إسلام ويب

عجل بني إسرائيلللشيخ : أسامة سليمان

  •  التفريغ النصي الكامل
  • واعد الله نبيه موسى عليه السلام ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر، وفي خلال هذه المدة افتتن بنو إسرائيل بعبادة العجل الذي أخرجه لهم السامري، فعاد موسى إلى قومه غضبان أسفاً، ثم تاب الله على بني إسرائيل بأن يقتلوا أنفسهم، وهذا إن دل فإنما يدل على خبث ومكر هؤلاء القوم.

    1.   

    تمكين الله لبني إسرائيل في مصر في زمن يوسف عليه السلام

    الحمد لله رب العالمين، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [السجدة:7-9]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [فاطر:3].

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا ند له، ولا مثيل ولا نظير له، مستو على عرشه، بائن من خلقه، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، قلوب العباد بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف شاء وحسبما أراد، فاللهم يا مثبت القلوب ثبت قلوبنا على دينك.

    وأشهد أن نبينا ورسولنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ما من خير يقربنا من الجنة إلا وأمرنا به، وما من شر يقربنا من النار إلا ونهانا عنه، فترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه في الأولين والآخرين، والملأ الأعلى إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فما زلنا مع قصص القرآن في سورة البقرة، وحديثنا عن قصة تحمل عنوان: عجل بني إسرائيل، فبعد بقرة بني إسرائيل نعيش مع عجلهم.

    إن الناظر في تاريخ القوم في عجالة سريعة يجد أن حياة التمكين والعز كانت لهم في أول الأمر، وذلك يوم أن جاءوا من الشام إلى مصر في عهد الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم جميعاً الصلاة والسلام.

    يوسف عليه السلام الذي أدار شئون مصر الاقتصادية، وقال لملكها ولعزيزها: اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ [يوسف:55]، وقد كانت كل البلاد من حول مصر تعاني من مجاعة عظيمة، إلا مصر بفضل يوسف عليه السلام، فجاء الجميع إلى مصر ليأخذوا من قمحها وأرزها وطحينها، وهبّت مصر لتوزّع على الدنيا بأسرها.

    فأين أنت اليوم يا مصر؟! بتّ تستوردين رغيف الخبز من إخوان القردة والخنازير، نسأل الله أن يمكن دينه.

    يوسف الصدّيق طلب من العزيز أن يجعله على خزائن الأرض وبرر ذلك بقوله: إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف:55]، أي: أن مقومات القائد الذي يتولى الاقتصاد: الحفظ والأمانة، فلا تسريب للمليارات من جيوب هذا الشعب الكادح المسكين المعاني، وانظروا إلى مصر وإلى تاريخها، وممن جاء إلى مصر أبوه وأمه، وإخوته العشرة بخلاف بنيامين عليه السلام، فنظر يوسف عليه السلام إلى إخوته عندما جاءوا إليه جميعاً يشكون الجوع والقحط في أرض الشام: قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا [يوسف:88]، أي: من خيرات مصر، يقول ربنا: فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [يوسف:58].

    من هنا نستطيع أن نقول: إن المؤمن يرى بنور البصيرة، فقد رآهم بنور طاعته وعبادته وتوحيده، وهم لم يعرفوه بظلمة معصيتهم، لأنهم قديماً قد مكروا به وكادوا له، والحسد والكبر والقتل من مقومات الشخصية اليهودية، فهذا هو تاريخهم الأسود، مكروا بأخيهم، فأخذوه طفلاً لا قوة له، وما منعهم بكاؤه واستنجاده بهم، فقد جردوه من قميصه، وهذا هو خلق اليهود لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً [التوبة:10] فإن كان هذا مع الأخ، فما بالك مع أطفال فلسطين؟! وما بالك مع أطفال الموحدين؟ هذا هو تاريخهم.

    والحاصل أنهم جاءوا إلى يوسف فأعطاهم وتصدق عليهم وأوفى لهم الكيل، وبنور بصيرته عرفهم، ولذلك دخل على عثمان رضي الله عنه رجل نظر إلى امرأة نظرة محرمة لا تحل له فقال: أتدخلون على أمير المؤمنين وأثر الزنا في وجوهكم؟! فقالوا: أوحي بعد رسول الله يا عثمان ؟! ما هذا الذي نسمع؟ أيوحى إليك؟ قال: اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله. فهذا نور البصيرة.

    و عمر بن الخطاب بينما هو يخطب في المدينة على المنبر، وقد أرسل إلى نهاوند -تبعد عن المدينة آلاف الكيلو مترات- جيشاً وأمّر عليه سارية ، فينظر إلى أرض المعركة بنور البصيرة، فإذا بـسارية يقترب من النصر إلا أنه قد تخلى عن الجبل، كحال الصحابة في يوم أحد، فيستدير العدو ليحيط به من خلف الجبل، فإذا بـعمر ينادي وهو يخطب: يا سارية الجبل الجبل، ومن استرعى الذئب ظلم، فإذا بالحضور يتعجبون من عمر ، ينادي من؟ ويخاطب من؟ وإذا بصوت عمر يصل إلى أذن سارية بنور البصيرة، فيلزم الجبل فيتحقق النصر، وصدق الله إذ يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29]، ولذلك كان أمير المؤمنين عمر إذا حدثه رجل بحديث يسمع له حتى إذا وصل إلى كلمة يكذب فيها يقول له: أمسك هذه، أي: غيّر هذه، فهو يشعر بالكلام الصادق من الكاذب بنور البصيرة، إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا [الأنفال:29].

    ثم بعد أن قدم بنو إسرائيل إلى مصر مكثوا مع أخيهم يوسف في مصر، وقرب الملك يوسف عليه السلام، وبتقريبه ليوسف ومكانة يوسف عنده أعطى بني إسرائيل المكانة الرفيعة، فبلغوا الآلاف المؤلفة في مصر، وعزّوا وتمكنوا، لكن هؤلاء القوم -كما يحكي عنهم القرآن الكريم- يكفرون بنعمة الله، ويجحدون الخالق، ويحسدون الناس، ويظنون أنهم -إلى وقتنا الحاضر- شعب الله المختار، وما سواهم حشرات ينبغي أن يبادوا من الوجود، ومن أجل هذا الهدف صاروا يشعلون الحرب بين أبناء البلد الواحد، لأجل أن يضمنوا لأنفسهم البقاء.

    1.   

    استضعاف فرعون لبني إسرائيل وخروجهم من مصر مع موسى عليه السلام

    عاش بنو إسرائيل على هذا النحو إلى أن ذهب الملك وجاء بعده فرعون، وهو لقب لحاكم مصر، فأذاقهم سوء العذاب، وجعلهم عبيده، وسخّرهم في خدمة البيوت، وأذلّهم ذُلاً ما بعده ذُل، حتى أنهم كانوا في مصر يُسمونهم بالعبيد، يقول موسى لفرعون: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [الشعراء:22]، يعني: جعلهم عبيداً بعد حياة التمكين والرفعة، وهذه سنة الله في الذي كفر بنعمته، فالله يعطي النعم ويسبغها على العباد ليشكروه لا ليكفروه، لكن شأن هؤلاء القوم أنهم كفروا بنعم الله عز وجل.

    يقول ربنا سبحانه -وهو موضوع اللقاء-: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [البقرة:54]، تبدأ قصة عجل بني إسرائيل بعد أن خرجوا من مصر، من ذُل فرعون واستهانته، وبعد أن أرسل الله إليهم موسى عليه السلام، فأخذهم وخرج بهم من مصر في معجزة سجلها القرآن: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [البقرة:49]، وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ [البقرة:50]، وفي سورة الشعراء: وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي [الشعراء:52]، والمراد (بعبادي): بنو إسرائيل، والإسراء هو: السير ليلاً، فخرج بهم موسى بسحر وفرعون نائم، ثم قال تعالى: إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ [الشعراء:52]، فاستيقظ فرعون في الصباح فوجد البلاد خالية من بني إسرائيل، إذاً نستعبد من؟ ومن سيخدمنا؟ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ [طه:78]، وقال تعالى: فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ [الشعراء:60]، أي في الصباح بعد شروق الشمس، ثم قال تعالى: فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ [الشعراء:53]، فالفراعنة في كل الأزمنة والعصور لغتهم واحدة، وقاسمهم المشترك واحد، فأرسل فرعون إلى زبانيته وبطانته: أن اجمعوا الجنود، واجمعوا القوة، ثم قام فيهم خطيباً: إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ [الشعراء:54]، أي: فئة قليلة خرجت عن الشرعية، وحفنة تريد أن تشرّع للأمة شرعاً غير شرع الأسياد، غير مشروع الشرق الأوسط الكبير، أتدرون أن أمريكا تعد قرآناً جديداً للأمة يسمى: (الفرقان الأمريكي) وهو باللغة اللاتينية، إنهم يريدون أن يبدلوا كلام الله، والأمة لا زالت في حالة سبات وغفلة، نسأل الله العافية.

    ثم قال تعالى: وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ [الشعراء:55-56].

    ويقول ربنا سبحانه: فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ [الشعراء:63]، فأحاط بهم فرعون وجنوده من كل جانب، يميناً ويساراً وخلفاً، وأيقنوا بالهلاك، فجنود فرعون عن يمينهم وعن يسارهم ومن خلفهم، والبحر من أمامهم، قال تعالى حاكياً عنهم: قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ [الشعراء:61]، أي: سيدركنا فرعون وجنوده، وهنا يقول الواثق بربه: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء:62]، إيمان وثقة ويقين بنصر الله، وهذا هو الذي ينقص الأمة اليوم، إذ تعلم أن ربها لا يغفل ولا ينام سبحانه، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ [الأنفال:30]، إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنفال:36]، شرق أوسط كبير، شرق أوسط صغير، أنفقوا الملايين بل البلايين، فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال:36]، فهذا الدين منتصر بنا أو بغيرنا، لكن مصيبتنا فيمن يتحدثون بألسنتنا، فيمن ينتسبون إلى جلدتنا، واسمع ولا حرج:

    استضاف مقدم برنامج ديني أستاذة في جامعة الأزهر وسألها: ما رأيُكِ في البنطال للمرأة؟ قالت: هو أستر لها من الحجاب ولا بأس به؛ لأنه ييسر لها الحركة! وأخرى تسأل: ما رأيكِ في المساحيق للمرأة؟ فتقول: لا بأس أن تضع المسحوق الخفيف، و(البرفانات) لتخرج بها، والسجائر غير محرّمة، ثم الاحتفال بشم النسيم جائز، وهم ينفخون فيها ويقولون لها: مفتية العصر! لا إله إلا الله، سكت دهراً ونطق كفراً، يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ [النمل:18]، تتقدم بالفتوى على سلف الأمة، وتظن أنها تحسن صنعاً.

    وحين دخلت المسجد أعطاني أخ ورقة فقرأت فيها: أن عدم قراءة الفاتحة في الصلاة لا يبطلها! والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من لم يقرأ بفاتحة الكتاب فلا صلاة له)، ومفتي الديار يقول بذلك، وهذه المفتية تفتي بأن قراءة الفاتحة في الصلاة لا يهم! إذاً فماذا نقرأ؟! نسأل الله العافية، اختلطت الأوراق في هذا الزمن، وتصدر للفتوى الرويبضة؛ وهو السفيه يتحدث إلى العامة، قراءة القرآن للمرأة بنا يجوز! الله أكبر، هذا الخبل الذي نسمع به من كل مكان وفي كل وقت من هؤلاء، لكن الأمة منتصرة بإذن الله سبحانه، ولو أراد الله لها هزيمة لكان في أول الأمر، وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ ، وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [الأنفال:26].

    واقرأ التاريخ لتعلم أن هؤلاء يتربصون بالدين منذ زمن، فاليهود لا هم لهم إلا أن يقضوا على هذا الدين، وبحول الله وحده فإن الدين ينتشر ويظهر في ديارهم، وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف:21]، يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة:32].

    1.   

    النهاية المخزية للظالمين

    ثم بعد أن ضرب موسى بعصاه البحر انشق البحر، قال بعض المفسرين: انشق البحر إلى شقين، وقال سبحانه: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا [طه:77]، أي: بدون ماء، لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى [طه:77]، فنزل موسى مع بني إسرائيل البحر يريدون أن يفروا من فرعون إلى الشاطئ الآخر في معجزة خالدة رأوها بأعينهم، فجاء فرعون بجنوده ونزلوا بكل ما يملكون من عدة وعتاد، وقال فرعون لجنوده: لا تأبهوا به، فإنه ساحر يخيل إليكم أن البحر قد انفلق أو أن هناك بحراً، فهيا بنا، والرعية تصدّق، وهذه مشكلة، فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف:54]، أي: يقول لهم: لا بحر، فيقولون: نعم لا بحر، فنزلوا، يقول ربنا سبحانه: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ [طه:78]، فجاء الموج الذي ارتفع كالحائط عالياً وأطبقه الله على فرعون وجنوده، فأغرقهم ولم ينج منهم أحداً، ونادى فرعون: آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ [يونس:90]، آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ [يونس:91] فاتعظوا يا فراعنة الأرض بما حصل لفرعون الأكبر.

    وحال بني إسرائيل أنهم لم يصدقوا أن فرعون قد غرق، فقال الله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس:92]، فأمر البحر فألقاه خارجاً في مكان مرتفع، ثم نظروا إليه فإذا به فرعون، ثم بعد عبورهم دخلوا إلى سيناء، ولا زالت أقدامهم مبتلة بالماء لم تجف بعد، فمروا على قرية فيها أقوام يعكفون على أصنام لهم، فقالوا: يَا مُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف:138] ! فهذا هو دأب بني إسرائيل.

    1.   

    تعجيل المؤمن بالطاعة

    ثم أمرهم الله بدخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم دخولها مع موسى، قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا [المائدة:24]، فيها قوم من العماليق جبّارين، لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا [المائدة:24]، فوعظهم فإذا بهم يقولون: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، فكتب الله عليهم أن يتيهوا في الأرض أربعين سنة لا يعرفون مخرجاً، وتاهوا في التيه العظيم، ثم من الله عليهم بالمن والسلوى.

    وبعد عبورهم إلى سيناء وعد الله موسى ثلاثين ليلة، ثم أتمها بعشر: وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [الأعراف:142]، وفي سورة البقرة: وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ [البقرة:51].

    فخرج موسى إلى جبل الطور بوعد من الله بعد صيام واعتكاف وطاعات وقرب، فقال الله له: تعال يا موسى مع قومك من بني إسرائيل، هم يقتربون من جبل الطور وأنت تصعد إلى أعلى الجبل، حتى يكلمك ربك ويوحي إليك بالتوراة التي فيها هدى ونور لإصلاح بني إسرائيل، وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأعراف:145]، وكان موسى قد قال لقومه: سأذهب للقاء ربي ثلاثين يوماً -ولم يقل: أربعين؛ لأن الله زاده عشرة بعد أن ضرب له ثلاثين- ثم أنتم تأتون في أثري مع أخي هارون، فقال الله له: وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى [طه:83]، أي: لماذا تركت وتعجلت قبل بني إسرائيل؟ فهم إذا غبت عنهم ينحرفون عن الطريق السوي، فقال: هُمْ أُوْلاءِ عَلَى أَثَرِي [طه:84]، أي: هم سيقدمون خلفي مع أخي هارون، وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى [طه:84]، إنه تعجيل بالطاعة، لكن حال بعض الناس أنه يسوف، فإذا قلت له: صل، رد عليك: بعد أن أنتهي من التعليم، وإن قلت لامرأة كاشفة: تحجبي، ترد عليك: بعد أن أُخطب أو بعد الزواج أو بعد الإنجاب! تسويف، فالشيطان يسوّف للإنسان ويمهله، ولا يدري متى سيموت؟ فعجّل بالطاعة على التو، ولا تسوف أبداً.

    أخرج البخاري في صحيحه في كتاب الزكاة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر بأصحابه يوماً، فسلّم ثم تخطى الرقاب مسرعاً، وكان عادته أن يجلس بعد الصلاة قليلاً ليقول أوراد ما بعد الصلاة، وفي هذه المرة لم يجلس وإنما قام مسرعاً وتخطى الرقاب ودخل إلى حجرته، ثم أتى بعد قليل والقوم يتعجبون فقال: (لعلكم تتساءلون ما الذي صنعت؟ إني وأنا أصلي تذكرت تبراً -يعني: ذهباً- من مال الصدقة فخشيت أن أُقبض فيسألني ربي عنه).

    فتأمل إلى فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إذ إنه لم يؤجل حتى يأتي بأوراد الصلاة التي تأخذ وقتاً قليلاً جداً، فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا [النساء:78] فالنبي خرج مسرعاً ليأتي بالذهب الذي جمعه من مال الصدقة لينفقه على الفقراء، وحالنا اليوم مجرد شعارات.

    وجاء في الحديث الصحيح أنه (كان يمر على النبي صلى الله عليه وسلم الهلال والهلالان -يعني: الشهر والشهران- ولا يوقد في بيته نار)، أي: أن طعامه التمر والماء، ونحن اليوم نتحدث عن الزهد وبيوتنا ملأى بالطعام، وليس معنى ذلك عدم الجواز، ولكن انظر: فقد دخل عليه عمر وهو ينام على الأرض عليه الصلاة والسلام، فرأى الحصير قد أثر في جنبه، فقال: (يا رسول الله! ملوك الفرس والروم ينامون في بروج مشيدة وأنت تلتحف الأرض يا حبيب الله، فقال: يا عمر! هؤلاء قوم عُجّلت لهم طيباتهم في الدنيا، ونحن أُجّلت لنا طيباتنا إلى يوم القيامة)، إنه التقلل من متاع الدنيا الزائل، والتقلل من زخرفها، وهذا هو صنيعة الأتقياء، وهذا هو طريق الزهاد الأوائل.

    يا عبد الله! حينما نقول هذا قد يغضب البعض، لكن ليغضب من يغضب، فهذا هو الدين، وهذا هو الإسلام، وهذه هي النصوص الصحيحة التي ترسم لنا حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    السامري والعجل

    وبينما موسى عليه السلام على جبل الطور في الميقات يكلم الله ويكلمه الله -والكلام معلوم والكيف مجهول- وكان بنو إسرائيل عند خروجهم من مصر قد أخذوا الذهب من المصريين القدامى، وكان أمانة عندهم، فمن متى هؤلاء أمناء؟! فهم يستحلون الأموال والنهب والسرقة، إذ فكر السامري بفكرة شيطانية، ففكر أن يجمع منهم هذا الذهب، وأن يجعله في حفرة حتى يتخلصوا من هذه الأوزار، ثم يوقد عليه ناراً، ثم يأتي بتراب من أثر جبريل عليه السلام كما يقول جمهور المفسرين، فيلقيه على الذهب المصهور في النار، ويصنع لهم بذلك عجلاً، ولذلك ربنا يقول: وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ [طه:87]، أي: حُمّلنا أوزاراً من ذهب المصريين القدامى، فأردنا أن نتخلص منه، وكان هذا العجل يدخل الهواء من فمه ويخرج من دبره فيحدث صوتاً مرتفعاً أشبه بالخوار.

    ثم قال لهم السامري : هذا هو إلهكم، وهم يهتفون ويسجدون ويركعون عنده، فهؤلاء هم اليهود، وهذا هو تاريخهم، وانقسم بنو إسرائيل إلى فريقين: فريق لا يعبد إلا الله وحده، فقاموا بالنصح والإرشاد للفريق الآخر، وفريق قالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، ليبين لنا حقيقة هذا العجل.

    ونبي الله هارون عليه السلام ضعيف بين هؤلاء القوم، ولذلك لما جاء موسى وأخذ برأسه وبلحيته وقال: لماذا لم تتبعن إذ رأيتهم ضلوا؟ لِم لم تُنكر عليهم ما فعلوا؟ فرد عليه هارون قائلاً: ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأَعْدَاءَ [الأعراف:150]، أي: يا موسى أنا لم أسلم لهم بذلك، بل قد أنكرت عليهم، وكادوا يقتلونني ويفتكون بي استضعافاً، ولكن الله عز وجل سلّم.

    ولما علم موسى صدق أخيه قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي [الأعراف:151]، وفي سورة طه لما عاد موسى من ميقات ربه، قال له ربه: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ [طه:85]، والسامري بماذا أضلهم؟ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ [طه:88]، أي: صوت، فلما رجع موسى ورأى حال قومه من عبادتهم للعجل ألقى الألواح وأخذ بلحية أخيه، فقال أخوه: يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي [طه:94]، فهارون كان له لحية، وفي هذا دليل على أن اللحية من صفات الأنبياء والمتقين، أما نحن اليوم فنجد عندنا من يقول: إن حلق اللحية لمصلحة الدعوة يجوز، فاخسأ وادخل الجحر، قل: أنا ضعيف، أنا مستكين، لكن أن تقول: أحلق اللحية لأجل مصلحة الدعوة! فمصلحة الدعوة بريئة منك، وما رأينا في سلفنا من الصحابة والتابعين وتابعيهم رجلاً حليقاً أبداً، ففي مكة -في مرحلة الاستضعاف وقريش تؤذيهم- ما اجتمع النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه وقال: احلقوا اللحى لأجل مصلحة الدعوة! إن هؤلاء القوم يتخبطون، وعندهم الغاية تبرر الوسيلة، فيركبونها وإن لم تكن مشروعة، وقد ركبوها مراراً وتكراراً.

    1.   

    تحريف بني إسرائيل للتوراة

    ثم عاد موسى عليه السلام من ميقاته بعد أن أوحى الله إليه بالتوراة، وكتب له الألواح بيده، فقال تعالى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ [الأعراف:145]، فالتوراة فيها حكم الله، والتوراة بشّرت بسيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، ويا ليتهم يقرءونها، لكنهم حرّفوا الكلام عن مواضعه وهم يعلمون، وجحدوا النعمة وهم يستيقنون، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ [النمل:14]، لذلك حينما زنى رجل يهودي بامرأة يهودية فالحد عندهم في التوراة كالحد عندنا، ألا وهو الرجم، فجاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: (يا محمد -عليه الصلاة والسلام- كيف تجدون حكم الزاني عندكم؟ فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: وما عندكم أنتم؟ قالوا: عندنا التعذيب والجلد، أي: لم يقولوا بالرجم، قال: فأتوني بالتوراة، فجاءوا بالتوراة فقرأ أحدهم فوضع يده على حكم الرجم، وعبد الله بن سلام كان حبراً من أحبارهم يعرف مداخل التوراة ومخارجها، فقال: ارفع يدك يا خبيث، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة أن حكم الزاني المحصن الرجم، فأنزل الله في القرآن: وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ [المائدة:43])، فالتوراة فيها حكم الله، لكن القوم حرفوا الكلم عن مواضعه، ووضعوا فيها ما لذ وطاب، وابن حزم الأندلسي ومن قبله فيلسوف يهودي يسمى اسبنوزا -لعنوه وطردوه من معابدهم- أثبتوا لهم أن التوراة بعد موت موسى قد حرفت، وأدلة تحريفها واضحة للأعمى الذي لا يرى، وللأصم الذي لا يسمع، فهي واضحة كالشمس في وضح النهار، وهل هناك كتاب ينزل من السماء فيه أن نبياً يزني بابنته إلا في توراة اليهود؟! وهل هناك شرع ينزل من السماء يدعو إلى الزنى والفاحشة إلا في توراة اليهود؟! لكن القوم ليس عندهم حياء ولا كرامة، ولهذا أقول: لما عاد موسى عليه السلام ووجد القوم يركعون ويسجدون للعجل أخذه الغضب، وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره من لحيته، ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح، وظل ينكر عليهم ويعظهم، وأرادوا أن يتوبوا إلى الله، لكن ماذا كانت توبتهم؟

    هذا ما سنبينه في الخطبة الثانية إن شاء الله.

    أقول هذا القول، وأستغفر الله.

    1.   

    توبة بني إسرائيل من عبادة العجل

    الحمد لله رب العالمين، غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ [غافر:3]، لا إله إلا الله رب العرش الحليم، كل يوم هو في شأن، يرفع أقواماً ويضع آخرين، يغني فقيراً ويفقر غنياً، ويصح مريضاً ويمرض صحيحاً، سبحانه وتعالى عما يشركون.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله.

    أما بعد:

    فوعظهم موسى عليه السلام موعظة بليغة، فأرادوا أن يتوبوا إلى الله من عبادتهم العجل، فاختار موسى منهم سبعين رجلاً، من أعبدهم وأزهدهم، ومن الذين لم يعبدوا العجل، ليذهبوا معه إلى الطور وليعتذروا إلى ربهم ويتوبوا إليه مما صنع القوم، قال تعالى: وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا [الأعراف:155]، أي: جاء موسى مع السبعين من خيارهم، وانظروا إلى خيارهم ما إن سمعوا الكلام من الله إلى موسى، وأنار جبل الطور بكلام رب العالمين، ودخل موسى في حوار مع ربه، فإذا بهم يقولون: يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [البقرة:55]! وهم خيار اليهود، عند ذلك تزلزل بهم الجبل، ونزلت عليهم صاعقة من السماء فأماتتهم جميعاً عن بكرة أبيهم إلا موسى عليه السلام، وظل موسى يقول لربه: يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل؟ يا رب أتوسل إليك بإيماني بك، وبدعوتي إليك، بحبي إياك أن تحيي لي هؤلاء القوم مرة أخرى، وظل موسى يتضرع إلى الله ويتوسل إليه بعمله الصالح، فأحيا الله له السبعين مرة ثانية، وكان الواحد منهم يحييه الله بعد الآخر، فالأول أحياه الله ثم ينظر إلى الثاني فيحييه الله، والثاني ينظر إلى الثالث وهكذا، حتى أحياهم الله عز وجل جميعاً، فيا ليت القوم يتعظون، ويا ليت القوم يعتبرون، لكن اليهود هم اليهود في كل زمن وحين.

    لكن لمن نقول ومن يسمع؟ ما زلنا على دائرة المفاوضات مع هؤلاء القردة والخنازير، ولا زلنا نبحث عن السلام معهم، وهم قتلة الأنبياء، وهم الذين ألحدوا في العقائد.

    يا قوم إن اليهود هم اليهود، فلم يتغيروا أبداً، قال الله في وصفهم: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً [البقرة:74].

    كانت قصة عجل بني إسرائيل هي موضوع اللقاء، وللحديث بقية إن شاء الله.

    وختاماً أقول: كفانا عبثاً بدين ربنا، ولعباً بالفتوى والأحكام الشرعية الثابتة المستقرة بنصوص قطعية الثبات والدلالة، أي: أنه لا مجال للاجتهاد فيها.

    إنه من أيام نوقش في المجلس القومي في تونس الحقوق المدنية للمرأة ومن ضمن ما طرح فيه أن الرجل الذي يتزوج بالمرأة الثانية يعرض نفسه للعقوبة التي تصل إلى السجن أو العقوبة المادية، نسأل الله العافية، فربنا أحل وهم يحرمون، فكيف يليق بكم أن تناقشوا شرع ربكم؟!

    الأمر الثاني الذي طُرح للمناقشة: لا بد من مساواة المرأة مع الرجل في الشهادة، بل في كل الأمور، لأن هذا من صميم المساواة، وربنا يقول: فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ [البقرة:282]، فهل هم عمش؟ وهل عندهم عمى حتى ما نظروا إلى هذه الآية؟! ما قرءوها؟ لكن القوم من متى يقرءون القرآن؟ القوم نبراسهم العلمانية هناك يرضعون من عصارتها، لكن الله قيض من عباده من وقف ورد كيدهم إلى نحورهم.

    فيا قوم! كفاكم عبثاً بدين الله، وكفاكم اجتراء على ثوابت الشرع المقررة بالكتاب والسنة، فإن ذلك لن يكون في مصر ولن يكون أبداً، ولن تصبح مصر علمانية، ولن تصبح مصر بلد العلمانيين، إنما نقول لهم: إن مصر ستظل دائماً بشبابها وبإيمانها وبعقيدتها السلفية نبراساً يُحتذى به.

    أسأل الله سبحانه أن يمكن لدينه في أرضه، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذل الشرك والمشركين، اللهم عليك باليهود ومن هاودهم، نسألك نصراً لدينك في مشارق الأرض ومغاربها.

    اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وأمّنا في أوطاننا، اللهم أبدلنا من بعد خوفنا أمناً، ومن بعد ضيقنا فرجاً، ومن بعد عسرنا يسراً، نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، نسألك حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل يقربنا إلى حبك.

    اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، اللهم علمنا من القرآن ما جهلنا، وذكرنا من القرآن ما نُسّينا، نسألك فعل الخيرات وترك المنكرات، اللهم استر عوراتنا، وأمّنا في بيوتنا، وأمّنا في أوطاننا.

    اللهم عليك باليهود فإنهم لا يعجزونك، اللهم انصر الإسلام في كل بقاع الأرض، اللهم عليك بهم وبمن يكيد بدينك.

    اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم يا مثبت القلوب ثبّت قلوبنا على دينك، اللهم استر عوراتنا، اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، واكفنا بفضلك عمّن سواك، اجعل ثأرنا على من ظلمنا، لا تجعل مصيبتنا في ديننا، لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا.

    اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، اللهم اهدنا واهد بنا، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وارزقنا عند الموت شهادة، وارزقنا بعد الموت جنة ونعيماً.

    رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:286]، آمين آمين آمين، وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.