إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. سعيد بن مسفر
  4. أحوال السعداء يوم القيامة

أحوال السعداء يوم القيامةللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن السعداء يوم القيامة في أمان الله وظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله؛ ذلك بإنهم استسلموا لله وخضعوا وانقادوا له، وصبغوا حياتهم كلها بصبغة الإيمان، فجميع تصرفاتهم على ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة لا تنال بجمع مال، ولا جاه، ولا شرف، ولا قصور، ولا زوجة، ولا غيرها من متاع الدنيا الزائل، إنما تنال بطاعة الله سبحانه وتعالى، وتكمل هذه السعادة عندما يرضى الله سبحانه وتعالى عن العبد.

    1.   

    أحوال الناس يوم القيامة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    أيها الإخوة في الله: حتى لا ينخدع الإنسان لا بد من بيان أن هذه الدار دار كسب وتحصيل، وأن الجزاء الذي يحصل عليه الإنسان في الآخرة إنما يكون على ضوء ما كسبه وحصله في هذه الدار، فهذه الدنيا مزرعة وحصادها في الآخرة، ومن يزرع خيراً يجد خيراً، ومن يزرع شراً يجد شراً.

    ومن رحمة الله عزَّ وجلَّ أن جعل الآخرة وما أعد فيها من النعيم حصاداً للكسب الذي يستطيع كل إنسان أن يعمله، فلو أن الآخرة تنال بالمناصب لحازها أقوام وحرم منها آخرون.

    ولو أن الآخرة تنال بالأموال لاستحوذ واستولى عليها الأثرياء والتجار.

    ولو أنها تُحْجَز بالجاه والسلطة والقوة والعضلات والطول والعرض لحرم منها الفقراء والضعفاء والمرضى؛ ولكن من رحمة الله عزَّ وجلَّ أن جعل الآخرة يُحصل عليها بأسهل طريق، وبأقل قدرة وهو: العمل الصالح، وهذا بإمكان كل أحد أن يعمله.

    فلا ينفع الإنسان هناك جاه، يقول الله عزَّ وجلَّ عن أهل النار وهم يستلمون كتبهم بشمائلهم: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:28-29]، ولا ينتفع الإنسان هناك بمال يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88-89] ولا ينتفع الإنسان هناك بثناء الناس عليه، والله لو أثنى عليك أهل الأرض كلهم، وذمك الله فلن ينفعوك بشيء، ولو ذمك أهل الأرض كلهم وأثنى عليك الله ما ضروك بشـيء.

    فيجب أن تركز اهتمامك على العمل، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعملوا يا آل محمد فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً -ويقول:- يا فاطمة! لا يأتيني الناس بالأعمال وتأتوني أنتم بالأحساب) فلا يغني حسب يوم القيامة: فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ [المؤمنون:101] أبو جهل القرشي، وأبو لهب عم الرسـول صلى الله عليه وسلم فحمة من فحم جهنم.

    وبلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، هؤلاء من ملوك الآخرة، وقد كانوا يباعون بيع الرقيق؛ لكن أعلى قدرهم الإسلام، وأولئك أحرار وصناديد ومن خيار العرب؛ لكن أوضعهم وأنزل قدرهم الكفر والعياذ بالله.

    فاحرص يا أخي على العمل، والله لا ينفعك بعد هذه الدار إلا العمل الصالح، التعامل معك هناك سيكون على ضوء عملك هنا، يقول الله عزَّ وجلَّ: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [النجم:31].

    وأحوال الناس يوم القيامة تنقسم إلى ثلاثة أحوال:

    1/ أحوال أهل النار من الكفار، أعاذنا الله وإياكم من طريقتهم وشأنهم.

    2/ أحوال العصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن لهم توحيد؛ لكنهم خلطوا هذا التوحيد بمعاصٍ وسيئات وبذنوب وكبائر؛ لكنهم ضمن دائرة الإسلام، وما خرجوا من الدائرة.

    3/ وأحوال السعداء -جعلنا الله وإياكم منهم- الذين استسلموا لله، وخضعوا وانقادوا، وصبغوا حياتهم كلها بصبغة الإيمان، وبرمجوا جميع أوقاتهم وليلهم ونهارهم، وبيوتهم ومزارعهم ومعاملهم وأسواقهم، وجميع تصرفاتهم كلها على ضوء الكتاب والسنة.

    ولا يعني هذا أنهم ملائكة لا يخطئون! لا. بل قد تزل بهم القدم؛ ولكن إذا أخطئوا تابوا واستغفروا؛ لأن الله تبارك وتعالى غفور رحيم، يقول عزَّ وجلَّ: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً [النساء:31].

    ويقول: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32] واللمم: ذنوب وصغائر يُلِمُّ بها العبد المكلف من غير إصرار ولا تعمد؛ لكن تجده وهو ماشٍِ تقع عليه مثل الغبار الذي يلطخ سيارتك؛ لكن تمسحه مباشرة، لا تنزل بنفسك وتأخذ تراباً وتضعه على الزجاج، وتقول: هذا غبار، لا. بل شيء عارض، نظرة أو خطرة أو كلمة أو زلة مرت منك كل هذه تجتنبها لكنك تقع فيها، قال عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ [النجم:32] ثم قال عزَّ وجلَّ: إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ [النجم:32] واللمم بسيط، والله عزَّ وجلَّ يغفره إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى [النجم:32].

    وقد سبق الكلام على أحوال أهل النار، وأحوال العصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والآن سيكون الكلام عن أحوال السعداء جعلنا الله وإياكم منهم.

    1.   

    من أحوال السعداء في الآخرة: أنهم لا يخافون ولا يفزعون

    السعداء يوم القيامة لهم حالة، وهذا الكلام كله في عرصات القيامة لم نأتِ إلى الجنة ولا إلى النار، نحن لا نزال في يوم القيامة.. يوم الوقوف.. اليوم الذي طوله خمسون ألف سنة، منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ألف وأربعمائة وإحدى عشرة سنة، أي: واحد على خمسين من يوم القيامة.

    يوم القيامة يوم طويل، لا يعلم طوله إلا الله عزَّ وجلَّ، خمسون ألف سنة من أيام الآخرة، وليست من أيام الدنيا، واليوم من أيام الآخرة بألف سنة وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] واضرب ألفاً في خمسين ألف، فهل تضيِّع هذا اليوم كله بالمعاصي .. خمسون سنة ليست عند الله إلا مثل واحد على عشرين من يومٍ من أيام الآخرة.

    في ذلك اليوم للناس من السعداء والموفقين والأتقياء لهم حال ولهم أحوال متعددة.

    الحالة الأولى من أحوالهم: أنهم لا يخافون ولا يفزعون حين يفزع الناس، يقوم المؤمن من قبره وهو آمن كأنه رائحٌ وداخلٌ الجنة.

    الناس في الدنيا تعودوا أن يحصل لهم هلع وفزع وخوف واضطراب لأي شيء من متغيرات الحياة، فإذا هبت ريح عاصفة وحملت الأشجار وقلعتها، وهدَّمت البيوت، كيف سيكون وضع الناس؟!

    إذا نزلت أمطار عاتية وهدَّمت البيوت، كيف سيكون وضع الناس؟!

    إذا حصلت حوادث سيارات، وإذا حدثت نكبات، ووقع زلـزال أو خسف أو حروب وغزو وضرب، كيف سيكون حال الناس؟!

    سيكونون في حالة عظيمة من الخوف؛ ولكن يوم القيامة تدمر السماوات والأرض كلها -ليس فقط حدثاً بسيطاً- بل كل الدنيا تتغير معالمها، إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ [الانفطار:1-4].

    إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ [التكوير:1-3] كل هذه تتغير؛ ولكن أهل الإيمان وهم يرون هذه الأحداث تتغير لا يخافون، عندهم أمن وطمأنينة في قلوبهم، لماذا ؟ لأنهم أولياء الله: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] هم أولياء الله في الدنيا، فصار الله ولياً لهم في الآخرة، كانوا كما يريد الله في الدنيا، فكان الله لهم كما يريدون في الآخرة.

    عملوا بطاعة الله استعداداً لذلك اليوم، فيؤمِّنهم الله في ذلك اليوم، حينما يُبَعْثَر الناس من القبور تستقبلهم الملائكة وترحب بهم، وتطمئن قلوبهم، وتهدئ من روعهم، وتقول لهم: لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الأعراف:49].

    يقـول الله عزَّ وجلَّ: إِنَّ الَّذِينَ سَبَـقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْـنَى أُولَئِـكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] أي: عن النار لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [الأنبياء:102-103] والله يسميه الأكبر؛ لكن أهل الإيمان لا يحزنهم، مهما كان الفزع لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103] الملائكة تطمئنهم، وتقول لهم: لا تخافوا: هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:103] أي: إن الله يدخلكم فيه الجنة، ليس هناك خوف عليكم، الله أكبر!

    والفزع هو: شدة الهلع والخوف الذي يحصل للعباد حينما يُبَعْثَرون من قبورهم، تصور وأنت تسير وإذا بالقبور تهتز، والناس يخرجون من القبور شاخصةً أبصارهم، عراةً.. حفاةً.. غُرْلاً.. بُهْماً.. غير مختونين.. والشمس تدنو من الرءوس، والعرق يسيل على قدر أعمال العباد، والأمر متغير؛ لكنّ أهل الإيمان مطمئنون، لا خوف عليهم اليوم ولا هم يحزنون.

    في ذلك اليوم ينادي منادي الرحمن أولياء الرحمن: يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف:68-69].

    ويقول الله عزَّ وجلَّ: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس:62-64].

    خوف المؤمن من الله في الدنيا جعله يأمن يوم الفزع الأكبر

    السر في هذا الأمن الذي يشمل الله به عباده السعداء والأتقياء: أن قلوبهم كانت في الدنيا عامرة بالخوف من الله، فكانوا يراقبون الله في كل تصرفاتهم، كانت مراقبة الله بين أعينهم، ولا يجد صعوبة في هذا، تُتاح له الملذات والشهوات؛ ولكن الخوف من الله يقف حاجزاً بينه وبين معاصي الله.

    قد يخلو بامرأة، ونفسه تدعوه، وتركيبته الجنسية تدعوه؛ ولكن خوفه يحجزه، ولهذا جاء من ضمن السبعة: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال -ما الذي منعه؟!- فقال: إني أخاف الله) فهذا الخوف من الله كان يعمر قلوب أهل الإيمان، يموت جوعاً ولا يمكن أن يأكل حراماً.

    هناك شخص من الشباب يخبرني بهذه القصة، مجلة إسلامية اسمها: التربية الإسلامية، وقد قرأتها بنفسي، وهي موجودة لديَّ، والقصة مفادها: أن شاباً كان يدرس في القاهرة في الأزهر ، وكان يسكن في مدينة البعوث الإسلامية التي يسكنها الغرباء الذين يأتون من شـتى أقطـار الأرض -ومرَّ هذا قبل أربعين سنة أو ثلاثين- وكان هذا الشخص رجلاً تقياً ولكنه فقير لا يملك شيئاً، وضاقت به الأرض حتى مرت عليه أيام وليالٍ وهو لا يستطيع أن يحصل على لقمة العيش، فخرج يومًا من الأيام من مسكنه قاصداً الأزهر لطلب العلم قبل صلاة العصر، وفي الطريق شَمَّ وهو يسير من أحد البيوت رائحةََ طعام شهي يقطع القلوب، وهو سيموت جوعاً، فطرق الباب يريد أن يطلب منهم فلم يستجب أحد، فدفع الباب، فانفتح، فدخل فناء البيت، ثم دعا، فلم يستجب له أحد، فطرق الباب الداخلي، ثم دفعه فانفتح الباب، ونادى، فلم يستجب له أحد، فشاهد أمامه صحفة فيها نوع من الطعام الذي شم رائحته وليس عنده أحد، فدفعه الجوع والحاجة والاضطرار إلى أن يدخل ويأكل وحده من الأكل، وكان الطعام كُبَّة من العيش والبطاطس؛ محشية باللحم ومقلية، كانت رائحتها شهية جداً، أشبه بالسنبوسة، فأخذ واحدة، وعندما حملها وأراد أن يأكلها نظر إليها، فجاءه الخوف من الله فقال: لقمة تأكلها الآن وهي حرام، ولا تدري مَن صاحبها! لا. وبعد أن أرجعها جاءه الجوع والحاجة، سيموت، فأخذها، فلما أخذها جاءه الخوف، وبقي في صراع وتنازع، النفس تقول: كُلْ، والقلب والعقل يقولان: لا تأكل.

    أخيراً انتصر على نفسه ووضعها، وخرج من أجل الله، ودخل المسجد، وصلَّى العصر، وجلس في مجلس الشيخ، وبينما هم جلوس إذا بتلك المرأة تدخل المسجد وتقف على باب المسجد، وتطلب الشيخ أن يأتيها، فجاءها الشيخ، فقالت له: يا شيخ ! أنا امرأة أرملة؛ توفي زوجي منذ سنوات، وترك لنا مالاً وفيراً، وخلَّف بنتاً، والآن بلغت سن الزواج، وأوصَى أبوها أَلا أزوجها إلا برجل يخاف الله عزَّ وجلَّ، فأريد أن تختار لي مِن طلابك هؤلاء مَن تعرف فيه وفي قلبه مخافة الله.

    قال: حسناً!

    فرجع الشيخ ونظر في الشباب وهم جلوس كلهم في الحلقة، وتقع عينه على ذلك الرجل التقـي -لأن التقوى لها آثار في الوجه وفي كل شيء- فدعاه، وأخذه إلى خارج الحلقة وقال له: تريد الزواج؟

    قال: يا شيخ ! منذ ثلاثة أيام والله ما ذقتُ طعم العيش، وتريدني أن أتزوج؟! ليس عندي شيء يا شيخ!

    قال له: لا شأن لك، كل شيء موجود.

    قال: إذا كان كل شيء موجود فليس عندي مانع.

    فأخذه وجاء به إليها، قال: هذا أرضاه لابنتكِ زوجاً؛ لأنه تقي يخاف الله.

    قالت: أنا أعددتُ طعاماً جاهزاً، أريدك أن تأتي أنتَ وطلابُك وهُوَ لنأكل من هذا الطعام، وتكتب العقد.

    فأخذتِ الشيخَ والطلابَ وهذا الطالبَ وهي تمشي أمامهم، ومشت بهم من طريق إلى طريق إلى أن أدخلتهم في ذلك البيت، وتأتي بالصَّحفة وتضعها أمامهم، ويشاء الله أن تكون الصَّحفة والجهة التي فيها تلك اللقمة من عند ذلك الطالب، ويمد يده عليها ويأكلها حلالاً، ومعها زوجة؛ ولو أنه أكلها لَمَنَعَتْه تلك من نعمة الدنيا، بل ربما تمنعه من نعمة الآخرة.

    فالذين يخافون الله عزَّ وجلَّ يجدون صعوبة، فأنت إذا كنت موظفاً وبجانبك موظف آخر، وتراه يسيّر عمله بالرشوة، ويربح في اليوم ما توفره أنت في سنة؛ ولكنك لا ترضى أن تأكل ريالاً حراماً، تجد فيه صعوبة عليك؛ لكن اصبر، هذا يأكل حراماً، يأكل ناراً حمراء، يأكل لعنة الله: (لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما) أما والله إن ريالاً حلالاً عندك أعظم من مليون، بل أعظم من الدنيا بأسرها وهي حرام؛ ما قيمة الدنيا وهي حرام إذا ملأت بها بطنك، وقدمت على الله وأنت آكل للحرام؟ عبادتك باطلة، وزوجتك وأولادك أكلوا الحرام، وحياتك كلها حرام في حرام .. لكن عندما تأكل ريالاً حلالاً أعظم بركة من مليون ريال حراماً.

    فهؤلاء هم الذين كانوا يقومون الليل، ويصومون النهار، ويستعدون للوقـوف بين يـدي الله عزَّ وجلَّ، هؤلاء خافوا من الله، ولما خافوا من الله أمَّنهم الله يوم القيامة، يقولون: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً [الإنسان:10] ماذا حصل؟ ! فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ [الإنسان:11].

    إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ [الطور:26] كنا في أهلنا ومع أزواجنا وفي بيوتنا؛ لكن في قلوبنا شفقة وخوف فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا... [الطور:27] أي: أمَّننا الله (... وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ [الطور:27-28].

    قال الله عزَّ وجلَّ جزاءً لهم على خوفهم: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً [الإنسان:11-12].

    لا يجمع الله بين أمنين ولا خوفين

    وفي الحديث الذي يرويه أبو نعيم في الحلية : عن شداد بن أوس، يقول النبي صلى الله عليه وسلم -وهذا الحديث صحيح؛ صححه الألباني في السلسلة-: (يقول الله عزَّ وجلَّ: وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين، ولا أجمع عليه خوفين، إن هو أَمِنني في الدنيا أخفته يوم أجمع فيه عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمَّنته يوم أجمع فيه عبادي) أتريدها كلها سواءً ؟! لا. لا يصلح، خِف من الله هنا تأمن من الله هناك.

    أما أنك لا تخاف الله هنا، فسوف يخوِّفك الله عزَّ وجلَّ هناك، ثم أجرِ مقارنة، فلا بد من واحدة تجري على رأسك، ليس لك مهرب، ما دُمتَ غُلِبْت فلا بد من أن تخاف هنا أو تخاف هناك، أو تأمن هنا، أو تأمن هناك، فما هو الأفضل لك والأسلم؟ أن تخاف ستين أو سبعين سنة وتأمن أبد الآبدين؛ أم أن تأمن ستين أو سبعين سنة، وتشرب وتأكل، وتنكح وتزني وتفجر، وتنام وتتمشَّى، ثم يخوفك الله أبد الآبدين؟ ما هو المنطق والعقل؟

    المنطق والعقل إذا تَدَخَّلا سيقولان: لا والله، خَفْ سبعين سنة أو ثمانين سنة أو مائة سنة، ولا تخف الأبد كله.

    الناس الآن واقعون مع أنفسهم في دراستهم، تجد الطالب الواقعي يجتهد ست سنوات ابتدائي، وست سنوات متوسط وثانوي، وأربع سنوات جامعة من أجل أن يأخذ الشهادة الجامعية ويتوظف، ليعيش في هذه السن التي بذل فيها الدراسة ( 6 + 6 = 12 + 4 = 16 ) سنة، يريد أن يعيش حياة كريمة بعد التخرج، كم مدتها؟ أربعين أو خمسين أو ستين سنة، ثم يموت.

    فالذي يأمن الله هنا يخوِّفه الله هناك، والذي يخاف الله هنا يؤمِّنه الله هناك، وكلما كان العبد أكثر إيماناً وإخلاصاً وتقوى كلما كان أكثر أمناً يوم القيامة، فأهل التوحيد هم أحسن طبقة، الذين ما خلطوا إيمانهم بشرك، يقول الله عزَّ وجلَّ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82] الذين آمنوا ولم يلبسوا، أي: ولم يخلطوا، أو لم يغلِّفوا إيمانهم بشيء من الظلم؛ وهذه الآية عندما نزلت قال الصحابة: (يا رسول الله! وأيُّنا لا يظلم نفسه؟ قال: الظلم: الشرك، أما سمعتم قول الله عزَّ وجلَّ: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم [لقمان:13]) فالشرك ظلم، فالذي يلبس إيمانه بشرك هذا ليس بمؤمن، يخرج من التوحيد؛ لكن إذا وحَّد ولم يلبس إيمانه بشيء من الشرك فـ: أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82].

    هذا أول حال من أحوال يوم القيامة، وهو: الأمن.

    والأمن مطلب رئيس من مطالب البشر حتى يستريحوا، فلو أعطيت جميع لذائذ الدنيا وأنت خائف فإنك لا تريدها، أليس كذلك ؟ !

    لا تريد حياة إلا وفيها أمن، إذا طرق الباب عليك طارق، وعرفت أنه يريد منك سرقة أو قتلاً أو تخويفاً، أو شيئاً وأنت تأكل أو تشرب أو تنام، فإن النوم يذهب منك، والأكل لن تهنأ به، والعافية لم تعد تأتيك، وتبقى في قلق، لماذا؟

    من الخوف!

    فهذا الخوف ينزعه الله منك يوم القيامة وتُبْعَث آمناً: أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمَّنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40].

    أتريد أن تأتي آمناً يوم القيامة؟ خَفْ مِن الله في هذه الدنيا، في حالتين:

    عند ورود أمره عليك.

    وعند ورود نهيه عليك.

    إذا ورد عليك أمر الله فخَف من الله، ونفِّذ أمره، وإذا ورد نهيه عليك فخف من الله عزَّ وجلَّ وانْتَهِ عما نهاك، فإذا عملت هذين الأمرين فأنت خائف من الله، أما إذا تركت الأوامر، ووقعت في النواهي، وادعيت أنك تخاف الله فهذا خوف الكذابين، ولا ينفعك، فالذي يخاف من الشيء يبتعد عنه، والذي يخاف من المعاصي يرفضها، والذي يخاف من العذاب لا يسير في طريقه، وكذلك المؤمن الذي يريد أن يأتي آمناً يوم القيامة لا يقع في شيء مما يخوفه الله عزَّ وجلَّ به يوم القيامة.

    1.   

    من أحوال السعداء في الآخرة: أن الله يظلهم في ظله

    السعداء الذين يظلهم الله في ظله:

    الحالة الثانية من حالات أهل السعادة الأتقياء -جعلنا الله وإياكم وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا المسلمين منهم- أنهم يظلهم الله في ظل عرشه مع الأمن، أي: هم آمنون والشمس تغلي، فالأمن يحتاج إلى نوع من الراحة، فالله أراحهم بأن أظلهم في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، حين يكون الناس في الموقف العظيم في الوقت الطويل، أنت الآن عندما تقف ساعة أو ربع ساعة في طابور، أو في انتظار موظف، أو في مراجعة، تشعر بأن ركبتَيك قد آلمتاك، وربما تكون في ظل، ولهذا تحتاج إلى أن ترتاح، فتبحث عن كراسٍ، وتقول: ضعوا للمراجعين كراسٍ، كيف لنا أن نظل واقفين؟ لكن يوم القيامة لا تنتظر ساعة ولا ساعتين ولا يوماً ولا سنة ولا ألف سنة، بل هو خمسون ألف سنة، وكل يوم من هذه الأيام بألف سنة، والناس كلهم وقوف.

    اسمه: يوم الموقف، لا يوجد أحدٌ جالساً، من الذي يجلس يوم القيامة؟! لا يوجد جلوس، بل وقوف، موقف عظيم، ثم إن مع الموقف وهج شديد، وحرارة متناهية تصهر أدمغة الناس وتغلي منها رءوس العباد، كما يغلي اللحم في القدور، لا توجد مظلة ولا يوجد أحدٌ يمنعك منها، ثم إنهم يذوقون من العذاب والألم ما تنوء بتحمله الجبال الراسيات، ويكون فريق من أهل الإيمان -اللهم اجعلنا منهم يا رب- هانئين مرتاحين في ظل عرش الرحمن، لا يعانون من الكربات والأهوال شيئاً، هؤلاء هم أصحاب الهمة العالية، والعزيمة الصادقة، والموقف الجاد، الذين تمثلت هممهم وعقائدهم وجديتهم في التزامهم الصادق بعقيدة الإسلام، وبقيم وبعبادات وبسلوك الإسلام.

    من السعداء: الإمام العادل

    الذين يطبقون الإسلام في كل تصرفاتهم، فالله عزَّ وجلَّ يؤمنهم يوم القيامة، وهم أصناف كثيرة، ذكرهم الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، منها: حديث عند البخاري ومسلم : قال صلى الله عليه وسلم: (سبعة يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله: منهم: إمام عادل).

    والإمامة هنا: تشمل كل إمامة، ابتداءً من الإمامة الكبرى وهي: ولاية الأمر العام على المسلمين إلى الولاية الصغرى وهي: ولايتك على بيتك، فأنت إمام، والملك إمام ومسئول، وإذا عدل كان ممن يظلهم الله في ظل عرشه، ومن تحته رئيس الوزراء، ونائب رئيس الوزراء، والوزراء، ووكلاء الوزارات، ومديرو عموم الوزارات، ورؤساء ومديرو الإدارات، ورؤساء الأقسام، والموظفون، وأيضاً: القائد والجندي، كل واحد منهم إمام، حتى العريف يجب أن يعدل فيمن تحته، إذا كنت عريفاً وعندي عشرة أنفار أو عشرون نفراً، فيجب أن أكون عادلاً معهم، وإذا راعيت أحدهم على حساب الآخر أكون خائناً للأمانة، متى كنتَ من هؤلاء يجب أن تكون عادلاً.

    إذا كنتُ رئيس قسم وعندي موظفون، يجب أن أتيح لهم الفرص بالتساوي، وإذا كنت مدرساً يجب أن أعامل الطلاب بالتساوي. أو رجل عندي زوجتين يجب أن أعامل الزوجتين بالتساوي. أو عندي أولاد يجب أن أعامل أولادي بالتساوي.

    إذا عدلت أمنتَ، وإذا جُرْتَ أو ظلمت خسرت؛ لأن الظلم ممحوق، والله عزَّ وجلَّ قد حرمه، يقول الله عز وجل: (يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالَموا) رواه مسلم .

    والظلم عاقبته وخيمة، وهو ضد العدل، والعدل سبب للتمكين، فإذا عدلت وأنت ملك مكَّن الله ملكك، وإذا عدلت وأنت وزير مكَّن الله وزارتك، وإذا عدلت وأنت مدير مكَّن لله إدارتك، وإذا عدلت وأنت مدرس مكَّن الله تدريسك، وإذا عدلت وأنت زوج مكَّن الله زواجك، وإذا عدلت وأنت أب للأولاد مكَّن الله أبوَّتك، أما إذا ظلمت زلزلك الظلم، الظالمون يتولى الله عقوبتهم من فوق سبع سماوات في الدنيا والآخرة.

    فالإمام العادل الذي يملك القوة والسلطة؛ ولكنه لم يدفعه هذا الملك وهذه السلطة إلى الطغيان وإلى البطش، بل أقام العدل بين العباد، وحكّم سلطان الشرع الإسلامي من كتاب الله وسنـة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا يوم القيامة في ظل عرش الرحمن.

    من السعداء: شاب نشأ في عبادة الله

    الصنف الثاني: شاب نشأ في عبادة الله -أسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم- وهذه نلمسها -والحمد لله- وصورتها منتشرة ومشهودة في هذا الزمان، وهي المعبر عنها: بـ (شباب الصحوة).

    انظروا! كنا نعاني من الشباب، وكنا نصيح من الشباب، وكان الخطباء يقولون: اللهم أصلح الشباب! اليوم الحمد لله استجاب الله الدعاء في الشباب، ونحن نراهم بالآلاف يستقيمون على منهج الله، هؤلاء الشباب الذين نشئوا في طاعة الله، ما تلطخت صفحاتهم، وما تلوثت حياتهم منذ أن عرف الله ما عرف زنىً، ولا عرف غناءً ولا خموراً، ولا شركاً ولا وثنيةً، ولا عرف شيئاً من هذا منذ أن نشأ، وإذا به ينشأ مثل الزهرة الجميلة المتفتحة تنبت في المنبت الحسن، وتؤتي الثمار الحسنة، فشكلها جميل، ومضمونها جميل، فهذا يظله الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

    والعلماء يقولون: إن الله عزَّ وجلَّ جعله شاباً، ما قال: وشيخاً نشأ في طاعة الله، لماذا؟

    لأن الشاب يجد معاناة، ويجد تعباً، الآن عندما تمر أنت ومعك رجل كبير في السن أمام امرأة متبرجة فتغض ويغض، فأنت تغض لكن ليس غضك مثل غض ذاك الكبير، فهو يغض وقد شبع من هذه الأشكال، أما أنت تغض والشيطان في قلبك يقول: انظر؛ لكن غصباً تغض بصرك، إذاً .. يظلك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

    فهذا الثاني، أسأل الله أن يجعل جميع شباب المسلمين منهم.

    من السعداء: رجل قلبه معلق بالمساجد

    الثالث: الذين يعمرون مساجد الله بالصلاة، حتى لكأنهم مربوطون بالمساجد، قال: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) أي: مربوط، حتى إذا خرج جسده فإنه يخرج من مكانه لكن قلبه في المسجد، جسده في البيت يأكل لكن قلبه في المسجد، ينام وقد وقَّت الساعة على صلاة الفجر، يذهب إلى الدوام وقلبه في المسجد، لا يسمع الأذان إلا وقد قام، قال عليه الصلاة والسلام: (ورجل قلبه معلق بالمساجد) لأنه يجد الأمن والطمأنينة، والأنس والراحة واللذة في بيت الله عزَّ وجلَّ، أكرم مكان يكون عند المؤمن إذا دخل المسجد، الله أكبر ما أعظم تلك اللحظات! وإذا أردت أن تعرف إيمانك أو عدمه فقسه بهذا المقياس.

    أما المنافق فيضيق من المسجد مثل الطير في القفص، والمؤمن يرتاح في المسجد مثل السمكة في البحر، لا يجد أنسه إلا هناك، ولولا أنه مطلوب منه أن يعيش بأمر الدين خارج المسجد لَجَلَس في المسجد طيلة عمره، لكنه يسحب نفسه إذا خرج، وإذا رأيته وجدته آخر من يخرج من المسجد، وإذا جاء فهو أول من يجيء؛ لكن ذاك بالعكس فهو آخر من يأتي، وأول من يخرج، لماذا؟

    لأنه لا يجره إلى المسجد إلا شيء كخيوط بسيطة والعياذ بالله.

    من السعداء: المتحابون في الله

    الصنف الرابع: المتحابون في الله.

    وهذه لا يجدها أحد إلا أهل الإيمان، أما أهل المعاصي ففيم يتحابون؟ أيتحابون في الله؟

    لا. ليسوا متحابين في الله، ولذا قال في الحديث: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه).

    وهنا يجب أن ننبه إلى أن المحبة في الله لها ضوابط، لا نريد أن تُمْتَهَن هذه الكلمة وأن تستعمل حتى في المعصية، بعضهم يقول: أنا أخوك في الله، وأحبك في الله، وهما يسهران على المعاصي، لا. بل قال: (اجتمعا عليه وافترقا عليه) أي: على طاعة الله، فتجمعهم الطاعة، وتفرقهم الطاعة.

    أما أن يجتمعوا على المعصية، فهذه أخوة في الشيطان وليست أخوة في الله، فإذا عُمِرَت مجالسه، وعُمِرَت افتراقاته معه على طاعة الله عزَّ وجلَّ، فهو أخ في الله.

    من السعداء: رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله

    أيضاً مِن هؤلاء الذين يظلهم الله في ظل عرشه: مَن حال الخوف بينه وبين ممارسة الزنا رغم قوة الدوافع:

    أولاً: تدعوه، الرجل ليس بحاجة إلى أن يدعوه أحد، هو يبحث عن هذا إذا لم يكن عنده إيمان؛ لكن المؤمن لا يبحث عن هذا الشيء ويعتصم بالله، فتأتيه امرأة تدعوه: (ورجل دعته امرأة). وماذا بعد ذلك؟

    ثانياً: (ذات منصب) أي: لا يخاف، ولا ينكشف أمره. وماذا بعد ذلك؟

    ثالثاً: (وجمال) إذاً .. هناك شيء مُغْرٍ.

    ومع هذا يقول: (إني أخاف الله).

    هذا يظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

    من السعداء: رجل تصدق بصدقة فأخفاها

    وأيضاً من السبعة: الرجل الذي يرزقه الله مالاً فينفقه في سبيل الله عزَّ وجلَّ، ويواسي به الفقراء، ويعطي منه المحتاجين؛ ولكنه حتى يكون خالصاً فهو يُخْفِيه، ولا يخبر به أحداً إلا الله، حتى شماله لا تدري بما أنفقت يمينه، وهذا كناية عن التستر الكامل في عدم إظهار الصدقة؛ لأنها كلما كانت سراً كانت خالصة (ورجل أنفق نفقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه).

    من السعداء: رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه

    السابع: صاحب القلب الرقيق، صاحب القلب الخائف من الله، الذي إذا ذكر عظمة الله وقوة الله، وذكر عذاب الله عزَّ وجلَّ فاضت عيناه، وبكى وخشع من هذا الموقف الجليل.

    (ورجل ذكر الله خالياً) أي: لوحده، ليس مع الناس؛ لأنه إذا كان مع الناس ربما يدخل في نفسه شيء، لماذا؟ لأن الناس تُهَيِّجُه، ربما ينبسط من نظرة الناس؛ لكن بينه وبين الله، عندما لا يراه أحد، ولا أحد يهيَّجه إلا نفسه، ولكن هيجه خوفه من الله ففاضت عيناه، وتقاطرت وسالت القطرات من عينيه على خديه، ولا يراه إلا الله، فيسجله الله بتلك القطرات من ضمن أصحاب المظلة الربانية.

    أيها الإخوة في الله: هؤلاء هم الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

    وأيضاً وردت أحاديث أخرى في أن المتحابين في الله يظلهم الله عزَّ وجلَّ في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

    وأيضاً ورد حديث في صحيح مسلم أنَّ: (مَن أنظر معسراً، أو وضع عنه، أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله) شخص عليه دين لآخر، فجاء صاحب الدَّين إليه وقد أزف الموعد فقال له: هاتِ النقود.

    فقال: والله لا أملك شيئاً.

    قال: لا يهمك، كم تريد مهلةً؟

    قال: أريد سنة.

    قال: لك سنة.

    أنْظَرَه وأمْهَلَه؛ لكي يأتي بحقه، لم يذهب يشتكي بالحقوق ويشده، ويقول: ضعوه في السجن حتى يسلم، أريد حقي الآن، بل قال: ما دام أن الله مُوَسِّعٌ عليَّ، وهذا أخي في الإسلام فأنا أصبر عليه؛ لكن أرجوك أن تهتم يا أخي بحقي. فأعطاه سنة.

    أو قال له أيضاً: عندك عشرة آلاف! أتدري؟!

    قال: نعم.

    قال: أعطني خمسة آلاف، ولك سنة، وخمسة آلاف الله يعينك عليها، (من أنظر معسراً أو وضع عنه أظله الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله).

    وجاء في مسند أحمد بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن نفَّس عن غريمه -أي: في أجل- أو محا عنه -أي: ترك له- كان في ظل عرش الله يوم القيامة).

    هذه الحالة الثانية.

    الحالة الأولى: الأمن.

    الحالة الثانية: الظل، يظل الله عزَّ وجلَّ المؤمن في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

    1.   

    من الأعمال التي تنال بها السعادة

    السعداء يوم القيامة هم الذين يعيشون في أمن وطمأنينة وسعادة بلا خوف ولا هم ولا فزع،الذين يسيرون في حاجات الناس في الدنيا ويقضونها، ليس له شغل إلا البحث عن مطالب الناس، وأغراض الناس، وحوائج الناس، ويسعى فيها، ويساهم في حلها ابتغاء وجه الله، يقول الله عزَّ وجلَّ: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114].

    ومِن أعظم ما يفرِّج كربات العبد يوم القيامة: سَعْيُ العبد في فك كربات الناس في هذه الدار، والتيسير عليهم، وإقالة عثراتهم، ففي صحيح مسلم يقول عليه الصلاة والسلام: (من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).

    ما دمتَ في عون أخيك فالله في عونك، وبالمفهوم المخالف: إذا كنتَ ضد إخوانك المسلمين فالله ضدك.

    ومن الناس من لا يتمنى أن يكون في عون الناس، بل يتمنى أن يكون شوكة وعائقاً في سبيل مصالح الناس والعياذ بالله.

    وروى البخاري أيضاً: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة).

    التيسير على المعسرين

    ومن السعداء يوم القيامة في حالة الكربات: الذين ييسرون على المعسرين.

    روى البخاري ومسلم في صحيحيهما حديثاً: أنه أَخْبَر عليه الصلاة والسلام عن رجل ممن كان قبلنا يداين الناس -يبيع للناس بالدين- فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسراً تجاوز عنه، لعل الله أن يتجاوز عنا، قال: (فلقي الله، فتجاوز عنه).

    وروى النسائي وابن حبان والحاكم وصححه: (أن رجلاً لم يعمل خيراً قط، وكان يداين الناس فقال لغلامه: خذ ما تيسر واترك ما تعسر، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عني، فلما مات قيل له: هل عملت خيراً قط، قال: لا. إلا أنه كان لي غلام وكنت أداين الناس، فإذا بعثتُه يتقاضى ديني قلت له: خذ ما تيسر ودع ما تعسر، وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عني، قال الله: قد تجاوزتُ عنك).

    وفي مستدرك الحاكم أيضاً: عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أتى الله عزَّ وجلَّ بعبد من عباده آتاه الله مالاً فقال له: ماذا عملت بمالك في الدنيا ؟ قال: لا شيء يا رب! إلا أنك آتيتني مالاً فكنتُ أبايع الناس، وكان من خلقي أن أُيسِّر على المعسر، وأُنْظِر المعسر، قال عزَّ وجلَّ: أنا أحق بذلك منك، تجاوزوا عن عبدي هذا).

    فالذين ييسرون على المعسرين ييسر الله عليهم يوم القيامة.

    الذين يعدلون في أهليهم وما وُلُّوا

    ومن السعداء أيضاً: من يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلُّوا.

    وفي صحيح مسلم يقول عليه الصلاة والسلام فيه: (إن المقسطين على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يداه يمين، وهم الذين يعدلون في حكمهم وفي أهليهم وما وُلُّوا)، أي: في أي عمل وُلُّوه فإنهم يعدلون فيه، هؤلاء لهم منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، وهم على تلك المنابر في ساعات العرض والنشر.

    الشهادة والرباط في سبيل الله

    أيضاً من الذين يأمنون يوم القيامة ولا يخافون ولا يفزعون: الشهداء والمرابطون: ففي الترمذي : قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (للشهيد عند الله ست خصال...) الشهيد هو الذي يموت لتكون كلمة الله هي العليا؛ لأن الصحابة قالوا: (يا رسول الله! الرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل في سبيل الله، فأيهم في سبيل الله ؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).

    فالشهادة يجب أن يُعْرف مفهومها، فالذي يُقْتل في سبيل الله شهيد، والمتردي شهيد، والحريق شهيد، والغريق شهيد، والمبطون شهيد، والمطعون شهيد، والمرأة الحامل التي تموت أثناء الولادة شهيدة؛ لكن بشرط أن يكونوا مؤمنين، وحصل لهم شيء من هذه الآفات والمحن، فهم شهداء، أما إذا كانوا فسقة وعصاة وغير مؤمنين، ووقع لهم شيء من هذه الأمور فهو عذاب عاجل وما عند الله أشد؛ لكنّ الشهداء هم الذين ماتوا في سبيل الله، أو المرابطون الذين يرابطون على حدود الإسلام والمسلمين، هؤلاء لا يخافون يوم القيامة، الآن حتى الفن أصبح له شهيد، مات العندليب الأصفر أو الأخضر أو الأسمر، فسموه شهيد الفن، ويموت لاعب في الكرة فيقولون: شهيد الرياضة، والآن يقاتلون ويعادون ويجرمون في الأرض ويقولون: شهداء، لا. هؤلاء ليسوا بشهداء، هؤلاء ملاعين؛ لأنهم ملئوا الأرض جوراً وظلماً، وإذا ماتوا يقال لهم شهداء.

    فالشهيد من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.

    وللشهيد عند الله ست خصال:

    أولاً: يغفر له في أول دفقة من دمه .. لا تنـزل أول قطرة في الأرض إلا وقد غفر الله له.

    ثانياً: يُرى مقعده من الجنة عند الموت.

    ثالثاً: يؤَمَّن من عذاب القبر: لا يأتيه في القبر فتنة ولا سؤال، سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) أي: أنه أخذ الفتنة مقدماً في الدنيا.

    رابعاً: يأمن من الفزع الأكبر: إذا قام الناس من قبورهم يوم القيامة يقوم وهو آمن.

    خامساً: يُكْسَى تاج الوقار الياقوتة منه خير من الدنيا وما عليها.

    سادساً: يزوَّج اثنتين وسبعين حورية، ويشفع في سبعين من أقربائه، لا يدخل الجنة لوحده، بل يُرجع إلى الموقف ويأخذ سبعين من أهل بيته، كلهم قد استوجبوا النار.

    والشاهد في هذا الحديث: أن الشهيد يأمن يوم القيامة من الفزع الأكبر، وهو الفزع الذي ينال الناس كلهم إلا من استثناهم الله.

    ومثل الشهيد: المرابط الذي يرابط على ثغور المسلمين ولو لم يحارب؛ لكنه موجود، لو جاء الحرب فهو الأول، وإذا لم يكن هناك حرب فهو مرابط، فرباطه هذا يؤمِّنه يوم القيامة؛ لما روى الطبراني بسند صحيح عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رباط يوم خير من صيام الدهر، ومن مات مرابطاً في سبيل الله أمن من الفزع الأكبر، وغذي عليه برزقه وريح عليه من الجنة، ويجري عليه أجر المرابط حتى يبعثه الله) هذا أجر الذي يرابط في سبيل الله عزَّ وجلَّ.

    ومن إكرام الله عزَّ وجلَّ للشهداء: أن الله يبعثهم وجروحهم تتفجر دماً؛ اللون لون الدم، والريح ريح المسك، ففي صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم: (والذي نفس محمد بيده لا يُكْلَم عبد في سبيل الله -والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم، والريح ريح المسك).

    وجاء في سنن الترمذي وسنن النسائي وسنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قاتل في سبيل الله فواق ناقة -والفواق: فترة ما بين الحلبتين؛ لأن الناقة تحلب ثم تترك إلى أن يزداد لبنها، ثم تحلب مرة ثانية، فمن قاتل فترة زمنية قدر فواق الناقة- فقد وجبت له الجنة، ومن جُرِح جرحاً في سبيل الله أو نُكِب نكبة فإنها تجيء يوم القيامة كأغزر ما كانت دماً، لونها لون الزعفران، وريحها ريح المسك).

    كظم الغيظ

    أيضاً من الذين يؤمِّنهم الله يوم القيامة: الكاظمون الغيظ، الذي يُسْتَثار ويُزْعَج ويُراد منه أن يغضب؛ ولكن أعصابه في ثلاَّجة -كما يقولون- كالجبل؛ لأن من الناس من هو مثل حبة الشعير، أقل حرارة تجعله ينقلب، هذا الذي ينفخ أو ينفث فيحرقُ نفسَه، ويحرق البيت ولا يبالي، ومن الناس من هو راسٍ، لا يتحرك أبداً، وإنما يتصرف تصرفات حكيمة.

    فمن الناس من يثور لأتفه الأسباب ويطلق زوجته، ويضرب أولاده، ويلعنهم، ويفتعل مشاكلَ مع مديره، بل بعضهم يقتل، وبعضهم يفعل جرائم، ثم إذا رجع عقله قال: يا ليتني ما فعلتُ!

    لكن كن هادئاً، واكظم غيظك، فإن في كظم الغيظ منفعة في الدنيا والآخرة.

    والمواقف الصعبة التي تمر بالإنسان ويصاب فيها الإنسان بالأذى كثيرة، وقد يكون مصدر هذه المواقف والأذى قريباً أو صديقاً أو محسناً؛ ولكن الأذى إذا سمعه الإنسان وأصابه ألَمَّ به في أعماقه؛ ولكن يضبط نفسه، ولا يطلق لنفسه العنان، ويضبطها، ويكتم غيظه، فقد عَدَّ الإسلام هذا الأمر من الأخلاق، يقول الله عزَّ وجلَّ: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [آل عمران:133-136].

    فالله عزَّ وجلَّ يمنحك إذا عملت معصية وتبت منها الجنة على هذه المعصية، وعلى توبتك إلى الله عزَّ وجلَّ.

    فكظم الغيظ خلق يجب أن تعود نفسك عليه؛ لأن يوم القيامة يدعو رب العزة والجلال من كظم غيظه على رءوس الخلائق، ثم يخيره من أي الحور شاء.

    يروي أبو داوُد والترمذي، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه، دعاه الله على رءوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره في أي حور العين شاء).

    إذا كظمتَ غيظاً وأنت قادر؛ لكن خوفك من الله ومن أجل الله كظم غيظك، ليس جبناً ولا ضعفاً ولا خوراً، وإنما عقلاً وحكمةًَ وتؤدةً، ودائماً الذي يكظم غيظه يجد راحة، ويجد نتائج حسنة، والذي يندفع ويسرع يجد عذاباً ونتائج سيئة.

    فما أعظم من كظم الغيظ!

    فكاظم الغيظ يدعو الله عزَّ وجلَّ صاحبَه على رءوس الخلائق، ثم يخيره من أي حور العين شاء.

    القيام بالأذان

    ومن الذين لهم حالة مميزة يوم القيامة، وهي أن أعناقهم طويلة المؤذنون: الناس كلهم يبعثون على وضعهم الأول إلا أهل الأذان، يأتون ورءوسهم فوق الرءوس، ورقابهم أطول الرقاب، ويعرفهم الناس من بين سائر أهل الموقف، وإذا كل رجل رأسه فوق رءوس الناس، وتراه ينظر إلى الناس، والناس من تحته.

    فإذا سألته: لماذا رأسك طويل؟

    قال: كنت أقول: (لا إله إلا الله).

    ولهذا الأذان من أعظم القربات إلى الله، وقد نزلت فيه آية في القرآن الكريم، وهي قول الله عزَّ وجلَّ: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت:33] هذه الآية نزلت في بلال وفي المؤذنين، وفي كل من يدعو إلى الله عزَّ وجلَّ، وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت:33] انظروا، يبين الله لكم فضيلة الأذان؛ وأن الناس كلهم نائمون في صلاة الفجر، بينما تسمع الأذان فتفتح النافذة وإذا بهذا يؤذن، وذاك يؤذن، والآخر يؤذن، والدنيا كلها تؤذن؛ إذاً .. هؤلاء أفضل الناس، الناس كلهم رقود وهؤلاء يذكرون الله، الناس كلهم نائمون وهؤلاء يقومون، فأول من يتوضأ المؤذن، وأول من يفتح المسجد المؤذن، وأول من يفتح الكهرباء المؤذن، وأول من يشغل الميكرفون المؤذن، وأول من يفتح النوافذ من أجل أن يخدم الناس المؤذن، وأول من يرتب المصاحف ويرتب الفرش المؤذن، ثم يأتي ويقول: الله أكبر، ويكررها خمسة عشر صوتاً، أليس هذا بفضل؟! نعم. فضل عظيم لا يبلغه أحد.

    ولذا اختلف العلماء وفاضلوا بين عمل الإمامة والأذان أيهما أفضل؟

    فقال قوم: الأذان أفضل.

    قيل: لماذا ؟

    قالوا: لحديث: (أطول الناس أعناقاً يوم القيامة المؤذنون).

    وللآية الكريمة: أن الله عز وجل يقول: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّه [فصلت:33].

    ولأن المؤذن يأتي أول الناس، ويقرأ أكثر الناس، ويصلي أكثر الناس، ويخرج آخر الناس، مَن يخرج آخر الناس؟

    المؤذن، فهذا من أفضل الناس.

    وقال آخرون: الإمامة أفضل.

    قيل: كيف ذاك؟

    قالوا: أفضل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختارها، فكان إماماً ولم يكن مؤذناً، ولا يختار صلى الله عليه وسلم إلا الأفضل، إذ لا يمكن أن يصير هو في شيء مفضول؛ لأنه يعرف موازين الأعمال ومقاديرها، فما دام أنه صار إماماً فهو أفضل.

    وبعضهم توسط في المسألة وقال: الإمامة أفضل أحياناً، والأذان أفضل أحياناً.

    قيل: متى؟

    قالوا: إذا كان الإمام عالماً بدين الله، خاشعاً في صلاته، قدوة في عبادته، محافظاً على إمامته، كان عَمَلُه أفضل؛ لأنه إذا أحسن فله ولهم. إذا صليت وأحسنت فلك أجر من صلى خلفك دون أن ينقص من أجورهم شيء.

    إذاً .. فهذا أفضل.

    قالوا: والأذان أفضل إذا كان الإمام غافلاً أو جاهلاً أو غير قدوة، كما هو معروف عند كثير من الناس، بعض الأئمة يتمسك بالإمامة كما يتمسك بألذ شيء، لماذا؟

    لأجل الراتب؛ لكنه لا يتقن الفاتحة، ولو تقدم شخص عليه ضاربه ولو في المسجد:

    كيف تتقدم وأنا عندي بطاقة وأنا إمام؟

    يا أخي، هذا أقرأ منك، (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله).

    لكنه يخاف أنه يقدمه، فيذهب في الغد ويقدم في وزارة الأوقاف ويأخذ الراتب ويتركه، فتراه يرابط على الإمامة وهو ليس أهلاً لها.

    أو يكون جاهلاً، أو غافلاً في صلاته؛ يكبر ويصلي؛ ولكنه لا يشعر أين هو! يسرح فيبيع ويشتري، ويأخذ ويعطي والناس وراءه، حتى إن بعض الناس يصلي ويسهو والسهو هذا يرد يا إخوان.

    تصوروا أنه لا يوجد إمام إلا ويغلط، حتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سها يوماً في صلاته، قال العلماء: إنه لا يسهو في صلاته من تفكيره في الدنيا؛ لكن لبيان مشروعية هذا، وأنه أمرٌ قد يقع، فسها يوماً في صلاة الظهر فصلى ركعتين ثم سلم، فالصحابة سكتوا؛ لأنهم يعرفون أنه لا يسلِّم إلا بوحي، فكان هناك شخص اسمه: ذو اليدين من الصحابة، أي: يداه طويلتان، كانت يداه إلى ركبتيه من طولهما. قال: (يا رسول الله! أقُصِرَت الصلاة أم نسيتَ؟ قال: لَمْ تُقْصَر ولَمْ أنسَ، قال: بل نسيتَ، فقال الصحابة: بلى، نسيتَ يا رسول الله! فاستدرك، واستقبل القبلة، وصلى ركعتين، ثم سجد للسهو، وسلَّم).

    فالسهو يَرِدُ؛ لكن بنسبة قليلة نادرة، فالرسول عليه الصلاة والسلام سها مرة في حياته كلها، وأنت تسهو مرة في عشر سنوات، أو في خمس سنوات، أو في سنة؛ لكن الذي يسهو كل يوم، ما رأيكم في هذا الإمام؟ كل يوم في صلاة الظهر إذا كانت أربعاً فإنه يجعلها خمساً، والمغرب ستاً، أو اثنتين.

    أين أنت يا إمام؟

    فإذا بالمسكين يبيع ويشتري، ويحل المعاملات، ويعمل كل شيء.

    وبعضهم يزيد والجماعة لا يدرون، فلا يسبحون ولا أحد يشعر به؛ لأن كل واحد في وادٍ، نعم. لماذا؟

    لأن الصلاة مُهْمَلة، ولا حول ولا قوة إلا بالله! حتى قال بعض أهل العلم: إن خشوع الإمام يؤثر على خشوع المصلين. خشوع الإمام إذا كان صالحاً فإن قراءته تؤثر في المؤمنين، وإذا كان الإمام غير خاشع فالذين وراءه لا يخشعون إلا مَن عظم الله عزَّ وجلَّ.

    فهؤلاء المؤذنون فضلهم عند الله عظيم، فهم أطول الناس أعناقاً يوم القيامة لما روى مسلم في صحيحه ، قال عليه الصلاة والسلام: (المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة) وعليك ألا تتصور أن طول رقاب المؤذنين مثل رقاب الجِمال، لا. بل هي طول جمال، لا طول تشويه، وطبعاً الآن يتفاخر الناس بطول العنق، إذا أراد شخص أن يتزوج قال: ما شاء الله عنقها مثل عنق الغزال؛ لكن إذا كانت رقبتها لاصقة برأسها، فإنه يقول: هذه لا تصلح.

    فعنق المؤذن يوم القيامة ليس طوله طول تشويه، لا. بل طول جمال، يزيد الله في عنقه جمالاً حتى يكون مميزاً بين الناس؛ لماذا؟

    لأنه من أهل من رفع لا إله إلا الله على الأرض.

    وأيضاً لماذا يكون عنقه طويلاً؟

    لأن عمله جليل وعظيم، فأطال الله عنقه ليُعرف بهذا العمل العظيم.

    والمؤذن يشهد له كل شيء سمع صوته يوم القيامة، كل شيء يسمع أذانك وأنت ترفع الأذان في الدنيا يشهد لك يوم القيامة، والحديث عند البخاري وهو صحيح، يقول عليه الصلاة والسلام لـعبد الرحمن بن صعصعة وكان رجلاً يأتي عند الرسول صلى الله عليه وسلم، ويجلس أياماً يتعلم ثم يرجع، وكان صاحب غنم، يجلس في باديته يرعى غنمه ثم يجيء، وهكذا، قال: (يا عبد الرحمن ، إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك وأدرَكَتْك الصلاة وأذَّنْتَ فارفع بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة) حتى الحجر، والشجر، والبحر، والجبال، كلها تأتي يوم القيامة تقول: نشهد أن هذا العبد وحَّدك في الدنيا.

    فتصور شهادة الناس، وخاصة بعد هذه المكبِّرات، هذه مِن نِعَم الله على الإنسان، ولذا أوصي أي شاب تتاح له فرصة الأذان أن يؤذن.

    بعض الناس يقول: لا أريد الأذان.

    لماذا ؟ !

    قال ارتباط.

    قَدِّر أنها ارتباط؛ لكنه ارتباط على كرامة، ارتباط على ثواب وأجر، ليس على إهانة، إذاً .. أمسك الإمامة!

    لا أريد الإمامة.

    لماذا؟

    مسئولية وارتباط.

    إذاً .. لمن يعطوا الإمامة والأذان إذا أنت تركتهما؟ أمسكها واربط نفسك عليها، ليس هناك مشكلة، يوم أن تكون مؤذناً في مسجد فستكون مرتبطاً؛ لأنك ليس عندك شغل.

    إذا جاء وقت الأذان وأنت في الفصل أو في المدرسة فمباشرة استأذن واذهب للأذان، وإذا جاء وأنت نائم فقُم، إذا جاء وأنت معزوم فاذهب.

    ما أعظم الأذان؛ لأنه يربطك بالمسجد!

    ثم إنك تؤذن قبل العشاء بثلث ساعة، ثم تجلس إلى صلاة العشاء، ومعك ثلث ساعة كم ستقـرأ فيها؟ وبعد أذان الفجر إلى وقت الإقامة نصف ساعة، كم ستقرأ؟

    المهم أنه سيصبح لك فضل لا يعلمه إلا الله عزَّ وجلَّ.

    من شاب شيبة في الإسلام

    ومن الذين لهم وضع خاص مميز يوم القيامة: الذين يشيبون في الإسلام.

    يقول:

    إن الملوك إذا شابت عبيدهـمُ     في رِقِّهم أعتقوهم عتقَ أبرارِ

    شخص يقول: يا رب! إن الملك في الدنيا إذا شاب العبد عنده وأصبح شائباً أعتقه، يقول: تعبت وشبت في الخدمة، أنا أعتقك عتق أبرار.

    يقول: فيا رب، أعتقني، فقد شاب رأسي وأنا في رقك يا رب العالمين.

    الشيب في الإسلام نور يوم القيامة، كل شعرة في وجهك تأتي يوم القيامة بمنزلة المصباح تضيء لك يوم القيامة، لِمَا روى الترمذي والنسائي عن كعب بن مرة في الحديث، -وهذا صححه الألباني في صحيح الجامع - قال عليه الصلاة والسلام: (مَن شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة).

    بعض الناس يلطخ هذا النور، إذا بيَّض وجهُه بهذه الشعرات البيضاء من أجل أن تكون دليلاً على وقاره، ونوره يوم القيامة، عَمَد إلى المزيل أو الصباغ الأسود وسوَّد وجهَه، وعندنا إذا أردنا أن نسب شخصاً نقول له: سوَّد الله وجهك، وهذا يسوِّد وجهه بيده، وهذا حرام في دين الله عزَّ وجلَّ؛ لأن هناك حديثاً في صحيح الجامع ، عن ابن عباس رضي الله عنه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يكون قومٌ في آخر الزمان يصبغون بالسواد كحواصل الحمام، لا يجدون الجنة، ولا يدخلونها، ولا يجدون ريحها).

    والنبي صلى الله عليه وسلم قال في أبي قحافة : (غيروا شيب رأسه، وجنبوه السواد).

    فإذا شاب وجهك فافرح؛ لأن بعض الناس عندما يرى الشيب في وجهه يخاف!

    ماذا بك؟

    يقول: الناس سيقولون: شائب! إذا جئتُ لأتزوج لا أجد من يزوجني، وإذا رأتني امرأة ووجدتني شائباً قالت: هذا لم يعد عنده فائدة، ولم تعد عنده مصلحة، والناس يقولون: شيبة.

    لا يا أخي! بل كلما زاد شيبك زاد وقارك، إياس بن قتادة بلغه الشيـب ورأى شيبـة في لحيتـه -وكانت لحاهم طويلة- فلما نظر إلى لحيته رأى الشيبة، فذهب إلى أولاده قال: [يا بَنِيَّ ! إني أرى الموت يطلبني وإني أراني لا أفوته، وقد بلغني نذيره -يقول: وصلني نذيره ومرسوله- وقد وهبتُ لكم شبابي، فهبوا لي شيبتي] يقول: تعبتُ عليكم في شَبَّتِي فاتركوا لي شيبتي لنفسي أعبد الله، ثم اعتزل دنياه وسلمها لأولاده، كأنه قد مات، وجلس يعبد الله بالليل والنهار حتى هزل وضعف، فجاء إليه أولاده وقالوا: [يا أبتاه! إنك تموت هُزَالاً، قال: لأن أموت مؤمناً هزيلاً خير لي من أن أموت منافقاً سميناً].

    فالشيب: (مَن شاب شيبةً في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة).

    ويروي البيهقي في شعب الإيمان ، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجل شيبة في الإسلام إلا كانت له نوراً، وكان له بكل شيبة حسنة، ورُفِع له بها درجة).

    وللحديث شواهد، ففي حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام: (لا تنتفوا الشيب...)؛ لأن بعض الناس لا يصبغه، وإنما يزيله من أساسه: (لا تنتفوا الشيب فإنه نور يوم القيامة، ومن شاب شيبةً في الإسلام كان له بكل شيبةٍ حسنة، ورفع له بها درجة) وهذا الحديث رواه ابن حبان بإسناد حسن.

    وروى ابن عدي والبيهقي في الشُّعَب عن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشيب نور في وجه المؤمن، فمن شاء فلينتف نوره) أتريد أن تطفئ نورك؟ إذاً فانتف حتى تأتي يوم القيامة ووجهك مظلم، لكن دع النور في وجهك، حتى تأتي يوم القيامة ووجهك مشع بنور الله عزَّ وجلَّ.

    المحافظة على الوضوء

    من الذين لهم وضع خاص يوم القيامة: أصحاب الوضوء جعلني الله وإياكم منهم.

    أهل الوضوء هؤلاء لا أحد يراهم إلا وهم مستعدون للصلاة، هؤلاء استجابوا لله، وأقاموا الصلاة، وأتوا بالوضوء كما أمرهم الله، وكما سن لهم نبيهم صلوات الله وسلامه عليه فهؤلاء يُدْعَون يوم القيامة بآثار وضوئهم غُرَّاً مُحَجَّلين.

    الغر: بياض في الناصية؛ أي: في الجبهة.

    والحجال: بياض في القوائم.

    أهل الإيمان يُعْرَفون يوم القيامة بالوضوء، غُرٌّ يُبَيِّض الله وجوهَهم بآثار الوضوء، ويُبَيِّض الله أقدامَهم وأيديهم بآثار الوضوء، والحديث في صحيح البخاري ، يقول عليه الصلاة والسلام: (إن أمتي يُدْعَون يوم القيامة غُرَّاً مُحَجَّلين من آثار الوضوء).

    يقول ابن حجر في شرح هذا الحديث: غُرَّاً، أي: جمع أغر أو ذو غرة، وأصل الغرة: لُمْعة بيضاء تكون في جبهة الفرس، ثم استعملت للجمال ولطيب الذكر، يقال: يوم أغر، جبين أغر، دهر أغر، أي: ليس مظلماً؛ فكذلك المؤمن يوم القيامة وجهه وجهٌ أغر.

    كيف ولماذا غُرَّاً؟

    مِن آثار الوضوء.

    وأيضاً هذه اللُّمعة في جبين أو في جبهة الفرس أو الحصان نوع من الجمال، عندما ترى حصاناً أدهم أو أبيض، وبجانبه حصان أدهم؛ لكن في جبهته لمعة بيضاء، أما تعطيه جمالاً؟ بلى تعطيه.

    وكذلك المؤمن يوم القيامة يُعطى جمالاً.

    ومُحَجَّلين: أيضاً من التحجيل، وهو بياض يكون في قـوائم الفـرس، والتحجيل للمؤمن حليةٌ وجمالٌ له وزينةٌ يوم القيامة، يقول عليه الصلاة والسلام: (تبلغ الحلية من المؤمن مبلغ الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته) وقد قيل: إنه من إدراج الراوي، وقيل: من الحديث، أي: يبالغ في إطالة الغرة؛ فإنه يأتي معروفاً بها يوم القيامة، وبهذه الغرة والحلية والجمال النوراني يتميز أصحـاب محمد صلى الله عليه وسلم، أهل سنته يوم القيامة، وبها يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم أمته من بين سائر الخلائق؛ لأن أمة الرسول ليست الأمة الوحيدة التي تبعث يوم القيامة، الأمم منذ آدم إلى يوم القيامة يبعثون كلهم، وتأتي أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيعرفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بآثار الوضوء وبالغرة في جبينهم، وبالتحجيل في قوائمهم، يقول عليه الصلاة والسلام، وقد مر يوماً على مقبرة -والحديث في صحيح مسلم - قال: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنَّا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أنَّا قد رأينا إخواننا فقال الصحابة: أوَلَسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحـابي، إخواني الذين آمنوا بي ولم يروني، قالوا: كيف تعرف يا رسول الله من لم يأت بعد من أمتك؟ قال: أرأيتم لو أن رجلاً له خيل غُرٌّ مُحَجَّلة بين ظَهْرَي خيول دُهْمٍ بُهْمٍ ألا يَعْرِف خيـله ؟ ! قالـوا: بلى يا رسـول الله ! قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غُرَّاً مُحَجَّلين من آثار الوضوء، وأنا فَرَطُهُم على الحوض) وفرطهم أي: السابق لهم، والفَرَط هو الذي يسبقك، يقول: أنا فَرَطُهُم أي: أنا أسْبقهم، وأتقدمهم، وأرحب بهم على الحوض يوم القيامة.

    ويروي أحمد في المسند بسند صحيح، عن أبي الدرداء قال: قال صلى الله عليه وسلم: (أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة، وأنا أول من يؤذن له برفع رأسه يوم القيامة، فأنظُرُ إلى ما بين يدي، فأعرف أمتي من بين الأمم، ومن خلفي مثل ذلك، وعن يميني مثل ذلك، وعن شمالي مثل ذلك، قال رجل: يا رسول الله! كيف تعرفهم من الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟ قال: هُم غُرٌّ مُحَجَّلون من آثار الوضوء، ليس أحد كذلك غيرهم، أعرفهم أنهم يؤتَون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم حين تسعى بين أيديهم ذراريهم) نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يجعلنا وإياكم مِمَّن يُؤَمَّن من الفزع الأكبر يوم القيامة، وممن يظلهم الله في ظل عرشه يوم القيامة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    والله أعلم.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلَّم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم حلق اللحية والإسبال

    السؤال: أنا رجل في الأربعين من عمري، أحب أهل الخير ومجالستهم، ويشهد الله على ما في قلبي؛ ولكنني أحلق لحيتي وأطيل ثوبي، فهل يعتبر هذا مخالفة للشرع؟

    الجواب: يا أخي الكريم! يا من تجاوزت الأربعين! ويا من بلغت أشدك وقربت من النزول؛ لأن الدنيا مثل الجبل، صعوداً إلى رأس الجبل، ثم تنزل من الجهة الثانية، فبعد الأربعين قد بلغ المرء أشده، يعني: لم يعد هناك صعود إلى فوق، لم يعد إلا نزول، فأنت الآن صعدت إلى القمة والآن ستنزل إلى الحضيض.

    وأيضاً رزقك الله حب أهل الخير ومجالستهم، فإن حب الخير حب لله، وحب أهل الخير حب لله، ومجالسة أهل الخير مجالسة لله، والشر كل الشر في كراهية أهل الخير، والسوء كل السوء في الإعراض عن أهل الخير.

    كن عالماً أو متعلماً أو محباً أو مجالساً، ولا تكن الخامس فتهلك، وهو المعرض والكاره والعياذ بالله.

    وما دمت تحب أهل الخير وتجالسهم، فلم يبقَ عليك إلا أن تعمل، ومِن العمل أَلا تحلق لحيتك، وألا تسبل ثوبك، فإنك إن حلقت لحيتك وأسبلت ثوبك فقد وقعت في مخالفة شرعية؛ لأن الأحاديث والأوامر جاءت بالنهي عن حلق اللحية، وجاءت بالنهي والتحريم عن إطالة الثوب بالإسبال، فماذا ينفعك حلق اللحية؟ يعني: بمن تريد أن تتشبه؟ لماذا تعرض نفسك للعذاب وأنت في غنى عنه؟ الذي يحلق لحيته يجد مشكلة مع لحيته، يريد أن يخصص لها كل أسبوع نصف ساعة إن كان بيده، وإن كان عند الحلاق فساعتين، ذهاب إلى الحلاق، وجلسة، وانتظار، ودبغ للحيته، ثم حلق، ثم نقود! ولِمَ كل هذا؟ دع وجهك يا أخي مليئاً، لحيتك في وجهك بدون تعب، هذا في الدنيا، وأما عذابها: فلا شك أنك تخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتعرض نفسك للعذاب، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من رغب عن سنتي فليس مني).

    ولما رأى الرجلين اللذين كانا حليقين واللذين جاءا من اليمن وهما كافران، قال لهما بمجرد أن رآهـما: (مَن أمركما بهذا ؟ قالا: ربنا -يعنيان: كسرى- قال: أما أنا فقد أمرني ربي بإعفاء لحيتي وقص شاربي) فهي من أمر الله.

    وقال: (خالفوا المجوس) (خالفوا المشركين) (قصوا الشوارب وأعفوا اللحى) (أكرموا اللحى (أرخوا اللحى) (أسدلوا اللحى).

    وأنت رغم كل هذه الأوامر تحلق لحيتك؟

    لماذا هذا يا أخي؟

    ارفع عنها السكين، وأعلن معها الهدنة؛ فإنك بهذا تقيم سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك إسبال الثوب من المَخِيْلَة، وإسبال الثـوب سـبب للعـذاب، والحديث في صحيح مسلم : (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: -وذكر منهم- والمسبل إزاره)، فلا تسبل ثوبك، ولكن اجعل ثوبك إلى نصف الساق، فإن لم تقدر فإلى الكعب، أي: لك مساحة، من نصف الساق إلى الكعب، أكثرُ مِن نصف الساق غُلُوٌّ، دون الكعب وما تحته تفريطٌ، فلا تكن مُفْرِطاً ولا مُفَرِّطاً، بعض الشباب يرفع ثوبه فوق نصف الساق إلى ركبته، وبعضهم يرخيه إلى الأرض، والإسلام وسط وعدل، اجعل ثوبك في المستوى المعروف الذي أتاحته لك السنة، وأسأل الله لي ولك ولجميع المسلمين الهداية.

    من أوتي القرآن ورأى غيره أفضل منه

    السؤال: ذكرتَ في بعض المناسبات أن مَن أوتي القرآن ورأى أن غيره أفضل منه، فقد ازدرى الدين، أو ازدرى نعمة الله، فهل يعتبر ذلك أيضاً فيما لو أننا رأينا أحداً من العلماء أو من الدعاة أفضل منا؟ أرجو توضيح ذلك!

    الجواب: لا. لا يعتبر هذا، الاعتبار هو: مَن أوتي القرآن والعلم والدين، ثم رأى أن غيره من أهل الدنيا ومن أهل المادة ومن أهل الشيء الفاني أفضل منه.

    أما إذا رأيت أن غيرك من أهل العلم أفضل منك في القراءة، أو في القرآن، أو في العلم، فالناس يتفاضلون، ولهذا جاء في الحديث: (انظروا إلى من هو دونكم في الدنيا، ومن هو فوقكم في الدين، حتى لا تزدروا نعمة الله عزَّ وجلَّ).

    معنى قوله تعالى: (( ويؤثرون على أنفسهم))

    السؤال: ما معنى قول الله عز وجل: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]؟

    الجواب: معنى هذه الآية: أن الله عزَّ وجلَّ يصف الصحابة الأنصار، ويصف من سار على أسلوبهم وشاكلتهم إلى يوم القيامة بالإيثار، وهو إعطاء الغير هذا الشيء مع الحاجة إليه.

    يُؤْثِرُون أي: يُفَضِّلُون، ويُقَدِّمُون غيرهم في الفضل والخير على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، تجده جائعاً وهو يتصدق، وعارٍ وهو يكسي، وفقير وهو ينفق، وهذا أعظم شيء، فالصحابة رضي الله عنهم كانوا هكذا، ليس عندهم شيء ويعطون الناس، وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى... [الإنسان:8] ماذا؟ (... حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً [الإنسان:8-9].

    حكم أخذ راتب الخميس والجمعة من الدولة

    السؤال: هناك أناس يذكرون أن راتب يومي الخميس والجمعة حرام على الموظف! هل هذا صحيح؟

    الجواب: لا. هذا ليس بصحيح، وهذا من الغلو، يوما الخميس والجمعة عطلتان رسميتان أتاحهما النظام وولي الأمر لترتاح فيهما؛ لكي تباشر عملك فيما بعد وأنت نشيط، فتأخذ راتبهما حلالاً، وليس فيه شيء إن شاء الله.

    معنى ((إنما يخشى الله من عباده العلماء))

    السؤال: ما معنى قول الله عز وجل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]؟

    الجواب: معنى هذه الآية، والناس كثيراً ما يغلطون فيها: بعضهم يقول: إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ، يعني: أن الله يخاف من العلماء، وهذا خطأ، بل إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ [فاطر:28] لفظ الجلالة هنا: مفعول مقدم، أي: إنما تقع الخشية لله من العلماء: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28] فالعلماء فاعل مؤخر، ولفظ الجلالة مفعول مقدم، وقُدِّم للاختصاص، فإنها لا تقع الخشية إلا لله، كما قُدِّم المفعول على الفاعل والعامل في: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:4] لَمْ يقـل الله: نستعين بك ونعبدك؛ بل قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:4] فتقديم المعمول على العامل من أجل بيان الاختصاص، وهذا سبب تقديمه هنا.

    الدخول بالبنات يحرم الأمهات والعقد بالبنات يحرم الأمهات

    السؤال: تزوجتُ ثم طلقتُ قبل الدخول بها، وهذه الزوجة ابنة عمي، فهل تصبح أمها بعد الطلاق من المحارم؟

    الجواب: نعم. تحرم عليك الأم قبل الدخول ببنتها؛ لكن لا تحرم عليك البنت بالعقد على أمها، إذا تزوجت بامرأة وعقدتَ عليها، وكان لها بنت ولم تدخل بالأم فالبنت لا تصبح أنت محرماً لها، فالأمهات يحرمن بالعقد على البنات، والبنات يحرمن بالدخول على الأمهات.

    يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب

    السؤال: لي أخت من الرضاعة رضَعَت معي مدة طويلة، فهل أنا محرم لها ؟ وهل يجوز أن تكشف وجهها لي أثناء الطعام؟ وهل توبتي مقبولة من المعاصي التي كنت أعملها، واليوم والحمد لله رجعت إلى الله، وما هو رأيكم؟

    الجواب: أختك من الرضاعة التي رضعتَ من أمها، أو رضَعَتْ هي من أمك مدة شرعية وهي: خمس رضعات، أصبحت أختك كأختك من النسب، فتحرم عليك، ويحل لها أن تكشف عليك، وتنظر إليها، وأنت محرم لها كما لو كانت أختك من النسب، غير أنك لا ترثها ولا ترثك، فيحرم فقط النكاح، ويجوز أن تكشف عليك.

    أما توبتك من الذنوب فإنها مقبولة إن شاء الله إذا توفرت فيها شروط التوبة الصحيحة، وهي:

    1- الإقلاع عن الذنب.

    2- الندم على ما فات.

    3- العزم على عدم العودة إليه.

    4- إذا كان متعلقاً بآدمي فتتحلل من صاحبه.

    أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل

    السؤال: أنا امرأة أسال عن حكم: أنني في بعض الأيام لا أصلي التهجد بسبب أن ابنتي صغيرة، وأكون في بعض الليالي والأيام مريضة؟

    الجواب: ليس هناك شيء؛ إذا كانت هناك امرأة تتهجد في الليل؛ لكن حصل عندها أن ابنتها مريضة، وسهرت عليها، وما عندها وقت لتقوم وتصلي، فما عليها شيء إن شاء الله، وإن كان أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، والمؤمن إذا عمل عملاً فيستحب له أن يداوم عليه حتى لو كان قليلاً، ولا يكون كالمُنْبَتِّ الذي لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع؛ ولكن هذه المرأة طالما وأن لها عذراً في تركها فلا شيء عليها إن شاء الله، وعليها أنها تستمر حينما يذهب هذا العائق.

    الرضاعة تحرم على الراضع

    السؤال: أنا شاب أردت أن أخطب ابنة عمي؛ ولكني وجدتُ أن أخي رضع مع أخيها من أمها، فهل يجوز لي الزواج منها أم لا؟ ووالدتي لا تدري كم عدد الرضعات التي رضعها أخي وأخوها ؟

    الجواب: إذا كان أخوك هو الذي رضع من تلك المرأة، فإنه يصبح أخاً لجميع الأبناء الذين خرجوا من صلب هذا الرجل ورضعوا من لبن هذه المرأة، أما أنت فلا. وليست لك علاقة، ويجوز أن تتزوج بالبنت التي رضع أخوها مع أخيك، إلا إذا كانت هي رضعت من أمك، أما إذا كان رضاعاً متبادلاً فقد أصبحت أختك، أما فقط من أمها فالرضاع يحرِّم على الراضع، ولا ينتشر إلى غيره.

    حكم استعمال صبغة الشعر

    السؤال: كثير من الناس يستخدمون صبغات للشعر في الرءوس والأذقان، منها: الأسود، ومنها: الأحمر، فما حكم استعمال هذه الصبغات ؟

    الجواب: لا يجوز استعمال أي صبغة إلا ما بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (وجنِّبوه السواد)؛ ولكن الحناء وهو معروف، والكتم وهو مادة توضع على الحناء وتخلط بها ثم توضع على اللحية فتبدو اللحية بُنّية اللون، ليست حمراء ولا سوداء، وإنما بين السواد والحمرة، فهذا ليس فيه شيء، أما السواد الخالص أو الألوان البراقة التي تستخدمها النساء؛ كألوان المكياج، فهذا لا ينبغي، وطبعاً السواد يحرُم على الرجل والمرأة، فكما هو محرّم على الرجل فكذلك المرأة يحرم عليها إذا كانت عجوزاً أن تذهب لتلطخ رأسها وقصتها بالسواد حتى تبدو كأنها شابة؛ لأن التغرير محرّم، سواءً على الرجل أو على المرأة.

    الفرق بين الهدية والرشوة

    السؤال: ما الفرق بين الهدية والرشوة ؟

    الجواب: الفرق بين الهدية والرشوة أن الهدية ليس لها مبرر إلا الحب أو الصلة، أو المعرفة، تهدي لشخص بينك وبينه معرفة، أو صداقة، أو محبة، وليس لك من ورائها أي منفعة دنيوية.

    أما الرشوة فتقدمها لشخص ولكن لك عنده غرضٌ، إذا كان موظفاً أو مديراً أو أميراً، أو كان في أي وظيفة ولك معاملة عنده، وتعرف أنها لا تمشي إلا بشيء، فتقدم له هدية، فإذا أكمل العمل انتهى، هذه هي الرشوة تلبس ثوب الهدية، وهي ممقوتة ومحرمة.

    أما إذا كان شخصٌ بينك وبينه صداقة، فأهديت له فليس فيه شيء: (تهادوا تحابوا).

    مجالسة تارك الصلاة

    السؤال: لي زملاء لا يصلون، وأنا أجلس معهم، وآكل معهم، وأذهب إلى الصلاة وأتركهم، وأنا أعرف أنهم لا يصلون، فماذا أفعل، وبماذا تنصحني ؟

    الجواب: أنصحك بسرعة مفارقتهم ما داموا لا يصلون فإنهم كفار، ولا يجوز مؤاكلة الكافر ولا مشاربته ولا الجلوس معه، وإذا كنت قد نصحتهم فالحمد لله، وإذا كنت لم تنصحهم فامكث معهم فترة تنصحهم، وبيّن لهم خلال فترة زمنية معينة الحكم الشرعي، فإن استجابوا فالحمد لله، وإن لم يستجيبوا فاتركهم واذهب، فإنهم قومٌ ذو جرب، ونخشى عليك أن يصيبك مِن جَرَبِهم.

    بيان الأجانب والمحارم من الأقارب

    السؤال: هل يجوز للمرأة أن تكشف على زوج خالتها، وزوج عمتها، وأخو زوجها، وزوج أخت زوجها، وزوج أختها، وعم زوجها، وخال زوجها، وابن عم والدها؟

    الجواب: لا؛ لأن زوج خالتها أجنبي، ولو طلق خالتها لجاز له أن يتزوجها، وزوجُ عمتها كذلك؛ لأن زوج عمتها أجنبي عنها، لو طلق عمتها لجاز له أن ينكحها، وأخو زوجها لا يجوز لها أن تكشف له، بل هو الحمو، والحمو الموت، والحديث في الصحيحين : (الحمو الموت، الحمو الموت، الحمو الموت).

    وزوجُ أخت زوجها وزوج أختها لا تكشف عليهما؛ لأنهم أجانب عنها، وعمُّ زوجها أخ لأبي الزوج لا يجوز أن يكشف عليها؛ لأن زوجها لو طلقها لجاز لذلك الأول أن يتزوجها، وخالُ زوجها: لا يجوز، وابنُ عم والدها: لا يجوز كذلك.

    كل هؤلاء من الأقارب الذين لا يحل لهم، وهناك ضابط في الموضوع، وهو: أن المحرمات على قسمين:

    1/ محرمات على التأبيد.

    2/ محرمات على التوقيت.

    فمن حرمت على الإنسان على التأبيد جاز له أن يكشف عليها.

    ومن حَرُمَت مؤقتاً لَمْ يَجُز، الآن زوجتك محرمة عليَّ الآن؛ لأنها في عصمتك؛ لكن لا يجوز لها أن تكشف لي؛ رغم أنها محرمة عليَّ، لأنك لو طلقتها لجاز لي أن أنكحها، أليس كذلك؟ وكذلك امرأة أخيك محرمة عليك؛ لأنها امرأة أخيك، لكن لو طلقها أخوك أو مات عنها لجاز لك أن تنكحها.

    أما التي يجوز لها أن تكشف عليك -سواءً كانت مزوجة أو غير مزوجة- فهي التي لا يجوز أن تنكحها إلى الأبد؛ لأنك مَحرم لها.

    حكم اللعن

    السؤال: ما حكم لعن الزوج لزوجته وما حكمه مازحاً؟

    الجواب: لا يجوز لعن الزوج لزوجته، وهو محرم، ولا يجوز لعن الزوج لأي شيء أو الزوجة أو غيرهما، فاللعن هو: الطرد والإبعاد عن رحمة الله.

    وصدق السائل: هناك بعض الناس يمزح ويقول لزوجته: اسقيني الله يلعنكِ، أين السقاء ؟ أين العشاء ما جاءنا اليوم؟ ما للعشاء اليوم ليس حسناً؟ الله يلعنك!

    فتقول: أنت.. أنت متكبر الله يلعنك!

    ويضحكون واللعنة تمشي، هؤلاء سـماهم النبي صلى الله علـيه وسـلم (الصَّـقَّارون)، تحيتهم: اللعنة.

    فلا يجوز اللعن، لا جاداً ولا مازحاً، ومن وقع فيها فليتُب إلى الله عزَّ وجلَّ؛ ولكنه ليس طلاقاً كما يفهم بعض الناس، بعض الناس يقول: لعنتُ زوجتي، ما رأيكم؟

    نقول: أخطأتَ وأذنبتَ، وعليك أن تسترضيها، وأن تستغفر الله, وأن تحسن إليها، أما أنه طلاق فلا، الطلاق له عبارات وله كنايات، إذا لم يقع بالعبارات الصريحة فبالكنايات التي يُفهم منها حصول الطلاق، أما هذا فليس طلاقاً.

    حكم تطويل الأظافر

    السؤال: ما حكم تطويل الأظافر؟

    الجواب: تطويل الأظافر مخالفة للسنة؛ لأن من السنة: (خمسٌ من الفطرة...: وذَكَرَ منها: تقليم الأظافر).

    وانظروا إلى البشرية يوم أن حادت عن السنة، عادت إلى شريعة القطط والكلاب، فتنظر إلى المرأة وقد أطالت أظافرها وكأنها قطة، ثم صبغتها باللون الأحمر وكأنها كانت تنْخُش دماً، وصبغت فمها باللون الأحمر وكأنها طلته بدم، ويرون هذا جمالاً! ما هذا الجمال؟! هذا جمال القطط والكلاب والعياذ بالله.

    فلا ينبغي لك أن تطلق أظافرك، ولا أظافر زوجتك، بل عليك أن تتعاهدها وتقلِّمها لِمَا في ذلك من الضرر.

    والعلماء يحققون ويقولون: إن في التقليم مصالح كثيرة:

    أولاً: أن الأقذار والجراثيم تستقر تحت الأظافر، فلا تستطيع أن تظل تخلِّل وتنظِّف أظافرك كل مرة؛ لكن قلمها، وانتهى!

    ثانياً: إذا حصل خصام أو مضاربة وعندك أظافر فهذه تصير مثل الأسلحة؛ ومثل السكاكين، انظر إلى أولادك إذا تخاصموا وفيهم أظافر، كيف ترى بعضهم يخمش بعضاً، وكأنهم تجارحوا بسكاكين، وكذلك إذا خاصمتَ امرأتك وعندها أظافر فإنها تخمش وجهك، وترسم في وجهك خريطة بأظافرها، فاجعلها تُقلِّم أظافرها، حتى إذا حدث شيء تكون في أمان، أي: لن يحصل لك شيء وإن وصلك منه شيء لا يسيل دمك.

    حكم قطيعة رحم من وصلته فطردك وقطعك

    السؤال: رجل يقاطع أرحامه، وعندما يذهبون إليه يطردهم، ويسألهم بالله أَلا يذهبوا لزيارته، ولا يدخلوا بيته، فماذا يفعلون؟ هل يستمرون في ذلك أم يقاطعونه؟

    الجواب: هذا الرجل مخطئ وآثم، وقد باء بإثمهم وإثمه؛ لأنه ينبغي لك إذا وجدت أيَّة بادرة من الناس الذين بينك وبينهم شيء أن ترحب عندما تراهم، قل: أهلاً، حياك الله، لتكبر فيه نفسَه التي عندها حماس أنها تلغي الصلة التي بينك وبينه.

    أما أن يأتيك إلى بابك، ويدق عليك، وتقول: قولوا له ليس موجوداً، أو تجبه من أعلى، أو تقول له: أنت مطرود من بيتي، فهذا قد برئت ذمته، ويكون على هذا الشخص الإثم من الطرفين، وأنت يا من عملت ماذا تفعل ؟! استمر في المناسبات والأعياد، ودعه يقول لك: مطرود، قل: حسناً! اللهم فاشهد عليه أنني جئت إلى بابه. فهنا يبوء بإثمك وإثمه.

    معنى التعدي في قوله: (من تعدى فقد أساء وظلم)

    السؤال: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن تعدى فقد أساء وظلم) هل المقصود به الزيادة على الغسلات الثلاث في الوضوء، أم الزيادة على أعضاء الوضوء المحدودة؟ أرجو التوضيح!

    الجواب: هذا الحديث ورد في صحيح مسلم بالأمر في الاقتصاد أثناء الوضوء ولو كان على نهر، وعليك أن تتعود على الاقتصاد حتى في بيتك، فإذا جئت لتفك الصنبور فليكن بقدر حاجتك إلى الماء , وإذا لم تحب أن تغلقه بحيث يكون مستمراً ففكه قليلاً، وهكذا.

    أما أن تفك الصنبور إلى آخر شيء، وتظل تغسل، فإنك تغسل بقليل في يديك، والباقي مثله عشر مرات يذهب في غير يديك، فهذا من الإسراف.

    ثم تغسل مرة أو مرتين، والسنة ثلاثاً، ومن تعدى أي: تجاوز العدد، فقد أساء وتعدى وظلم، والمجاوزة والتعدي والظلم ممقوت في دين الله عزَّ وجلَّ، والمقصود به: الزيادة على الثلاث، والزيادة أيضاً على الأعضاء، مثل: شخص يريد أن يغسل رجليه فيغسلهما إلى بطنه، لا. هذا لم يعد غسلاً، وبدلاً من أن يمسح رأسه يدخل رأسه تحت الصنبور ويغسله، لا. هذا أيضاً تعدٍّ، تقيَّد بالشرع ومارسْ حدود العبادة فيما أحل الله، وفيما أباح الله تبارك وتعالى.

    حكم توكيل المؤذن في الأذان

    السؤال: أنا مؤذن في جامع ولي أشغال؛ ولكنها ليست دائمة، ووكَّلتُ شخصاً معروفاً باستمراره في المسجد غالب وقته قبل الأذان وبعد الصلاة؛ فغالب الوقت لا أذهب إلى الأذان اعتماداً على الله ثم على ذلك الرجل الذي قال لي: أيُّ يوم تغيب فيه عن المسجد أنا وكيلك فيه على الأذان!

    الجواب: المهم أن يكون المسجد عامراً سواءً بك أو بمن توكله، لا تضيع فريضة الله، فإذا كان عندك شغل؛ لأنه لا يوجد شخص في الدنيا يسلم من الأشغال، حتى الملك يأخذ له إجازة، ويرتاح من عمله قليلاً، والوزراء يأخذون إجازات، ولا يوجد شخص يمكث على عمله ( 100 % ) لا بد أن ينتاب الإنسانَ ظرفٌ؛ إما أن يسافر أو يذهب أو تحصل له ضيافة أو يذهب إلى عمرة أو إلى حج أو يستضاف، فهذه العوائق ترد على البشر، لا نريد أن نقول للإمام والمؤذن: كونا مواظبين لا تذهبا، أو لا تتركا، لا. بل إذا حصل عندك ظرف من هذه الظروف وأنت إمام أو مؤذِّن فوكِّل.

    ولكن الممقوت أن تكون موجوداً ولا تؤذن، أو تكون موجوداً ولا توكِّل، أو تذهب ولا توكِّل، فيضيع المسجد، هذا لا يجوز في دين الله وأنت آثم به.

    لكن ما دام الأمر قائماً، والعمل تام بفعلك، أو بفعل وكيلك، فليس هناك شـيء إن شاء الله.

    جمال طول رقاب المؤذنين

    السؤال: بالإمكان أن توضح جمال طول الرقاب بالنسبة للمؤذنين؟

    الجواب: قد بيَّنتُ دون أن نتعرض لغير الجميل؛ لأن العبرة هي التقوى كما تعلم، جزاك الله خيراً.

    وأنا لا أتعرض لنوعٍِ من التجريح للذي ليس رقبتُه طويلة؛ لأن ربي هو الذي خلق الرقاب، لستُ أنا، ولا الشخصَ نفسَه الذي خلق رقبته؛ لكني أبيِّن أن طول الرقاب نعمة من نعم الله وجمال، فإذا منّ الله عليك بأن كانت رقبتك طويلة في الدنيا، وأيضاً رقبتك طويلة في الآخرة من الأذان فهذا جمالٌ، أما إذا لم يجعل الله عز وجل رقبتك طويلة، فما عليك إلا أن تصبر على خلق الله عز وجل، وليس معنى هذا: أن فيك عيباً أو قدحاً! لا. فإن الخالق لك هو الله، والذي يعيب الصنعة إنما يعيب الصانع.

    أسأل الله الإعانة والتوفيق.