشانا الرحمة، وتنزل علينا السكينة، ويذكرنا الله عز وجل فيمن عنده؛ لأن التكامل في حياة المسلم مطلوب، وهو يعيش في هذا الشهر العظيم حياة روحية عظيمة يقضي يومه في الصيام، ثم يقضي جزءاً من ليله في التراويح والصلاة والقيام، وهو أيضاً مطالبٌ بأن يقضي سمراً مفيداً نافعاً له في دينه ودنياه، فجزى الله الإخوة القائمين على أمر النادي خيراً.

    وفي الحقيقة هذا هو الوضع الطبيعي للأندية، وهذه هي الوظيفة الرئيسية لرعاية الشباب؛ لأن النادي مركز تربوي يهتم برعاية الشباب اهتماماً متكاملاً في جميع مناحي الحياة، لا يغلب جانباً على جانب، يهتم بأرواح الشباب وبعقائدهم وبدينهم وبإيمانهم وبثقافتهم، كما يهتم بأجسادهم وأجسامهم، والناس يفهمون رسالة الأندية فهماً خاطئاً، ولذا يقصرونها في الجانب المادي، وأن النادي فقط مركز لتربية الأجساد، ولا يظنون أن من واجبه أيضاً حماية الأرواح؛ لأن الجسم لا قيمة له إلا في ظل صلاح الروح.

    يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته     أتطلب الربح مما فيه خسران

    أقبل على الروح واستكمل فضائلها     فأنت بالروح لا بالجسم إنسانُ

    الروح راكب، والجسد مركوب، والإكرام دائماً للراكب، فإذا أكرمت المركوبة وأهين الراكب كان هذا قلباً للحقائق، فلو كنت ضيفاً وجئت إلى مضيفك كان الناس في الماضي على الحمير والجمال والبغال، فمن إكرام الضيف: إكرام دابته، لكن إكرام الضيف بما يليق به، وإكرام الدابة بما يليق بها، لكن ما ظنكم لو أن ضيفاً أتى على دابته إلى مضيفه فأدخل الدابة في المجلس، وأخذ بيدك وأدخلك في الصالة وربطك برجلك ووضع لك علفاً، وأخذ الحمار وأدخله المجلس وأعطاه الرز واللحم، هل هذا عرف حقيقة الأمر؟

    ولو ادعى وقال: يا أخي! أنا أكرمك، تقول: صحيح أنت تكرمني لكن لا تعطيه كرامتي، أكرمه بما يليق به، وأكرمني بما يليق بي.

    وكذلك هذا البدن مركوب، والراكب الروح، فإذا أكرمنا ونعمنا وريضنا وعالجنا وحفظنا الجسد، ثم أهملنا الروح، بل ليتنا أهملناها فقط، وإنما سممناها، وقتلناها ونحرناها وعذبناها، عاش الإنسان في قلب للموازين، يعيش في عذاب بروحه مهما تنعم جسده، وهاهي البشرية تعيش هذا العذاب، يقول الله عز وجل: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] وإن سكن العمارات، وامتطى أحدث الموديلات، وتزوج أجمل الزوجات، وامتلك ملايين الريالات؛ لأنه إنما يرفه بهذه الإمكانيات عن كائنه الجسدي، أما كائنه الروحي وهو أهم شيء في عنصريه فلن يجد سعادة إلا في ظل الدين والإيمان الذي إذا فقده فقد السعادة.

    وها هي البشرية اليوم تفقد سعادتها وهي تعيش في أوج قمتها المادية، حطمت المادة وسخرتها وفجرتها، واستخدمتها أعظم استخدام، وحققت من الإعجاز والإنجاز العلمي ما يبهر العقول، ولكن على حساب الروح، المادة في تطور والروح في تأخر، فماذا حققت؟ حققت الشقاء والعذاب، وها هم في أوروبا وأمريكا والدول المتطورة يعيشون حياة القلق، حتى يقول علماؤهم ومفكريهم بأنهم لا ينامون إلا بفعل الحبوب المخدرة، لا يوجد نوم، قلق مستمر وعذاب، وهذا وعد الله عز وجل حين يقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124].

    فبناء الشباب في الجزئيتين المتكاملتين: بناء روحه عن طريق الثقافة الإسلامية، والمحاضرات الإيمانية، وإقامة الشعائر الدينية، هذا مطلوب في النادي كمركز تربوي، إلى جانب حماية جسده عن طريق الألعاب الرياضية التي لا تتعارض مع مبدئها الأصلي الذي هو عقيدته ودينه وإسلامه، هذا هو واجب الأندية، والحمد لله أننا نلمس هذا الاتجاه بشكل واضح في جميع الأندية الموجودة في المملكة مما يدل على اهتمام القائمين على أمرها، فبارك الله فيهم وفي جهودهم، ونسأل الله عز وجل أن يحقق الخير لأبناء المسلمين على أيديهم إنه على كل شيء قدير.

    أما محاضرة هذه الليلة؛ فهي بعنوان: "قوارب النجاة" هذه الحياة -أيها الإخوة- بحر هائج ومحيط متلاطم ينزله الإنسان؛ فإما أن يسبح فيه وينجو، وإما أن يهلك فيه ويغرق، ولا خيار للإنسان حينما جاء إليها، يقول أحدهم:

    جئت لا أدري من أين ولكني أتيت

    ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت

    وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت

    كيف جئت؟

    كيف أبصرت طريقي؟

    لست أدري

    ولماذا لست أدري؟

    لست أدري

    جاء إلى هذه الحياة وهو لا يدري لماذا جاء إليها، ولا إلى أين سيذهب بعد أن يؤدي دوره على مسرحها؛ فتولد عن هذا الجهل العذاب والشقاء والضلال والحيرة والقلق والاضطراب، مثل من يعيش في صحراء لا يدري إلى أين يتجه، هذه الحياة -أيها الإخوة- جئنا إليها، ونحن على يقين أننا سننتقل منها، ونحن مسافرون منذ أن وطئت أقدامنا على ظهر هذه الحياة، وما من يوم يمر ولا ساعة ولا شهر ولا سنة تدور إلا ونحن نقطع مرحلة من مراحل أعمارنا على هذه الحياة، ونقترب من المصير المحتوم الذي سنفاجأ به في نهاية المطاف وهو الموت، وهناك ننزل من مسرح الدنيا ونعامل في الآخرة على ضوء سلوكنا في هذه الدار، إما إلى الجنة وإما إلى النار.

    الموت باب وكل الناس داخله     يا ليت شعري بعد الباب ما الدار

    وقال الآخر:

    الدار جنة عدن إن عملت بما      يرضي الإله وإن خالفت فالنار

    هما محلان ما للمرء غيرهما     فاختر لنفسك أي الدار تختار

    ليس هناك في الآخرة من دار إلا الجنة أو النار، وأنت في هذه الدنيا تسير، وسيرك فيها يجب أن يكون فيه نوع من التوقي والحماية؛ لأنك معرض فيها لمعاطب ومشاكل، والله أوجدك على ظهرها وجعل لك هذه المعاطب، وأمرك بالتوقي وبالتقوى حتى تصل سالماً إلى جدار الموت، أما إذا لم تتوق ووقعت في حفرها وأشواكها وحبائلها وزجاجاتها ومعاطبها؛ فإنك سوف تعطب، وسوف تنالك هذه الجروح، ولكن لن تشعر بها إلا إذا وقفت عند الموت تريد النزول وإذا بك معطل من كل جانب، عينك وأذنك ويدك ورجلك معطلة ومسمومة بالحرام، وإذا بك مدمر في كل جزئياتك، وهناك تطلب الرجعة من أجل التصحيح، فلا يستجاب إلى طلبك، كما قال عز وجل: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99] يطلب الرجعة ليصحح الوضع مع الله وليتق الله، لكنه فوت الفرصة فلا مجال له، قال عز وجل: كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ [المؤمنون:101].

    هذه الحياة يشبهها العلماء بالبحر المتلاطم، وليس من وسيلة للنجاة فيها إلا عن طريق قوارب النجاة، والقوارب موجودة ومتوفرة، وبإمكان كل من أراد أن ينجو من محيط هذه الحياة وبلياتها ومصائبها أن ينجو، وإذا تعلق وركب في القوارب نجا، وإذا أهمل الأسباب وعطل الوسائل وعاش معتمداً على الأماني هلك، والطالب في الجامعة أو المرحلة الثانوية أو المتوسطة أو الابتدائية يهتم بالدراسة من أول العام، ويحصل ويجتهد، ويحل الواجبات، ويحضر المحاضرات، ويلخص الدروس، ويراجعها أولاً بأول، ويستعد للمذاكرة، حتى إذا جاءت ساعة الصفر ودخل صالة الامتحان كان معبأً بالمعلومات التي اكتسبها خلال عامه الدراسي، فيجيب على الأسئلة، ويقدم الورقة مملوءة بالإجابة الصحيحة، ويتوقع النجاح والتقدم في درجات العلم، هذا هو المنطق؛ لأنه أخذ بالأسباب، وركب في قوارب النجاة من الامتحان.

    لكن ما ظنكم في طالب بليد مهمل لم يحضر درساً، ولم يتابع محاضرة، ولم يحل واجباً، وإنما اكتفى بالأماني واللعب والفوضى والبلادة وعدم المتابعة، وفي آخر العام حينما علق الجدول قيل له: هذا الجدول علق، انتبه، قرب الامتحان، قال: دعونا من التعقيدات.. ودعونا نعيش فقط، إذا جاء الامتحان يفرجها الله، وأخذ الجدول ومزقه، وفي أول يوم من أيام الامتحان أخذ قلمه وذهب إلى الامتحان وعقله فارغ من المعلومات ودخل إلى الصالة، وحينما قعد على الطاولة وسلم ورقة الأسئلة وقرأها، وإذا به لا يعرف جواباً ولا حرفاً واحداً، فما كان منه إلا أن رفع إصبعه ودعا رئيس اللجنة، وقال: من فضلك أريد أن تعطيني ساعة أخرج إلى الخارج أنظر في الإجابة وآتيك، ما رأيكم هل يطيعونه في الدنيا؟ ما سمعنا بهذا، ما رأيكم لو أطاعوه؟ لو أن رئيس اللجنة أخذته الرحمة، وقال: ما دام أنك تعبان ولا تعرف فلا مانع، هذه الورقة ولك ساعة واحدة، خذ الدفتر وأجب على الأسئلة وتعال بها، هل تبقى هناك قيمة للامتحانات؟

    السنة الثانية الطلاب جميعهم لن يذاكرو، ويقولوا: سنفعل مثل زميلنا هذا، ونأتي في آخر السنة ونطلب من الأستاذ ونخرج فنجيب على الأسئلة لماذا نتعب طوال العام؟

    وبالتالي تتحطم العلوم والمعارف، ولا يبقى علم أبداً في الأرض، لماذا؟ لأن الناس سيكونوا جهلة، يحملون شهادات فارغة من المضمون؛ لأنهم ما ذاكروا ولا درسوا، وإنما يجلسون يلعبون إلى آخر السنة، ومن ثم ينقلون الأسئلة من كتاب الإجابة ويحضرونه وهم لا يفهمون ما فيه، هذا لا يصير أبداً في عرف الناس، فكيف يمكن أن يصير عند الله عز وجل؟

    كيف تتصور أن تعيش عبداً لشهواتك، وملبياً لرغباتك، ومعانداً لمولاك، وقاطعاً لبيوت ربك، هاجراً لكتاب ربك، ثم تتمنى الأماني وتقول: الآخرة إن شاء الله يحلها حلال، مثلك كمثل هذا الطالب البليد الذي لن يجاب إلى ما يطلب، كما قال الله عز وجل عنهم أنهم يقولون إذا دخلوا النار: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] قال الله عز وجل لهم: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ [فاطر:37].

    هذه الدنيا تحتاج إلى قوارب لمن أراد أن ينجو ويخرج منها إلى دار السلام، وقد اخترت لكم من قوارب النجاة ثلاثة قوارب، وإلا فالقوارب كثيرة، لكن لضيق الوقت ولئلا يطول معنا الزمن اخترت ثلاثة قوارب مهمة، وهي وحدها كافية وكفيلة بمن ركب فيها وتمسك بها أن يصل إلى ساحل النجاة، وأن يدخل بر الأمان، وأن يدخل جنة عرضها السماوات والأرض، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن ينجو من نار حرها شديد، وقعرها بعيد، وعذابها أكيد، وطعام أهلها الزقوم، وشرابهم المهل والقيح والصديد، أمانيهم فيها الهلاك، وما لهم منها فكاك، قد شدت أقدامهم إلى النواصي، واسودت وجوههم من ظلمة المعاصي، ينادون من شعابها بكياً من ترادف عذابها، يا مالك! قد أثقلنا الحديد، يا مالك! قد نضجت منا الجلود، يا مالك! قد تقطعت منا الكبود، يا مالك! العدم والله خيرٌ من هذا الوجود، يا مالك! أخرجنا منها فإنا لا نعود، فيقول لهم بعد قدر عمر الدنيا مرتين: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77].

    لماذا؟ قال: لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:79-80].. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].. هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الجاثية:29].. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً [الإسراء:14].

    1.   

    حال فريق اليمين والشمال يوم القيامة

    لا تظنن أنك مضيع، والله ما من كلمة ولا خطوة ولا عمل تعمله إلا وهو مسجل عند الله عز وجل، يقول الله عز وجل: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6] أنت نسيت كل شيء في حياتك، هل تذكر شيئاً مما تم خلال ذلك اليوم من أعمالك؟

    هل تذكر المعاملات التي مرت عليك؟

    هل تذكر ماذا تسحرت أو أفطرت، ومن قابلت أو زرت وزارك؟

    لا، بل تنسى، هل تذكر قبل شهر أو قبل سنة أو قبل سنواتك كلها؟ لا. لكن الله لم ينس شيئاً: فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ [المجادلة:6] نسيت لكن الله لا ينسى: فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى [طه:52] كل شيء مسجل ستجده بين يديك في يوم القيامة؛ فإما أن ترفع رأسك: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [آل عمران:30] وتأخذ كتابك بيمينك وتقول: هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ [الحاقة:19] مثل الطالب المجد الذي يأخذ شهادته ويرفعها وهو في الطريق، بعض الطلاب وهو يمشي في الطريق لا يعرف أحداً لكن يري الناس وهم لا يعرفوه، يقول: أنا ناجح، ونحن ما علينا منك ولو أنك ناجح، أنا أذكر مرة إنى كنت سائراً في الشارع وإذا بأولاد خرجوا من المدرسة يبشروني وأنا لا أعرفهم وهم لا يعرفوني، لكن من شدة فرحتهم بالنجاح كل واحد يقول: أنا ناجح، قلت: مبروك.

    فيقول الإنسان يوم القيامة: هَاؤُمُ اقْرَأوا كِتَابِيَهْ [الحاقة:20]هذه شهادتي: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:20] فعملت صالحاً: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:21-24] ليس كلوا واشربوا بما فكرتم، أو جمعتم، أو أخذتم من مناصب، أو وفرتم من جاه، لا. هذه لا تنفع عند الله يوم القيامة ولا تسقي صاحبها ماء، جاهك ومنصبك ونسبك ومالك وأولادك ومنزلتك وسمعتك، دعاية الناس لك، وثناء الناس عليك، ومحبتهم لك... لا ينفع عند الله شيء إلا العمل الصالح. والعمل السيئ يضر، فيقولون: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ بالأرصدة التي عملتموها في أيامكم الخالية.

    وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ [الحاقة:25] أخذ الشهادة باليسار، فلا يري الناس، مثل الطالب الذي يأخذ شهادته، وإذا بها مملوءة بالدوائر الحمراء، راسب! ما رأيكم يذهب يريها أهله؟ لا. يأخذها ويضعها في جيبه، وإذا ذهب إلى البيت، قالوا: بشرنا، عساك ناجح، قال: لم تظهر النتيجة، وهو يعرف أنها ظهرت، لكن يريد يمهد للفشل، وذهب اليوم الثاني ورجع إليهم، هاه؟ قال: ظهرت، قالوا: بشر، قال: يقولون إنهم سمعوا اسمي، قالوا: إن شاء الله خير غداً تتأكد، وذهب غداً وأهله ليسوا فرحين عرفوا أن فيها شيئاً، من يوم أتى بالخبر من أول يوم لا يوجد خبر صحيح، جاء في اليوم الثالث، هاه؟ قال: الحمد لله أبشركم كلها تمام ما عدا مادتين فقط، الحمد لله، يحمد الله على الفشل الغبي، ولكن والده نظر وإذا بها ثمان! ما المقصود بالمادتين؟ قال: المادتان صعبة أما البقية فهي يسيرة، هذا البليد في الدنيا يخجل من الناس ومن أبيه وأمه؛ لأنه سقط، وسقطة الدنيا يسيرة، مثل الذي يسقط من على الطاولة إلى الأرض، هناك دور ثانٍ، وإذا لم يكن هناك دور ثانٍ فهناك سنة ثانية، وإذا لم يكن هناك سنة ثانية فالدراسة ليست ضرورية، أذهب وأتوظف ولو حتى في حجر وطين.

    لكن سقطة الآخرة سقطة من الدرجات العلى إلى دركات النار، سقطة ما بعدها سقطة، ليس هناك درجة ثانية ولا دور ثانٍ ولا غرفة ثانية، وإنما نار وعذاب أبدي نعوذ بالله من النار.

    فهذا الذي يأخذ شهادته بشماله وكتابه الذي عبأه ولطخه بالجرائم والمنكرات والمعاصي والسيئات، فإذا رآه، قال: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ [الحاقة:25] يتمنى أنه ما رأى هذه الشهادة: وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ [الحاقة:26] يقول: ليتني لم أعلم عن هذا الحساب، ولا نوقشت إياه، ولا اطلعت عليه: يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:27] يتمنى أنه قضي عليه ولم يبعث: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [الحاقة:28] يتذكر ما الذي كان يشغله في الدنيا عن الدين وإذا به المال، أو السلطة والوظيفة والمنصب: هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:29] يقول: ذهب مني المال ولم يغن عني، وهلك عني السلطان ولم ينفعني، فيقول الله للزبانية: خذوا هذا الدجال الكذاب الذي كان يلعب على الحبلين، يلعب في الدنيا ويريد الآخرة بدون عمل: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30] والغل هو: وضع القيد في الرقبة واليدين والرجلين، يقول الله: فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ [الرحمن:41] أي: تربط ناصيته في قدمه، ثم يوضع في قيد واحد برقبته: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة:31] أي: أوصلوه في النار: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:32] السلك هو: إدخالها من فمه وإخراجها من دبره، من أجل أن يشتوي في النار، وكأن قائلاً يقول: يا رب! ما فعل هذا؟ فقال عز وجل: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة:33] ما عنده تصديق بلقاء الله، الذي لا يعمل صالحاً ما آمن بالله، والذي يعمل المعاصي والمنكرات ما آمن بالله، لماذا؟ لأنه لو آمن وصدق لعمل وانتهى.

    الآن الموظف عندما يؤمن بصرامة المدير ومراقبته على الدوام وأنه دقيق، من السابعة والنصف ليس هناك أحد يوقع إلا من عنده، تجد كل الموظفين يأتون الساعة السابعة والنصف، لكن إذا عرفوا أن المدير يأتي الساعة التاسعة، يأتون هم الساعة التاسعة إلا خمس، ويوقعون الساعة السابعة والنصف؛ لأن المدير يأتي الساعة التاسعة، لكن لو أن المدير يأتي الساعة السابعة ونصف، ويقول: يا فلان ادخل أحضر الكشف، ويقول: التوقيع من على طاولتي، لا أحد يوقع من عند السكرتير، وكل موظف يأتي ينظر إليه كم الساعة يا فلان؟ ثمانية، ضع ثمانية، ثم يفرغ جدول الموظفين هؤلاء في ورقة صغيرة، ويقول: على شئون الموظفين اعتماد الحسم على التالية أسماؤهم: فلان الفلاني يوم كامل ويعطيه، ما رأيك في شعور الموظفين، من غد هل يأتون من الساعة السابعة والنصف؟ وربما من السابعة تجده على الطاولة، لماذا؟ آمن بالعقوبة، وعرف أن هناك حسم وأنه يوجد مدير حازم، لكن إذا كانت الأمور تمشي بتساهل تجد نصف الدوائر الآن يأتون الساعة التاسعة والتاسعة والنصف والعاشرة، ما أتى الفراش ليفتح فضلاً عن الموظف أو المدير، لماذا؟ أمنوا العقوبة فأساءوا العمل.

    وكذلك الذي يأمن العقوبة في الآخرة يسيئ العمل، لا يعمل صالحاً ولا ينتهي عن محرم؛ لأنه ما آمن حقيقة فيقول الله: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:33-37].

    - قوارب النجاة في الحياة الدنيا:

    فإذا أردت النجاة فعليك بقوارب النجاة، هذه القوارب الثلاثة أخذتها من آية من كتاب الله في سورة العنكبوت الآية رقم (45) يقول الله عز وجل موجهاً الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله رحمة للعالمين، وما وجه له من الأوامر فهو موجه بالتالي لأتباعه، يقول الله له: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ [العنكبوت:45] هذا القارب الأول وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [العنكبوت:45] هذه هي قوارب النجاة الثلاثة، تلاوة الكتاب الكريم، وإقامة الصلاة، وذكر الله عز وجل.

    1.   

    من قوارب النجاة تلاوة القرآن الكريم وتدبره

    أما تلاوة القرآن فللآتي:

    سبب كون القرآن من قوارب النجاة

    لأن الكتاب هو الذي ربط الأرض بالسماء، فبعد نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم أصلح الله الأرض، قال الله عز جل: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56] بم أصلحت الأرض؟ أصلحت بالرسالة، وبتعاليم السماء، والتوجيهات الربانية، كانت الأرض عبارة عن غابة،شريعة الغاب هي التي تحكمها، القوي يأكل الضعيف، سلب وقتل ونهب، وزنا وخمور وفجور، وجور وميسر وقمار كل ما شئت من المعاصي موجود في الأرض، لماذا؟ لأنه لا توجد شريعة تحكم، ولا توجيهات توجه من الله.

    حتى بعث الرسول صلى الله عليه وسلم ونزل عليه الكتاب الكريم، فأصلح الله الأرض بتعليمات السماء، وضبط مسارات الناس، وجعل لكل واحد مساراً، عينك لها مسار تنظر بها في مساراتها، لا تنظر بها إلى شيء آخر، عينك هذه أمانة في رأسك، يقول الله عز وجل: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:8-10] مادامت العين لله وليست لك، ولا ركبتها أنت في رأسك، ولا اشتريتها من السوق، بل هي من الله، فالله هو مالكها وآمرها، أمرك الله بأمر ونهاك عن نهي ما هو؟ أمرك أن تنظر بعينك هذه في ملكوت السماوات والأرض، قال عز وجل: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [يونس:101].. أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6]، وأمرك بأن تنظر بها في مصالحك، وأن تنظر بها في كتاب ربك وفي سنة نبيك وفي هديك وتعاليم إسلامك، ونهاك أن تنظر بهذه العين إلى ما حرم عليك، لا تنظر بها إلى محارمه؛ لأن الله يغار على محارمه، ومحارمه أن تأتي ما حرم، لا يجوز لك أن تطلق عينك في امرأة لا تحل لك، لماذا؟

    لأنك تعذب قلبك.

    والمرء ما دام ذا عين يقلبها     في أعين الغير موقوفاً على الخطر

    يسر ناظره ما ضر خاطره     لا مرحباً بسرور عاد بالخطر

    فأنت إذا فتحت عينك على النساء رأيت أشكالاً وألواناً وموديلات جديدة، ومن ثم لا تقدر عليها ولا تصبر عنها، وبالتالي تنعكس على قلبك الهموم والمشاكل وتعيش معذباً، وأكثر الذين يفتحون عيونهم في الحرام الآن يعيشون في عذاب، يخرج من بيته وليس في قلبه هوىً واحداً، لكن يذهب إلى السوق أو المعرض ويرى واحدة فترميه بعينها ويرميها بعينه، فيرجع إلى البيت وهو مريض، لا يتعشى ولا ينام ولا يفعل شيئاً، ما بالك؟ قال: آه، الله المستعان! ماذا حصل؟ ما الذي احترق في الدنيا؟ احترق قلبه، ما الذي أحرق قلبه؟ النظرة المحرمة:

    كم نظرة فعلت في قلب ناظرها     فعل السهام بلا قوس ولا وتر

    وأنت إن أرسلت طرفك رائداً     لقلبك يوماً أتعبتك المناظر

    رأيت الذي لا كله أنت قادر      عليه ولا عن بعضه أنت صابر

    ويقول الآخر:

    وأنا الذي جلب المنية طرفه          فمن المطالب والقتيل القاتل

    فالله من أجل أن يحميك أنت ويحمي حرمات الناس حرم عليك النظر، وقال: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ [النور:30] وقد يأتي شخص ويقول: لماذا؟

    قال الله: ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [النور:30] والذي يعيش في تعليمات هذه الآية ويغض بصره ولا ينظر إلى الحرام يعيش في سعادة وفي راحة عظيمة ليس بعدها راحة.

    ولكن قد يقول قائل من الشباب: ماذا أعمل أنا؟ كيف أعمل بغرائزي؟ وماذا أفعل بإمكاناتي؟ أنا شاب وأحب الجمال، وأريد النساء وأريد أن ألتفت؟ نقول له: تلفت، لكن متى؟ أخِر النظر إلى أن تتزوج، فإذا تزوجت ودخلت عليك زوجتك في غرفتك وأقفلت الباب، ابلعها بعيونك، لماذا؟ لأنك تنظر إلى شيء بيدك، وفي إمكانك أن تصل إليه، ولكن عندما تلتفت إلى شيء بيد الناس، مثل واحد يموت جوعاً والناس معهم طعام في قدورهم، وهو جالس يشم، ما رأيكم هل الشم يغذيه ويشبعه؟ بل يقطع قلبه، ماذا نقول له؟ نقول له: قل: باعدوا قدوركم هذه منا، دعونا على خبزتنا وكسرتنا؛ فإن هذه الروائح قطعت قلبي، وما شبعت من الرائحة.

    ونحن نقول للناس: ذلك أزكى لكم، أن تغضوا أبصاركم عن الحرام؛ فإن من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم غضوا أبصاركم، واحفظوا فروجكم، وصونوا أسماعكم، ذلك أزكى لكم.

    فالله عز وجل حينما أنزل القرآن ربط الأرض بتعليمات السماء، وأصبح الناس وهم في الأرض يعيشون، لكنهم يعيشون وهم معلقون بالله، عيونهم في الأرض لكنها عيون ربانية لا تنظر إلى حرام، أسماعهم في الأرض لكنها أسماع ربانية لا تستمع الحرام: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً [الإسراء:36].. وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ [الأحقاف:26].. وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل:78].

    فبتلاوة الكتاب، وبالارتباط بالله عن طريق القرآن تنجو، لماذا؟ لأنك تصبح عبداً ربانياً لست عبداً شهوانياً شيطانياً تحكمك شهواتك، وتسيطر عليك غرائزك، وتسيرك نفسك، ويمشيك شيطانك، الآن الذي ينفلت شيء واقع ما للواحد خيار فيه، إما أن تلتزم بدين الله فتكن مع الله، أو تنفلت عن الدين فتكن مع الشيطان، كبديل لا بد منه، لا يوجد شخص يقول: لا والله أنا لا أريد أن ألتزم بدين الله، وأيضاً أنا أريد أن أبقى حراً من الشيطان، لا. ما من أمر لله إلا ويقابله أمر للشيطان، فلمن تكون؟ خير لك أن تكون لربك أم لعدوك؟ لخالقك أم لمخرجك من الجنة؛ الذي أقسم عليك أن يردك إلى النار، وقال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ص:82]؟

    التمسك بالقرآن الكريم نجاة يوم القيامة

    القرآن إذا تمسكت به وبتعليماته نجوت، يقول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52] سمى الله القرآن روحاً ينفخ الله به الحياة في قلوب الناس: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ [الشورى:52] أي: القرآن وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى:52-53] ويقول في القرآن الكريم: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [يونس:57] أي: القرآن وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ [يونس:57] في قلبك شيء من الأمراض علاجها في القرآن الكريم، الأمراض المعنوية، مرض الزنا والغناء والنوم خصوصاً نوم الصبح الذي يتغنى به الناس، لا يوجد في الشرع نوم الصبح، يوجد استيقاظ (بارك الله لأمتي في بكورها) لكن اليوم الناس يتغنون بنومة الصبح! حتى يقول بعضهم:

    نومة الصبح تسوى      ملك كسرى وعداً يوه

    على وزن قصيدة:

    بالله عليك يا موزع     شي معاكم بريد يوه

    كنت أسمع هذه القصيدة وأغني بها في السابق، والآن أفكر أقول: ما معنى كلمة يوه؟ لكن نسمع الأغاني ونردد كلماتها كالببغاء، ما موقعها من الإعراب (يوه)؟! فقال الثاني على وزنها:

    نومة الصبح تسوى      ملك كسرى وعداً يوه

    لا والله ما عند المؤمن نومة الصبح، نومة الصبح هذه هي نومة الشيطان، يبول فيها الشيطان في أذن النائمين عن صلاة الفجر، ويقول لهم: نم عليك ليل طويل. إذا كان عندك في قلبك مرض من هذه الأمراض، مرض نومة الصبح والنظر إلى الحرام، واستماع الحرام، وحب الزنا، والربا، والرشوة، وشهادة الزور، وعقوق الوالدين فإن الشفاء في كتاب الله يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ [يونس:57-58] أي: القرآن وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58] إذا فرح الناس بالمال فافرح أنت بالقرآن، وإذا فرح الناس بالوظائف والمناصب فافرح أنت بكتاب الله، إذا فرح الناس بالزوجات والأولاد فافرح أنت بالقرآن، وإذا فرحوا بالعمارات والسيارات فافرح أنت بالقرآن؛ لأن الله يقول: فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].

    اتل القرآن اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ [العنكبوت:45] يقول الله عز وجل في القرآن الكريم: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] ويقول: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [النساء:82].

    فأول وأهم قارب تسعد به في الدنيا والآخرة هو هذا القرآن، يقول الله عز وجل فيه: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً [الفرقان:32].

    فإذا أردت أن تنجو عليك بكتاب الله، ووالله الذي لا إله إلا هو ما يعاني الناس اليوم من جفاف في الأرواح ومن فقر في القلوب والإيمان ما هو إلا نتيجة لبعدهم عن القرآن، وانظروا اليوم حينما يدخل رمضان ويتوجه الناس إلى المصاحف ويشترونها من المكتبات ويأتون المساجد ويقرءون كيف تتحول أخلاقهم، وتهدأ نفوسهم، وتنمو أرواحهم بأسباب قراءة القرآن، هل تتصورون شخصاً شريراً والقرآن في جيبه؟! هل تتصورون شخصاً عاصياً وهو يقرأ القرآن؟! لا. لكن إذا ترك الشخص القرآن تسلط عليه الشيطان.

    كالعيس في البيداء يقتلها الظما     والماء فوق ظهورها محمول

    كيفية توثيق الصلة بالقرآن كقارب نجاة

    إذا كنا نقرأ القرآن ونهجره ولا نعمل به فهذه مصيبة، فأول قارب ينبغي لك يا من تريد النجاة هو أن تُحكِم وتوثق صلتك بكتاب الله عز وجل عن طريق خمسة أشياء.

    أولاً: تلاوة القرآن: لأن الله يقول: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً [المزمل:4] والترتيل: هو قراءة القرآن بمعرفة الوقوف ومخارج الحروف، لا تقرؤه كما تقرأ جريدة أو تقرأ مجلة أو كتاباً، لا. هذا كلام الله يختلف عن كلام البشر، يقول الله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر:17] تقرؤه كما أنزل، وتتلقاه كما ورد عن طريق عالم، وإذا لم تستطع فعن طريق المصحف المعلم، هناك أشرطة المصحف المعلم تضع الشريط والمصحف أمامك ويقرأ الشريط وتردد بعده، وتعرف بعد فترة -إن شاء الله- كيف تقرأ القرآن تلاوة.

    وليكن لك ورد يومي ليس أقل من جزء في كل يوم، إذ لا ينبغي لمسلم أن يمر عليه شهر دون أن يختم كتاب الله مرة واحدة، ومن لم يختم القرآن في الشهر مرة فهو هاجر لكلام الله والهاجر لكتاب الله سيكون عرضة للشكوى التي ستقدم فيه يوم القيامة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرها الله في سورة الفرقان، قال الله عز وجل: وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً [الفرقان:30] يجب أن يكون لك ورد يومي لا يقل عن جزء، وأحسن وقت للتلاوة بعد صلاة الفجر، وبعد صلاة العشاء، وبعد صلاة المغرب، وقبيل الصلوات الخمس، عندك فرص بفضل الله متاحة لك، إذا كنت في الدوام بمجرد أن يؤذن المؤذن أوقف كل عمل، حتى القلم الذي بيدك والمعاملة التي أمامك إذا سمعت الله أكبر، الله أكبر من كل شيء، إذا كنت في اجتماع قل: انتهى الاجتماع، بعض المدراء لا يعقدون الاجتماع إلا وقت الصلاة، فلا يوفق هذا الاجتماع؛ لأنه اجتماع عصي الله فيه بتضييع فريضة الله، لا. إذا دعاك الله لا تؤخر أمره؛ لأنه إذا دعاك المدير أو الأمير أو الوزير وأنت عندك اجتماع ما رأيك؟

    تقول: أكمل الاجتماع وآتيك، أم تقول: عن إذنكم! عندي مكالمة من المسئول الأعلى؟ لا تستطيع أن تتأخر، دعاك الله، أمر الله عندك أهون من أمر غيره، ما عرفت الله ولا قدرته عز وجل، دعاك الله: الله أكبر، أغلق الكتب وضع القلم، وقم وتوضأ واذهب إلى المسجد وفي الصف الأول واقرأ، ستقرأ بين الأذان والإقامة ربع جزء، وفي العصر مثلها، وفي المغرب مثلها، وفي العشاء مثلها، يمكن يمضي عليك اليوم وأنت قد قرأت جزءاً، هذا أول شيء، واجعل هذا وردك.

    يقول بعض الإخوة: أحسن طريقة أن تجعل لك في اليوم الجزء الذي يوافق اليوم من الشهر، بالطبع رمضان يختلف، رمضان يجب أن تختم فيه أقل شيء في كل ثلاثة أيام مرة، يكون وردك في كل يوم عشرة أجزاء؛ لأن هذا شهر القرآن، كيف تفعل وأنت في شهر القرآن؟

    اتل الكتاب وسبح فيه مجتهداً          فإنه شهر تسبيح وقرآن

    ليس هناك شغل في رمضان إلا كتاب الله والصيام والقراءة؛ لأنه في يوم القيامة يشفع لك الصيام والقرآن، لكن في غير رمضان تبدأ من أول يوم في الجزء الأول، اليوم الثاني في الجزء الثاني، وفي اليوم الثالث وهكذا، تقرأ في ثلاثين يوماً ثلاثين جزءاً، لماذا؟

    لأنه يسهل عليك الحساب، وتعرف أنك اليوم في أربعة عشر يوماً فتقول: إذاً أنا اليوم في الجزء الرابع عشر، المصحف الذي بجيبي أقرأ فيه، فإن لم يكن بجيبي أقرأ في المسجد في الجزء الرابع عشر، ليس في المسجد فقط في السيارة أو المكتب، أو أي مكان أقرأ وردي، هذا أول شيء تلاوة القرآن، إذا أردت أن تنجو، قد يقول شخص من الناس: أنا لا أستطيع، نقول: على راحتك لا تستطيع، لكن ستعض على أصابع الندم، وتقول: يا ليتني أطعت الله وأطعت الرسول، يا ليتني أخذت هذا القرآن، يا ليتني عملت به، لكن (يا ليتني) لا تنفعك يوم القيامة أبداً.

    ثانياً: تدبر كتاب الله.

    والتدبر بأن تتدبر من القرآن في كل يوم صفحة واحدة، أي: تقرأ الصفحة وتنظر تفسيرها من تفسير ابن كثير أو من كتاب أيسر التفاسير للجزائري، وأما أن تقرأ القرآن ولا تفهمه فما أنزل الله القرآن من أجل ألا يفهمه الناس، هل توقع على معاملة بدون أن تفهمها؟ وإذا وقعت عليها بماذا يصفك الناس؟ بأنك مجنون، إذ كيف تقرأ كلام الله ولا تفهمه؛ لأنك مخاطب به، وفيه أوامر ونواهي وأخبار وأحداث وقصص، كتاب فصلت آياته ثم أحكمت، لا بد أن تعرف كتاب ربك تدبراً.

    ثالثاً: العمل.

    قرأت وتدبرت ومن ثَم تعمل، مررت على آية: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ [النور:30] تقول: فتغض بصرك، مررت على: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ [الإسراء:36] لا تسمع الحرام، مررت على: وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الإسراء:33] وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً [الإسراء:32] وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الأنعام:152] انتهينا، أقيموا الصلاة تمتثل آتوا الزكاة. لا بد، لماذا؟ تعمل بتعليمات ربانية وأنت عبد مؤمن، تصدق كتاب ربك وتعمل بكتابه، أجل تلوت وتدبرت وعملت.

    الرابع: تدعو إلى كتاب ربك.

    لا تجلس في مجلس إلا وأنت تبشر بهذا القرآن، تقول لزميلك: يا أخي! لماذا لا ترتل القرآن؟ لماذا أنت معزول عن الله؟ كيف تعيش بدون كتاب الله؟ كم وردك من القرآن؟ تدعو إليه حتى تكون من أهله.

    الخامس: الاستشفاء بالقرآن الكريم؛ لأنه شفاء لما في الصدور، يقول الله عز وجل: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82] سواءٌ من الأمراض الحسية أو المعنوية، فهو مجرب، الفاتحة شفاء، وآية الكرسي شفاء، المعوذتان شفاء، لكن لا يترتب الشفاء إلا بأمرين:

    أولاً: صلاح ويقين المستشفي أي: القارئ.

    ثانياً: صلاح الموضع والمحل الذي يقرأ عليه الإنسان.

    أما إذا انتفى صلاح الفاعل أو المفعول به لا تحصل العافية.

    هذا التفصيل الموجز والمختصر حول المركب والقارب الأول من قوارب النجاة وهو قارب: تلاوة كتاب الله عز وجل.

    1.   

    من قوارب النجاة.. إقامة الصلاة

    القارب الثاني: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] أقم الصلاة، والتبرير بعدها يفسر أهميتها؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصلاة صلة بين العبد وبين الله، الصلاة رابطة وحبل ممدود من السماء إلى الأرض، والذي معه رابطة بالله ومستمسك بحبل الله لا يمكن أن يفعل فحشاء أو منكراً؛ لأنه يشعر بأنه مع الله، كيف يعمل الفحشاء في الصباح وهو يعرف أنه سيأتي بعد قليل يقف بين يدي الله في الظهر؟ كيف يفعل الفحشاء بعد الظهر وهو يعلم أنه سيقف بين يدي الله في العصر؟ لا يمكن أبداً؛ لأنه يستحيي.

    ولذا يلحظ المتدبر والمتأمل لحكمة تشريع الصلاة أنها العبادة الوحيدة التي تلازم الإنسان على مدار حياته في كل أحواله، الصوم شهر في السنة، أحد عشر شهراً لا يوجد فيها صوم إلا نافلة، الزكاة مرة في العام، وإذا كان هناك مال ودار عليه الحول وبلغ النصاب، الحج مرة في العمر، وجميع الفرائض محددة بأزمان وهيئات إلا الصلاة فليست مرة في العمر، ولا العام، ولا الشهر، ولا اليوم، بل كل يوم خمس مرات، أول ما تفتح عينك قبل أن تأكل وتشرب تصلي، هل يمكن لشخص أن يعمل أو يأكل قبل الفجر؟ لا. تفتح عينك على الصلاة، ومن ثم تمشي بيومك إلى أن ينتصف النهار تأتي صلاة الظهر، فإذا أوشك النهار على الانصراف صليت العصر، فإذا انصرم النهار ودخل الليل صليت المغرب، فإذا أردت أن تودع الليل والنهار بالنوم تصلي العشاء، فتنام بعد صلاة، وتستيقظ على صلاة، وتنتصف في نهارك في صلاة، وتصلي العصر والمغرب: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78] أي: في زوالها إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً [الإسراء:78] لأنها حبل.

    يقول أحد العلماء: (الترمومتر) الإيماني الذي تقيس به إيمانك موجود معك وهو الصلاة، لا يمكن أن يكون (ترمومتر) الإيمان صيام رمضان؛ لأنك قد تصوم رمضان وترتفع عندك نسبة الإيمان فترفع درجته بـ(الترمومتر) الإيماني إلى أعلى درجاته، لكن الصوم ينتهي ويأتي شوال وذو القعدة وذو الحجة ينزل، فنأتي لنقيسك فليس هناك مقياس مثل المقياس في رمضان، وفي الحج يمكن أن تصفو روحك، وتتوب إلى الله، ومن ثم تنزل لا نستطيع نقيسك، وكذلك الزكاة، قالوا: المقياس الثابت هو الصلاة. إذا أردت أن تعرف نسبة الإيمان ودرجته عندك فقسه على المقياس الثابت الملازم لك طوال الليل والنهار وهو الصلاة.

    قدر الصلاة ومكانتها في الإسلام

    الصلاة هي الفرق ما بين المسلم والكافر، يقول عليه الصلاة والسلام والحديث في صحيح مسلم : (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) ويقول كما في سنن أبي داود وهو صحيح: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر) وأجمعت الأمة على أنه ليس عمل تركه في الإسلام كفر إلا الصلاة؛ لأنه يقطع صلته بالله، ويهدم إسلامه؛ ولأنها عمود الإسلام، وفي سنن الترمذي وسنن أبي داود حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه -وهو حديث صحيح- حينما سأل النبي صلى الله عليه وسلم: عن عمل يدخله الجنة ويباعده عن النار؟ قال له: (ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة) ولا يمكن أن يقوم إسلام لعبد وهو لا يصلي، إذ أنها آخر موقع يخسرها الإنسان في دينه، أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، فمن ترك الصلاة فلا دين له ولا أمانة، يقول عمر : [أما إنه لا حظ في الإسلام لمن أضاع الصلاة] وكان صلى الله عليه وسلم يوصي في آخر حياته ويقول للأمة: (الله .. الله بالصلاة، الله .. الله بالصلاة، الله .. الله بالصلاة وما ملكت إيمانكم) والله يقول: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً [مريم:59].

    والذي يترك الصلاة يكفر بالله، وإذا كفر بالله انتفت عنه حقوق المسلمين وانتهى، هو مسلم بالصلاة؛ فإذا تركها تنتفي عنه كل حقوق المسلم، لا يؤاكل ولا يشارب، ولا يجالس ولا يسلم عليه، ولا يشمت إذا عطس، ولا تجاب دعوته إذا دعا، وإذا مات لا تشهد جنازته ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، حرام عليك إذا كان عندك ولد أو أخ وتعرف أنه لا يصلي حرام عليك إذا مات أن تأتي للناس وتقول: تعالوا خذوه وصلوا عليه وأدخلوه مع المسلمين، وإذا غدرتهم وخنتهم فإنك خائن لأمانة الله؛ لأنك قبرت كافراً بين مسلمين، وجعلت المسلمين يصلون على كافر، وغسلته وهو كافر، وإنما قال العلماء: يسحب برجله، وتحفر له حفرة، ويكب على وجهه، ولا يوجه، ولا يوضع على القبلة؛ لأنه ليس من أهل القبلة.

    ومن ثم تحرم عليه زوجته، إذا كان متزوجاً فبمجرد ترك الصلاة ينفسخ العقد، ولا يحتاج الأمر إلى طلاق؛ لأن الطلاق للمسلم، أما الكافر فإن عقدة يصبح فاسداً وباطلاً، ولا يجوز للمرأة المسلمة أن تمكن نفسها من كافر لا يصلي، وإذا جلست في بيته وهو لا يصلي وتعرف أنه لا يصلي، ويمر عليه الوقت ولا يصلي؛ فإنه إذا مكنته من نفسها فإنما يزني بها زنا، وأولادها منه أولاد حرام وسفاح -والعياذ بالله- وإذا علم أبوها أو أخوها أن زوجها لا يصلي وأنها معه؛ فإنما يرضون بأن تأتي ابنتهم الفاحشة والزنا وهم ينظرون؛ لأنهم إنما زوجوها بالإسلام، فلو أن عندك بنتاً أو أختاً وجاءك يهودي أتزوجه؟ هل هناك مسلم يزوج يهودياً؟ لو أعطاك عشرة ملايين ريال وهو يهودي اسمه شارون أو شامير أتعطيه ابنتك؟

    والله لا تعطيه حمارك، إذاً ما الفرق بين اليهودي والذي لا يصلي؟ لا شيء، عندما زوجته زوجته باسم الإسلام؛ لأنه مسلم، وأعطيته ابنتك بكلمة الإسلام، وبخطبة الإسلام، وبآيات الإسلام؛ فإذا ترك عمود الإسلام حرمت عليه الزوجة، وإذا رضيت أن تقعد معه وأنت تعرف أنه لا يصلي فإنا لله وإنا إليه راجعون.

    أهمية إقامة الصلاة جماعة

    قال عز وجل: وَأَقِمِ الصَّلاةَ [هود:114] والتعبير بـ(أقم) فيه دلالة، ما قال الله: وصل؛ لأن إقامتها غير صلاتها وأدائها، أقم: أي أدها كما شرع الله، أولاً: في بيوت الله مع جماعة المسلمين؛ لأنه لا تقبل الصلاة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ، وقد قرأت هذا الكلام أخيراً في كتابه العظيم الاختيارات الفقهية ، يقول: إن الجماعة في المسجد شرط في صحة الصلاة إلا من عذر. أي شخص صحيح البدن ويصلي في البيت وليس مريضاً ولا خائفاً، يقول: أنا أصلي هنا وهي مقبولة، صلاته غير صحيحة، من سمع المنادي فلم يمنعه من اتباعه عذرٌ لم تقبل منه صلاة صلاها.

    ولهذا نقول للناس الذين هم صحيحوا البدن ولا يصلون في المسجد: لا تتعبوا أنفسكم، لماذا تخدعونها؟ بالله هل سمعتم بدوام في البيوت؟ ما رأيكم في موظف يقول: أنا لا أريد أن أداوم في الإدارة، وسوف آخذ طاولتي والمعاملة ترسلوها إلي، وأنا سأجلس أداوم في البيت من أجل تكون زوجتي عندي والفراش والشاي، وإذا نمت نمت، ما رأيكم. هل يعطونه راتباً؟ يقولون: لا. دوام الحكومة في دوائر الحكومة، فإذا أردت أن تداوم في بيتك خذ الراتب من عند زوجتك. وكذلك هذا الذي يصلي نقول له: صلاة الله في بيوته، والذي يريد أن يصلي في بيته يأخذ الراتب من زوجته، ليس له أجر على صلاته هذه إلا من عذر، وما العذر؟ خوف أو مرض، إذا خرجت خفت أن تقتل، أو مرض إذا دخل عليك الدب الأسود من غرفتك ما قمت تصلي.

    أما وأنت معافى وآمن، فلا تصح فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص للأعمى الذي كانت تحيط به ظروف قاسية جداً، جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال: (يا رسول الله! إني رجل أعمى، ضرير البصر) وتصور لو أنك أعمى وطلب منك الآن أن تخرج من هذه الصالة، تغمض عينيك دقيقة فقط ولا تزيد، كيف تتحول الحياة في نظرك؟ من يسوق سيارتك؟ وإذا رجعت إلى بيتك كيف ترى بيتك؟ وكيف تعرف جمال زوجتك؟ وكيف تعرف جمال غرفة نومك وجمال أولادك؟ كيف تعرف السماوات؟ كيف تعرف موديلات السيارات؟ كيف تعرف أشكال العمارات؟ كيف تعرف اتساع الشوارع؟ من الذي يعطيك تعبيراً وتفسيراً لكل هذه الدنيا وجمالها، ولهذا من صبر على فقد عينيه كان له عند الله الجنة.

    فهذا الرجل ضرير البصر أعمى، يقول: إنني أعمى، بعيد الدار، يقولون: كان بينه وبين المسجد أكثر من أربعة كيلو مترات، والمدينة كثيرة الهوام، ليست الشوارع مزفلتة ولا مضاءة، لكن حفر وأشواك ووديان وهوام، وحيَّات وعقارب وسباع، ومن ثم قال: (وليس معي قائد يقودني). يقول: ما معي واحد على مدة أربع وعشرين ساعة باستمرار، قد أجد شخصاً مرة ولا أجد الثانية، ومن يدلني على المسجد؟ وكيف أتخبط يا رسول الله! وأنا أعمى وبعيد الدار؟ وكيف أفعل؟ قال: (أتسمع النداء؟ قال: نعم. قال: فأجب. لا أجد لك رخصة).

    إذاً: فما رأيك أنت يا من ترى ألك رخصة؟ احكم على نفسك بنفسك!

    ما رأيك أنت يا من أنت قريب من المسجد ألك رخصة؟

    ما رأيك يا من تربطك بالمسجد شوارع مزفلتة ومضاءة؟ بل بعضهم لديه سيارة عند بابه، يشغلها إذا كان بعيداً ويمشي إلى المسجد ويصلي، يقوم من غرفة نومه لا يخرج إلى الخلاء كما كان الناس في الماضي، كانوا يخرجون من بيوتهم إلى الخارج يأخذون من القربة ماء، فتلفحهم الرياح الباردة في الظلام الدامس، ويتوضئون في الخلاء، ومن ثم تتشقق أقدامهم ووجوههم من البرد والماء البارد، اليوم لا. تخرج من غرفة نومك إلى الحمام الخاص بغرفتك، حتى ما تخرج إلى غرفة أخرى، كل موديلات البيوت الآن غرفة نوم وحمام داخلي، ومن ثم تدخل وتفتح الصنبور فينزل عليك الماء حاراً، تريد أن تعدله تفتح الصنبور الثاني فيصبح من أحسن ما يمكن.

    وقد أخبرتكم أن شخصاً من تهامة جاء مرة عندي، ففتحت له الصنبور يريد أن يتوضأ، فنزل عليه الماء وإذا به حار، قال: أوه! قلت: ماذا بك؟! قال: ماء حار نزل من الجدر علي، لم ير (طباخة) ولا (دافوراً)، قلت: ماء حار من عندنا، قال: الحمد لله.

    هذه نعمة -يا إخوان- تفتح وتتوضأ بالماء الحار، وأنت واقف والمنشفة أمامك تمسح، وتدخل غرفة نومك تلبس ملابسك الداخلية، ثم تلبس ملابس الصلاة، ثم تخرج تذكر الله في شوارع مضاءة ومزفلتة: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ [النور:36-37].

    هل لك عذر بعد هذا؟ ليس لك عذر والله، فأقم الصلاة في المسجد، وبكامل الطهارة في البدن والثوب والمكان، ومن ثم بكامل حضور القلب والخشوع.

    أهمية الخشوع في الصلاة

    لا تأت تصلي وأنت تخطط لمزرعتك وعمارتك ودروسك، ولتجارتك ومشاغلك، بعض الناس يدخل في الصلاة ويقول: الله أكبر، ثم يسلم ولم يعرف ما قرأ الإمام، هذا ما صلى حقيقة؛ لأنه يكتب للعبد من صلاته ما حضر فيها قلبه، حضرت ربعها لك ربعها، حضرت نصفها لك نصفها، لم تحضر ما لك شيء، فلا بد أن تحضر قلبك -يا أخي- لا توسوس وتستسلم للشيطان، ومن ثم إذا انتهت الصلاة -ومدتها عشر دقائق- اقعد ووسوس إلى الفجر.

    يأتي بعض الناس صلاة العشاء، كم صلاة العشاء؟ أطول صلاة للعشاء عشر دقائق، فمن بداية دخوله للصلاة وهو يوسوس، وبعد أن ينتهي من الصلاة ينتهي الوسواس، إذا أحضروا له سفرة الطعام الأرز، واللحم، والشربة، والإدام، والحلوى، والفواكه؛ لا يوسوس في شيء إلا في الصحن هذا، من أين يأكل؟ ومن أين يأتي؟ وبقي هذه، وبقي قسمنا هناك، لكن في الصلاة تأتيه الأفكار، وإن كان عنده عمارة جاءه الشيطان قال: ما رأيك في العمارة؟ المخطط ليس سليماً، و(البرندة) الفلانية ما تستفيد منها، والدرج ليس موقعه جيداً، وذلك الجانب تشكيلته ليست جيدة، فيعطيه أفكاراً؛ فإذا انتهى من الصلاة شطب على المخطط ونسيها، فلا صلى ولا خطط.

    من أين تأتي الأفكار للناس؟ من الشيطان في الصلاة، فلابد من حضور قلبك؛ لأنك إذا لم يحضر قلبك فلا صلاة لك، يقول العلماء: إن الصلاة جسد والخشوع روح، ولا قيمة للجسد إلا بوجود الروح، إذا مات الميت الآن ما الذي يخرج منه؟ الروح، إذا خرجت الروح هل بقي شيء من الجسد؟ الجهاز الهضمي والسمعي والبصري والتنفسي والعظمي والدموي .. كل شيء موجود، لكن ذهبت الروح، فماذا يسمونه؟ يقولون: الجنازة، أو المرحوم، أو الهالك، لكن إذا ردت الروح إليه تصبح له قيمة، ولو ذهبت عينه أو يده، أو تقطع قطعة قطعة وبقيت روحه له قيمة، وكذلك الصلاة لا قيمة لها إلا بالخشوع وبروحها، فإذا حضر القلب في الصلاة لها قيمة، فلا بد من حضور قلبك في الصلاة.

    ومن ثم حتى تكون مقيماً للصلاة لا بد أن يكون لها أثر في حياتك؛ لأنه إذا كان هناك انفصال بين سلوكك وصلاتك فكأنك ما صليت؛ لأن الله يقول: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45] فكونك تصلي وتخرج من باب المسجد تنظر إلى النساء فما صليت حقيقة، بعضهم يخطط للمعاصي في الصلاة، أين أسهر الآن؟ وأين أذهب أتلفت؟ ومن أكلم في الليل؟ ومن أطلع له؟ ومن أكتب له؟ ومن أمشي معه؟ وهو يصلي، يخطط لمحاربة الله في الصلاة، ما رأيكم في صلاته هذه؟! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم!

    وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر [العنكبوت:45] فوالله -يا أخي- ما دمت متمسكاً بالصلاة؛ فإن الله عز وجل يريد بك خيراً؛ لأنك مع الله، كلما دعوت الله عز وجل أجابك، بينك وبين الله اتصال.

    يقول العلماء: إن الصلاة صلة بين العبد وبين الله، بإمكانك أن تتصل إلى الله في كل حين، لكن إذا قطعت الحرارة وقطعت الصلاة واتصلت على الله لا يجيب؛ لماذا؟ لأنه ليس بينك وبين الله رابطة، الحرارة مقطوعة، ما سددت فواتير الهاتف، ما ذهبت إلى المسجد تصلي، مقطوع عن الله، وقولوا لي بربكم: أي قيمة لإنسان يعيش في هذه الحياة وهو مقطوع عن الله؟!! أي وزن له وأي معنىً له؟!! والله لا معنى للإنسان بغير دين ولا صلاة، مثله كمثل الحيوان، بل أشد وأنكى عند الله، يقول الله عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12].

    هذا القارب الثاني وفيه صعوبة، لا تتصورون أن المسألة فيها يسر، فيها صعوبة كونك تلزم نفسك بالصلوات الخمس في أول الأمر تجد صعوبة، شأنك في هذا شأن أي شخص يمارس أي عمل جديد، الطفل الصغير إذا وقف ويراد منه أن يمشي يجد أن المشي من أصعب المشقات عليه، تراه واقفاً وأبوه يجلس بعيداً عنه ويقول: تعال.. تعال! فأحياناً يقع وأحياناً يسير، ومن ثم في اليوم الثاني يمشي مرة خطوة، ومرة خطوتين، وبعد أسبوع يمشي، وبعد أسبوع لا يدع مكاناً في البيت، يذهب يكسر، حتى أمه تقول: يا الله يمشي، فإذا مشى قالت: الله أكبر عليك، وبعدها تربط رجله في الباب، أليس كذلك؟

    فكل عمل يمارسه الناس في أول الأمر يصير فيه صعوبة، لكن بعد الاستمرار فيه يصير سهلاً.

    أنت الآن عندما تأتي في عملك وتسلم عملاً جديداً عليك، وترى التعليمات والنظم واللوائح والتعاميم، تقول: والله هذا لا أقدر عليه، أظن أني سأفشل فيه، لكن ما إن يمر فيه شهر أو شهران أو ثلاثة، وتراجع معاملاتك، وتمر عليك حالات جديدة وتعالج، وتستشير هذا، وتأخذ رأي هذا، وتأتي بمعلومات من هذا، بعد سنة وإذا بك عندك خبرة كاملة، ولذا يعتد ويعتبر بالخبرة الآن في حياة الناس، إذا كنت تريد أن توظف مهندساً جديداً عندك، شخص تخرج منذ فترة قليلة وشخص تخرج قبل خمس سنوات، وأتاك أحدهما تقول له: كم مدة خبرتك؟ يقول: خمس سنوات، تعطيه أفضلية في التعيين، لماذا؟ لأن خبرته زودته بإمكانيات لتسيير عمله، لكن الجديد هذا يجلس سنتين يجرب ويتعلم.

    فكذلك أنت إذا جئت ودخلت من باب الإيمان، لتركب إلى ساحل النجاة وقارب نجاة الصلاة، سوف تجد صعوبة في أن تستيقظ لصلاة الفجر كل يوم؛ لأنك متعود طيلة حياتك أنك تنام هذه النومة، لكن اجبر نفسك، تجد صعوبة أنك كل يوم خمس مرات آت ذاهب إلى المسجد، لكن بعد أيام يصبح خلقك الصلاة في المسجد، شخص من الناس كان جارنا يسكن في بيته ومن ثم لم يأت ليصلي، فجاء إليّ جيرانه، وقالوا: يا إمام! الرجل هذا لا يصلى معنا، قلت: هيا نزوره، فزرناه، وقدم لنا شاياً، وقلنا: جزاك الله خيراً، أنت ضيف جديد على الحي والمسجد قريب منك، ونريد منك إن شاء الله أن تصلي معنا؛ لأنك مسلم، ونحن إخوة نحبك في الله ونريد لك الخير مثلما نحب لأنفسنا، قال: جزاكم الله خيراً، وإن شاء الله أصلي، فودعناه وشكرناه وخرجنا، جاء وصلى فريضة واحدة، وبعدما صلى فرحنا، وانقطع أسبوعاً أو أسبوعين ولم نعد نراه، جاء جماعته، قالوا لي: يا إمام! الرجل صلى معنا مرة ومن ثم لم نعد نراه، قلت: نذهب إليه، ذهبنا لزيارته، قلنا: جزاك الله خيراً زرناك قبل هذه المرة، وقلنا لك عن الصلاة، وأتيت صليت، قال: نعم الحمد لله صليت، قلنا: كم صليت؟ قال: مرة، قلنا: لا. ليست مرة، قال: كيف؟ قلنا: كل يوم خمس مرات، قال: الله! كل يوم خمس مرات! قال: خمس مرات ذاهب وخمس مرات راجع؟!! قلنا: خمس مرات ذاهب وخمس مرات راجع، قال: والله هذه صعبة! يقول: قلت: وما ظنك؟ قال: أنتم قلتم لي صل، يعني: صلاة واحدة فقط، يظن أنها صلاة واحدة، ويريد أن يدخل الجنة بصلاة واحدة، وهو يدرس (12) أو (16) سنة، حتى وجد له وظيفة بألفي ريال، وهو يريد أن يدخل الجنة بركعتين صلاها في المسجد، وقال: صليت، سبحان الله ما أجهل الناس!

    قلنا: لا يا أخي! لا بد أن تصلي كل يوم خمس مرات، في الفجر الساعة كذا.. وفي الظهر.. وهكذا، قال: حاضر، وفي اليوم الثاني أخبرني الجيران أنه ذهب وأحضر سيارة وخرج من البيت، قال: والله ما تخارجني هذه الشغلة!

    فلا بد أنك تصبر في بداية الأمر، وفي فترة التدريب، ومن ثم بعد أسبوعين.. شهرين ثلاثة شهر.. تصبح خلقك ومزيتك الصلاة.

    1.   

    من قوارب النجاة .. ملازمة ذكر الله سبحانه وتعالى

    القارب الثالث من قوارب النجاة: ذكر الله عز وجل.

    وذكر الله من أعظم ما ينجو به العبد من عذاب الله

    في الحديث يقول عليه الصلاة والسلام: (ألا أدلكم على أفضل الأعمال عند مليككم، وأزكاها لكم عند ربكم، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا رقابهم ويضربوا رقابكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة؟ قلنا: بلى يا رسول الله! قال: ذكر الله عز وجل).

    وقال عليه الصلاة والسلام فيما يحكيه عن ربه عز وجل: (أنا مع عبدي ما ذكرني أو تحركت بي شفتاه، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إليَّ ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة، وكنت إليه بكل خير أسرع) حول (الموجة) على الله وسترى أن ربي يقبلك ولا يردك، لكن إذا أعرضت عنه وزغت عن طريقه لا يرجعك؛ لأنه غني عنك، قال الله: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الصف:5] وقال: انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [التوبة:127] والعياذ بالله.

    فانتبه لئلا تزيغ، ولا تنصرف عن الله، ولا تولي وجهك عن ربك وإنما ولِّ وجهك إلى الله، ومن ثَم أبشر ستتوجه لك كل خيرات الدنيا والآخرة إذا وجهت وجهك إلى الله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ [الذاريات:50].

    ذكر الله من أعظم القربات، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكر الله كمثل الحي والميت) ويقول الله عز وجل: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ [البقرة:152] ويقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً [الأحزاب:21] وأثنى الله على عباده المؤمنين والمؤمنات فقال: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً [الأحزاب:35].

    وذكر الله مطلوب من العبد في كل أحواله، حتى قال الله في آخر سورة آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [آل عمران:190] من هم؟

    قال: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ [آل عمران:191] وهذه هي الحالات الثلاث التي لا يكون العبد إلا فيها، إما قائماً أو قاعداً أو نائماً؛ فهو يذكر الله قائماً وقاعداً ونائماً، قال: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [آل عمران:191] فذكر الله عز وجل مطلوب منك أيها المسلم.

    أقسام ذكر الله

    الذكر له خمسة أقسام أذكرها لكم بسرعة:

    القسم الأول: ذكر الله عند ورود أمره.

    إذا ورد عليك أمر الله بالصلاة أو بالصوم أو بالحج، فإنك تذكر الله بتلبية الأمر؛ لأن الله يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي [طه:14] لو أنك نائم في الفراش وسمعت المؤذن ورددت معه، ثم استعذت بالله من الشيطان وقمت تصلي، هذا هو الذكر، أنت ذاكر ذكراً عملياً، لكن لو أن شخصاً ردد مع المؤذن ووضع البطانية تحت رأسه وجلس يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولم يقم يصلي، ما رأيكم في ذكر هذا؟ هذا ذكر كذاب، إنما الذكر ما أقامه إلى الصلاة.

    القسم الثاني: ذكر الله عند ورود نهيه.

    أنت تمشي في الشارع ومرت عليك امرأة متبرجة وجميلة، ودعاك الشيطان والهوى إلى النظر، ولكنك ذكرت أن الله ينظر إليك ويراك، فصرفت بصرك، ما الذي جعلك تصرف بصرك؟ ذكر الله، ليس ذكر الله الكلامي، ذكر الله العملي، ذكرت أن الله يراك، فغضضت بصرك، أنت ذاكر لله أعظم ذكر.

    القسم الثالث: ذكر الأحوال والمناسبات.

    ذكر الصباح والمساء، والأكل والشرب، والنكاح، ودخول المنزل والخروج منه، ولباس الثوب؛ لأن ما من حركةٍ من حركات المسلم ولا سكنة من سكناته إلا وعليها أمر وشرع وهدي من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، كل شيء، إذا أتيت لتنام فهناك ذكر، تقول: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، ففرق بينك وبين من يأتي ينام، فيضع يده على الراديو ويبحث إلى أن يجد إذاعة فيها أغنية ومن ثم ينام -والعياذ بالله- فتأتي الملائكة ترى هذا الجيفة الذي لا يستحق أنه يحرس فتتركه، فيأتي الشيطان ويسيطر عليه -والعياذ بالله- أما إذا قلت: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين، هرب الشيطان وتولى الملك حراستك، حتى يوقظك لصلاة الفجر، فتنام على ذكر الله.

    إذا انقلبت من النوم كلما انقلبت من جنب إلى جنب قل: لا إله إلا الله، سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله. في الحديث والحديث صحيح (من تعارَّ من الليل -أي: من انقلب أو انتبه في الليل- فقال: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ثم صلى ودعا الله إلا استجيب له).

    ومن ثم إذا استيقظت أول ما تفتح عينك وأنت جالس تقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الحمد لله الذي أحياني بعد ما أماتني وإليه النشور، اللهم ابعثني إلى كل خير، أصبحت على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين. ثم تستعيذ من الشيطان، وتقوم تتوضأ.

    قبل أن تدخل الحمام هناك تقدم رجلك الشمال وتقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم.

    ومن ثم إذا قضيت حاجتك وخرجت، عندما تخرج تقدم رجلك اليمنى وتقول: باسم الله، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، غفرانك، ثم تتوضأ فتقول: باسم الله، انتهيت من الوضوء تستقبل القبلة، وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. ومن ثم إذا لبست ثيابك ففيه ذكر، وإذا نظرت إلى المرآة أمامك فيه ذكر.

    إذا خرجت من بيتك إلى الخارج تقول: باسم الله، توكلت على الله، آمنت بالله، اعتصمت بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله! اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أظلم أو أظلم، أو أزل أو أُزل، أو أجهل أو يجهل علي، اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي بصري نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي قلبي نوراً، ومن أمامي نوراً، ومن خلفي نوراً، وعن يميني نوراً، وعن شمالي نوراً، ومن فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً، اللهم أعظم لي نوراً. ما رأيك في هذا الكلام؟ هل ربك يتركك وأنت على هذا الذكر.

    تدخل المسجد تقدم رجلك اليمنى، وتقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، باسم الله، اللهم افتح لي أبواب رحمتك واغفر لي ذنوبي، ومن ثم تصلي، وتنتهي من الصلاة وتخرج، ومن ثم تلبس ثوبك، وتأكل الطعام، وتأتي زوجتك، تسمع الرياح تهب، ينزل المطر، تأكل من الثمار، كل حياتك فيها ذكر، من أين تتعلمها هذه؟ من كتب العلم، وهناك كتاب أدلكم عليه اسمه: " الوابل الصيب من الكلم الطيب " الذي ليس موجوداً عنده فليشتره ولو من هذه الليلة، ثمنه عشرة ريالات قيمة كيلو عنب، كيلو عنب تأكله، ولكن هذا الكتاب يظل معك إلى أن تموت، وإذا مت تورثه لأهلك، وهذا الذكر الثالث اسمه ذكر الأحوال والمناسبات.

    القسم الرابع: الذكر العددي، الذي طلب الشرع من المكلف فعله بعدد معين، مثل حديث رواه البخاري عن ابن عمر قال: قال عليه الصلاة والسلام: (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؛ كتب الله له مائة حسنة، ومحا عنه مائة سيئة، وكانت حرزاً له من الشيطان يومه ذلك، وكان كمن أعتق عشر رقاب، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجل قال مثلما قال أو زاد) في صحيح مسلم يقول عليه الصلاة والسلام: (من قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده غفر الله له ذنوبه ولو كانت عدد رمل عالج، أو زبد البحر) وفي صحيح مسلم : (من قال عقب كل صلاة: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر) وبعدها يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. هذا هو النوع الرابع، اسمه: الأذكار العددية التي حددها الشرع بعدد معين؛ لأن العدد مقصود ومراد لذاته، فينبغي أن تعده كما تعد الذهب.

    القسم الخامس والأخير هو: الذكر المطلق في كل أحوالك.

    في طريقك وفي سيارتك وعلى فراشك تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ لأنهن الباقيات الصالحات، يقول فيهن النبي صلى الله عليه وسلم والحديث صحيح: (لأن أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خير وأحب إليّ مما طلعت على الشمس) هذا قارب وستر ونجاة كبيرة من النار ومن عذاب الله عز وجل ألا وهو ذكر الله عز جل.

    فيا من تريد النجاة تمسك واركب في هذه القوارب، اركب معنا ولا تكن مع الكافرين، ولا تكن كما قال ابن نوح: سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ [هود:43] لأنه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم، حتى لا يحول الموت بينك وبين قوارب النجاة فتكون من المغرقين الهالكين، هناك تندم وتقول: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً [الفرقان:27-29].

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن ينجينا وإياكم من عذابه، وأن يعيننا وإياكم جمعياً على سلوك هذا الطريق، وركوب هذه القوارب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    الأسئلة

    ضرورة التوازن بين الاهتمام بالجانب الروحي والجانب الجسدي

    السؤال: ذكرتم يا فضيلة الشيخ! أن الإنسان لا بد أن يوازن بين الجانب الروحي والجانب الجسدي، ولكن الشباب الملتزمون يهتمون بالجانب الروحي ويهملون الجانب البدني، ظناً منهم أن ذلك لا يليق بالمسلم، فهل هذا صحيح؟

    الجواب: لا. ليس صحيحاً، لكن الاهتمام بالجانب الجسدي ليس كما نتصوره نحن فقط هو الاهتمام بالرياضة، الاهتمام بالجسد يشمل الرياضة، وحفظ الصحة، والغذاء الصحي المناسب، ويشمل الكساء والفراش والبيت، كل هذه اسمها حقوق الجسد، ليس حقوق الجسد فقط محصورة في مزاولة التمارين أو الجري أو لعب الكرة أو غيرها، هذا جانب، فكون الشاب لا يمارس الرياضة المتعارف عليها، لا يعني أنه لا يهتم بجسده، لا. ولكن إذا تصور هو أن ممارسة الرياضة تتنافى مع التزامه فهو مخطئ، أبداً، ليس في ممارسة الرياضة البريئة التي تمارس وفق الشرع، ولا تصد عن ذكر الله، ولا عن الصلاة، ولا تكشف فيها عورة، ولا يلتقي فيها بإخوان سوء يعملون منكراً أو يعينون على منكر ليس فيها شيء، بل ربما تكون وسيلة دعوة إن شاء الله، أعرف أنه يوجد من الشباب من التزم واحتك بزملاء آخرين عن طريق الرياضة وأثر فيهم وقادهم إلى ساحل النجاة والدعوة إلى الله عز وجل.

    مكتبتك الصوتية

    عدد مرات الاستماع

    2735928954

    عدد مرات الحفظ

    684474911