إسلام ويب

هل من عودة قبل الموت؟للشيخ : سعد البريك

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تكلم الشيخ في بداية هذه المادة عن حقيقة الموت ثم أتبعها بقصص واقعية تبيّن حسن الخاتمة وسوءها، ثم ختمها بالتحذير من المعاصي التي تؤدي إلى سوء الخاتمة.

    1.   

    حقيقة الموت

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

    أما بعد:

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].

    معاشر المؤمنين! معاشر الأحبة: هناك مدخل رئيسي، وهناك حقيقة لابد من طرحها، وقضية لابد من مواجهتها، قضية لابد أن نواجهها نحن، لابد أن يواجهها كل واحد في هذا المسجد، ولابد أن يواجهها كل مسلم وكافر، كل بعيد وقريب، كل ذليل وحقير، كل عزيز وأمير، كل صعلوك ووزير، إنها حقيقة الموت.

    هي نهاية المطاف، هي خاتمة الدنيا، كل البشرية تشهد وتعلم وتنطق أن نهايتها هي الموت، وأن منتهى الطريق بالنسبة لها هو الانقطاع عن هذه الدنيا، انقطاع النفس، وانقطاع الروح، وانقطاع الجوارح، فالعين لا تبصر، واليد لا تتحرك، والأذن لا تسمع، والنَّفَسُ لا يجري، والدماء لا تتحرك، والشرايين لا تنبض.

    إنها النهاية الأخيرة التي يواجهها ويقف أمامها كل صغير وكبير، كل بعيد وقريب.

    وكثيراً ما سمعنا بشباب كانوا في غفلة وبعد، كانوا في قسوة وجفاء وغلظة، كانوا في قطيعة وعقوق، بعضهم يشهد ويقر على نفسه، يقول: ما ركعتها في المسجد مع الجماعة، وبعضهم يقول: ما جانبت كأس الخمر مرة. وبعضهم يقول: ما سافرت إلا واقعت الفاحشة. فإذا به في يوم من الأيام تجده باكياً خاشعاً، ساجداً راكعاً، سبحان مقلب القلوب والأبصار!

    من الذي غير هذا؟ من الذي بدل أحواله؟ إنه الله جل وعلا، ولكن كيف السبب؟ ما هو السبيل؟ وأي طريقة وصلت إلى قلبه؟

    قدر الله على الكثيرين منهم أن يقفوا مشهداً ماثلاً حقيقياً لا محيص ولا مناص عنه، قدر الله للكثير منهم أن يقفوا أمام حقيقة الموت وهم بأم أعينهم وأمهات أبصارهم يشهدون صديقاً أو حبيباً أو قريباً، ولا ينفع طبيبهم، ولا يجدي نحيبهم.

    1.   

    قصص متفرقة في حسن وسوء الخاتمة

    حدثني أحدهم قال: كنت مسافراً في دراسة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وكان شأني شأن كثير من الشباب الذين يقضون الليل في الملهى، والمساء في المرقص، والعبث الذي تعنيه كلمة العبث بأبعادها ومعانيها، وذات يوم وكنا آيبين من ملهانا وعبثنا، تقدم بعضنا إلى السكن، أما واحد منا فلقد استبطأناه، ثم قلنا: لعله يأتي بعد سويعة، أو بعد ساعة، أو بعد هنيهة، ثم لم نزل ننتظر لكنه ما أتى، فنـزلنا نبحث يميناً وشمالاً، وخاتمة المطاف قلنا: لابد أن يكون في موقف السيارات (الكراج) تحت البناء، فدخلنا ذلك البناء، دخلنا موقف السيارة فوجدنا السيارة لا زال محركها يدور، وصاحبنا قد انخنعت رقبته على إطار السيارة وهو في مكانه، والموسيقى الهادئة لا زالت منذ آخر الليل حتى اللحظة التي فتحنا فيها باب السيارة وهي تدندن وتطنطن، فصحنا نادينا، تكلمنا: يا أخانا، يا صاحبنا .. فإذا به قد انقطع عن الدنيا منذ اللحظة التي وقفت سيارته في ذلك الكراج.

    هذه نهاية أشعلت في قلوب الكثير من أولئك الشباب يقظة وغيرة، وعودة وإنابة، وتوبة وخضوعاً إلى الله، فعادوا إلى الله تائبين، ما شربوا بعدها، ولا فعلوا بعدها، بل أنابوا واستكانوا وعادوا لربهم، أسأل الله أن يثبتنا وإياهم، وأسأل الله أن يعامل صاحبهم بعفوه، وأن يتجاوز عنا وعنه.

    هذه واحدة والأخرى ليس لها إلا أيام قليلة سمعتها من أحد إخواني في الله، يقول: كنت كغيري من سائر الشباب، وفي ليلة من الليالي التي كنت أسهر فيها مع أحبابي وأصدقائي، ومن بينهم واحد من الأحبة هو أعز حبيب إلي، وأعز صديق إلى قلبي، وأقرب قريب إلى فؤادي، بينما أنا وإياه إذا به فجأة يصرخ: فلان! أدركني. ما الذي بك؟! إني أحس بشيء في قلبي. قال: فدنوت منه، فإذا هو يتلبط ويتقلب، ويقول: أسرع لي بطبيب!! فناديت واتصلت بمن يحضر لنا طبيباً، وكانت الفترة لا تتجاوز خمس عشرة دقيقة أو عشرين دقيقة ونحن ننتظر وصول الطبيب، وفي تلك الدقائق وكان يقول: إني أحس بالفراق، إنها النهاية، إنها الخاتمة، سأفارق الدنيا، سأترك طفلي، سأترك زوجتي، سأفارقكم، ستضعونني في كذا، ستتركونني وحدي. وأخذ يمر عليه سجل ذكرياته، وأخذت تتقلب أمامه صحائف أفعاله، قال: وأنا أنظر إليه وكلي وحشة ودهشة، وكلي عجب وغرابة، وأنا أنتفض وهو يحاسب نفسه ويعاتب روحه، وأنا والله أصبره وأنا أشد ألماً منه، وأشد استعراضاً لما يكون في حياتي منه، فأخذت أتقلب في ذلك الموقف وما هي إلا ست عشرة دقيقة تزيد أو تنقص قليلاً حتى فاضت روحه، وذهبنا وأحبابنا وأقاربنا وأصحابنا نضع قريبنا وصديقنا وأعز أحبابنا وأجل أقاربنا نضعه في مثواه الأخير، ونواري عليه التراب، أحب الأحباب هو الذي يتقن من اللحد ألا يتسرب منه ذرة هواء أو إشعاع نور، ثم ما برحنا أن نهيل عليه التراب، ثم ودعناه في مثواه الأخير، وانصرفنا.

    شاب من مدة ليست بالقريبة حدثني عن أحد الشباب بما تسمى بـبانكوك ، قال: لقد كان في ضلالة وبلاء، وقد كان في أمر لا يفيق من جرائه من المخدرات أو الشراب، وما صاحب ذلك من مصاحبة البغايا والفاجرات، وفي لحظة من سكره وشوق إلى عهره تأخرت صديقته، تأخرت حبيبته عليه، وقد كاد يجن من تأخرها، فما هي إلا لحظات حتى أقبلت عليه، فلما رآها خر ساجداً لها تعظيماً، خر ساجداً لها ..! وما الذي تنتظرونه؟ هي السجدة الأخيرة، هي النهاية، والله ما قام من سجدته، بل أقاموه في تابوته وأرسلوه بطائرته، ودفنوه مع سائر الموتى.

    أيها الأحبة: إن هذا الموت هو أخطر وأعظم وأكبر حقيقة يواجهها الشقي والسعيد، الغني والفقير، العزيز والذليل، الرفيع والحقير، ومن أجل هذا كان صلى الله عليه وسلم يقول: (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) .. (ألا وإني كنت نهايتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة).

    أيها الأحبة: أسوق هذه الأحداث متفرقة مختلفة وكلها تختلف من حيث الخاتمة والنهاية، لكنها في مؤدى واحد وهو الخاتمة، أي خاتمة نواجهها؟ أي نهاية نفضي إليها؟ وأي عمر يمتد بنا؟ وأي شباب نتقلب فيه حتى ننتقل منه إلى الشيخوخة ثم نتوب بعد ذلك.. هل ضمنا هذه الحياة؟ وهل ضمنا هذه الأعمار؟ بادروا بالتوبة، بادروا بالإنابة قبل أن يخطفكم الموت، ويخطفكم الأمل، وتمضي الملائكة بوديعة الله من أرضه إلى السماء، فتكون في أعلى عليين أو في أسفل سافلين.

    إن حسن الخاتمة وسوء الخاتمة لأمر خطير وعجيب وجليل جداً، جاء صحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم والنبي يجهز جيشاً من الجيوش لمعركة حاسمة مع الكفار، فجاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ كافر، فقال: (يا محمد! أرأيت إن اتبعتك، فما الذي لي وما الذي علي؟ قال: إن شهدت أن لا إله إلا الله وأني رسول الله كان لك ما للمسلمين عامة، وعليك ما عليهم عامة، فإن غنموا غنمت معهم، فقال: ما على هذا أتبعك. فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن غنموا فأنت معهم في الغنيمة، وإن مت فلك الجنة من الله جل وعلا، فقال ذلك الصحابي: والله ما على هذا اتبعتك -أي: ما اتبعتك لأجل الغنيمة- وإنما اتبعتك على أن أغزو معك فأرمى بسهم من هاهنا، وأشار إلى نحره ويخرج السهم من هاهنا وأشار إلى قفاه) ثم دخل المعركة وقاتل وأبلى بلاء حسناً، فجيء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رمي بسهم دخل في نحره وخرج من قفاه، فقال صلى الله عليه وسلم: (صدق الله فصدقه، بخ بخ! عمل قليلاً ونال كثيراً) دخل الجنة وما سجد لله سجدة.

    انظروا الخاتمة، انظروا النهاية، انظروا الخاتمة وتأملوها واعتبروا بها، أسأل الله أن يحسن لي ولكم الخاتمة، وأن يجعلنا وإياكم من السعداء، وأن يتوفانا على التوحيد شهداء.

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العلي العظيم الجليل الكريم لي ولكم فاستغفروه من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    التحذير من سوء الخاتمة

    الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

    عباد الله: اتقوا الله تعالى حق التقوى، تمسكوا بشريعة الإسلام، وعضوا بالنواجذ على العروة الوثقى، اعلموا أن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وعليكم بجماعة المسلمين، فإن يد الله مع الجماعة ومن شذ شذ في النار، عياذاً بالله من ذلك.

    جاء عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يؤمر الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بكتب أربع كلمات: برزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد. فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذارع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) حديث صحيح.

    أيها الأحبة في الله: هذا الحديث عمدة في حسن الخاتمة وسوءها، نسأل الله جل وعلا أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، نسأل الله جل وعلا الثبات على نعمة الدين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أفضل الأنبياء وسيد المرسلين، أول من ينشق عنه القبر، وأول من تفتح له أبواب الجنة، وأول من ينال أعلى منازلها، وهو صاحب المقام المحمود، وهو صاحب الوسيلة والشفاعة العظمى، الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كان يطيل قيامه وصيامه، وكان يطيل سجوده وتهجده، ويقول: (يا مقلب القلوب! ... يا مقلب القلوب! ... يا مقلب القلوب! ...).

    فيا عباد الله: اسألوا الله جل وعلا بهذا الدعاء، اسألوا الله الذي بيده النواصي، اسألوا الله الذي بيده القلوب وهي بين إصبعين من أصابع الرحمن التي تليق بجليل وجهه وعظيم سلطانه، اسألوا الله أن يثبت قلوبنا وقلوبكم على الإيمان، وأن يعصمنا من الزيغ والضلالة، ومن الغواية بعد الهداية، ومن الفساد بعد الصلاح.

    وأنتم يا شباب المسلمين! إن الكثير من شبابنا يسوفون التوبة ويؤجلون الإنابة، وينشغلون بالعبث ويلهون في الباطل ظناً منهم بأن الحياة أمامهم، وهم في ريعان الشباب، وفي ربيع العمر، وفي زهرة الدنيا يظنون أن الاستقامة تعقيد، وأن الطاعة وسوسة، وأن الإخبات لله تضييق وتشديد .. لا والله يا عباد الله! إننا نفوت على أنفسنا حظاً عظيماً من السعادة بقدر ما نفوته من الأعمال الصالحة، واعلموا أن الموت ساعة لا تتقدم ولا تتأخر، فمن الذي يضمن خروجه من المسجد؟ ومن ذا الذي يضمن يقظته من فراشه؟ ومن ذا الذي يضمن عودته إلى بيته؟ ومن ذا الذي يضمن وصوله إلى عمله؟ إذا كان هذا شأننا فيا عجباً لقسوة قلوب لا تدري متى تخطف، وهي مع ذلك عابثة لاهية:

    تزود من التقوى فإنك لا تدري     إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر

    فكم من صحيح مات من غير علة     وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر

    وكم من صغار يرتجى طول عمرهم     وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر

    وكم من عروس زينوها لزوجها     وقد نسجت أكفانها وهي لا تدري

    فيا عباد الله: استعدوا للقاء الله، وبادروا بالتوبة، والخضوع والإنابة، إنما هذه الدنيا متاع قليل: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ [الروم:55] والله إن هذه الدنيا بما فيها من ملذات وشهوات، ومراكب وقصور، ودور وضيعات، وزوجات وجنات، وأموال وذريات لا تعدل غمسة في نار جهنم، وإن الشقاء في هذه الدنيا بما فيه من الفقر والمرض، والسقم والذلة، وضيق الحال لا يساوي غمسة في نعيم الجنة، يوم القيامة يؤتى بألذ أهل الدنيا حالاً وأيسرهم عيشاً ثم يغمس غمسة وهي أقل جزء من أجزاء اللحظة يغمس غمسة في النار فيقال: يا بن آدم! هل رأيت نعيماً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا يا رب! ما مر بي نعيم قط. ينسى نعيم الدنيا كله في غمسة صغيرة دقيقة في النار.

    ويؤتى بأشد أهل الدنيا بؤساً وفقراً ومرضاً فيغمس غمسة واحدة في الجنة فيقال: يا بن آدم! هل مر بك بؤس قط، هل مر بك شقاء قط؟ فيقول: يا رب! ما مر بي شقاء، وما مر بي بؤس.

    فلنعد لذلك اليوم وهو يوم لابد أن نَرِدَهُ على صراط أدق من الشعرة وأحد من السيف، الناس يمضون عليه على قدر أعمالهم، وكلاليب جهنم عن يمين ويسار، فمن المؤمنين الذين يسعون ونورهم بين أيديهم مد أبصارهم يمرونه كالبرق الخاطف، ومن المؤمنين من يمرونه كأجاود الخيل، ومنهم من يمره كأسرع الناس عدواً، ومنهم من يحبو على الصراط حبواً، ومنهم من يمضي عليه فتدركه كلاليب جهنم، أدركته أعماله السيئة وتفريطه في حقه، وتضييعه وتقصيره في جنب الله وطاعته.

    فلنعد لذلك اليوم، ولنعد لدار سوف نسكنها، سوف نبقى فيها، والله ما نفع أهل الأموال أموالهم:

    أين الملوك؟

    أين الأمراء؟

    أين الوزراء؟ أين الرؤساء؟ أين الخلفاء؟

    أين الذين ملكوا؟ أين الذين نالوا؟ أين الذين جمعوا؟

    أين الأغنياء؟ أين الأثرياء؟ أين الكبراء؟

    لقد ودعوهم وودعناهم في حفرة لا فراش فيها ولا خادم، ولا مائدة فيها ولا باب إليها، لا نور يضيئها ولا هواء يهويها، لا شيء فيها إلا خرقة بيضاء يحسدك الدود عليها فينتزعها من جسمك، ولا يتركها لك، كتب الله أن تعود إلى هذه الدنيا في نهاية المطاف وفي خاتمة الأمر كما نزلت عليها، حتى كفنك ينازعك الدود فيه فيقرضه منك خيطاً خيطاً، شعرةً شعرةً، وينتزعه من جسدك، فإن منَّ الله عليك وكنت من الصالحين عوضك الله بهذا الكفن أبواباً إلى الجنان، ونعيماً مقيماً في دار الخلود، فتفتح لك أبواب الجنة ويضاء لك القبر، وتؤنس بعملك الصالح، وتبقى زاهياً متغنياً، تقول: رب! أقم الساعة، رب! أقم الساعة.

    وإن كنت من أهل الشقاء، من أهل الضياع الذين ضاعت أموالهم في الربا، وتركوا المساجد، وغفلوا عن الجماعات، وضيعوا حقوق الله، وانتهكوا محارمه، في كل سفر وفي كل ذهاب وإياب، لا يراعون حرمات الله، يواقعون الفواحش لا يبالون، فإنك لا تجني من الشوك العنب، وكل سيلقى عمله أمامه.

    يا غافلاً عن العمل     وغره طول الأمل

    الموت يأتي بغتة     والقبر صندوق العمل

    انظروا واجمعوا في صناديقكم، لو زار كل واحد منا قبره في الأسبوع مرة، في نصف الشهر مرة، في الشهر مرة وأنت تنظر: هذا صندوقي، هذا فراشي، هذه داري، سأسكنها وحدي، هل وضعت فيها عملاً صالحاً، أم أودعتها خيبة وضياعاً، وحرماناً وحسرة؟؟

    أسأل الله أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يحسن لنا ولكم الخاتمة، اللهم أبقنا على الإسلام سعداء، وتوفنا على التوحيد شهداء، واحشرنا في زمرة الأنبياء.

    اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأجدادنا وجداتنا، اللهم من كان منهم حياً فمتعه بالصحة والعافية على طاعتك، ومن كان منهم ميتاً الله فجازه بالحسنات إحساناً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2963618835

    عدد مرات الحفظ

    703965420