إسلام ويب

اتقوا فراسة المؤمنللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بدأ الشيخ محاضرته بتحديد مفهوم البصيرة ، وتمييزها عن البصر المادي، ومن ثم بين حرمان العصاة من هذه الصفة، مبيناً بعد ذلك مفهوم الأولياء وكيف يكون المؤمن ولياً لله. ومن ثم بدأ بتوضيح أسباب امتلاك البصيرة، وتطرق إلى كل سبب بشيء من التفصيل .

    1.   

    البصر والبصيرة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

    وأسعد الله هذه الوجوه الطيبة، وأسأل الله كما جمعنا في هذا المكان الطاهر على طاعته أن يجمعنا جميعاً في دار كرامته.

    أما موضوع الكلمة التي سوف أتكلم بها هذه الليلة، فهي بعنوان: " اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله " ،كل إنسان يمتلك حاسة البصر، وعنده أيضاً حاسة سادسة اسمها: البصيرة أو الفراسة، أما سائر الحيوانات والمخلوقات الأخرى فهي تمتلك حاسة البصر، وتمتلكها بقدر أكبر من امتلاك الإنسان لها، فعين الثور كبيرة، وعين الطائر ترى دقيق الحب من جو السماء، فالطائر الصغير عينه مثل حبة الذرة، ولكنه يطير في السماء ويرى حبة الذرة في الأرض، فينزل ويأخذها ففيها حدة، وعين الغراب دقيقة جداً لكنها عيون مادية تبصر في حدود مادية.

    والإنسان ببصره وبمقدار الرؤية وبموازين النظر التي عنده له مثل ما عند الحيوانات مع بعض الفوارق ، أما الحاسة السادسة والنور الداخلي الذي هو البصيرة، فهذا لا يملكه إلا الإنسان المؤمن الذي فتح الله بصيرته، وبمقدار قوة البصيرة عند الإنسان وضعفها تتحدد سعادة الإنسان أو عكسها، فكلما كانت بصيرة الإنسان نافذة، وميدانها واسع، ومسافتها بعيدة، كان مردود السعادة عليه في الدنيا وفي الآخرة أعظم.

    حرمان العاصي من البصيرة

    وكلما كانت البصيرة قليلة أو ضعيفة، كان ذلك بمقداره، فيحرم العاصي من البصيرة، والمؤمن يعطى نوراً في قلبه، وبصيرة في عقله، تجعله يرتب الأمور بحسب أولوياتها في الترتيب، تقديماً وتأخيراً، وتعظيماً، مهماً وأهم، هل البصر يرتب هذه القضايا.

    لا. إن الذي يرتبها هي البصيرة.

    النور يقذفه الله عز وجل في قلب المؤمن. والذي لا يملك هذه البصيرة يعيش أعمى ولو كانت عيونه كعيون الثور، والله يقول: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً [الإسراء:72] ويقول عز وجل: إِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] ويقول عز وجل: وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر:19-23] .

    فالذي ليس معه نور الإيمان فهو أعمى، ولا يعرف كيف يسير في هذه الحياة، ولا يعرف كيف يرتب نفسه، ترتيباته ترتيبات مادية، فيقدم شهوة البطن فيأكل، أو يقدم شهوة الفرج فيبحث عن مواطنها ، أو يقدم شهوة الملابس فيظهر في ملبس فاخر، أو يقدم شهوة السكن فيريد عمارة، أوشهوة السيارات فيريد سيارة جديدة... فهذه ترتيباته وأولويات حياته كلها محصورة في نطاق مادي، في شهوات البطن والفرج والسيارة والنوم والعمارة وتمشية وأكل، لكن شيء غير هذا.لا. أهم شيء في حياته الذي خلق من أجله، ومصيره كالموت والقبر والحشر والنشر والصراط والحوض والكتب والجنة والنار، هذه مشطوب عليها في ميادينه، ما لها كرت أو ميزان! لماذا؟

    لأنه أعمى لا يرى الطريق، وليس لديه البصيرة، لكن لو كان عنده بصر لرفع بصره ونظر إلى الآخرة، ثم نظر إلى الدنيا، بشهواتها، وملذاتها، ومتاعها، وما فيها من اللذائذ كلها إذا وضعتها في موضعها الطبيعي تراها، لكن إذا قربتها إلى قلبك، إلى أن تغطيه فلن ترى إلا هي، ولن تبصر إلا هي، مثل إصبعي هذه، إذا وضعتها أمامي أرى مساحتها (4×3×1 سم) لكن لو قربتها من عيني إلى أن أغطي بها عيني فلا أرى شيئاً إلا هي، ولا أرى أن وراءها مسجد، أو أناس، أو عمارات وأراضٍ، ما أرى إلا هي؛ لأني لصقتها لصقاً كاملاً بعيني، فحجبت مجال الرؤية، والناس حين يلصقون الدنيا وشهواتها بقلوبهم، حتى تحجب عنهم كل شيء يرونه فلا يرون إلا الدنيا، ولهذا رب العالمين يقول: أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ [الشورى:18] ويقول عز وجل: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً [الأحقاف:26] وجعلنا لهم سمعاً من أجل أن يسمعوا، وأبصاراً من أجل أن يبصروا، يسمعون ماذا؟

    يسمعون كلام الله، ودينه، وخطابه، يبصرون طريق الله، وأفئدة يعقلون عن الله أسرار خلق البشر، فهم ليسوا كالبقر، الآن هؤلاء أهل الشهوات، وأهل الكفر والمعاصي، الواقعين فيها والبعيدون عن الله، اسأل: ما الفارق بينهم وبين حياة البهائم؟ لا شيء!! اسأل الحمار، قل له ماذا تريد يا حمار؟

    يقول: أريد حمارة. فقط تراه يمشي، فإذا رأى حمارة رفع رأسه وجرى وراءها، نعم هل عند الحمار غير هذا الاهتمام؟ وماذا تريد غير الحمارة؟

    قال: أريد علفاً آكله، حتى أشبع، وبعد ذلك؟ قال: أرقد.

    فهذه هي حياة البهائم، والذين يعيشون هذه الحياة. من البشر هم بهائم يعيشون في مسلاخ بشر، والله سماهم بهائماً في القرآن قال تعالى: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44] يعني: كالبقر والحمير، فالبقر، والبهائم أفضل منزلة؛ لأن الله تعالى سخرها وسارت فيما سخرها الله فيه، أما الإنسان خلقه وميزه وكرمه وفضله، وأعطاه العقل من أجل أن يعرف طريق الحق فيختاره ويعرف طريق الباطل فيجتنبه، فاختار طريقاً ليست حتى من مراتب الحيوانات، قال الله: بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً [الفرقان:44].

    فالله زودهم بهذه الإمكانيات، فاختاروا الخيار الأسوأ والعياذ بالله، وعاشوا لا يعرفون حقيقة الحياة التي هي عندهم ما تراه عيونهم وشهواتهم، أما الحقائق فإذا جئت تكلمه في يوم من الأيام تقول له: يا أخي! الموت قادم؛ فلأنه لا يرى إلا الدنيا، يتضايق من ذكر الموت، يقول لك: أنت تريد أن تميتنا قبل وقتنا دعنا نتمتع الآن، تقول له: أمامك الجنة والنار والقبر، أما ترى أباك من يضعونه في القبر بعد الفراش الوثير، والنور والزوجة فيجعلونه في ثوب ويهيلون عليه التراب ويتركونه؟ هناك عالم آخر.

    أما المغالطون فيقولون: لا شيء هناك، تضعونه في القبر فحسب، من قال لكم: لا يوجد شيء؟ من هو الذي مات، ونزل القبر وذهب الآخرة وما نظر شيئاً ورجع يقول: لا يوجد شيء؟ هل هناك من رأي ذلك؟ لا. حسناً.. من قال لنا: لا يوجد لا أحد قال لنا ذلك، ومن قال:إن هناك شيئاً بعد الموت؟ الأنبياء والرسل أخبروا عن الله بإجماع منهم منذ نوح إلى محمد صلى الله عليهم وسلم، ما من نبي إلا ويعلن أن البشر مبعوثون، وأن الناس سوف يحاسبون.

    وأيضاً هناك دليل عقلي منطقي: لا بد من الحساب، فالذي يقول: لا يوجد بعثاً ولا حساباً، هذا يلغي عقله؛ لأن العدل ما تحقق في الدنيا فلا بد من تحققه في الآخرة جزماً، فالآن ترى الواحد يعيش وهو مؤمن بر تقي صالح ومن أحسن الناس ولكن لا يجد له جزاءً على هذا الصلاح، لكنه قد يؤاخذ، وربما يسجن، أو يؤذى، أو يقتل أو يمرض ويعيش فقيراً، بينما تجد الآخر فاجراً، مجنوناً، مجرماً، خبيثاً، هتاكاً للأعراض، يلغ في الدماء.. يكذب.. يسفك.. يبيع الشعوب.. يمارس كل أنواع الجرائم، وبعد ذلك يموت، ويموت ذلك البر المؤمن، ولم تصل يد العدالة إلى ذلك المؤمن فتجازيه على عمله الطيب، ولا إلى ذلك الفاجر فتجازيه على عمله السيئ، أتنتهي الحياة بهذا؟ هل يتصور ذلك؟

    كلا. يقول الله عز وجل: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ [القلم:35-36] ويقول: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ [ص:28] ويقول: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الجاثية:21-22] فالذي يقول: لا يوجد شيء بعد الموت، نقول له: من قال لك؟ يقول: أنا ما رأيت شيئاً، وكونك ما رأيت شيئاً هل يعني أنه ليس هناك شيء؟ الآن هذا الجدار من يراه يقول: ليس وراءه شيء، لكن افتح الباب وانظر، وسوف ترى أن وراءه أشياء، يقول صلى الله عليه وسلم: (ما منكم إلا ويرى مقعده من الجنة أو النار وهو في بيت أهله) في ساعات الاحتضار تزول الحواجز والحجب، ويرى المؤمن وهو جالس في بيته ملائكة الرحمة، ويرى الفاجر ملائكة العذاب، فيفرح المؤمن ويتمنى لقاء الله، ويحزن الفاجر والكافر ويكره لقاء الله، فهنا يحب الله لقاء المؤمن، ويكره لقاء الفاجر.

    فهذا الذي يعيش في سجن المادة الذي غطى على قلبه بالدنيا والشهوات، حتى لم يعد يرى شيئاً مما يجب أن يراه في هذه الدنيا، إذا حدثته تقول له: الآخرة! يقول لك: لا. لماذا؟

    لأن الران قد كسا قلبه، واستحوذ عليه الشيطان فأنساه ذكر الله.

    مفهوم الولاية عند أهل الأتباع وأهل السنة

    وهذه البصيرة التي يرزقها المؤمن لها أسباب: ففي صحيح البخاري في الحديث القدسي فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل يقول: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) التعرض لأولياء الله من العلماء، ومن الدعاة الفضلاء، والصالحين والمصلين المؤمنين، فالإيذاء والتحرش بهم، وتشويه سمعتهم، والنيل منهم، وتضخيم أخطائهم إذا كان لهم أخطاء فهم ليسوا بمعصومين؛ فتكبير أخطائهم وتشويه السمعة لهم هذا حرب على الله. لماذا؟

    لأنهم أولياء الله، والله يقول: (من آذى لي ولياً) والولاية هنا ضد العداوة؛ لأنه لا يوجد في الدنيا إلا ولي أو عدو: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] من هم؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63].

    فكل مؤمن تقي فهو ولي لله.

    أما الولي عند أهل البدعة والضلال: هو الذي على قبره ضريح، وعلى الضريح قبة، ويذبح حوله ويطاف، هذا هو الولي عندهم! ذاك الذي يلبس عمامة كبيرة، وله مسبحة طويلة، وله أذكار وهمهمات، وتجليات وتكشفات، ويذهب إلى الحرم ويصلي فيه، كما يقول أهل البدعة مثل الصوفية .

    يقول أحد الشباب: زرت شخصاً من الصوفية في بلد من البلدان العربية بعد صلاة المغرب، يقول: فأعطانا من الخزعبلات، والكلام الفارغ عن شخصيته، ومكانته عند الله، وأن الكرسي والقلم في يده، والعرش تحت رجله، وأن الدنيا تحت قدمه، يقول: والمساكين المضللين فهموا هذا الكلام، فلما حان وقت صلاة العشاء قلنا له: قم صل معنا يا شيخ، قال: لا، سأصلي في الحرم -وهو في بلد بعيد عن الحرم- فخرجنا وقال الناس: هنيئاً له يصلي في الحرم، يقول: ولما أقيمت الصلاة، رجعت وذهبت إلى بيته، ونظرت من شق في الباب، وإذا به راقد على السرير؛ لأنه لا يريد أن يصلي أصلاً، فمثل هذا ليس عليه صلاة! فالذي يدعي كل هذه الأشياء هذا طاغوت وفاجر، فيدعي أنه يصلي في الحرم حتى لا يلزمه أحد بالصلاة مع المسلمين يقول: فرقد الرجل وأنا ذهبت أصلي وبعد الصلاة أتينا، فلما دخلوا قالوا: له هنيئاً يا شيخ صليت في الحرم، يقول: نعم. صليت في الحرم، يقول فقلت له: يا شيخ أنا دخلت عليك قبل الصلاة، وأتيت ورأيتك من شق الباب وأنت نائم على السرير، قال: قد رجعت، فهم يصلون مبكراً في الحرم.

    الولاية بهذا المعنى هي ولاية الشيطان، هذه ولاية باطلة مرفوضة يداس عليها بالأقدام؛ لأنها ولاية شيطانية. أما الولاية الربانية، فهي أن تكون مع الله، كيف مع الله؟ أي على كتاب الله وسنة رسول الله، تقوم بأوامر الله، وتنتهي عما نهى عنه، تكون ولياً من أولياء الله، من آذاك أو تعرض لك؛ فإنه يقع تحت وعيد الله، يقول العلماء: بأي إيذاء، لو أن أحدهم في الحمام يتوضأ وأنت تنتظره، وطرقت عليه الباب يعد هذا إيذاء للمسلم، هل أحد في الدنيا يقعد في الحمام مسروراً، لا يوجد أحد يبقى في الحمام إلا من يقضي حاجته، فلماذا تزعجه وتستعجله بالخروج، تريده يقطع قضاء الحاجة، هو لا يعقد إلا لأجل أن يكمل حاجته، ما في أحد يأخذ له وسادة ومسنداً ويقعد في الحمام إلا طائفة واحدة من الناس يرتاحون في الحمام، وهم أهل الدخان!

    نعم. بعض أهل الدخان إذا منعوا منه في الدوائر الحكومية ذهبوا إلى الحمام؛ لأنهم يجدون في الحمام رائحة دخان آخر.

    أما العقلاء فيبقون في الحمام بمقدار الحاجة ويخرجون، فإذا طرقت الباب على شخص منهم فيكون هذا إيذاءً له، وإذا كنت تقف عند إشارة المرور، ووقف بجانبك ومعه عائلته لا تنظر إليه، فهذا إيذاء له؛ لأن الذي أوقفه هو مصلحة المسلمين، بحيث لا يتجاوز أنظمة السير، فلو تجاوز الإشارة ومشى من أجل أن يحمي عرضه من هؤلاء الفضوليين لقطع السير وجوزي، وربما تسبب في حادث، فلا يجوز لك النظر إليه بحال من الأحوال، فهذا إيذاء للمسلم، وغيرها من أوجه الإيذاء، قال تعالى: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) يعني: أعلنت عليه الحرب، وإعلان الحرب من الله عز وجل، عاقبته التدمير؛ لأن الله غالب على أمره، ومن ذا يغلب الله يا إخوان لا إله إلا الله!

    من أنت -أيها الإنسان- حتى تقف في مواجهة رب العالمين؟ كم حجمك؟

    متران في نصف متر، يعني متر مربع.

    وكم حجمك بالنسبة لـأبها وبالنسبة للمملكة ، وبالنسبة لـآسيا وللكرة الأرضية؟

    وما الأرض بالنسبة للشمس؟

    فالشمس أكبر من الأرض بمليون مرة، وما الشمس بالنسبة للمجرة؟!

    وما المجرة بالنسبة للمجرات الأخرى؟!

    وما المجرات كلها بالنسبة للكرسي؟!

    وما الكرسي بالنسبة للعرش؟!

    وما العرش بالنسبة لله؟!

    لا إله إلا الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنت تقف في مواجهته!!

    أتظن أن الله غافل عنك عندما يمهلك؟ نعم. إن الله يمهل ولكن لا يهمل، يقول الله عز وجل: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [القلم:44-45].. الآن الصياد عندما يأتي إلى البحر يأتي بالخطاف والشبكة ويصنع فيها لحماً أو خبزاً أو أي شيء، ويرميه ويمهله، وتأتي السمكة فتقول ما هذه المناسبة الضخمة، ما هذه الأكلة الفاضلة وتلتهمها، فإذا رأى الصياد أن هذه اللحمة أصبحت في فم السمكة، ماذا يفعل؟

    يشد الخطاف بسرعة ثم يخرجها ويأكلها، فالله يمهل.. ويملي.. ويضع لك الطعم من منصب أو وظيفة.. شباب.. بسطة في الجسم ثم لا تدري إلا وقد خطفك، فلا يفلتك إلا في النار، قال تعالى وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود:102] وقال صلى الله عليه وسلم (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) فلا تغتر بإملاء الله عز وجل -أيها الإنسان- عنك، فإملاء الله للإنسان في هذه الدنيا من أجل أن يرجع إلى الله، فإذا لم يرجع فهذه مصيبة الإنسان، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه).

    أيها -المحارب لله- أنك ستموت، ولا تغتر بما أنت فيه من الجاه أو المنصب، أو المال، أو العافية، أو الشباب، فإنها كلها أشياء مؤقتة سوف تزول، لم تبق لمن قبلك حتى تبقى لك، ولو بقيت للذي قبلك لما وصلت إليك، لكن هذه المفاهيم والموازين تنتقل من إنسان إلى آخر، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، تذكر أنك ستموت، وأنك في ساعات الاحتضار ستكون أضعف ما تكون، وقد لاحظت وربما لاحظتم وحضرتم جنائز وتصورتم وضع الميت وهو في حالات الاحتضار، الله يقول: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ [القيامة:26-27] راق: يعني قارئ يقرأ أو طبيب يعالج وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ [القيامة:28] أي: تيقن أنه الموت وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ [القيامة:29] والتفاف الساقين كناية عن الضعف المنقطع النظير؛ لأنه لا تلتف السيقان إلا من ضعف؛ لأنه لو كان متعافٍ لما التفت ساقاه، المريض في ساعات الاحتضار تلتف ساقاه ، وتبرد أطرافه، وتتفصل مفاصله، وتنخسف أصداغه وتصير مثل الحفر، وتميل أنفه؛ لأن الأنف هذه تخرج منها الحياة، وهي أصلها غضروف، فإذا خرجت منها الحياة مالت الأنف، هذا هو الإنسان في هذه الحياة، تذكر أنك ستكون في هذا الموقف، متى؟

    يمكن أن يكون ذلك في هذه الليلة، أو غداً وأنت لا تعلم، إذاً كيف تحارب الله وهذا موقفك؟

    وقل لي بأي سلاح، وبأي صواريخ تقابل الله عز وجل؟

    ثم تذّكر أنك ستوضع في الحفرة المظلمة، وسيوضع معك عملك، وسيأتي معك منكر ونكير يسألانك عن عملت في هذه الحياة، وتذّكر أن الله سيبعثك، وأنك ستقف بين يدي الله حافياً عارياً ليس معك أحد، ينجيك عدلك، ويوبقك ظلمك، وتذّكر أنه سيؤمر بك إلى الجنة أو إلى النار، فماذا تقول؟

    فلا تؤذ عباد الله، لا تعادي أولياء الله، وقد سمعت عن رجل من الصالحين -وأسأل الله أن يهديه- وهو من عامة الناس، لكن عنده غيرة وحرقة على الإيمان والدين، ومع هذا محسوب من العاديين وليس من الملتزمين أو من الذين لهم شارة كبيرة في الدين، ففي أحد المجالس نال أحد الجالسين من أحد العلماء في المنطقة وتكلم فيه، وقال: إنه لما صافحني في وليمة مدّ رءوس أصابعه فقط، كناية عن الاستهزاء والسخرية من هذا العالم! فقال ذلك الرجل الطيب الموفق: يا أخي! لا تنل منه، والله حرام أنك تمسه بيدك؛ لأنك تنجس يده، ، ولو علم الشيخ بك لكف يده؛ لأنك أنجس من الكلب، لسانك هذا تنال به من العلماء، وبدأ يدافع عن الشيخ دفاع المستميت، هذا هو الذي يريد أن يكون عند الله في منزلة عظيمة، عندما تسمع من ينال من عباد الله، أو أولياء الله، أو العلماء أوقفه عند حده، قل: لا يجوز. والثاني يقول معك: لا يجوز.. والثالث..وهكذا فإذا سمع أهل الشر والفساد أن أهل الإيمان يد واحدة يذبون عن عرض بعضهم بعضاً، لا يستطيعون الكلام بكلمة، لكن إذا تكلم هذا وسكت أهل الخير كلهم، بل بعضهم قال: صحيح، لا يفتح فمه بكلمة واحدة، أين الإيمان، وأين الدين؟!

    البصر والبصيرة الربانية

    يقول الله عز وجل: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بعمل أحب إلي مما افترضته عليه) فأحب شيء عند الله أن تعمل الفريضة: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) فهذا العمل محبوب عند الله، لكن أنت غير محبوب عند الله بالعمل فقط، انظروا إلى التفريق في الحديث (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه) يعني: أفضل عمل تتقرب به إلى الله وهي: الفريضة، لكن لا تكفي لنيل محبة الله لك، فأنت، لا تنال محبة الله إلا بشيء ثانٍ مع الفريضة وهو النافلة قال: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) فأنت تقدم العمل المحبوب عند الله ثم تزيد العمل الثاني حتى يحبك الله... فإذا أحبك الله، قال: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به) تصبح هذه الأذن ليست سمعك، أنت تسمع بالله، فهل يمكن أن تسمع حراماً وأنت تسمع بالله، فبمجرد أن تسمع أغنية تضطرب أذنك وتهتز؛ لماذا؟

    لأنك تسمع بالله، أذن ربانية لا يمكن أن تسمع كلمة تسخط الله (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به) عينك لا يمكن أن ترى حراماً، إذا رأت امرأة كأنما ترى شيطاناً لم يعلم أين الآخرة والجنة؟ بينما ذاك المؤمن يغض بصره لماذا؟

    لأنه بصر رباني لا يمكن أن يرى ما حرم الله، كونك ترى امرأة منظر جميل، لكن ماذا يغنيك النظر إذا رأيت حراماً؟ ما هي المصلحة؟

    الله يقول: ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [النور:30] يعني: غض البصر، لكن النظر ليس أزكى، لماذا؟

    لأنك تنظر إلى شيء لا تقدر ولا تصبر عليه، وإذا قدرت عليه فهو حرام، والحرام لا يحل مشكلتك، هب أن أحداً من الناس لم يخف الله ولم يراقبه، واستطاع بعد أن نظر أن يتصل بها ويزني، هل يحل الزنا مشكلته؟! لا. إن الحاجة إلى الجنس كالحاجة إلى الطعام، إذا تغدى لابد أن يتعشى، وإذا تعشى لابد أن يفطر، وإذا أفطر لابد أن يتغدى.

    هب أنه زنى مرة، هل يستطيع أن يزني كل يوم ؟

    وهب أنه استطاع أن يزني كل يوم، هل يزني في كل حياته؟

    هل يعيش زانياً ملعوناً مطروداً عن الله عز وجل؟ ما هو الحل؟

    الحل من أول الطريق: لا تنظر. (باب تأتيك منه الريح سدّهُ واستريح) هذه عينك التي يأتيك منها ريح الزنا ماذا تفعل؟ أغلقها، فإذا رأيت امرأة غض بصرك، نعم هناك تعب، لكنه أقل مائة مرة من تعب النظر.

    يقول الناظم:

    وأنا الذي جلب المنية طرفـه      فمن المطالب والقتيل القاتل

    إذا أنا نظرت إلى الحرام فماذا يحصل؟ الذي يحصل أن مردود الحرام يرجع على قلبي فيكسره ويحطمه، فمن مصلحتي أن أغض بصري ابتداء،ولكن لماذا أشعر بالتعب حين أغض بصري؟

    لأن الشيطان يزين النظر أمامي، ولكن حين أحتسب هذا عند الله عز وجل يحصل لي منه ثواب كثير.

    فيقول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته، ولا بد له منه) فلا بد من الموت -أيها الإنسان- فالشاهد في الحديث: (كنت بصره الذي يبصر به) فمتى يكون الله بصرك؟

    ومتى تبصر بالله؟ ومتى يكون بصرك ربانياً؟ تقدم المواضيع وتؤخرها على ضوء أولويات دينك وعقيدتك، ترى القرآن فتألفه، وترى المجلات فترفضها، ترى المساجد فتحبها، وترى الملاعب والمقاهي والمنتزهات التي فيها المعاصي فتنفر منها، ترى النساء فتغض بصرك ولا تنظر إليهن، ترى زوجتك أجمل ما يمكن أن ترى إن كنت متزوجاً، وإذا لم تكن متزوجاً فاستعفف (ومن يستعفف يعفه الله..) والله تعالى يقول: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33] ما هي العفة؟ هي استعلاء، وتطهر وتنزه وترفع عن هذه القاذورات إلى أن تتزوج حلالاً، ثم تسير في طريق الحلال الذي شرعه الله لك.

    1.   

    أسباب نفاذ البصيرة لدى المؤمن

    أيها المسلم! فإذا أنت عملت بهذه الأمور، وقدمت وأخرت بحسب مقتضيات هذه العقيدة كان بصرك هذا وبصيرتك ربانية.

    وهناك خمسة أسباب تجعل بصرك ربانياً وبصيرتك ربانية، ذكرها ابن القيم رحمه الله في كتابه الجواب الكافي نقلاً عن أحد السلف اسمه شاه الكرماني يقول:

    1- من غض بصره عن الحرام.

    2- وعمر باطنه بالتقوى والمراقبة.

    3- وعمر ظاهره بالسنة.

    4- وكف نفسه عن الشهوات.

    5- وعود نفسه أكل الحلال، لم تكد تخطئ له فراسة.

    فهذه الخمس هي أسباب فتح البصيرة، بحيث لا تخطئ لك فراسة، تنظر إلى الأمور كأنها مجلية أمامك، كأنك تنظر إلى الغيب، كأنك تستقرئ أشياء المستقبل بنور الله عز وجل، فمهما حاول الناس، ومهما حاولت الشهوات والمغريات أن تُعمّي عليك، أو أن تقدم أو تؤخر في موازينك فبصيرتك تمنعك؛ لأن ميزان الآخرة والصلاة والقرآن عندك أرفع شيء، وميزان حب الله وحب رسوله وأوليائه في قلبك أعظم شيء، الحلال تسير فيه، والحرام تتركه، لماذا؟

    لأن عندك موازين واهتمامات، ولك مبادئ تسير عليها، وهذه الأسباب الخمسة أتحدث عنها بتفصيل.

    غض البصر عن الحرام

    أولاً: من غض بصره عن الحرام:

    قال العلماء: إن غض البصر يعقبه فتح البصيرة؛ لأن الجزاء من جنس العمل، تغض بصرك عن الحرام يفتح الله بصيرتك على كل ما يرضي الله في الدنيا والآخرة، وتصبح بصيرتك نافذة. والبصيرة هي التوفيق والتسديد والهداية، أي: أن الله تعالى يَمنُّ عليك بقوة تمكنك من السير في طاعة الله عز وجل، إذا سمعت المؤذن وأنت في غاية الراحة والنوم، والأنس بالزوجة، والدفء بالفراش، تسمعه يقول: الله أكبر! بصيرتك هذه توقظك، حتى إذا أردت أن تنام فإن جنبك لا يطاوعك، قال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ [السجدة:16] ما يطيعك جنبك في أن تنام على فراشك، لماذا؟

    لأن الجنب هذا مدفوع دفعاً داخلياً منَّ البصيرة التي منَّ الله تعالى بها عليك من غض البصر عن الحرام.

    وغض البصر هو وصية الله للمؤمنين في سورة النور، يقول الله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ [النور:30] وجاء بعد الأمر بغض البصر الحديث عن النور الذي ذكره الله عز وجل، وأنه في قلب عبده المؤمن كمشكاة فيها مصباح! وأن هذا نور يوجد في المساجد! وجاءت بعده الأوامر كلها التي تدل الناس على سعادتهم في الدنيا والآخرة، ومن ضمنها أن الله عز وجل أمر الناس بأن يغضوا من أبصارهم، حتى تضيء هذه الأنوار قلوبهم.

    فهذه الأنوار الربانية التي يبحث عنها الناس ويريدونها -وهي نور البصيرة- إذا أرادها المسلم فلها أسباب، من أول أسبابها: غض البصر، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من غض بصره عن الحرام، أبدله الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه إلى يوم يلقاه) وغض البصر ذكر ابن القيم رحمه الله فيه اثنتي عشرة فائدة، وهي من الفوائد التي كل واحدة منها خير من الدنيا وما عليها، ومن أعظمها:

    تعظيم الله: فأنت تعلم حين تغض بصرك أنك لا تعمل هذا إلا خوفاً من الله، هل من أحد يغض بصره في الدنيا خوفاً من أحد؟ لا أحد يستطيع أن يضبط بصرك في الدنيا إلا الله، أنت إذا أردت أن تنظر في عمارة وفي هذه العمارة نافذة وفي هذه النافذة امرأة، ونظرت أنت إلى المرأة في النافذة، ومرّ بك صاحب العمارة ورآك فقال: لماذا تنظر إلى المرأة؟ أما تستحي؟ فبإمكانك أن تعتذر بأبسط الأساليب وتقول: يا شيخ! أنا لا أنظر إلى المرأة، أنا أنظر في (تلييس) العمارة، (التلييس) ممتاز! أنا أنظر في نافذة الألمنيوم! وعينك أنت في المرأة لكنك أوهمت هذا بقولك أنك تنظر في العمارة، فمن الذي يعلم أن عينك في العمارة أو في المرأة؟ قال تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19] لا تخفى هذه على الله.

    فإذا أنت غضضت بصرك، كان هذا دليل قطعي على إيمانك بالله وتعظيمك له، فشعورك بأن الله مطلع عليك ألزمك بأن تغض بصرك خوفاً منه تبارك وتعالى، وهذا الخوف منه هو تعبير عن منتهى العبودية، وهو درجة من درجات الدين اسمها: الإحسان.

    فمراتب الدين ثلاثة: إسلام، وإيمان، وإحسان، فالإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه.. فعندما تغض بصرك من أجل الله، كأنك ترى الله عز وجل، فغض البصر من أعظم دلائل الإيمان عند العبد المسلم.

    ومن فوائد غض البصر راحة القلب، فالذي يغض بصره قلبه مرتاح دائماً، وذاك الذي يتلفت مسكين! قلبه يتوقد، مثل الدجاجة التي تدور في الشواية، وهذا الذي يوقد قلبه على (شواية) النظر، وكل يوم يذهب، إلى أين تذهب؟ قال: أنظر، ماذا تنظر؟! ينظر إلى ما يقطع قلبه ثم يرجع، بعضهم لا ينام الليل من نظرة واحدة! يخرج إلى السوق أو الشارع وهو خالي القلب والفؤاد، ليس في باله شيء، ثم يرجع إلى البيت وهو حزين، يقال له: تعشى، قال: لا، ما أريد، راجع دروسك، قال: نفسي مسدودة، ماذا بك؟! قال: لا شيء، ثم يزفر زفرة يتقطع لها قلبه! هل يزفر على الأقصى لأنه الآن بيد اليهود، وأن المسلمين الآن يسامون سوء الذلة في الدنيا كلها؟

    هل يزفر على الأفغان أو يزفر على الإسلام؟

    لا! بل يزفر على امرأة رآها وتقطع قلبه من أجلها، أعوذ بالله من هذه الهمم الدنيئة، والغايات الهابطة! يزفر ويبيت ليله في مرض، أما ذاك المؤمن الذي رآها وغض بصره، فيتعب قليلاً في لحظة غض النظر وحين يصرف المؤمن بصره يجد قوة تدفعه إلى النظر،لماذا؟

    لأن الشيطان يريد أن تنظر وأنت تصارعه، لكن إذا ذهب المنظر، وذهب الشيطان شعرت بإيمان تجد حلاوته في قلبك إلى أن تلقى الله.

    وأذكر لذلك قصة: ذات يوم وأنا في بيتي جاءني أحد الشباب يزورني، وحان وقت صلاة العصر، وخرجت معه إلى المسجد ثم رجعنا! وفي الطريق قابلنا مجموعة من الفتيات كأنهن عائدات من المدرسة، أو من زيارة، فأنا وهو آخذ بيدي غضضت بصري -وما لي فضل في ذلك- لأني كبير في السن، والشايب الذي ما يغض بصره هذا شايب عائب -والعياذ بالله- ولهذا جاء في الحديث: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة منهم: أشيمط زان) كبير في السن وما زال يتلفت في النساء، ولكن المؤمن الذي هو شابٌّ ويغض بصره هذا عظيم، شاب نشأ في طاعة الله، شاب دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين، والشاب المؤمن هذا كان بجواري، المهم غضضنا أبصارنا وكنت أراقبه وجزاه الله خيراً، وكان يغض بصره وعينه في الأرض، وكلما اقتربنا كلما قويت قوة الشيطان على عيوننا، ولما جاوزن من عندنا -وفي قوة لكن في صبر- نظرت إليه وقلت له: غض البصر أفضل أم الالتفات؟ قال: غض البصر أفضل، قلت له: لماذا؟

    قال: صبرت قليلاً لكن ليس في قلبي شيء، ولو أني ما غضضت بصري لبقيت مريضاً طوال يومي، فالأفضل أن أصبر قليلاً ولا أصبر كثيراً، الآن الإبرة تصبر عليها من أجل أن تسلم من المرض، لكن بعضهم يقول: لا والله. أظل مريضاً طوال حياتي ولا يضربوا لي إبرة واحدة، وهذا جنون! لكن اضرب نفسك بإبرة وغض البصر من أجل أن تسلم من المرض، إلى أن يعافيك الله سبحانه، ويعطيك عافية كبيرة إن شاء الله بزوجة حلال، أما أن تبقى مريضاً بمرض النظر إلى أن تسكنك عيونك في النار، فلا؛ لأن من ملأ عينيه بالحرام؛ ملأهما الله من نار جهنم والعياذ بالله.

    ففائدة أخرى من فوائد غض البصر: أن الله عز وجل يريح قلبك، فترتاح وتعيش هادئ البال، وهل في الدنيا مطلب أعظم من راحة القلوب؟ والله راحة القلب بطاعة الله أعظم من كل راحة.

    إعمار الباطن بالتقوى والمراقبة

    ثانياً: وعمر باطنه بالتقوى والمراقبة:

    ما معنى هذا؟ معناه: أن يستشعر الإنسان مراقبة الله له في كل وقت وحين، وأن يشعر بأنه واقع تحت الرصد الرباني، والنظر الإلهي، وأنه لا يخفى على الله منه خافية، وأن الله معه في الليل والنهار، والسر والجهار، وأن الله يرصد ويسجل عليه كل عمل، يقول الله تعالى: مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ [المجادلة:7] كل شيء تعمله مكتوب عليك فلا تظنن أنك مفلت أبداً:

    وإذا خلوت بريبة في ظلمة      والنفس داعية إلى الطغيان

    فاستحي من نظر الإله وقل لها     إن الذي خلق الظلام يراني

    قال تعالى:يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ [النساء:108] الله معك وأنت تعمل هذا، والله يراقبك ويراك وينظر إليك، فإذا أحسست بهذا الشعور، وتعمق عندك هذا المعنى، فهل يمكن أن تعصيه وأنت تعلم أنه يراك؟ أبداً!

    فمن الذي يعصي؟

    الذي غاب قلبه عن الله، وشعر أن الله لا يراه، أما من يشعر أن الله يراه ينتهي بسرعة، ولا يفعل معصية، فالحديث الذي في صحيح البخاري وصحيح مسلم عن الرجل الشاب الذي كان يحب بنت عمه كأشد ما يحب الرجال النساء، وبعد ذلك راودها عن نفسها فلم توافق، وبعد ذلك ألجأتها الظروف والحاجة إلى أن تطلبه مبلغاً من المال، فقال لها: لا أعطيك حتى تخلي بيني وبين نفسك، فوافقت تحت وطأة الاضطرار، ولما قعد منها مقعد الرجل من امرأته قالت له: يا هذا اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه. فقام، لماذا؟ لأنه مؤمن تذكر عظمة الله، فقام وتركها.

    هذا العمل جليل وعظيم عند الله، وكان كفيلاً بأن يزحزح الله عنهم الصخرة ويخرجون؛ لأن هذا العمل لا يفعله إلا شخص عنده إيمان مثل الجبال، فتستشعر مراقبة الله عز وجل لك، ولو ما يراك أحد، فأنت تمشي في الشارع وترى امرأة وما يراك أحد، ولكن الله يراك فتغض بصرك.

    أنت في غرفة نومك في الليل ومعك المسجل أو الراديو، ومررت على أغنية، وكنت تحبها من أيام الجاهلية، ونفسك الأمارة بالسوء، وشيطانك الغوي يريدك أن تسمع، فلا تسمع؛ لأن الله تعالى يراك.

    فإذا أعطيت الراتب وفيه زيادة مائة أو خمسمائة وعددتها مرة ومرتين، وتأكد لك أن هذه زائدة تخرجها وتردها، بإمكانك أن تدخلها في جيبك ولكن الله يعلم أن هذا حرام، وأنت تعلم أن الله يعلم، كيف تقدم على هذا وأنت تعلم أن الله يعلم؟

    لا يمكن؛ لأنه توجد مراقبة في قلبه.

    والمراقبة في قلبك تجعلك كبيراً، لا يمكن أبداً أن تقع في معصية لله، ولا أن تترك لله طاعة، لأنك مراقب من الداخل، فالآن عندما يقولون في الخط: السرعة محددة، والخط مراقب بالرادار، فإذا كانت السرعة محددة وجاء من تجاوز هذه السرعة،فإن سيارة المرور تلتقط رقم السيارة عن طريق الرادار، وتبلغ النقطة التالية، والتي بدورها توقف صاحب السيارة، وتلزمه بدفع الغرامة المحددة، فكل واحد منا عينه تتحرى أثناء السير، لماذا؟

    لأن الخط مراقب.

    وطرق الله -يا إخوان- أما فيها مراقبة؟ بلى فيها مراقبة مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ [المجادلة:7] فالله معك، لماذا لا تستشعر مراقبة الله؟

    وبعد ذلك لا يمكن أن تفلت من قبضة الله، يمكن أن تفلت من قبضة سيارة المرور، يمكن جندي المرور أن يعفو عنك، يمكن لا توجد سيارة في الخط، أما هنا أبداً يسمع الله عز وجل دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء، يعلم السر وما هو أخفى من السر، فلا يخفى على الله شيء، ولهذا قال رحمه الله: وعمر باطنه، أي جعل في باطنه عمارة، مبنى عظيم من المراقبة والخوف من الله، والاستشعار بعظمة الله، وعَمَر باطنه بالتقوى والمراقبة.

    إعمار الظاهر بالسنة

    ثالثاً: وعمر ظاهره بالسنة:

    ليس ظاهرك فقط يعني: شكلك، بل ظاهرك كل مظاهر حياتك، ظاهرك في لحيتك، وثوبك، وسواكك، وأكلك، وشربك، ونومك، ودخولك بيتك، وخروجك منه، وتعاملك، وفراش نومك، وكل شئون حياتك، تعمر هذا بالسنة، والسنة لم تفرط في شيء، حتى دخول الحمام فيه سنة، حتى جلوسك على الكرسي فيه سنة، أي تعظيم للإنسان أعظم من هذا التعظيم، أن الله يتولى رعايتك، ويحدد لك أمورك إلى أقصى شيء، حتى مباشرتك لزوجتك يعلمك الإسلام ما تقول عندما تأتي أهلك، ليست القضية بهيمية أو غريزة جنسية أو نزوة حيوانية، من حيوان على حيوانه، لا. إنها إنسانية، إنها صلة، إنها جنس؛ ولكن يمارس بإذن الله، يمارس باسم الله، ويتحول إلى عبادة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (إذا أتى أحدكم امرأته وقال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزق مولوداً لم يقربه شيطان) وهذا تجدونه فيمن غض بصره عن الحرام، وعمر باطنه بالتقوى والمراقبة، وعمر ظاهره بالسنة.

    فلا تتهاون -يا أخي- عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهديه ومنهجه، عليك أن تعظمها، ولا تحسبها هينة فهي عند الله عظيمة.

    كف النفس عن الشهوات

    رابعاً وكف نفسه عن الشهوات:

    شهوات البطن، شهوات الجسد، وملذات الحياة، وخصوصاً المحرمة؛ لأن الاستغراق في الحرام مصيبة، ومن حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه.

    تعويد النفس على أكل الحلال

    الخامسة: وعود نفسه أكل الحلال:

    حرص على أن يكون كسبه طيباً؛ لأن الحلال الطيب ينبت العمل الطيب، والجسم الطيب.

    والحرام خبيث (وأيما جسد وكل لحم نبت من سحت فالنار أولى به) والرسول صلى الله عليه وسلم يقول لـسعد : (أطب مطعمك تجب دعوتك) والحديث الوارد في صحيح مسلم، يقول صلى الله عليه وسلم: (ثم ذكر الرجل أشعث أغبر يطيل السفر، يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له) فيجب أن يكون عندك دقة في مراقبة دخلك بحيث لا يدخل عليك ريال واحد من حرام؛ لأنه إذا دخل عليك ريالاً واحد من حرام أفسد عليك الحلال والعياذ بالله.

    فهذه الأمور الخمسة أذكرها بإيجاز، وهي من غض بصره عن الحرام، وعمر باطنه بالتقوى، وعمر ظاهره بالسنة، وكف نفسه عن الشهوات، وتعود أكل الحلال، لم تكد تخطئ له فراسة، هذا الكلام قاله: شاه الكرماني ، ونقل الكلام عنه ابن القيم في كتابه الجواب الكافي، وكما نقل في كتابه فوائد غض البصر، وهي فوائد عظيمة جداً.

    يقول: وكان شاه الكرماني لا تخطئ له فراسة،كان ينظر بنور الله جل وعلا. وقبل أن نقدم المفاجأة التي ذكرها الشيخ أجيب باختصار عن بعض الأسئلة.

    1.   

    الأسئلة

    حكم الحب العفيف

    السؤال: يقول أحد الإخوان: إن سألتم عنا فلله الحمد والمنة.

    الشيخ: متى سألت عنك يا أخي، الله يحفظك ويطيل عمرك؟!!

    السائل: ما حكم الحب العفيف؟

    الجواب: أولاً: أسأل عنك إن شاء الله، أنا أسأل عنك وعن كل أخ في الله، وليس على التخصيص، ولكن على التعميم، والقلوب والأرواح كما جاء في الحديث: (جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) ونسأل الله أن يجمعنا جميعاً في الجنة دار الكرامة، وجزاك الله خيراً.

    ثانياً: أما الحب العفيف فلا يوجد شيء اسمه (حب عفيف) هناك حب حلال، وحب حرام.

    فالحب الحرام: هو حب المرأة الحرام.

    والحب الحلال: هو حب الزوجة الحلال.

    فإذا كنت تحب زوجتك فهذا حلال، وهو طاعة لله، أما أن تحب بنت الناس التي لا يربطك بها رابط شرعي، وهي ليست زوجتك، وتحبها حباً عفيفاً، فهو حرام، بل هو حب سخيف -والعياذ بالله- وخبيث، ولا يوجد حب عفيف، الحب العفيف هو حب زوجتك الحلال.

    وقد سئل أحد العلماء ما حكم الحب؟

    قال: حب الحرام حرام، وحب الحلال حلال.

    الربط لمنع الحمل لضرورة

    السؤال: عندي زوجة، ولها ثمانية أولاد وبنتان وقد فتح بطنها، وأخرج منها طفل عن طريق العملية، هل يجوز لي الربط لما في ذلك من المصلحة حتى لا تحمل؟

    الجواب: إذا قال الأطباء إن حملها يتعبها ولا تتم ولادتها إلا عن طريق العملية، وأنت عندك هذا العدد من الأولاد، فقد أفتى

    العلماء أنه يجوز الربط؛ لأن في ذلك مصلحة، وأنه لا ضرر ولا ضرار في شريعة الله عز وجل.

    أثر الدعوة في تجديد الإيمان

    السؤال: نشكركم على تفضلكم بزيارة منطقة جيزان في الأسبوع الماضي، ونسأل الله لك السلامة يقول: إنا نحبك في الله، ويعلم الله كم كان لمحاضرتكم من التأثير الكبير في المنطقة، ولكن لنا بعض الشكاوي:

    الأولى: عدم توفر شريط تلك المحاضرة في تسجيلات أبها .

    ثانياً: قلة زيارتكم أنتم والشيخ عائض للمنطقة، وأنتم تعلمون ما لكم من التأثير فيها.

    حقيقة: باسم أهل جيزان أنقل عتابهم للشيخ عائض ؛ لأن أولى الناس بالمشايخ في أبها منطقة جيزان، والمناطق المجاورة، وأولى الناس بالمعروف هم، وهذه المنطقة منطقة إيمان، والداعية لا يتعب فيها؛ لأن هناك جهد مبذول في المنطقة من الماضي، هناك جهود الشيخ عبد الله القرعاوي رحمه الله، وجهود الشيخ حافظ الحكمي رحمه الله، وجهود الدعاة والمشايخ والعلماء، ليس هناك بيت في منطقة جيزان إلا وفيه شهادة من كلية أصول الدين، والمنطقة مملوءة من أهل العلم، ولكن يحتاجون إلى بعثرة قليلة فقط لإزالة الغبار وتطلع جذوة الإيمان، والله لقد رأيت في منطقة أبو عريش في الأسبوع الماضي ما سر قلبي، وشرح صدري، فقد امتلأ ملعب كرة القدم من العارضة إلى العارضة كلهم جاءوا مرتين، جاءوا المرة الأولى واعتذرت؛ لأني كنت مريضاً، وجاءوا في المرة الثانية، فجزاهم الله خيراً.

    وفي منطقة سامطة أتيت في نادي التسامح وفي نادي حطين وكان الملعب ممتلئاً، والصالة ممتلئة، فهناك إقبال، ويجب أن يقابل هذا الإقبال بحرص العلماء على الحضور، وأعدهم إن شاء الله أن أكرر الزيارة وباسمهم أنقل إلى الشيخ عائض طلبهم بأن يذهب، ولا يعتذر بأن المكان بعيد، فالمسافة تستغرق ساعتين، وأهل أبها الآن ينتقلون إلى تهامة بيسر..

    فضل الحب في الله

    السؤال: لم أجد سؤالاً أكتبه، ولكن أخبرك أني أحبك في الله، وجميع من في هذا المسجد أخبرهم أني أحبهم في الله، وأشهد الله على ذلك، وأسأل الله أن يجمعنا وإياك وإياهم في دار كرامته.

    الجواب: يقول: لم أجد سؤالاً أكتبه، كثر الله خيرك أرحتنا منك، وأنا أنقل لكم أنه يحبكم في الله، والله -أيها الإخوة- أن إن أعظم حب في الدنيا هو هذا الحب، ليس حباً في ورق، ولا عود، ولا حباً في سفرة ولا أكل، ولا حباً في دنيا، إنه حب في أعظم شيء..، حب في الله (أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله) يقول صلى الله عليه وسلم: (عن يمين الرحمن وكلتا يدي ربي يمين، أقوام ليسوا بأنبياء ولا شهداء، قال أحد الصحابة وجثا على ركبتيه: صفهم لنا يا رسول الله؟ قال: أقوام نزاع من القبائل، يجتمعون وينتقون من الذكر أطايبه كما ينتقي آكل التمر أطايبه) فهم نزاع من القبائل من كل بلد، مثلكم الآن، من شرق، ومن غرب، ونجران، وجيزان، وبيشة، وبالقرن، وحائل، ومن كل أرض، واجتمعتم هنا من أجل ماذا؟ هل هناك أموال توزع بعد هذا الدرس؟ هل هناك من يعشيكم؟ لكن يعشيكم الرحمن تبارك وتعالى، يعشيكم مولاكم بأن يقول لكم في آخر الجلسة: (قوموا مغفوراً لكم، قد بدلت سيئاتكم حسنات).

    مفاسد بيع الدخان والمجلات الخليعة

    السؤال: نفيدكم أن صاحب سوق منهل المركزي استجاب للنصيحة وقام بمنع بيع الدخان، والمجلات العارية، وورق البلوت من محله نرجو أن تدعو له؟

    الجواب: نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يبارك له في دكانه، وأن يخلف عليه بخير، وليبشر، فوالله ما ترك شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه.

    ونحن بالمناسبة نناشد كل أصحاب محلات (السوبر ماركت) والأسواق المركزية، ومحلات الفيديو والتسجيلات، نناشدهم بالله، وندعوهم بدعوة الإيمان، ونقول لهم كما قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [الأنفال:24] لن تحشروا إلى الأسواق المركزية، ولا محلات الفيديو، ولا محلات التسجيلات، سوف تحشرون حفاة عراة، معكم أوزاركم وأوزار الذين تضلونهم بغير علم، ما من شريط فيديو ولا أغنية يباع في محل من هذه المحلات إلا وعلى صاحب المحل إثمه، وإثم من أضله إلى يوم القيامة، وعلى مالك العمارة مثل ذلك مع اللعنة والتشريد، لماذا؟ لأنه أجر العمارة لعمل حرام، لا يجوز لك أن تؤجر عمارتك على مثل هؤلاء، فليتق الله كل إنسان، نحن نحسن الظن بأصحاب المحلات التجارية، وأصحاب محلات (السوبر ماركت) وأصحاب محلات الفيديو، ومحلات التسجيلات، فلا نظن أنهم يحاربون الله، ولا نظن أنهم يسعون إلى هدم أسس المسلمين، ولا نظن أنهم ينشرون الرذيلة، ولكنهم يريدون تجارة فقط، وأكثرهم يقول: أنا أبيع وأشتري، هذا فاتح صيدلية، وهذا فاتح مواد بناء، وهذا (سوبر ماركت) أنا أفعل شيئاً جديداً، هل أفتح صيدلية؟ لا. بل أفتح شيئاً جديداً، ولكن أخطأت في الجديد، هذا فتح صيدلية لعلاج الأجساد، وهذا فتح سوقاً مركزياً لمصالح الناس، وهذا فتح مواد بناء في أمور مباحة، أما أنت فتحت مكاناً وقلعة لمحاربة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    ومحلات الفيديو والأغاني قلاع حرب ضد الله، ورسوله، وكتابه، والمؤمنين، والفضيلة، لماذا تنشر الأغاني؟

    أسألك بالله بم تعتذر يا صاحب المحل أمام الله عز وجل، وقد أغناك الله؟ والله لأن تعجن من التراب، وتأكل طيناً، خير لك من أن تأكل في بطنك ناراً.

    إنك تربي أولادك على النار، أرباحك كلها نار، تفرح في نهاية كل يوم، تجيء وتسأل العامل كم بعت شريط فيديو اليوم؟ يقول: بعت مائة شريط اليوم، أفسدت مائة أسرة في ذاك اليوم! أفسدت مائة بنت وولد هذا اليوم! ما أحد يزني على هذا الشريط إلا وعليك مثل وزره هو زنى وأنت زنيت معه؛ لأنه من دل على ضلال كان عليه وزره ووزر من عمل به إلى يوم القيامة، يا صاحب السوق المركزي: بعض الناس يقول: أنا لا أجلب المجلات والجرائد، وكذلك الدخان لذاتها ولكنها تجلب لي المشتري، ليست هي التي تجلب المشتري، إن الذي يجلب المشتري لك هو رزاق السماء والأرض.

    نعم. إن الله هو الرزاق ليس الدخان هو الرزاق، إذا كنت تعتقد أن الذي يرزقك هو المجلات والجرائد فهذا قدح في عقيدتك، فأنت ما آمنت بأن الله هو الرزاق، أنت عطلت صفة من صفات الله، وتعطيلك لصفة من صفات الله قدح في عقيدتك، ليست المسألة مسألة بيع دخان، ولكن المسألة مسألة خراب ذمة وعقيدة، فعليك أن تعتقد في الله: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ [الزخرف:32].. وتعتقد في الله:وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ [العنكبوت:60] فليس على الدخان رزقك ولا المسجل، ولا الشريط، رزقك على الذي خلقك، لكنك استعجلت الحرام وأكلته، فعشت حياة ملطخة بالحرام، ويوم تموت والله ما ينفعك ولا يغني عنك شيئا، وسوف تندم وتعض على أصابع الندم وتقول: لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ [الحاقة:25-27].

    أما المفاجأة وإن كانت غير سارة في نظر الناس، ولكنها سارة عند الله، في الأسبوع الماضي جمعت تبرعات لجماعة تحفيظ القرآن الكريم في هذا المكان، وكانت تبرعات مذهلة، يعني: جمعوا من هذا المجلس المبارك مائة وثمانين ألف ريال، شيء ما يصدقه العقل -يا إخوان- لكن البركة إذا حلت بارك الله في كل أمر، وجاء العشرات والمئات من الشباب، يقولون:

    ما علمنا بأمر التبرع، ولو علمنا لاستعدينا له.

    قلنا: إنها (ملحوقة) في الليلة الآتية نفتح صناديق التبرع عند الباب، والذي يريد الأجر يدركه إن شاء الله، والذي تبرع في الأسبوع الماضي ما يمنع أنه يتبرع الآن، لماذا؟

    لأن المرء تحت ظل صدقته يوم القيامة، قال تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39].

    وأذكر لكم قصة حدثني بها أحد الإخوة في مكة: يقول :كنا في وليمة، ومعنا بعض الإخوة والمشايخ يقول: شخص من الأثرياء خرج من المسجد الحرام، وركب سيارته الفارهة -سيارة (لكسز)- وهو ثري يملك الملايين يقول: وأثناء وقوفه وقف بجانبه رجل فقير من فقراء الحرم، وما أكثرهم!

    وقال له: من فضلك أعطني ما أتعشى به، وهو يملك الملايين ولا يضره لو أعطاه مائة ألف أومليوناً، لكن يقول: أنا مستعجل، وقد شغلت السيارة وقد مشت السيارة قليلاً يريدني أن أقف وأدخل يدي في جيبي وأخرج ريالاً، فالأمر يطول، قال: فقلت له: على الله، قال: فنظر إلي بعينين كأنها تبتلعني، وقال: تقول لي: على الله، تحيلني إلى ربي، أنا أعلم أن رزقي على الله ليس عليك، ولا بريالك، ولا بعشرتك، يقول: فرقعني بنظرته ثم ولى وتركني، يقول: وكان أمامي امرأة فقيرة تبيع حلويات، قال: لما رأته انصرف من عندي وما أعطيته شيئاً قالت له: تعال وفكت كيسها وأخرجت ريالاً وأعطته إياه، فانظروا كيف أن ريالاً سبق الريالات، قال: فلما أعطته قال: ضربني في قلبي شيء مثل السهم، يقول: الله ما أقل بركة هذه الدنيا وما أنا فيه، يُطلب مني ريالاً فلا أعطي، وهذه المسكينة ربما ما معها اليوم إلا هذا الريال، يقول: على الفور أوقفت السيارة وأطفأتها وأدخلت يدي في جيبي وفتحت الشنطة، وأخرجت عشرة ريالات، ونزلت أبحث عن الرجل فلم أجده، وكأن الأرض ابتلعته، يقول: فرجعت كأن هناك من ساقني إلى هذه المسكينة فأعطيتها العشرة، فسبحان الله، أنفقت ريالاً فردها ربي عليها بعشرة.

    فأنت الآن عندما تضع ريالاً فلا يضيع عند ربي: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ [سبأ:39]

    ليكن لكل منا في هذا المكان ريالاً سهماً في سبيل الله، نسهم به في ميدان الله عز وجل.

    أسأل الله لنا ولكم التوفيق، والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.