إسلام ويب

غمرات الموتللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن ظلم العبد لنفسه أو لربه أو لغيره لذنب عظيم يحتاج إلى توبة ورجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يقلع عن هذا الظلم إلا الصادقون مع الله سبحانه وتعالى، وإن من أعظم ما يعين المرء على ترك الظلم بكل أنواعه هو تذكر الموت وغمراته وشدة النزع عند توديع الدنيا والإقبال على الآخرة، فمن تذكر هادم اللذات ومفرق الجماعات فإنه حري به أن يتوب ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى، ويحسن عمله فتحسن خاتمته إن شاء الله.

    1.   

    أقسام الظلم

    هذا اليوم الموافق للرابع والعشرين من شهر رجب، سنة 1406هـ، وهو ضمن سلسلة دروس تأملات قرآنية، وتأملاتنا هذه الليلة ستكون بعنوان: (غمرات الموت) وهذا العنوان مأخوذ من آية قرآنية من سورة الأنعام، التي لا تزال تأملاتنا في آياتها، يقول الله عز وجل: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [الأنعام:93] هذه الآية الكريمة توضح مشهداً مفزعاً مرعباً للظالم لنفسه، وللظالم لربه، وللظالم لغيره الذي تجاوز حدود الله، وانتهك محارم الله، وضيع شريعة الله، ثم حانت فرصة القبض عليه في محبس يقال له: الموت، لا يستطيع أحد أن يفلت من قبضة الله عند الموت.

    وَلَوْ تَرَى [الأنعام:93] لو ترى يا محمد! والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، لو ترى يا محمد! ولو ترى يا مسلم! لو ترى الظرف والمناسبة والمشهد المفزع للرجل الظالم وهو في لحظات الموت، الظلم ثلاثة أقسام:

    ظلم العبد لربه سبحانه وتعالى

    الظلم الأول: ظلم العبد لربه: وهو بأن يشرك به، قال عز وجل حكاية عن لقمان وهو يعظ ابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    وهو في تعريفه اللغوي: وضع الشيء في غير موضعه. فالعبادة الموضع الشرعي لها أن تكون لله؛ لأنه المعبود بحق، وهو الذي يستحق العبادة؛ لأنه هو الخالق، وما دام هو الخالق لوحده فيجب أن يكون هو المعبود لوحده، فإذا قدمت عبادة لغير الله فإن هذا ظلم؛ لأنه وضع للشيء في غير موضعه، ولهذا يقول لقمان لابنه: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    والشرك ثلاثة أقسام باختصار:

    أولاً: شرك أكبر مخرج من الملة، مخلد لصاحبه في النار، يقول الله عز وجل: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72] ولو صلى .. وصام .. وتصدق .. وحج .. وعمل عملاً كالجبال لكنه أشرك، قال الله عز وجل: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً [الفرقان:23]، وقال للرسول صلى الله عليه وسلم: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65].

    وتعريف الشرك الأكبر: هو أن تصرف نوعاً من أنواع العبادة مما لا يصرف إلا لله لغير الله، مثل: الدعاء، والدعاء هو العبادة، وفي الحديث الصحيح: (الدعاء مخ العبادة) ولا يدعى إلا الله، لا تدع نبياً، ولا تدع ولياً، ولا تدع صالحاً، ولا تدع ملكاً، ولا تدع جنياً، ولا تدع إنسياً، ولا تدع إلا الله، يقول الله عز وجل: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً [الجـن:18].. وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي [غافر:60] أي: عن دعائي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر:60].

    ولهذا يصرف بعض الناس الآن الدعاء لغير الله، وهو لا يدري، فيقول: يا نبي! المدد، يا نبي، يا ولي!، يا جني! وبعض الألفاظ الشائعة على بعض ألسنة الجهلة يقول: خذوه يا عفاريت! يا جن! ويقول: هذه لهجة، لكنها شركية، إذا اعتقدها صاحبها وتوجه بالدعاء إلى غير الله أشرك بالله، ولم ينتفع بعد ذلك بعبادة.

    النذر يجب ألا ينذر إلا لله، الذبح لغير الله شرك، والطواف بالقبور، فلا يوجد طواف إلا ببيت الله، فمن طاف بقبر أو ضريح أو بأي شيء فإنه شرك.

    فالطواف عبادة، وإذا طيف بهذا القبر عُبد من غير الله، أجل شرك.

    كذلك التوكل .. الرغبة .. الرهبة .. الخشية .. الخشوع .. الخضوع .. الاستعانة .. الاستغاثة، كل أنواع العبادة هذه لا تصرف إلا لله وحده، فمن صرفها لغير الله فقد كفر أو أشرك.

    ثانياً: شرك أصغر لا يخرج من الملة، ولكنه من أكبر الكبائر، وإذا استمر عليه الإنسان نقله إلى الأكبر، لا يستمر صغيراً لا يوجد صغير دائم، هل رأيتم إنساناً يعيش صغيراً دائماً؟ لا. حتى الذنوب التي هي صغار مع الزمن تصبح كباراً، يقول الشاعر:

    لا تحقرن من الـذنوب صغيرا     إن الصغير غداً يصير كبيرا

    إن الصغير وإن تقادم عـهده     عند الإله مسطر تسطيرا

    الشرك الأصغر مثل الرياء وهو: أن يعمل الإنسان عملاً لله في أصله، لكن يدخل عليه تحسينات من أجل أناس، يعني: شخص دخل المسجد وهو ما أتى يصلي إلا لله، ما عندنا شك أنه ما أتى يصلي للناس، لكن لما أخذ يصلي جعل ينظر وإذا هناك شخص ينظر إليه وله عنده مصلحة؛ فضبط الصلاة لكي يراه الشخص فيقول: والله فلان ما شاء الله! هذه الصلاة عنده! فأصل العمل لله لكن خالطه بعمل لغير الله فهو شرك لكنه أصغر.

    أما إذا قصد الإنسان بالعمل أصلاً غير الله فهو شرك أكبر، مثل: الحلف بغير الله كالذي يحلف بالطلاق، أو يحلف بالنبي، أو يحلف بالأمانة، أو يحلف بأي شيء من غير الله، هذا شرك أصغر، لكن يقول العلماء: إن قصد به تعظيم المحلوف به صار شركاً أكبر، إذا كان يعتقد أنه لو حلف بالله يرى أنها يمين بسيطة، لكن لو حلف بالطلاق يرى أنه أعظم، وهذا عند كثير من الناس -خاصة الجهلة منهم- إذا أراد أن يقسم على قضية: إما على ضيوف، أو يريد أن يؤكد موضوعاً، أو يقول صدقاً، ويعلم أنه لو حلف بالله أن الناس لن يصدقوه فيطلق لكي يثبت للناس أنه صادق، هذا عدل عن الحلف بالله لتعظيم المحلوف الآخر وهو الطلاق، والناس لو حلف لهم بالله جعلوه يحنث، وإذا حلف عليهم بالطلاق يصدق، يعني: لو يأتيه ضيوف ويقول لهم: والله ما تذهبون، قالوا: جزاك الله خيراً، وخرجوا وتركوه، لكن لو قال: عليَّ الطلاق ما تذهبوا، فهل سيذهبون أو يجلسون؟ يقولون: لا تحرموه أولاده، لكن احرموه دينه، عرض عليهم وجه المرأة فأطاعوه، وعرض عليهم الله عز وجل فرفضوه، هذا ينقلب إلى شرك أكبر.

    ثالثاً: الشرك الخفي، وقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم وبين درجة خفائه وقال: (الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النملة السوداء، في الليلة الظلماء، على الصخرة الصماء) وتصوروا نملة سوداء، في ليلة ظلماء، على صخرة صماء، من يراها؟ الشرك أخفى منها وهو قول العبد: ما لي إلا الله وأنت، أنا متكل على الله وعليك، ومثل هذه الألفاظ، ولذلك شرع الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته وعلمهم دعاء يكفرون به مثل هذه الأمور وهو قول العبد: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم) هذا الظلم الأول: الشرك.

    ظلم العبد لنفسه

    الظلم الثاني: ظلم العبد لنفسه.

    وهذا يكون باقتحام محارم الله وترك أوامره، يقول الله عز وجل: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1]، لمَّا تنظر إلى الحرام من ظلمت؟ نفسك، لماذا؟ لأنك سببت لنفسك عذاباً بأن تمتلئ أذنك وعينك هذه من جمر جهنم، إذاً أنت ظالم، أنت تتصور بنظرك للنساء والحرام أنك ترتاح، وهذا ظلم لنفسك، إذا استمعت إلى أغنية فقد ظلمت نفسك؛ لأنك سببت لنفسك بسماعك لهذه النعمة عذاباً: (من استمع إلى مغنٍ أو مغنية صب الله في أذنه يوم القيامة الرصاص المذاب) إذا وقع العبد في الزنا فقد ظلم نفسه؛ لأنه جر على نفسه فاحشة وفضيحة تدمره في الدنيا والآخرة: (ما عصي الله بذنب بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها في فرج لا يحل له)، (ومن زنا بامرأة في الدنيا كان عليه وعليها في القبر نصف عذاب هذه الأمة)، (ووالذي نفس محمد بيده إن ريح فروج الزناة ليؤذي أهل النار) ويأتي الزاني يوم القيامة ويوقف بين يدي الله فتسقط فروة وجهه بين قدميه خجلاً من الله، فضيحة، لا حول ولا قوة إلا بالله! فعندما يزني العبد ماذا يحصل له؟

    ظلم لنفسه.

    عندما تأكل حراماً: ربا .. رشوة .. مخدرات .. سرقة .. خيانة .. غش، من تظن أنك ظلمت؟ تتصور أنك ظلمت الناس؟ لا. ظلمت نفسك؛ لأنك تأكل حراماً، لأن كل المسلم على المسلم حرام، ولا يجوز أن تأكل درهماً ولا (ريالاً) ولا (هللة) على مسلم، كيف تأكل حراماً؟! فتظلم أخاك وتظلم نفسك.

    من ظلم العبد لنفسه: ترك أوامر الله، عندما يسمع الأذان وينام ولا يقوم ليصلي هذا ظالم لنفسه؛ لأن الله دعاه إلى إنقاذ نفسه فظلمها، الذي يهجر القرآن ولا يقرؤه ظالم لنفسه؛ لأنه فوت على نفسه أرباحاً طائلة من الحسنات لا يعلمها إلا الله.

    الذي لا يذكر الله في الصباح ولا في المساء ولا في سائر الأحوال ظالم لنفسه، الذي لا يدعو الله ولا يهتم بأمر المسلمين ولا يهتم بهذا الدين ظالم لنفسه: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [الطلاق:1].

    ظلم العبد لغيره

    الظلم الثالث: ظلم العبد لغيره.

    وهذا من أشد أنواع الظلم، ثلاثة دواوين: ديوان لا يغفره الله وهو الشرك، وديوان لا يغادر منه شيء وهو هذا الظلم؛ لأنه حقوق عباد، وحقوق العباد قائمة على المشاحاة، وديوان يغفره الله إذا تاب العبد وهو الذي بينك وبين الله؛ لأن حقوق الله قائمة على المسامحة، وإذا تبت تاب الله عليك.

    أما حقوق الناس فلا. فظلم الغير ظلم، إما بهتك عرض، أو بسرقة مال، أو بإراقة دم، أو بغيبة، أو بعدوان، أو بأي نوع من أنواع الظلم، والظلم قد حرمه الله، والحديث في مسلم، حديث قدسي يقول الله عز وجل: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، (الظلم ظلمات يوم القيامة) خصوصاً من لا يجد عليك ناصراً إلا الله، وهذا دائماً هو الذي يظلم.

    أما الكبير فلا أحد يقدر على ظلمه، لكن يقع الظلم غالباً على الطبقات السفلى، العامل يظلمه سيده: يظلمه بعمل شاق، يظلمه بتأخير إيجار، يظلمه بإساءة التعامل، يظلمه باحتقار وامتهان، لا، هذا يصبر على الظلم، لكنه عليك يرفع برقيات في الليل يدعو عليك، والله عز وجل يفتح أبواب السماء لدعوة المظلوم، يقول عليه الصلاة والسلام: (واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) تفتح لها أبواب السماء تسري بليل، لا تظلم من لا يجد عليك ناصراً إلا الله؛ لأنك إذا ظلمت شخصاً ضعيفاً ثم دعا عليك دعا عليك قوياً، وأنت لا تستطيع أن تمتنع من الله عز وجل.

    ظلم الزوجة، بعض الناس يمارس ضغطاً وظلماً على زوجته في التعامل السيئ، تجده طيباً وخلوقاً ومبتسماً ومنشرحاً مع الناس، فإذا دخل البيت غَيَّرَ الموجة: الابتسامة للناس، والنكتة للناس، والمزح للناس، لكن مع الزوجة القهر، والشدة في التعامل، والأوامر، والتسلط، والعنف، لماذا؟ من أخبرك أن هذا دين؟! بعضهم يقول: أريد أن أثبت شخصيتي، يقول: المرأة إذا ضحكت لها وكنت طيباً معها ركبت عليَّ، فأنا أريد أكون أعلى دائماً، من قال لك هذا الكلام؟ هذا الكلام غير صحيح، الصحيح أن تكون طيباً معها كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيباً مع أهله، كان يقول: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) والله سبحانه في القرآن يوصي الأمة ويقول: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يودع الأمة في مرض وفاته: (الله الله في الصلاة -ثم قال:- ألا فاتقوا الدنيا، ثم أمر بالنساء قال: استوصوا بالنساء خيراً فإنهن عندكم عوان) يعني: أسيرات، المرأة مسكينة أسيرة؛ فيجب أن تحسن معاملتها، وتحسن التعامل معها، وتبتسم في وجهها، وترفق بها، وأيضاً في نفس الوقت تتحملها، حتى لو تكلمت؛ لأنها لا تملك إلا الدفاع عن نفسها بالكلام، ليس بيدها شيء، بيدك أنت أن تطلق، وبيدك أن تضرب، وبيدك أن تهجر، وبيدك أن تتكلم، لكن هي لا تقدر على تطليقك، أو ضربك، أو هجرك؛ لأنها ضعيفة، فإذا أنت أحرقت أعصابها وسخنتها مرة واحدة، ودافعت عن نفسها بكلمة: اسكت، لكن بعض الرجال يريد آخر كلمة له ويريد أن تسكت هي، لماذا؟ أليست إنساناً؟! لا يجوز هذا.

    هذا رجل جاء يشتكي إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه من سلاطة لسان زوجته، فلما وقف بالباب يطرقه وإذا به يسمع زوجة أمير المؤمنين تتكلم على عمر بن الخطاب ؛ الذي تهابه الجن والإنس! الجن لا يمشون في طريقه، والإنس تهتز له كراسي كسرى وقيصر، ولكن زوجته تتكلم عليه، فلما سمع الرجل المرأة تتكلم وعمر ساكت مشى قال: لستُ بأحسن من عمر، ففتح عمر الباب وإذا بالرجل قد ولى، فدعاه، قال: مالك؟

    قال: لا شيء يا أمير المؤمنين! قال: عندك شيء ماذا تريد؟ قال: جئت أشكو زوجتي إليك؛ لأنها تتسلط عليَّ بلسانها، فسمعت زوجتك تتسلط عليك بأكثر من تسلط زوجتي عليَّ فسكت وقلت: لي فيك قدوة، فقال له: تعال يا أخي، ثم قال له: ألا يكفي أنها طاهية لطعامي، ومربية ولدي، وغاسلة ثوبي، وقاضية حاجتي؟!

    من يعمل لك هذه الأربعة: تربي ولدك، وتغسل ثوبك، وتطهو طعامك، وتقضي حاجتك!! تتحملك في كل شيء، ولا تتحملها في كلمة، إذا قالت كلمة فقل: حسناً، واخرج، وارجع ومن يوم ترجع ابتسم وهي تبتسم وانتهت المسألة، لكن بعضهم يجلس شهراً غضبان من أجل كلمة قالتها له، وربما يصل الأمر به إلى الطلاق، وإلى تشتيت شمل الأسرة؛ لسوء تصرفه، ولرعونته في أخلاقه؛ ولأنه ظالم، يريد كل شيء له ولا أن يريد يعطي المرأة شيئاً.

    فظلم المرأة حرام، والمرأة التي تظلم من قبل زوجها ثم تدعو عليه فإن الله عز وجل ينتقم منه إما في الدنيا وإما في الآخرة.

    فظلم الغير هذا نوع من أنواع الظلم وهو حرام.

    1.   

    أدلة إثبات سكرات الموت

    هؤلاء الظالمون لهم وضع عند الموت، وفي غمرات الموت، والله عز وجل سمى تلك اللحظات غمرات، والعلماء يقولون: معناها أن الآلام والمصائب والأحزان والشعور بالخوف والرعب والرهبة تغمر الإنسان غمراً فلا يستطيع أن يعرف شيئاً في تلك اللحظات، ولا يتصور العقل البشري مقدار آلام الإنسان في لحظات الموت، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيد البشر سيد ولد آدم أفضل خلق الله ما سلم من تلك السكرات، كان عند الموت يدخل يده في ركوة عنده فيمسح بها جبينه ويقول: (إن للموت لسكرات، إن للموت لسكرات، إن للموت لسكرات) إذا كان هذا خير خلق الله فكيف بي وبك وكيف بنا أيها الإخوان؟!

    ويقول العلماء: إن آلام وسكرات وغمرات الموت لا تعلم إلا بطريقين:

    إما بطريق سمعي يعني: دليل شرعي.

    أو بطريق عقلي.

    الدليل العقلي على سكرات الموت

    قالوا: أما العقلي فمتعذر؛ لأنه لا يوجد شخص مات وذاق ألم الموت ثم رجع وأخبر الناس بآلام الموت، لا يوجد كل واحد يأخذها ويذهب ولا يرجع مرة ثانية، ولكن قالوا: عقلي عن طريق القياس، قالوا: كيف؟ قالوا: نقيس، ما معنى الموت أصلاً؟ الموت: هو مفارقة الروح وإيذاء الروح في كامل أجزاء الجسد فيحصل للإنسان ألم، حسناً إذا أخذت سكيناً وقطعت في إصبعك قطعة بالسكين أو أخذت إبرة ووخزت بها جلدك أو أخذت قطعة نار أو عود ثقاب وأشعلت به إصبعك، ماذا يحصل؟ يحصل ألم، لماذا؟ لأن الروح أوذيت في هذا الجزء فيترتب على هذا ألم، فإذا أوذيت الروح ليس في الإصبع بل في كل جزئية، في كل شعرة، في كل بشرة، في كل عظم، في كل قطرة دم، في كل خلية من خلايا جسمك تنـزع الروح منها كيف يكون الألم؟

    لا يتصوره العقل، الآن لما آخذ عشر إبر وأدقها في ظهر شخص هل ألمها مثل ألم إبرة أم عشرة أمثال؟ عشر إبر، فإذا أخذت مائة إبرة كيف يكون ألمها؟ كألم الإبرة مائة مرة، والموت مثلها؛ لأن الروح تخرج من كل شعرة وبشرة، ومن كل ظفر وعظم، ومن كل مفصل وقطرة دم، ولهذا تنزع الروح، وهذا يجده البر والفاجر .. الطيب والخبيث .. المؤمن والكافر الكل يحس بألم سكرة الموت؛ لأنك الآن لو جئت إلى مسلم طيب بر دين تقي، وآخر فاجر خبيث، ودقيت هذا بإبرة وهذا بإبرة ألا يجدون الألم كلهم سواء؟ سيجد هذا الألم الطيب والفاجر سواء، ففي الحياة الآلام تقع على الطيب والفاجر سواء، لكن المؤمن يخفف عنه، فتخرج روحه كما جاء في الحديث بسهولة، الحديث صحيح في مسند أحمد في سنن أبي داود عن البراء بن عازب رضي الله عنه والحديث طويل قال: (إن المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، نزلت ملائكة من الجنة، ومعها مسوح من الجنة، وحنوط من الجنة، وكفن من الجنة، فيجلسون له على مد البصر، ثم يأتي ملك الموت فيقول: يا أيتها الريح الطيبة! كانت في الجسد الطيب اخرجي إلى روح وريحان، وإلى رب غير غضبان، قال: فتخرج روحه) تخرج بلطف كما تخرج القطرة من فم القربة، الله عز وجل يجمع الروح وتخرج مرة واحدة، هذه سكرة الموت، لها ألم لكنه خفيف. (فلا يدعونها في يده طرفة عين حتى يأخذوها في ذلك الحنوط والكفن ويصعدون بها إلى السماء، ولها ريح كأطيب ريح وجد على ظهر الأرض ...) إلى آخر الحديث.

    قال: (وأما العبد الفاجر أو الكافر، إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال على الآخرة، جاءت ملائكة من النار معها مسوح من النار، وكفن من النار، فيجلسون له مد البصر، ويأتي ملك الموت ويقول: يا أيتها الروح الخبيثة! كانت في الجسد الخبيث اخرجي إلى عذاب من الله وغضب، قال: فتتفرق -تهرب الروح ما دام أنه دعاها إلى غضب وإلى لعنة أين تذهب؟- قال: فتتفرق وتتشبث -تقعد في كل أجزاء الجسم- قال: ثم يجذبها -وشبه الجذب- كما يجذب السفود من الصوف المبلول) السفود: الحديدة ذات الشعب المتطرفة، تدخلها في صوف، والصوف مبلول أو القطن المبلول، ثم تطلعها، كيف تعمل فيه؟ تمزعه من كل جهة، كذلك الروح تخرج من جسد الفاسق والكافر على هذا الوضع فلا يدعها في يده طرفة عين حتى يأخذوها ويضعوها في ذلك المسوح من النار، ثم يصعدون بها إلى السماء، ولها ريح كأنتن ريح جيفة وجدت على ظهر الأرض، ثم في السماء الروح الطيبة تفتح لها أبواب السماء، والروح الخبيثة تغلق عليها أبواب السماء، وترمى إلى النار كما جاء في القرآن الكريم يقول الله عز وجل: لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40] إذا دخل البعير في خرق الإبرة أدخلهم الجنة، علقهم على المستحيل، يعني: أنهم لن يدخلوا الجنة.

    هذه أيها الإخوة! هي مختصرة من قضية غمرات الموت من الدليل العقلي.

    الدليل السمعي على سكرات الموت

    أما الدليل السمعي الشرعي فقد جاء، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في ساعة الاحتضار: (إن للموت لسكرات) فدل هذا الكلام على أن هناك آلام لم يسلم منها حتى خير خلق الله وأفضل من عبد الله وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما دام أنه تعرض لها هو صلى الله عليه وسلم فنحن سنكون عرضة لها من باب أولى، نسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يخفف عنا وعنكم تلك اللحظات.

    وحتى نستعد لها سوف نناقش القضية بنوع من المساءلات والوقفات الجادة مع النفس.

    أخي المسلم: -أنا وأنت- ماذا تفعل لو جاءك الموت الآن؟

    الآن أنت تقابل الله، والروح في تغرغرها، وقد بلغت الحلقوم، فكيف يكون حالك؟ إنهم الآن يقفون عندك وبجوارك، هذا يبكي.. وذاك يصيح.. وذاك يتلوى.. وذاك يتألم.. وبعد لحظة خرجت الروح، وبدءوا يغسلونك، وفي الأكفان يضعونك، وفي القبر بعد أن صلوا عليك يتركونك، وبالحصى والطين يغطونك، فهل فكرت واستعددت لهذا العمل؟

    هذا الكلام عندما نقوله للناس كأنه على الناس الآخرين!! أما نحن لا لن نموت ولن ندخل القبور! نحن سنرجع بعد إلى (الفيلا) والقصر وإلى العمارة وإلى الزوج، ومتأخر؟ لا، ليس متأخراً، ممكن يكون هذه الليلة، ممكن يكون غداً، ممكن بعد سنة، وهب أنه بعد عشر سنوات، وهب أنه بعد أربعين سنة ألست ستموت؟

    كل ابن أنثى وإن طالت سلامته     يوماً على آلة حدباء محمول

    1.   

    مراحل أهوال يوم القيامة

    يا ابن آدم عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه، يغلقون عليك القبر بالتراب، ويودعك الأهل والأحباب والأصحاب، وتواجه في القبر لوحدك السؤال والحساب، فأين الدنيا؟

    أين المال؟

    أين الولد؟

    أين المنصب؟

    أين الجاه؟

    أين الرصيد؟

    لا شيء، ليس معك إلا العمل، ويأتيك منكر ونكير ملكا السؤال ليسألانك، ويشددان في السؤال، وإلى هنا لا تزال القضية صعبة؛ لأن الملائكة لا يدرون، هؤلاء الذين في القبر منكر ونكير لا يدرون ماذا عندك؟ وهل أنت مؤمن أم فاجر؟ لا يدرون، ولهذا يوجهوا لك السؤال بقوة وبعنف، من ربك؟ ولهذا جاء في الحديث قال: (ملكان أزرقان ينتهرانه) انتهار! والإنسان ضعيف إذا جئت تنهره تذهب منه حتى المعلومات، وتتبدد منه الأفكار، فينتهران الإنسان، لكن الله يثبت المؤمن -أسأل الله أن يجعلني وإياكم من المؤمنين، وأن يثبتنا وإياكم في الدنيا والآخرة- يقول الله: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [إبراهيم:27] ولولا تثبيت الله، والله لو أن عندك كل المعلومات فإنها تضيع في تلك اللحظات، لماذا؟

    لأنها لحظات حرجة، القبر وشدته، واللحد وظلمته، والملائكة ونهرتها، وأنت ما معك أحد، وعرفت أنه ليس هناك دنيا، وليس معك أحد تضيع المعلومات من رأسك، لكن الله يثبتك، فينتهرانك ويشددان عليك في السؤال، فهل يا ترى تجيب أم تتلعثم ويغلق عليك الجواب؟

    وبعده الدود يمزق الأكفان، ويأكل اللحم، وينخر العظام، ولو يفتح على الميت في ثالث يوم، الله أكبر! منظر عجيب، ينتفخ البطن، وتسري الهوام والديدان، وتنبعث الروائح، ويصبح للإنسان منظر لا يتصوره العقل، فأين لذاتك؟

    أين فراشك؟

    أين شهواتك؟

    أين ملابسك التي لصيفك وشتائك؟

    أين بخورك وعطرك؟

    لا إله إلا الله! هاأنت تخرج من قبرك يوم القيامة عارياً كما ولدتك أمك: (يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلاً غير مختونين، قالت عائشة : يا رسول الله! الرجال والنساء؟ -يعني سواء الرجال والنساء ليس هناك ملابس- واسوأتاه، قال: الناس قد شغلهم أمر غير ذلك) لا أحد يتلفت لأحد، الناس شاخصة أبصارهم إلى السماء.

    تخرج عارياً لتعرض على أول محطة من محطات الحساب وهي الميزان، ثم هل يثقل ميزانك، أم يطيش؟ والموازين تثقل بالحسنات وتطيش بالسيئات، طارت صحائف الأعمال، وجئت في الموقف الثاني وهو أخذ الكتب، فآخذ باليمين وآخذ بالشمال: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً * إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً [الانشقاق:7-13] كان مبسوطاً إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق:14] ظن أنه لن يموت ويرجع إلى الله، آخذ باليمين وآخذ بالشمال.

    فاسأل نفسك يا أخي: ماذا تتوقع؟ هل تأخذ كتابك بيمينك، أم تأخذه بشمالك؟ هل أنت تمشي في اليمين الآن، أم تمشي في اليسار؟ هل أنت تعكس السير إلى الله، أم تمشي مع الكون كله إلى الله؟ أنت تعرف.

    هذه العين لها مسار إلى اليمين وهو النظر في ملكوت الله، والنظر في كتاب الله، والنظر في مصالحك، وفيه مسار واتجاه عكسي وهو النظر فيما حرم الله.

    هذه الأذن لها مسار صحيح وهو سماع القرآن والذكر والعمل الصالح، ولها مسار غلط وهو سماع الغناء والغيبة والنميمة، هذا اللسان له مسار صحيح وهو ذكر الله وتلاوة القرآن والدعوة إلى الله، وله مسار غلط وهو الغيبة والنميمة واللعن والزور والفجور.

    هذا الفرج له مسار صحيح وهو الحلال، وله مسار غلط وهو الزنا واللواط والحرام .. وهكذا.

    فهل تتوقع أن تأخذ كتابك بيمينك وأنت تمشي في اليسار؟! لا يمكن المغالطة؛ لأن الله لا يُغَالَط.

    وتأتي المحطة الثالثة: الصراط، أدق من الشعرة، أحد من السيف، أروغ من الثعلب، والجنة هناك والنار تحته، ولا يوجد طريق إلا من على ظهره، يا ترى هل تتجاوز أم تسقط؟ وعلى أي شيء تتجاوز؟ ما هي وسيلة العبور؟ (كبري) .. طائرة .. سيارة .. قدم؟ لا. إنها وسيلة واحدة وهي العمل، إذا كان عندك عمل تعبر، وإن لم يوجد تسقط، والناس يتجاوزون الصراط بناءً على أعمالهم ويتفاوتون في السرعة بتفاوت مراتبهم، حتى قال عليه الصلاة والسلام: (منكم من يمر كلمح البصر، ومنكم من يمر كالبرق، ومنكم من يمر كأجاود الخيل، ومنكم من يمر كأجاود الركاب، ومنكم من يمر كأشد الرجل -يعني: مثل الرجل المسرع- ومنكم من يمشي خطوة ويعثر بالثانية، ومنكم من يضع قدمه على الصراط والثانية في النار) ما يمشي خطوة واحدة على الصراط؛ لأنه ما مشى خطوة واحدة في طريق الله، والذي يمشي في طريق الطاعة وفي طريق الله يمشي بسرعة هناك.

    رؤي سفيان الثوري رحمة الله عليه من السلف الصالح بعد وفاته، قيل له: ما صنع الله بك؟ قال: وضعت قدمي الأولى على الصراط والثانية في الجنة. ما أبطأ، لديه عمل صالح، رحمة الله تعالى عليهم.

    حتماً وحقاً وصدقاً ستواجه هذه الأهوال، وستقف بين يدي الله، وستسأل عن أعمالك: صغيرها وكبيرها، دقيقها وجليلها، فهل أحضرت للسؤال جواباً؟

    فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [الحجر:92]، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ [الصافات:24-25].

    1.   

    كيفية تحقيق العبودية لله

    أخي في الله! إن الله لم يخلقنا عبثاً حتى نعيش فترة العمر في عبث، ولم يتركنا الله عز وجل هملاً حتى نعيش عيشة الهمل، لقد حدد الله عز وجل الغاية من خلقنا، فقال: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] وبين لنا المنهج وقال: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى [طه:123] يقول ابن عباس : [تكفل الله لمن اتبع القرآن -وهو الهدى- ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة].

    لكن قال: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:123-124] أي: عن هداي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى [طه:124-127] هذا هو المنهج هدى تمشي عليه لا تضل في الدنيا ولا تشقى في الآخرة، تعرض عنه تضل في الدنيا وتعذب وتشقى الشقاء الذي ليس بعده سعادة.

    فيا من تريد الحياة الطيبة! وتريد حسن المآل والمقام في الآخرة! يقول الله لك: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] ويقول: مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [النساء:134].

    هل قمت بواجب العبودية؟ أنت عبد، والله خلقك للعبادة، هل أصبحت اهتماماتك اهتمامات الدين، أم أن اهتمامات الناس محصورة في الطعام والشراب والسهر والعبث؟ اهتمامات محصورة في الشهوات: شهوات البطون ومتع الفروج، وملذات الأجساد، وتجد أفكار الناس في هذا كله، أين اليوم وأين نسهر؟ والليلة ماذا نرى؟ وماذا نشهد؟ وأين نتمشى؟ وماذا نتغدى؟ وماذا نتعشى؟ وأين نذهب؟ فقط!

    لكن:

    ماذا نقرأ من كلام الله؟

    كم نصلي؟

    كم نذكر الله؟

    كم ندعو إلى الله؟

    كم نفكر في الجنة؟

    كم نفكر في النار؟

    كم نستعد للقبر؟

    كم نعرف هذه الحياة؟

    هذه موجودة عند قليل من الناس، إنما الجل من الناس اهتماماتهم دنيا، هل آمنوا هؤلاء بالقبر وبعذاب القبر وغمرات الموت؟

    لا أيها الإخوة! ستذهب الأيام، وتكتب الآثام، ويبكي الإنسان بكاءً لكن لا ينفع البكاء ولا تنفع الملامة، يا أسفاً لك يا أخي إذا جاءك الموت ولم تتب! ويا حسرة لك إذا دعيت إلى التوبة ولم تجب!

    أهمية التوبة والمحاسبة في تحقيق العبودية

    اسمع إلى هذا الموقف وهذه القصة، وتدبر ما فيها من عبرة:

    كانت امرأة جميلة لها جمال بارع، أمرها قوم وأغروها بمال أن تتعرض لعابد زاهد من عباد الله الصالحين اسمه الربيع بن خثيم، وكان هذا معروفاً بجماله، كان جميلاً كأشد ما يكون من الجمال، حتى أن المرأة إذا نظرت إليه لا تستطيع أن تملك نفسها، وقيل عنه: إنه كان يغطي على جزء من وجهه حتى لا يفتن النساء، ولكن كان مع هذا من أعظم عباد الله خوفاً من الله، فقام مجموعة من الفساق ودعوا امرأة وقالوا لها: إن فعلت وصرفت الربيع فلك ألف درهم. قالت: ولكم فوق هذا أن يزني وأن يفعل؛ لأنها على جانب كبير من الإغراء والجمال، وطمعت في الألف، وأرادت أن تفتنه وأن ينحرف عن طريق ربه، ولبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه من الطيب، وانتظرت الربيع حتى خرج من المسجد بعد صلاة العشاء وهو راجع إلى بيته، واختفت في مكان لا يراها فيه أحد حتى تهيئ المكان الذي يستطيع أن يسقط وأن يضعف؛ لأنه إذا رآه الناس قد يستحي، لكنها تريد أن تخلو به، وإذا خلت به يكون هناك واحد ثالث وهو الشيطان، فتستعين بالشيطان حتى تقهر هذا الرجل الصالح.

    ولما رآها الربيع رحمه الله ورضي الله عنه وأرضاه أحس بغدرها، وأدرك خطورة مكرها، فأراد أن يعظها لعلها أن تهتدي، فقال لها:

    يا أمة الله! كيف بك إذا نزل المرض بجسمك فغير ما أرى من لونك.

    يا أمة الله! كيف بك إذا نزل بك الموت فقطع منك حبل الوتين.

    يا أمة الله! كيف بك إذا سألك منكر ونكير في قبرك.

    ذكرها بالموت وذكرها بالقبر وبالسؤال، فارتعدت، ثم سقطت، ثم بكت، ثم ولت وانصرفت باكية، ومن ذلك اليوم تابت إلى ربها وأنابت، وتعاهدت وعاهدت على الاستقامة والسير في طريق الله حتى ماتت، فكانت تتعبد لله في محرابها، وكلما ذكرت معصيتها غمرها البكاء، ولم تفارق الدنيا حتى عرفت بكثرة العبادة لربها، وبلغت من عبادتها لربها أنها كانت يوم أن ماتت كأنها جذع محترق، من كثرة وقوفها ومن كثرة خشيتها لله عز وجل، احترقت من بكائها وخوفها من الله!

    أخي المسلم: ألست أنا وأنت أصحاب الخطايا؟ أين دموعنا؟ ألسنا أسير المعاصي والذنوب، أين بكاؤنا؟ هل نسينا الذنوب وصحفنا مملوءة بالخطايا والآثام؟ هل نصبر على الهاوية؟ وما أدراك ما هية؟ إنها نار حامية.

    لقد خرجنا من بطون أمهاتنا وحدنا، وسوف نموت وحدنا، وسندخل إلى القبور لوحدنا، وسنقف بين يدي الله لوحدنا، فهل حققنا معنى العبودية في نفوسنا؟ هل أدينا حق الوالدين علينا؟

    هل قمنا بحقوق الزوج والأقارب والأبناء علينا؟

    هل ربينا أبناءنا على ذكر الله وعلى الصلاة، أم على الغناء والأفلام والمسلسلات؟

    إلى متى نصر على ترك الصلاة؟! إلى متى نستمر في هجر القرآن؟! إلى متى نهجر العلم؟! إلى متى لا نذكر الله؟!

    إن القبر ينتظرنا، والتراب فراشنا، والدود أنيسنا، والفزع الأكبر موعدنا، والوقوف بين يدي الله ينتظرنا، هل ننتظر حتى نموت وقد ضاع ديننا؟

    لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قوله: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب والأبصار! صرف قلبي على طاعتك) قال أنس : قلنا: (يا رسول الله! آمنا بك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال: نعم، إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) والحديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد وأخرجه مسلم وصححه الترمذي وابن ماجة .

    فهل أمنا أيها الإخوة على قلوبنا؟ إذا كان سيد البشر يخاف ويقول: (يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك) ونحن لا نخاف! لا إله إلا الله!

    أخي المسلم: إن الموت آت بسكراته، والقبر ينتظرك بظلماته وأهواله، والبعث في انتظارك بأشكاله وأحواله، ويوم القيامة موعدك بشدائده وأهواله لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [ق:22].

    مثل لنفسك أيها المغرور     يوم القيامة والسماء تمور

    قد كورت شمس النهار وأدنيت     حتى على رأس العباد تسير

    وإذا الجبال تقلعت بأصولها     ورأيتها مثل السحاب تسير

    وإذا البحار تأججت نيرانها     ورأيتها مثل الحميم تفور

    وإذا الوحوش لدى القيامة أحضرت     فتقول للأملاك أين نسير

    فيقال سيروا تشهدون فضائحاً     وعجائباً قد أحضرت وأمور

    وإذا الجنين بأمه متعلق     يخشى الحساب وقلبه مذعور

    هذا بلا ذنب يخاف لهوله     كيف المقيم على الذنوب دهور

    إذا كان الطفل الصغير ينتابه الذعر ويشيب رأسهيَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً [المزمل:17].. يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى [الحج:2] ما من سكر ولكنها شدة الأهوال وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [الحج:2].

    هل تصورنا هذا يا أخي؟! مثل لنفسك، تصور الوضع! تخيله وهو حقيقة! ووالله الذي لا إله إلا هو إنها كائنة لا بد منها.

    أهمية تذكر غمرات الموت في تحقيق العبودية

    أخي في الله: من الأمور التي تعينك على تحقيق العبودية لربك أن تتذكر غمرات الموت، قال سليمان بن عبد الملك وقد حج، فلما حج قال: هل بقي أحد من أصحاب رسول الله؟ قالوا: لا.

    قال: هل بقي أحد من التابعين الذين رأوا أصحاب رسول الله؟

    قالوا: نعم.

    قال: عليَّ بواحد منهم، فجاءوا بـأبي حازم ، فلما دخل عليه وجلس بجواره قال له: يا أبا حازم : مالنا نكره الموت ونحب الحياة؟

    وهذه صفاتنا كلنا، كل واحد لا يريد ذكر الموت، وإذا ذكر الموت في محاضرة يخرج الناس ويقولوا: والله تعبنا كل الكلام عن الموت، يا أخي! هذا موتنا قبل حياتنا، لا. مت الآن قبل أن تموت ولا تلقى عملاً، اذكر الموت عند من يخوفك حتى تأمن أحسن من الذي يؤمنك حتى تخاف، نحن الآن نخوف لكي نخاف فإذا جاء الموت أمنا، نقول: الحمد لله أننا ما فوتناها، لكن يقول لك شخص: لا. الآن الموت اتركنا منه، نحن الآن نأكل ونشرب، فإذا جاء الموت وأنت خائف تقول: رب ارجعون حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا [المؤمنون:99-100] إذا جاء الموت قال: دعوني أعمل صالحاً، قال الله: كَلَّا [المؤمنون:100] أداة زجر وردع وتوبيخ: إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون:100].

    فيقول سليمان لـأبي حازم : مالنا نكره الموت؟ أنا أكره الموت، وأنت تكره الموت، وكل واحد لا يريد الموت، فأجاب إجابة نعرفها نحن، قال: لأنكم عمرتم دنياكم وخربتم أخراكم، والإنسان بطبيعة الحال يكره أن ينتقل من العمار إلى الخراب.

    الآن أنت ساكن في (فيلا) ثم جاء أمر بإسكانك في كوخ. أترضى؟ معك غرفة النوم أترضى أن ترقد على حصير؟! لديك الحمام الإفرنجي والوسيع والدش أترضى أن تقعد في حفرة مكانك في الطين؟ بدلاً من الفراش اسكن في كوخ؛ مع البعوض والذباب والوساخات والهواء والروائح والماء ليس ببارد بل حار -يعني: ليس على ما تريد- هل من أحد يريد أن يترك (الفيلا) ويذهب إلى الكوخ؟ لا. لا أحد يرضى، كل واحد يقول: لا والله أريد هنا، لماذا؟ لأنه عمر (الفيلا) ولا يريد الخراب.

    يقول أبو حازم : لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة. كيف عمرنا الدنيا أيها الإخوة؟

    ليست عمارة الدنيا بأن تبني ببيتاً، لا، من الشرع أن تبني بيتاً، لكن اعمر البيت بطاعة الله، لا تعص الله في البيت، ومن الشرع أنك تشتري سيارة لكن اعمر السيارة بذكر الله؛ بأن تحملك إلى بيوت الله، وأن تمتطيها إلى حلق العلم ومجالس العلماء، اعمر الدنيا بزوجة صالحة تربيها على دين الله، اعمر الدنيا بأولاد تربيهم على الدين، اعمر الدنيا بفراش وبأكل لكي تستعين به على طاعة الله.

    لكن عمارة الدنيا أن نعمرها بمعصية الله: نشتري عمارة ونجعل فيها الأفلام والمسلسلات والأغاني ونركب (الدش) فوق البيت، ونأكل ونشرب ونضيع الصلاة ونضيع أوامر الله، ونشتري سيارة ونذهب بها إلى المعاصي وإلى الرحلات وإلى التبرج والسفور، والزوجة نأمرها بالمعاصي، وأولاد نتركهم على المعاصي، هكذا عمرنا الدنيا وخربنا الآخرة! صلاة لا يوجد .. زكاة لا يوجد .. صيام لا يوجد .. ذكر لا يوجد .. قرآن لا يوجد .. دعوة لا يوجد، بعد ذلك: معاص تقع من العين كالنظر إلى الأفلام والحرام والنساء، ومعاصٍ تقع من الأذن بسماع الغناء، ومعاصٍ تقع من اللسان باللعن والشتم والغيبة والنميمة والكذب والفجور والزور، ومعاصٍ من الفرج بالزنا واللواط، ومعاصٍ من البطن بأكل الحرام، هذا عمران الدنيا وخراب الآخرة! هل هناك أحد يريد أن ينتقل من العمار إلى الخراب؟ لا أحد.

    قال أبو حازم لـسليمان بن عبد الملك : لأنكم أعمرتم دنياكم وخربتم أخراكم، فأنتم تكرهون الانتقال من العمران إلى الخراب.

    قال: يا أبا حازم! كيف القدوم على الله إذا متنا غداً؟

    قال: يا أمير المؤمنين ! أما العبد المؤمن فكالغائب يعود إلى أهله، وأما العبد الفاجر فكالعبد الشارد على سيده يقبض عليه مولاه.

    الآن شخص غائب عن أهله في غربة، غاب ورجع كيف يكون وضعه في أول ليلة عندما يدخل على أولاده وعلى أمه وأبيه وزوجته وعلى جماعته فرحين مسرورين؟ هو في غاية الفرح والسرور؛ لأنه رجع لأهله، لكن المملوك الذي شرد من سيده وتمرد عليه، ثم قبض عليه أين يرقده تلك الليلة؟ يضع القيد في رجله ويدعه مع الحمار في الإسطبل لماذا؟ لأنه عبد منحوس هرب، لا بد أن نحبسه مع الحمار لكيلا يهرب مرة ثانية.

    وكذلك -ولله المثل الأعلى- العبد المحسن يعود إلى مولاه ويرجع إلى أهله في الجنة، والعبد الشارد من الله، الهارب من طاعة الله، المحارب لأوامر الله، المعتدي على حرمات الله، عبد سيئ هارب يقبض عليه سيده أين يرقده؟ في النار.

    قال: أما العبد المؤمن فكالغائب يعود إلى أهله، وأما العبد السيئ فكالآبق يقبض عليه مولاه.

    1.   

    ضرورة محاسبة النفس على الذنوب والمعاصي

    يا أخي! هل تستطيع أن تذكر الموت وأنت تغني.. وأنت تشاهد الأفلام.. وأنت تتابع المسلسلات والتمثيليات؟ هل تستطيع المرأة أن تذكر الموت واهتماماتها محصورة في الموضات والتسريحات، والوجبات والأكلات، وطبق اليوم؟ ليس عندها وقت أصلاً.

    بعض النساء تمضي عليها ساعة أو ساعتان وهي أمام المرآة، ولهذا يشكو بعض الأزواج يقول: إذا قلت للمرأة: سوف نخرج لا بد أن أبلغها قبل ساعتين، وهي تلف وتدور مكانها، إلى أن تتصبغ وتتلمع وتقف وتقوم وتطلع وتنـزل ساعتين من عمرها من أجل أنها سوف تخرج، لماذا هذا التزين؟ المفروض أن هذا التزين للزوج، لكنها إذا رجعت إلى البيت وضعت زينتها وغسلت وجهها، وأصبحت كأنها جنية ودخلت على زوجها، جميع وسائل الزينة للشارع، الصدر والهضاب المحشوة بالقطن في الشارع، والكعب الذي يجعلها مثل الغزال للشارع، والحمرة للشارع، والكحل للشارع، والأظافر المحرمة للشارع، فإذا دخلت البيت وضعت الكعب ورجعت على قامتها تلك، وأبعدت الحمالات رجعت على صدرها ذلك، وأبعدت الكحل ورجعت على وضعها، ما هذا؟! الزينة ما هي إلا للزوج ليست للشارع، جمال الشوارع هذا حرام، زينة المرأة ممنوعة إذا خرجت إلى الشارع، وإذا مشت متطيبة وشم الرجال ريحها فهي زانية، لكن إنا لله وإنا إليه راجعون!!

    متى تذكر الموت وهذا وضعها؟ ومتى يذكر الموت من اهتماماته ومداركه ومعارفه ومعلوماته كلها معلومات الممثلين؟ يعرف أسماء الممثلين كلهم وكذلك الممثلات، يرى امرأة يقول: هذه فلانة، وهذا فلان، ويعرف أسماء اللاعبين كلهم، ويعرف أسماء المغنين كلهم، ولو سألته عن صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عرفه، ولو سألته عن آية من كلام الله ما عرفها، ولو عرضت عليه حديثاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عرفه، هذا هل يذكر الموت؟!!

    لو حاسبت نفسك -يا أخي في الله- على الذنوب لكانت بعدد الرمل والتراب، ومع ذلك نحسن الظن بالله ونحن نسيء العمل، إن حسن الظن الشرعي يقتضي حسن العمل، وإن من يسيء العمل إنما يسيء الظن بالرب، ويتهم الله بأنه لا يعرف كيف يجازي خلقه.

    اسمع أخي إلى حكاية أبي بكر الكناني يقول: كان هناك رجل يحاسب نفسه، فحسب سنينه فوجدها ستين سنة، وحسب أيامه -ضرب ستين سنة في ثلاثمائة وستين يوماً- فوجدها واحداً وعشرين ألفاً وستمائة يوم، فصرخ وخرَّ مغشياً عليه، ولما أفاق قال: يا ويلاه! أنا آتي ربي بواحد وعشرين ألفاً وخمسمائة ذنب إذا كنت أرتكب في كل يوم ذنباً!

    فيا أخي: من الذي منا يذنب في اليوم الواحد ذنباً ؟ إنه ولي من أولياء الله، ولكنها مئات بل آلاف الذنوب، فكيف إذا أذنبت ذنباً، يعني: في الشهر ثلاثين ذنباً، وفي السنة ثلاثمائة وستين، وفي العشر السنوات ثلاثة آلاف وستمائة، وفي عشرين سنة سبعة آلاف ومائتين وهكذا، إذا كان في كل يوم ذنباً، فكيف إذا كان كل يوم مائة ذنب أو مائتين أو ثلاثمائة بل بعضهم من حين يصبح حتى يمسي ما يطيع الله لحظة، كل حياته ذنب في ذنب: من عينه.. من أذنه.. من لسانه.. من يده.. من رجله.. من كل شيء، يشتغل في المعاصي مائة بالمائة، ولا تكتب له حتى حسنة واحدة، أما السيئات فهي ليل نهار، بل بعضهم يعصي الله وهو نائم! شخص من الناس يغني وهو نائم؛ لأنه كان يغني وهو مستيقظ.

    فلماذا يا أخي ترضى لنفسك أن تكون عاصياً وأن تأتي يوم القيامة وأنت تحمل على ظهرك هذه الأوزار؟ يقول الله: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [الأنعام:31] .. مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [النمل:89-90].

    أخي في الله! استيقظ من غفلتك، وعد إلى ربك، واذكر الموت؛ وهادم اللذات، ومفرق الجماعات، وميتم البنين والبنات، اذكر مبكي العيون ومغير الجفون، اذكر قاطع الأماني والأحلام، تفكر يا مغرور في الموت وسكرته وشدته ومرارته، تذكر يوم موتك وانتقالك من سكنك على ظهر الأرض إلى سكنك في بطنها.

    كان صلى الله عليه وسلم يقول: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) والحديث صحيح، رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه.

    لأن الذي يكثر من ذكر الموت يكرمه الله بثلاثة أشياء:

    أولاً: تعجيل التوبة. فأنت ما دمت تكثر من ذكر الموت فلماذا تستمر في المعاصي.

    ثانياً: القناعة، ما دمت سوف تموت تقنع بالذي معك، لكن الذي ينسى الموت لا يقنع مثل شارب البحر كلما زاد شربه منه زاد عطشه.

    أما الذي يكثر من ذكر الموت يقول: لا، تكفي هذه؛ لأنه يعلم أن الموت قريب.

    ثالثاً: النشاط في العبادة، الذي يكثر ذكر الموت يعجل التوبة، ويقنع بالذي عنده، وينشط في العبادة، بدلاً من أن ينشط في الدنيا ينشط في العمل الصالح، يزيد من الذكر..من القراءة..من الصلاة..من قيام الليل..من الصيام، لماذا؟ لأنه يكثر ذكر الموت، يقول: سوف أموت، قد لا أستطيع أن أصلي، وقد لا تأتيني فرصة أخرى.

    أما الذي ينسى الموت فيعاقب بثلاثة أشياء:

    أولاً: تأخير التوبة، وهذه مصيبة أن تؤخر التوبة فقد يأتيك الموت وأنت لم تتب.

    ثانياً: الطمع والحرص والجشع وانفتاح القلب على الدنيا.

    ثالثاً: الكسل في العبادة، فعند الصلاة تجده كسلان، وتجده يدفع إليها دفعاً..الذكر لا يريده..القرآن لا يريده، وإذا كسلت عن العبادة ضيعت أرباحك في الآخرة ولم يعد معك شيء؛ لأنه ليس في الآخرة إلا العبادة فليس هناك أموال، فأنت الآن تعمل في الدنيا وعندك أموال لكن إذا مت فلن يضعوا في قبرك أي ريال، بل يوضع معك العمل، وليس معك شيء من العمل.

    1.   

    السلف وكثرة ذكرهم للموت

    فهذه عقوبات من لا يكثر من ذكر الموت.

    وقد جاءت امرأة إلى عائشة رضي الله عنها تشكو قسوة قلبها، فقالت لها عائشة : [أكثري من ذكر الموت يرق قلبك] ففعلت المرأة ذلك العمل فرق قلبها، وجاءت تشكر عائشة رضي الله عنها وتخبرها بأن الله عز وجل قد رقق قلبها لذكره.

    وعندما تكثر ذكر الموت تهون عليك المصائب؛ لأن الموت أكبر مصيبة، فأي مصيبة تأتي في الدنيا فتذكر أن الموت سوف يأتي قريباً.

    يقول عمر بن عبد العزيز : [إذا كنت في سعة من العيش وأردت أن يضيق عليك العيش فاذكر الموت، وإذا كنت في ضيق من العيش وأردت أن يتسع عليك العيش فاذكر الموت] كيف؟

    قال العلماء: إذا كنت في سعة وذكرت الموت ضاقت عليك السعة لأنك تعلم أنك سوف تموت وتتركها، وإذا كنت في ضيق..دين..هم..غم، وذكرت الموت تقول: سوف أموت وما هي إلا أيام وليالٍ على الهم هذا.

    فالموت ما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في واسع إلا ضيقه، وما ذكر في قليل إلا كثره ولا في ضيق إلا وسعه، فذكر الموت فيه الخير وفيه كل شيء.

    يقول أبو الدرداء : [ثلاث أحبهن ويكرههن الناس، قالوا: وما هن؟ قال: الفقر، والمرض، والموت. قالوا: ومن يحبها يرحمك الله؟ قال: أما الفقر فتواضعاً لربي، وأما المرض فتكفيراً لخطيئتي، وأما الموت فللقاء ربي].

    وقد كنا مرة في طائرة متجهة من جدة إلى الرياض ، وفي أثناء الطيران حصل خلل في الطائرة،حيث توقف أحد المحركات وبقي محرك يعمل، فتصعد الطائرة بالمحرك هذا إلى السماء لكي لا تسقط على الأرض، ثم تنـزل أحياناً إلى مائتين أو ثلاثمائة متر سقطة واحدة، فتكاد القلوب أن تنخلع، وأعلن قائد الطائرة للناس: أنه يريد أن يرجع، وبدأ الناس بالبكاء والصراخ، وكان معي في الطائرة اثنان من الإخوة وكنا في ثلاثة مقاعد في الوسط، وكنت أنظر إليهم وإلى الذين في الطائرة؛ فأجد بعضهم قد وضعوا رءوسهم تحت الكراسي، وبعضهم يصيحون، وآخرون يولولون، وهؤلاء الإخوان كل شخص يقول: أشهد أن لا إله إلا الله..أشهد أن لا إله إلا الله..اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها..اللهم أحسن خاتمتنا..اللهم الطف بنا، والعالم في ذهول ودهشة، وشاء الله أن تسلم الطائرة وننزل.

    وأقول للإخوان: كيف؟ قالوا: نحن لو متنا عندنا أمل في الله كبير أن يرحمنا برحمته، وإن كانت أعمالنا قليلة لكن حسن ظننا بربنا في تلك اللحظات يجعلنا نأمل خيراً، ولهذا ذكرنا الله، ولو متنا إن شاء الله فإن الخاتمة ستكون جيدة.

    وأنظر إلى هؤلاء وخاصة في أناس ليسوا مسلمين يظهر عليهم أنهم (خواجات) والله يا إخواني إنه بلغ بهم من الرعب شكلاً لا يتصوره العقل، وخصوصاً بعض مضيفات الطائرات.

    فذكرك للموت يجعلك دائماً تستعد، فإذا جاء الموت أو رسل الموت أو نذر الموت وإذا بك لا تخاف.

    ولما جاءت ساعة الاحتضار لـعامر بن عبد قيس جعل يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: والله ما أبكي جزعاً ولا حرصاً على الدنيا، ولكني أبكي على ظمأ الهواجر، وعلى قيام ليالي الشتاء.

    يقول: حيل بيني وبين ظمأ الهواجر بالصيام، وقيام الليالي في الشتاء بالصلاة، والشتاء يسميه العلماء: غنيمة المؤمن، فإن نهاره قصير وليله طويل، فيستغله أصحاب التوفيق في صيام النهار، أو ما قدروا عليه من الأيام، وفي قيام الليل، فإن الليل طويل فيكفيك منه ساعات في النوم، ثم تستطيع أن تستيقظ آخر الليل فتصلي ما شاء الله لك، ثم تجلس تستغفر في الأسحار حتى يؤذن الفجر ثم تذهب تصلي الفجر في المسجد، فهذا توفيق عظيم، فإذا كنت قد حرمت قيام الليل في أيام الصيف لقصر الليل فلا يفوتك أيضاً قيام الليل في الشتاء، فهو غنيمة المؤمن.

    انظر أخي! كيف كانوا يذمون أنفسهم على تقصيرها مع حسن عملهم، أما نحن فقد جمعنا بين الإساءة في العمل والأمن من عذاب الله، يعني: ينبغي أن يحسن الإنسان العمل ويخاف مع هذا، يقول الله عز وجل عن الصحابة وعن السلف الصالحين: كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:17-18] وقال سبحانه وتعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [السجدة:16].

    وهكذا شأن الصالحين أنه يحسن في العمل ويخاف من الله.

    أما المخذول -والعياذ بالله- يسيء العمل ولا يخاف من ربه، وإذا قلت له يقول: يا شيخ! الله غفور رحيم، فهو عنده إساءة وأمن، وذاك عنده عمل طيب وخوف من الله، فهذا هو الطيب.

    يقول شداد بن أوس رضي الله عنه: [الموت أفظع هول في الدنيا على المؤمن، وهو أشد على المؤمن من نشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، وغلي في القدور، ولو أن الميت بعث ونشر فأخبر أهل الدنيا بألم الموت ما انتفعوا بعيش وما تلذذوا بنوم].

    فكأنك بالعمر يا أخي! وقد انقرض، وهجم عليك الألم والمرض، وفاتك كل مراد وغرض! لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا [ق:22] شخص البصر، وسكن الصوت، ونزل بك ملك الموت: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا [ق:22] بلغت الروح إلى التراقي، ولم تعرف الراقي من الساقي، ولم تدر عند الرحيل متى التلاقي: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا [ق:22].

    ذكرنا أيها الإخوة أن من الأمور التي تعينك على عبادتك لربك وانتشالك لنفسك من الغفلة ذكرك لسكرات الموت، ولكن كيف تعرف سكرات الموت؟ هذا موضوع طويل، أخذنا منه بطرف، ولكن التوسع فيه يحتاج إلى درس كامل، وهو إن شاء الله ما سيكون موضوع الدرس في الشهر القادم إن شاء الله وسوف يعلن عنه، هذا الدرس بعنوان: غمرات الموت، لكن القادم سيكون بعنوان: سكرات الموت، وستتوالى الدروس في هذا الأمر حتى نستيقظ، فإن الذي لا ينتبه ولا يتعظ ولا يستيقظ بالموت ولا بالقرآن فمتى يتعظ؟

    الواعظان اثنان: القرآن والموت، فمن لم يتعظ بالقرآن ولا بالموت فلو تناطحت الجبال بين عينيه لم يتعظ والعياذ بالله.

    أسأل الله الذي لا إله إلا هو أن يخفف علينا سكرات الموت، وأن يوقظ قلوبنا وإياكم من الغفلة، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه، كما نسأله تبارك وتعالى أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنك سميع الدعاء.

    اللهم احفظ علينا ديننا وأمننا ونعمتنا واستقرارنا، اللهم من أرادنا في هذه الديار أو غيرنا من ديار المسلمين بسوء أو شر أو كيد أو مكر فاجعل كيده في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وأنزل عليه بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم وفق ولاة أمورنا لما تحبه وترضاه، إنك على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وسوف نجيب على الأسئلة باختصار، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

    1.   

    الأسئلة

    ضوابط الإتيان بالأولاد إلى المسجد

    السؤال: بعض الآباء يأتون بأبنائهم إلى المسجد ثم يتركونهم يعبثون في بيوت الله ويزعجون المصلين، فما توجيهكم؟

    الجواب: الإتيان بالأبناء إلى المسجد له ضوابط وشروط وهو مطلوب؛ لأن الأمة لا بد أن تعيش بأجيالها، والأجيال هم هؤلاء الصغار، فإذا ربيناهم على الصلاة من الصغر وصلوا إلى سن الكبر وقد تدربوا على الصلاة، ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام: (مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)، وبعض الآباء يهمل هذا الحديث، فلا يأمر ولده على سبع، ولا يضرب ولده على عشر، فإذا بلغ ولده لا يصلي قال: ولدي لا يصلي، قلنا: أنت الذي أهملته صغيراً فكيف تريد أن يصلي وهو كبير؟! لا.

    إن الغصون إذا عدلتها اعتدلت     ولا تلين إذا صارت من الخشب

    الطفل الصغير ما دامت تعوده على الصلاة وهو صغير، وتزرع في قلبه حب الصلاة وهو صغير، لا يصل سن البلوغ إلا وهو يصلي، ولا يجد صعوبة؛ لأنه مدرب، أنت قد علمته، لكن تهمله وتضيعه إلى أن صار رجلاً ثم تقول له: صل، فلن يصلي، ويراها من أصعب الصعوبات عليه، فالأمر بالصلاة مطلوب للصغير، لكن إحضاره إلى المسجد له شروط:

    أولاً: أن يكون قد تجاوز السبع، فلا ينبغي أن تأتي بالذي سنه صغير لا يعرف مسجداً ولا طهارة، بعضهم يأتي بولده وعمره سنتان وثلاث وأربع، لماذا؟ لأنه يحب ولده، ويريد أن يدللـه ويأتي به ليتمشى، اذهب به إلى غير هذا المكان .. اذهب به إلى الحديقة .. اذهب به إلى الشارع .. اذهب به إلى الملعب .. إلى أي مكان، لكن تأتي به إلى المسجد لا يصلح.

    بعضهم يأتي بولده ويهمله ويدعه يلعب ويجري ويعبث بالمصاحف ويقطع الصلاة على المصلين، ويحدث فوضى، لا يجوز؛ لأن هذا يؤذي المصلين، وإيذاء المصلين لا يجوز لأنه إيذاء لله عز وجل، فلا ينبغي أن تأتي به وهو دون السبع، بعد ذلك إذا كان فوق السبع تعطيه آداب المسجد تقول له: يا ولدي نحن نذهب إلى الصلاة، والصلاة هذه فريضة الله والشعيرة العظيمة، نقف فيها بين يدي الله، فينبغي أن نكون مؤدبين مع الله، إذا وقفت في الصلاة تجعل عينيك في موضع سجودك، وتضع يدك اليمنى على اليسرى على صدرك، ولا تلتفت كذا ولا كذا، وإذا سمعت قراءة الإمام تنصت، إذا ركعت تركع وتثني ظهرك، وإذا سجدت تخشع، علمه كيف يصلي، إذا قمت امش ولا تنظر ولا تجري ولا تعبث؛ لأن هذا بيت الله، تمشي وعليك السكينة، إذا علمت الولد هذه الآداب يتأدب، وبعد التعليم تأخذه في يدك تصلي جنبه، وإذا معك ولد لا تصل في الروضة حتى لا تؤذي الناس بولدك، اذهب وصل في الطرف، وأنا أفضل أن تصلي في الطرف وولدك إلى جنبك أحسن من أن تصلي في الروضة وولدك في وراء المسجد يعبث ويضيع على الناس صلاتهم، خذ أولادك بجانبك وصل معهم؛ حتى تضبط حركتهم، بهذه الضوابط لا يوجد مانع.

    أما أن يأتي المسلم ليصلي ويترك أولاده يعبثون في المسجد، ويسيئون في التعامل مع الناس، ويحدثون الأصوات والفوضى، ويجرون ويهرولون، ويمزقون المصاحف ويعبثون، ويضحكون ويصيحون، فإن هذا أذى، ولا يجوز، وأنا أخشى على من يأتي بأولاده أن تصدر دعوة من المصلين عليه وعلى أولاده، وقد تحيط به.

    وأذكر وأنا في أبها أن رجلاً كان يأتي بولده إلى المسجد، وهذا الولد يعبث يعني يعمل حركة والناس قد كلموه وهم ينصحونه وهو يرفض، فكأن واحداً منهم دعا عليه، وخرج من المسجد وولده معه، وانطلق الولد يقطع الشارع وتصدمه السيارة، وكثير من المصلين ما تأسف على موت هذا الولد؛ لأنهم ارتاحوا منه.

    فيا أخي! لا تزعج الناس فتجعلهم يدعون على ولدك فتستجاب الدعوة عليه وإذا به قد مات، لا، اترك ولدك في بيتك إلى فوق سبع، ثم أحضره بيدك، وأشغل ولدك بطاعة الله عز وجل.

    مفهوم ظلم العبد لربه

    السؤال: كيف يقع الظلم على الله؟

    الجواب: وقوع الظلم هنا ليس معناه: أن الله يتأذى، لا، فالله عز وجل لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة المطيعين، وإنما يقع الظلم أعني بالشرك بالله، فإذا أشرك الإنسان بالله وقع ظلم من العبد بشركه بالله عز وجل، لكن كون الله يتضرر، لا، لأن الله غني عن العالمين، الله يقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك) ويقول في الحديث القدسي في صحيح مسلم : (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).

    الأعمال التي تنجي من فتنة القبر

    السؤال: هل هناك عمل ينجي من ظلمة القبر؟

    الجواب: نعم. توجد أعمال، لكن ليس هذا المقام مقامها، هناك أعمال تنجي من ضغطة القبر، يعني ما يأتي للإنسان فتنة في القبر، من ضمنها الشهادة، ومن مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة هذا ما يأتيه شيء في القبر، والحديث صحيح في مسند أحمد ، والشهيد ليس المراد الشهيد فقط الذي في المعركة، الشهداء كلهم: الشهيد من مات مطعوناً، أو مبطوناً، أو متردياً، أو غريقاً، أو حريقاً، والمرأة التي تموت على ولادة؛ هؤلاء كلهم شهداء، إذا ماتوا، بشرط أن يكونوا مؤمنين متدينين، وفيهم خير.

    أما إذا كان -والعياذ بالله- فاجراً أو قليل دين تاركاً للصلاة، ومات متردياً أو غريقاً أو أحرق فهذا عذاب عاجل -والعياذ بالله- ولا ينتفع بهذا، إنما الشهداء من المؤمنين الصالحين.

    حكم العادة السرية وأضرارها وعلاجها

    السؤال: ما حكم العادة السرية مع الدليل، مع بيان أضرارها وعلاجها وتقديم النصيحة فيها؟

    الجواب: أما حكها فهو التحريم، وقد صرح بهذا العلماء، واستدلوا بقول الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن قول الله عز وجل يقول الله عن المؤمنين: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ [المؤمنون:6-7] فالذي مارس العادة السرية وأخرج المني عن طريق الاستمناء باليد هذا ابتغى طريقة غير الزواج وملك اليمين فهو عَادٍ: يعني متجاوزاً لحرمات الله.

    وأما الحديث ففي الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فيه بالصوم) وما قال: فعليه بيده فإنها له وجاء.

    أما أضرارها فقد تكلم عنها العلماء والأطباء، وقالوا: إن أضرارها كثيرة جداً وتنقسم إلى قسمين:

    أولاً: أضرار دينية.

    من الأضرار الدينية أن صاحبها يتعرض للعنة لورود آثار تدل على اللعنة: [لعن الله ناكح يده] ووجدت آثار: [أن ناكح يده يبعث يوم القيامة ويده حبلى] ما يخرج حيوان منوي إلا وتحمل اليد به، لكن آثار الحمل لا تظهر إلا يوم القيامة.

    ثانياً: أضرار نفسية.

    فإن الذي يستمني بيده كثيراً تصبح نفسه -والعياذ بالله- دنيئة، ويصبح حيواني الطبع ليس له هم إلا ممارسة هذا الأمر الذي لا تمارسه الكلاب والقردة والعياذ بالله.

    وأيضاً: أضرار صحية، وأضرار اجتماعية، وأضرار بيئية، وأضرار تناسلية، يحصل عند الإنسان تهتك، يحصل عند الإنسان استهلاك للحيوانات المنوية، حتى قال العلماء: إنه إذا تزوج لا ينجب؛ لأنه قد انتهى، الذي عنده من الحيوانات المنوية ذهبت، وإن بقي عنده مني فإنه يكون ضعيفاً ونسله ضعيف -والعياذ بالله- فما ينبغي للمسلم أن يعملها.

    فأما العلاج:

    فأولاً: مخافة الله، وذكر الله، وأن هذا حرام ولا ينبغي له أن يعلمه.

    ثانياً: أن ينشغل بالطاعة والعمل الصالح وقراءة القرآن.

    ثالثاً: أن يمارس عملاً مهنياً شاقاً، وإن لم يجد فيمارس عملاً رياضياً حتى يستهلك طاقته في هذا الجهد.

    رابعاً: ألا يكثر من الأطعمة التي تبعث فيه القوة، وأن يأكل طعاماً خفيفاً، قوت حتى لا يموت، فقط، حتى يتزوج، فإذا تزوج يأكل كل ما أراد.

    خامساً: أن يبعد نفسه عن الأشياء التي تثير فيه غريزة الجنس مثل: سماع الأغاني، والنظر إلى النساء، وقراءة القصص الغرامية، والنظر إلى الأفلام والمسلسلات، وسماع الحكايات من الزملاء عن الجنس؛ لأن هذه كلها تشعل العامل الجنسي.

    سادساً: قراءة أخبار السلف وقصص الصالحين الذين كانوا يعفون أنفسهم عن الحرام.

    وبعد هذا كله دعاء الله، يدعو الله بالعفة؛ لأن الله يقول: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النور:33]، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ومن يستعفف يعفه الله) الذي يستعفف ويخاف من الله فإن الله سوف يعفه من الحرام ومن العادة السرية ومن كل أنواع الحرام.

    نصيحة لمن تاب وقد عق والديه

    السؤال: شاب كان يعق والديه، ثم التزم وتاب إلى الله وأقلع واتبع أصحاب الخير والصلاح، فهل يفعل أولاده به كما كان يفعل من العقوق على قاعدة: كما تدين تدان؟

    الجواب: الحمد لله الذي هداه وتاب عليه إن شاء الله، فإن كان أبوه وأمه لا يزالان موجودين فليتدارك حياتهما بالبر، وليحسن إليهما، وليكفر عن عقوقه لهما بالبر الكامل، وإن كانا قد ماتا فعليه ببرهما بعد وفاتهما:

    أولاً: بكثرة الدعاء، فإن الدعاء يصلهما.

    ثانياً: بالصدقة عنهما.

    ثالثاً: بصلة رحمهما.

    رابعاً: بزيارة ودهما، الود الذي كان لهما ويزور أصدقاءهما.

    وهذا إن شاء الله يكفر عنه بإذن الله خطيئته، وسيجعل الله له إن شاء الله أولاداً صالحين؛ لأن التوبة تجب ما قبلها، ومن تاب تاب الله عليه.

    أكتفي بهذا أيها الإخوة، وأعتذر عن الإجابة عن بقية الأسئلة لضيق الوقت.

    والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.