إسلام ويب

رسالة إلى الطبيب المسلمللشيخ : محمد المنجد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الطبيب المسلم داعية إلى الله تعالى، ومجاله يؤهله للقيام بدور كبير في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تصحيح واقع كثير من الناس.. وله مع المريض مواقف لابد أن يعلمها ويعمل بها، وقد ذكر الشيخ بعضاً من هذه المواقف، ثم تكلم عن موقف الطبيب مع المريض المحتضر بشيء من التفصيل، وعقب على ذلك بالكلام عن بعض العمليات الجراحية التي ينبغي على الطبيب أن يعرف أحكامها وفقهها، كعملية العقم، والتجميل، وبتر الأعضاء، وعملية التشريح..

    1.   

    من هو الطبيب المسلم؟

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الإخوة.. حديثنا في هذا اليوم -إن شاء الله- عن بعض الأمور المتعلقة بالطبيب المسلم.. سنتكلم عن الطبيب المسلم، وسنتعرض من خلال كلامنا في هذا الموضوع لموقف الطبيب المسلم من المريض ومن المحتضر، وبعض النقاط المهمة التي تحصل -أحياناً- في المستشفيات وفي غرف العمليات، وبعض العمليات الجراحية، وقضايا تتعلق بجهاز الإنعاش، وبعض الأمور المتعلقة بعلاقة النساء والرجال داخل المستشفيات.

    والكلام عن صفات الطبيب المسلم كلام طويل، ولكن لن نتطرق إليه بالتفصيل في هذه المحاضرة، بل سوف تكون محاضرة عامة أشبه بجمع بعض النقاط التي تصادف الإخوان الأطباء والطبيبات في المستشفى، فبادئ ذي بدء أقول لكم أيها الإخوة: إن الطبيب المسلم ليس هو ذلك الإنسان الذي أخذ الشهادة، أو درس مجموعة معينة من الكراسات في علم الطب في أي حقل من حقوله؛ حتى حصل على تلك الورقة التي تخبر وتثبت بأنه وصل إلى الدرجة الفلانية في حقل الطب، وإنما الطبيب المسلم حقيقة هو داعية إلى الله عز وجل بالدرجة الأولى، وإن المجال الذي يعمل فيه الطبيب المسلم يؤهله للقيام بدور كبير في الدعوة إلى الله عز وجل، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي تصحيح واقع كثير من الناس.

    والداعية إلى الله -عموماً- قد يواجه في المجتمع بصدود كبير، وبمقاومات عنيفة، وعوامل كثيرة تجعله لا يستطيع أن يوصل ما يريد إيصاله من الأفكار الإسلامية الصحيحة إلى الناس، ولكن الطبيب عنده فرصة ذهبية لا تكاد توجد لغيره، وهذه الفرصة أنه الآن يتعامل مع شخص في حالة ضعف، والشخص عندما يكون مريضاً أو على وشك الموت؛ فإنه يكون في حالة من التقبل لتقوية صلته بالله أكثر من أي شخص آخر، وهنا تبرز قضية الجانب الإيجابي الذي يتمتع به كثير من الأطباء، والذي لا يوجد لغيرهم من المسلمين الذين يقومون بالدعوة إلى الله في أماكن أخرى.

    1.   

    موقف الطبيب المسلم من المريض

    في البداية -أيها الإخوة- سنتحدث عن موقف الطبيب المسلم من المريض.

    تصبير المريض وجعله يرضى بقضاء الله

    الحقيقة أنه عندما يوجد أمامك مريض فهذه فرصة كبيرة لتعليم هذا المريض أشياء كثيرة جداً، وستصادف بطبيعة الحال كما ترى أنت في الواقع العملي أكثر مما أراه أنا أو غيري، سترى فرصة للتصحيح ينبغي أن تستغلها، فمثلاً: ينبغي للطبيب المسلم أن يذكر المريض بالرضى بالله عز وجل وبقضاء الله، ويذكره بمثل حديث: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير...) لأن المريض قد يكون في حالة من اليأس والقنوط، ويحس مع تزايد الألم ومع وطأة المرض عليه بأنه في حالة قد لا يشفى منها وقد يقنط من رحمة الله، والشخص في الحالة الطبيعية قد لا يأتي في نفسه هذا اليأس، ولكن الشخص في حالة المرض وتحت وطأة المرض قد يوجد عنده هذا الإحساس، وأنت -يا أخي- بصفتك طبيباً وأنتِ بصفتك طبيبة لا بد من استغلال هذه الفرصة لوضع الدواء الإسلامي الناجح؛ لتبيين قضية الرضى بقضاء الله، ومساعدة المريض بالألفاظ الطيبة التي تصبره على ما يعيشه من المحنة ومن التعب النفسي والجسدي.

    وقد يتسخط بعض المرضى، وقد يسبون المرض أو أعراض المرض، ولكن عندما نرى هذا الحديث في صحيح الإمام مسلم ، عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أم السائب فقال: (ما لك تزفزفين؟ قالت: الحمى، لا بارك الله فيها. فقال: لا تسبي الحمى؛ فإنها تذهب خطايا بني آدم كما يذهب الكير خبث الحديد) كما أن هذا الفرن الحار وهذه النار الحامية تذهب الخبث أو الشوائب في الحديد حتى يخرج معدناً صافياً نقياً، كذلك هذه الأمراض تنقي المريض من الخطايا، فأنت إذاً تفتح له باب الأمل، وتفتح له باب رحمة الله، وتقول له: رب ضارة نافعة، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وهذه فرصة لمحو كثير من الذنوب والخطايا التي قد لا تمحى إلا بالمرض، لأن كثيراً من توبة الناس واستغفارهم خاطئة فيها خطأ، ولكن إذا جاء المرض يمحو الله به من السيئات ما لا يمحوه بالتوبة والاستغفار.

    وقد يصل المريض إلى درجة أن يتمنى الموت، تجده يصرخ -مثلاً- في الغرفة ويدعو على نفسه بالموت، أو يدعو الله أن يميته تحت هذا الضغط من الألم، فعند ذلك تبين له حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فليقل: اللهم أحيني ما علمت الحياة خيراً لي، وتوفني ما علمت الوفاة خيراً لي) هذه مبادئ أساسية، وهذه الأحاديث -يا إخوة- يمكن أن الشخص العادي لا يجد لها مجالاً عملياً مثل ما يجدلها الطبيب، ولكن أنت بواقعك تستطيع أن تطبق هذه الأحاديث وتعمل بها في الواقع كثيراً.

    العمل مع المرض الخبيث

    وأحياناً يكون مرض المريض خبيثاً، قد يصاب بسرطان أو غيره، فماذا يجب عليك في هذه الحالة؟

    يلجأ كثير من الأطباء إلى إخفاء واقع المرض السيئ عن المريض، وعدم إخباره نهائياً بحالته الصحية، وهذه المسألة مع ما فيها من الإيجابيات حتى لا تسوء نفسية المريض؛ فإنه لا بد -أيضاً- من إخباره بوضع معين حتى يتأهب للموت، قد يكون لم يوصِ بعد، فهو يحتاج إلى أن يوصي مثلاً، وقد يكون رجلاً عنده معاصي كثيرة يريد أن يتوب منها، فأنت لا بد أن تتوسط بين تبيين وضعه تماماً بحيث أنه -مثلاً- لا ييأس، أو بحيث أنه لا يصاب بإحباط، وبين أن تبين له مدى الخطورة التي يستعد بعدها، فلا بد -مثلاً- أن تبين له وتقول له: يا أخي! الأعمار بيد الله، قد يكون هذا المرض مميتاً وقد تشفى بإذن الله، نحن لا ندري، لكن أنت عليك أن تتأهب لملاقاة الله عز وجل في أي وقت.. كلمات تشعر صاحب المرض الخبيث أنه قد يقدم على الله في أية لحظة فيستعد.

    إذاً: السلبية من عدم إخبار المريض نهائياً بحالة المرض الخبيث الذي هو فيه، هي: أن المريض لا يتمكن من القيام بتصرفات معينة، مثل التوبة، ومثل كتابة الوصية، فأنت تتلافى هذه السلبية وتتوسط بأسلوبك الهادئ المتزن بين سلبية إشعاره باليأس كأن تقول: معك سرطان -مثلاً- مفاجأة، وبين أنك تطمئنه تماماً؛ بحيث أن الرجل يظن أنه ليس فيه شيء نهائياً، وأنه سيقوم بعد أيام، وإذا به تفاجئه المنية.

    وصية المريض إلى الطبيب

    وقد يسر المريض للطبيب في حالة الاحتضار بأسرار معينة، وقد يوصيه بوصايا ما يطلع عليها أحد، لكن هذا عندما يجد نفسه في حالة احتضار، فقد يقول للطبيب مثلاً: قل لأبي كذا، أو قل لأمي أو قل لإخواني كذا، أو أوصي بأن يخرج من مالي كذا، أو أني -مثلاً- ظلمت عمالاً معينين، أكد على أهلي بأن يخرجوا حقوقهم أو رواتبهم ... الخ، ففي هذه الحالة لا بد أن ينقل، فإن من مهمات الطبيب المسلم أن ينقل إلى أولاد الميت أو أوليائه بأمانة تامة كل ما أخبره به المريض عند احتضاره، فأنت قد تسمع من الرجل وصايا ما يسمعها غيرك؛ لأنك كنت موجوداً في تلك اللحظة.

    عدم إكراه المريض على الطعام والشراب

    كذلك -أيها الإخوة- حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الصحيح أو الحسن، الذي رواه الترمذي وابن ماجة عن عقبة بن عامر مرفوعاً: (لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله يطعمهم ويسقيهم) فالذي يفكر بمنظور مادي بحت؛ قد يجد أنه لا بد من أن يأكل المريض الطعام كله، أو لا بد أن يلتهم هذه الأطباق كلها، ولكن الحديث يقول: ( فإن الله يطعمهم ويسقيهم ) وبالتأمل وبالتجربة تجد فعلاً أن المريض يتحمل، أحياناً يعيش على مقادير ضئيلة من الطعام والشراب لا يعيش عليها غيره! أو أنه يبقى بحالة معينة على مقادير ضئيلة من الطعام والشراب لا يبقى عليها غيره! وهذا بسبب أن الله يساعده، وعلى قدر البلاء تكون المعونة -كما قال العلماء.

    إذاً: قضية إكراه المرضى على الطعام والشراب ليست مسألة واردة أو محبذة في وضع المريض، ولكن هناك أشياء لا بد منها، مثلاً: هناك سائل معين مغذٍّ في حالته لا بد أن يأخذه، ففي هذه الحالة لا نقول له: اعزل السائل هذا ولا تأخذه لأن الله يطعمه.. بل لا بد من اتخاذ الأسباب.

    زيارة المرضى

    وهنا تذكير في أثناء مرور الأطباء على المرضى في الغرف: أن ينوي الطبيب بإتيانه للمريض أنه يعوده لتحصيل الأجر، فإن بعض الإخوان من الأطباء قد يمر على المرضى بحكم أن هذا عمل، وأنه لا بد أن يقوم بالجولة المعينة على الغرف الفلانية والأسرة الفلانية، وينسى في غمرة هذا العمل أن ينوي في قلبه أنه الآن يمر عليهم ليس فقط لمعالجتهم والتأكد من أحوالهم، أو أن هذا العمل موكل إليه وهذا التوزيع المعين، وإنما -أيضاً- ينوي أن يمر للعيادة لتحصيل الأجر العظيم؛ لأن في عيادة المريض أجراً عظيماً، فعن ثوير عن أبيه قال: أخذ علي بيدي فقال: انطلق بنا إلى الحسن بن علي نعوده، فوجدنا عنده أبا موسى الأشعري ، قال علي لـأبي موسى: عائداً جئت أم زائراً؟ فقال: عائداً. فقال علي : فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من مسلم يعود مسلماً غدوةً إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، ولا يعوده مساءً إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف في الجنة) والخريف هو المخرف، أي: الثمار المجتناة في الجنة، طوال ذهابه وعودته وهو يمشي في خرافة الجنة، في الثمار المجتناة التي تكون له في الجنة.

    فإذاً: لا ننسى تحصيل هذا الأجر، ولذلك نجد بعض الإخوة الأطباء عندهم روح طبية في زيارتهم، فتجده لو مر بمريض ليس بمريضِهِ وليس بمكلف بالمرور عليه، تجد أنه يأتي ويسلم: السلام عليكم، كيف أنت يا أخي؟ هل تحتاج شيئاً؟ وهذه الأشياء ليست علاجاً، فهو لن يعطيه إبراً أو أدوية، وإنما يعطيه كلمات، وقد لا يكون المريض تابعاً لنفس الطبيب، لكن هذه الكلمات ينوي بها العيادة ولن يخسر شيئاً؛ لأنه سيمر بسريره وسرير غيره، فيحصل أجراً عظيماً، فهذه فرص للأجر لكم تستطيعون تحصيلها، ليس كغيركم من الزوار الذين لا يأتون إلا جزءاً من ساعة معينة في اليوم، وقد لا يأتي يومياً، وأنت يومياً تستطيع أن تكسب هذا الأجر.

    الاهتمام بالأحكام الشرعية التي تهم المريض

    كذلك من الأمور المهمة بعلاقة المريض بالطبيب والتي يحصل فيها غفلة كبيرة: الاهتمام بالأحكام الشرعية التي تهم المريض، مثل: قضايا الطهارة، استقبال القبلة، وكيفية الصلاة، فإن كثيراً من المرضى ونتلقى أسئلة كثيرة جداً عن بعض المرضى يقول: تركت الصلاة بالكلية فترة المرض؛ لأني لم أكن أظن أن الصلاة تجب علي في تلك الحال! أو يقول: إن البول يخرج مني باستمرار في أثناء وجودي، أو إن عندي مرضاً معيناً لا أستطيع أن أتطهر، وقد لا أستطيع أن أذهب إلى دورة المياه للإخراج، وقد أخرج في سريري وأنا جالس، وقد تتلوث الأغطية بهذه النجاسات، فكيف أصلي؟!

    والطبيب يرى بعينه حالة المريض، فينبغي له أن يتفقه في أشياء.. كيف يصلي المريض؟ كيف يتطهر المريض؟ ما معنى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]؟ إذا كان لا يستطيع أن يصلي إلا بالنجاسة في ثيابه يصلي بالنجاسة في ثيابه.. إذا لم يقدر على أن يتوضأ ولا أن يؤتى له بالماء ليتوضأ يساعده الطبيب بأن يأتي له -مثلاً- بعلبة من الرمل أو التراب النظيف حتى يتيمم عليه، ينبغي أن يكون بجانب كل غرفة مرضى إناء من الرمل أو التراب بدل إناء الزهور هذا الذي قد لا يكون له فائدة؛ حتى إذا طلب المريض شيئاً وما يستطيع أن يتوضأ يأتي له الطبيب بهذا الإناء من الرمل يضرب عليه، ويمسح ظاهر كفيه ووجهه، فقد صار الآن طاهراً يؤدي الصلاة، وإذا استطاع الطبيب أن يوجهه إلى القبلة وجهه إلى القبلة، إذا لم يقدر على أن يتحرك نهائياً وبعض الأجهزة متصلة به فيصلي على حسب حاله ولو إلى غير القبلة، ويشرح له الطبيب أنه يجوز له الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء؛ لأنه من أصحاب الأعذار.

    إذاً: لا بد أن يكون لك موقف يا أخي، لا تقل: أنا عملي أنني فقط أحط السائل، وأرى لهذا، وأعالج وأكشف.. لا، أنت ترى الآن مسلماً أمامك لا يعرف كيف يصلي، لا يعرف كيف يعبد الله، ومن المهم أن يبقى الإنسان المسلم متصلاً بالله في الصلاة وغير الصلاة وبعض الأطباء يقول: ليس لي دخل، أنا ما علي من صلاة، هذه بينه وبين الله.. نعم. بينه وبين الله، ولكن أنت تستطيع أن تقدم شيئاً، تستطيع أن تساعد، تستطيع أن تغير، ليس هناك مشايخ وعلماء في المستشفيات يبينون للمرضى، ولو وجد قد لا يستطيعون الدخول في كل وقت، فأنت تبين للمرضى كيفية الطهارة والصلاة بالنسبة إليهم، وهناك نشرة لطيفة كتبها الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين في كيفية طهارة المريض وصلاته، صفحة أو صفحتين تقرؤها وتحفظ ما فيها وتنتهي القضية.

    كذلك -مثلاً- إذا أغمي على شخص في عملية كيف يقضي الصلاة مرتبة عندما يقوم؟ تشرح له وتقول: لقد أغمي عليك -مثلاً- من الساعة الفلانية إلى الساعة الفلانية، من الوقت الفلاني إلى الوقت الفلاني، لقد فاتك كذا وكذا من الصلوات، فأنت تبين له ما هي الأشياء التي فاتته من الصلوات لكي يقضيها.

    ما ينبغي على الأطباء في المستشفى التعليمي

    كذلك بالنسبة للأطباء أو الأساتذة الذين في المستشفى التعليمي- والمستشفى التعليمي يتمرن فيه الطلاب على بعض الحالات المرضية التي قد تأتي، قد يجلس التلاميذ أو الطلاب في حالة انتظار للمريض الذي سيأتي، وهم يتلمسون الحالات النادرة، ويتسقطون أخبارها، وإذا جاء واحد بحالة نادرة فزعوا فوراً وأقبلوا ابتهاجاً، المريض مسكين وهم مبتهجون.. وجدنا حالة قلب، حالة قلب! يالله! ويقبلون على الطبيب وهم فرحون مبتهجون، لأنه أتت حالة قلب وأتى ليرى، وكل واحد يريد أن يكشف، وهذا المسكين يئن ويتألم وهذا يتبسم ويقبل فارح لأنه رآه..! فهنا على الأستاذ الدكتور أن ينهى الطلاب عن إظهار الابتهاج بالمريض مراعاة لشعوره.

    وكذلك عند فحص هذا المريض يتجنب أن يظهر أهالي المريض أنه محل تجارب، كأن يقول: تعال اكشف أنت.. وقد يحتاج إلى علاج حتى يسكن ألمه، فيقول: لا، لابد أن يرى هذا كل الطلاب، دعه قليلاً يتألم.. إن شاء الله هذا لن يحدث، لكن من باب التذكير والتنبيه.

    1.   

    موقف الطبيب المسلم من المريض المحتضر

    فإذا وصل المريض إلى مرحلة الاحتضار أو جاءت حالة طارئة إلى الطوارئ وهو الآن في حالة احتضار، فماذا ينبغي على الطبيب المسلم أن يفعل؟

    تلقين المحتضر الشهادتين

    أوائل الأشياء التي تتبادر إلى الذهن والتي جاءت في السنة: قضية تلقين الميت أو المحتضر الشهادة، والرسول صلى الله عليه وسلم كان يأمر بها، وفي الحديث الصحيح أنه عليه السلام عاد رجلاً من الأنصار فقال: (يا خالي.. قل لا إله إلا الله) فالموضوع هو قضية التلقين، أن تقول للمريض: قل لا إله إلا الله، لكن قد لا يقولها هذا المحتضر للمرة الأولى، فأنت تعيدها عليه الثانية والثالثة، لكن بدون أن تضجره، لأنه في حالة النزع يكون مشغولاً جداً بسكرات الموت التي نزلت به، وهي أثقل ما يكون على الإنسان، ومهما كان الطبيب حاذقاً، ومهما رأى مئات الحالات أمامه لا يشعر أبداً بالسكرات التي يحس بها الشخص الذي يحتضر أمامه، ولذلك قد لا يستجيب، وقد يرفض، وإذا كان من أهل الخاتمة السيئة -والعياذ بالله- قد يأبى إباءً شديداً ويبعدك عنه، ولا يرضى أن يسمع منك، لأن الله قد قضى عليه بهذا لأجل عمله، لأن الرجل نفسه لم يكن صالحاً.

    الاتعاظ بحال الاحتضار

    وينبغي عند مشاهدة المحتضرين أن يوجد في نفوس من يرون هذا المشهد الخوف من الله عز وجل، وتذكر الموت وهيبته، ومع كثرة مشاهدة الحالات تصبح القضية في النفس فيها نوع من البلادة، وهناك -أيضاً- نوع من عدم الإحساس تدريجياً لكثرة الحالات التي يراها الإنسان، وهنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (إن للموت لفزعاً) وللموت سكرات، والرسول صلى الله عليه وسلم في مبدأ أمره لما جاءت الجنازة، قام، لأن الموت يفزع، فأنت عندما ترى هذا المفروض أن تكرار الرؤيا لا يحدث عندك تبلداً في الإحساس بحيث أنك لا تدرك ما معك.

    وقد نسمع عن بعض الحالات في الطوارئ، يأتي رجل على وشك الموت ويحيط به الأطباء والناس قد يصيحون، وقد يصيح من حوله أولاده، وتحدث لحظات صمت عند الوفاة، فإذا مات الرجل وذهب به مع أهله وذويه وخرجوا، رجع الأطباء والطبيبات والممرضات والمرضى يضحكون، ويتكلمون، وكأن شيئاً لم يكن، وهم قبل دقائق كانوا يرون رجلاً سيكون أحدهم في مكانه في يوم من الأيام.

    فإذاً نقول: لا ينبغي أن تحدث كثرة الحالات عندنا هذه القسوة في القلب، وينبغي للإنسان أن يستشعر مهما كان.. هذا الرجل يعاني من سكرات الموت، وملائكة الموت تنزل به، قد تكون ملائكة رحمة وقد تكون ملائكة عذاب، ولذلك الطبيب لا يشتغل وهو ساكت صامت كأنه أغلق فمه، وإنما يطلب من الله أن يعينه ويعين المريض، ويسأل الله أن يرحم المريض وأن يثبت هذا المحتضر، ويسأل الله له حسن الخاتمة لو مات، ويدعو له، وتلك اللحظات فيها أشياء لا توجد في غيرها، وأنت قد تعاصر أشياء لا يعاصرها غيرك، ولا يعيش فيها غيرك، من ذلك -مثلاً- أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حضرتم الميت فقولوا خيراً فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون) والطبيب يحضر مرضى ويحضر موتى، بإمكانه أن يقول خيراً وأن يدعو خيراً؛ فعليه أن يستغل هذه الفرصة، ولا يقف صامتاً مجرد أنه يعمل الآن بيديه ويراقب وهو مشغول عن الموت وعن الدعاء، وعن سكرات الموت، وعن التأثر، وأن قلبه قد تحجر، وقد لا يذرف دمعة واحدة مهما رأى من الموتى.

    موقف الطبيب إذا أبى المحتضر أن ينطق الشهادتين

    نعود إلى المسألة فنقول: لو أنك خشيت إذا أمرت المريض بأن يقول: (لا إله إلا الله) أن يضجر؛ فعليك أن تقولها أنت بلسانك حتى يحاكيك ويستجيب لك؛ لأنه قد لا يفهم، في لحظات الاحتضار قد لا يفهم ما تأمره به، فعندما تقول أنت: لا إله إلا الله، وتكررها عشرين أو ثلاثين مرة، قد يستجيب ويقولها، وتكون نهاية خاتمته على لا إله إلا الله.

    ويستطيع الطبيب أن يساهم في إنقاذ أناس من جهنم إذا أراد الله له ذلك، فيكتب على يديه هداية أشخاص في اللحظات الأخيرة، أو أن يخرجوا من الدنيا بلا إله إلا الله التي قالها لهم الطبيب، وهنا قد يسأل بعض الإخوان سؤالاً فيقول: أتاني مريض في حالة خطيرة جداً إلى الطوارئ، فلو أني قلت له: قل: (لا إله إلا الله)، ثم إنه كتب له الشفاء، فهنا قد يقيم علي دعوى، ويشكوني ويقول: أنت حطمت معنوياتي لما قلت لي: قل (لا إله إلا الله)؛ لأن معناها أنك حكمت علي بالموت..!

    هناك بعض ضعفاء العقول والإيمان يقولون هذا، فأنت الآن بين نارين: إذا قلت له: قل: "لا إله إلا الله" قد تحدث هذه السلبية، وفعلاً -إذا أردنا أن نكون متجردين- قد تضعف نفسية الرجل ويقول: معناها أني سأموت. لكن في الجانب الآخر لو لم تقل له هذا الكلام فيمكن يموت ويخرج من الدنيا وما قال: (لا إله إلا الله) وتكون قد فوت عليه فرصة عظيمة لا يمكن أن تأتي إلا على يديك؛ ففي هذه الحالة ينبغي أن يكون الطبيب لبقاً، وأن يقول له -مثلاً- إذا أتى إليه واحد في حالة خطيرة: اذكر الله يا أخي، اذكر الله، واستعن بالله، وعندما تقول لأي واحد من العامة: اذكر الله.. ماذا يقول في العادة؟ سيقول: (لا إله إلا الله)، فإذاً: أنت حللت هذا الإشكال، فممكن أن تقول: اذكر الله يا أخي، فسوف يقول: (لا إله إلا الله) فتنتهي المشكلة، وتقول له: أنت الآن لا بد أن تستعين بالله في وضعك هذا. فيقول: (لا إله إلا الله). فلو مات انتهت القضية، وخرجت بسلام.

    موقف الطبيب من المريض الكافر

    وإن كان المريض كافراً فينبغي للطبيب أن يدعوه إلى الإسلام؛ لحديث أنس رضي الله عنه قال: (كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم، فمرض، فأتاه يعوده فقعد عند رأسه فقال: أسلم. فنظر إلى أبيه، فقال له -أي: الأب- أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم. فأسلم ومات فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)

    وهنا نذكر بالمشكلة الحاصلة في نفوس الكثير من المشتغلين في حقل الطب: وهي مشكلة الفصل بين واجبات المهنة وواجبات الدين.. فقد يقول الواحد: ماذا علي منه أن أدعوه إلى الإسلام وأدعو له، الله يقول: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6] ويستشهد بآيات على ما يسوغ له، ويأخذ من القرآن ما يريد ويدع ما يريد، وهذه الآية: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6] هل معناها أننا ما ندعوهم إلى الإسلام؟

    الرسول صلى الله عليه وسلم دعاه إلى الإسلام وقال: (الحمد لله الذي أنقذه بي من النار) وهذا كافر أمامك، لقنه، قل له بالإنجليزي، اشرح له إذا لم يكن يفهم بالعربي، قد تكسب أجراً عظيماً: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)

    إذاً: الإخوان الذين يقولون: نحن أطباء ما لنا علاقة بالقضايا الإسلامية أو بقضايا الدعوة إلى الله، وهذه القضية عمل المشايخ وأئمة المساجد والدعاة، نحن أطباء لنا الجانب الطبي، والجانب العلمي...!! تقول: من قال: إن المسلم إما أن يكون طبيباً أو مهندساً أو شيخاً أو قاضياً وليس له علاقة بالأمور الأخرى؟ إذا كان الأطباء من النصارى يذهبون في بعثات تبشيرية ولا يعطون الرجل الدواء حتى يشهد للصليب ويؤمن به، وغالب البعثات التبشيرية من الأطباء، أولئك على باطل يستغلون الطب ويستغلون المرضى ويستغلون الموتى بنشر الأباطيل النصرانية، ونحن -يا أهل الإسلام ويا أهل الحق- نأتي ونقول: ما لنا دخل نحن الأطباء..! هذا وأنت لم تذهب إلى أدغال أفريقيا ولن تسافر إلى أمكنة بعيدة كما يضحي أهل الباطل، أنت قد جاء إليك في المستشفى، أما ذاك فإنه يذهب ويقطع آلاف الأميال، ويهجر الأهل والبلد والأولاد، ويتغرب عن الوطن لكي يدعو إلى الباطل، ويستغل الطب، ويقولون له: ما نعطيك إلا كذا، أو يقولون له مثلاً: هذا من يسوع، وهذا ما أدري ممن... وأنت أخونا في الله جالس وتقول: أنا ما لي علاقة بالدين..!

    واجب الطبيب المسلم بعد وفاة المريض

    فإذا مات فإنك تغمض عينيه، ومن علامات الوفاة أن البصر يصعد إلى الأعلى، فتجد الرجل الميت أو الميتة يشخص ببصره إلى الأعلى.. لماذا؟ لأن الروح تسحب من الأعلى، والروح كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم تخرج من أسافل القدمين والأجزاء التي تليها حتى تصل إلى الحلق فعند ذلك يغرغر، ثم تسحب من رأسه من جهة الأعلى؛ ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إذا قبضت الروح تبعها البصر) ولذلك تجد الموتى يشخصون بأبصارهم إلى الأعلى؛ لأن الروح تسحب إلى العلو، فيكون منظره مخيفاً أو مرعباً.. فعند ذلك يسن أن تغمض عيناه، وكذلك يغطى بثوب يستر جميع بدنه، وهذا قبل الدفن بعد الموت مباشرة، إذا مات بين يديك غمضت عينيه، وسترته بملاءة -برداء- يستر جميع بدنه.

    وكذلك يعجل بتجهيزه، ويخبر أولياء الميت بسرعة، وإخبار أولياء الميت يتعلق به أشياء: من امرأة قد تحد، وسوف تحد من لحظة وصول خبر الموت إليها، فهناك أحكام تترتب على إخبارك أولياء الميت.. قضايا الاستعجال بالتجهيز والدفن هم سيقومون بها، وهناك مرأة ستدخل في الحداد، وهناك قضايا الميراث، وأشياء كثيرة ستترتب على هذا؛ ولذلك يسرع بإخبار أولياء الميت لكن برفق، ويأتي أحدهم ينتظر ويسأل: ما الخبر؟ فيقول: مات!! فلا بد أن يخبر؛ لأنه تترتب عليه أحكام، لكن بطريقة لطيفة، وعليه أن يتذكر آيات وأحاديث يقولها لأولياء الميت عندما يخرج عليهم من غرفة الإنعاش وقد مات الرجل، حتى يهون عليهم، لا يقول: مات! ويدير ظهره ويمشي، فهناك قضايا هم يسمونها إنسانية لكننا نسميها، (آداب شرعية إسلامية).

    وأحياناً يحصل إهمال فيبقى الميت على سريره وسط المرضى لساعات، والمرضى يعلمون في الغرفة أن الرجل الذي في هذا السرير قد مات، وهذا خطأ كبير أن يحدث هذا، فلا بد من التفقد ومن سرعة الانتباه، وإذا استطعت أن تقدم أشياء كالروتين حتى يمشي بسرعة لأن إجراءات الوفاة من أصعب الإجراءات وأطولها يذهب ذلك ويبحث عن الدكتور يوقع له ورقة، وذاك مشغول ذاهب... فأنت داخل في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإسراع في تجهيز الميت.

    وإذا رأيت عليه من علامات حسن الخاتمة شيئاً، كأن رأيت -مثلاً- بياضاً في وجهه أو نوراً، أو رأيت التجاعيد زالت عند موته؛ لأن بعض أولياء الله وبعض الصالحين قد يحدث لهم علامات من حسن الخاتمة، أو أنك شاهدته يتبسم، فمن باب أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالثناء على الميت والإخبار بمحاسنه، فأنت تخبر بهذه المحاسن وتقول لأهله: أبشروا، ميتكم -إن شاء الله- على خير، لقد رأيته تبسم مع أنه مات، لقد رأيت نوراً يسطع بين عينيه. وأنت ما تكذب وتؤلف لكن تخبر بالحقيقة.

    وإن كنت رأيت شيئاً من علامات سوء الخاتمة -والعياذ بالله- قد ترى وجهه قد انقلب أسود وكان أبيض البشرة، وقد تجد له رائحة منتنة حالما يموت، وقد تجد أشياء كثيرة؛ فهذه تستر ولا تنشر بين الناس.

    دور الطبيب المسلم تجاه منكرات الأموات

    وللطبيب -أيضاً- دور في منكرات أهل الميت التي يفعلونها، مثل: النياحة، فقد تخبرهم وتكون أمه أو أخته موجودة أو ابنته، فتصيح وتولول وتزعق، وقد تشق خمارها وتنشر شعرها وتحدث منكرات، فأنت عليك في هذه الحالة أن تبين لهم وأن تنهاهم عن هذا، فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران...) وهو المعدن المصهور المذاب المتناهي في الحرارة، سربال: أي: ثوب يغطيها.. (ودرع من جرب) رواه مسلم فما ينبغي أن ترى هذه النائحة وترى هذا المنكر أمامك وأنت ساكت، ولا بد أن تنكر وتبين وتقول: ما يصلح هذا، اصبروا واعتصموا بالله... وهكذا.

    1.   

    مسائل متفرقة تتعلق بالطبيب المسلم

    وهذه بعض الأحكام أذكرها بسرعة.. لابد للطبيب أن يعرف أحكام النجاسات، ونواقض الوضوء، وحكم لمس عورة المريض والسوائل الكحولية -نجاستها وعدم نجاستها- وكذلك الذين يعملون في المختبرات، لابد أن يعملوا نجاسة العينات والدم، فإن الدم نجس مثلاً، كذلك لا بد للطبيب المسلم أن يتفقه بالإضافة إلى قضايا الطهارة التي يحتاجها في أثناء عمله في أحكام الصلاة، وجمع الصلوات للذين يعملون عمليات طويلة، فإن هذا جائز للضرورة.. الطبيب الآن في غرفة العمليات يعمل عملية ولا يمكن أن يتركها، فنقول: أولاً لا بد أن توقت توقيتاً صحيحاً، فإذا أمكنك أن تعمل العملية بعد أن تصلي الصلاة في وقتها فتعمل العملية بعد أن تصلي الصلاة في وقتها، فإن بعض العمليات يمكن أن تؤجل ربع ساعة أو ساعات ولا يضر ذلك، وبعضها عمليات طارئة لا بد منذ أن تأتيك الحالة أن تشتغل فيها، ففي هذه الحالة يجوز لك أن تجمع الظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء، وتوقت العملية قدر الإمكان بحيث أنك تستطيع أن تجمع، لا تأتي -مثلاً- وتبدأ العملية بعد العصر أو قبل العصر وأنت ما صليت العصر ولا جمعتها مع الظهر للضرورة، ولن تنتهي العملية إلا بعد المغرب ولا يمكن الجمع الآن فقد ذهب وقت الصلاة، ولن تؤديها لا جمعاً ولا أداءً؛ فينبغي أن ترتب المسألة قدر الإمكان.

    الطبيب المسلم داعية إلى الله

    الطبيب -أيها الإخوة- أيضاً إنسان ناصح، وإنسان داعية، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، لا بد أن يكون له موقف من بعض المرضى بأسباب معينة، كأن يتبين لك أنه مريض بسبب شرب الخمر، أو أنه مريض بسبب شرب المخدرات، أو أن هذا المرض الذي فيه من الأمراض التناسلية الحاصلة بسبب الزنا أو اللواط، فبعض الأطباء تأتيه الحالة ويعرف ما وراءها، ويعرف ما هو السبب، وعنده الخبرة من عمليات الاحتكاك ومرور الحالات عليه أن هذه جاءت بسبب كبائر وبسبب فواحش، فلا يأتي ويقول: أنا حدي في الطب أن أقدم له العلاج وذاك يكفيه!!

    أنت الآن تعالجه، وإذا خرج من المرض استعمل الحرام مرة ثانية، فأنت أعنته على المنكر، ولا نقول لك: اتركه مريضاً حتى لا يتمكن من فعل المنكر! لكن نقول لك: بالإضافة إلى تقديم العلاج البدني قدم له العلاج القلبي، قل له: يا فلان! لنكن صرحاء، هذه الحالة تأتي -مثلاً- بسبب فواحش، بسبب كذا، فأنت عليك أن تتوب إلى الله، وأن تتقي الله عز وجل، وقد تأتي المرة القادمة ويمكن ما ينفعك العلاج.

    كذلك الأعراض الخطيرة للمرض لكن ما يذكرها؛ مع أنها قد تمنع المريض عقلاً -لا شرعاً- قد تمنع عقلاً عن ارتكاب الفاحشة، لكن لا يخبره بها فقط، يأتي مريض فيعالج ويذهب، ثم يرجع له في المرة الثانية بمرض ثان، ثم يبدأ يعالجه... وهكذا، هذا الكلام غير صحيح، ينبغي عليك أن تبين له مضاعفة الأمراض هذه بالذات، كالأمراض التناسلية وغيرها، وكذلك أضرار المخدرات والخمر، تبين له الأضرار التي قد تترتب عليها ما لا تبينه لرجل آخر ليست عنده هذه الأشياء؛ لأنه لا فائدة من أنك تهبط من معنويات رجل صالح أتى له مرض فتقول: هذا قد يتطور وقد يتضاعف وقد يؤدي إلى كذا، وهو إنسان صالح، وليس هناك مصلحة من إخباره بالمضاعفات، أما الرجل الذي يرتكب الفواحش، ويشرب هذه الأمور، عليك أن تقول: يا أخي! هذه تؤدي إلى كذا، وفيها مضاعفات كذا وكذا؛ لأنها قد تسبب أن يمتنع عقله، والإنسان قد يكون عاقلاً فيترك من باب أنه لا تؤدي إلى هذا لكي لا يتضرر، وفي نفس الوقت تبين له الحكم الشرعي في المسألة.

    ولا نكون مثل بعض الناس الذين إذا رأوا طبيباً مسلماً وعنده دين وخير ويبين هذه الأشياء، فيأتي طبيب آخر ويقول: هذا غير صحيح، كيف تستغل المهنة في إملاء أفكارك؟! أنت الآن تكلم ماسونياً أو نصرانياً... أتكلم عن أشياء، أنا رجل مسلم، أبين للرجل أخطار هذه شرعاً، وإن أمليت عليه أفكاري واجتهاداتي وأمليت عليه آرائي، وأنا أملي عليه قول الله وقول رسوله، أم ماذا؟

    فإذاً: هذا لا يعتبر استغلالاً، وإن سميناه استغلالاً فهو استغلال في شيء حسن، أنت تستغله في إبعاده عن المنكر، تستغل هذا الشيء في تقريبه من الله عز وجل، ونعم هذا الاستغلال.

    العلاج بالقرآن وذكر الله تعالى ودور الطبيب في ذلك

    كذلك -مثلاً- في حقل الطب النفسي، حقل الطب النفسي فيه أيضاً مجال كثير لإدخال أشياء إسلامية هي فعلاً علاجات وما هي ضحك على الناس، مثل: ذكر الله عز وجل، والتعلق بالله، وصلة المريض بالله والإقبال على الله من أنفع الأمور التي تعالج؛ لأن الله يقول: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [طه:124] ماذا تعني "معيشة ضنكا"؟ أي: شقاء نفسي وتعب، ونفسية سيئة بسبب البعد عن الله عز وجل، وأكثر الأمراض النفسية بسبب الابتعاد عن الله عز وجل، فأنت عندما تقربه من الله عز وجل فهي أيضاً من باب العلاج.

    أيضاً: قضايا الاستشفاء بالقرآن، والله عز وجل يقول: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82] ونعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يداوي نفسه بالقرآن، كانت عائشة تجمع يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وتقرأ فيهما فتمسح بهما رجاء بركة يديه عليه صلى الله عليه وسلم، فإذاً: أنت تعلم المريض استخدم المعوذات، استخدم آية الكرسي، استخدم سورة الفاتحة، يقول ابن القيم رحمه الله: ومرضت مرة بـمكة مرضاً شديداً أقعدني وآلمني، فجاء الأطباء فعجزوا تماماً عن فعل شيء، قال: فشرعت في مداواة نفسي بسورة الفاتحة، فكان لها أثر عجيب، وقمت من مرضي بعد فترة بسيطة!

    والمشكلة الآن أن كثيراً من الأطباء درسوا في الخارج.. فإن المهندس يمكن أن يجلس أربع سنوات، والطبيب يمكن أن يجلس عشر سنوات في الخارج، فالطبيب العادي يتشبع بأفكار الغرب إذا لم يكن عنده حصيلة إسلامية طيبة، ولذلك الغربيون لا يؤمنون بأنك إذا قلت: الحمد لله، قل أعوذ برب الفلق، سوف تشفى، يقول لك: هذا كلام فارغ، إما أن تقدم شيئاً مادياً محسوساً بالتجارب والمختبرات، أما هذا فلا أعترف به، فالذي منزعه ومشربه مشرب غربي، وتفكيره تفكير غربي، لا يؤمن إلا بالمادة وينكر ما وراء المادة، وينكر أثر القرآن، وهذه الأشياء لن تدخل عقله مطلقاً.

    أما أنت -يا أخي- فإنك رجل تأخذ الحضارة الغربية بخيرها وتترك شرها، تأخذ حلوها وتترك مرها، فإذاً: مثل هذه الأمور لها حسبان عندك، أنت تعني قول الله عز وجل: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [الإسراء:82] عندك شيء، أما أستاذك الغربي الكافر قد لا يفهم شيئاً.. فإذاً: هذه مسألة مهمة.

    الطب النبوي وأثره

    أيضاً: مسألة الطب النبوي.. إذا نحن راجعنا بعض كتب الحديث سنجد أن هناك أشياء في الطب النبوي مذكورة، والمفروض أن ينتبه لها، وتعمل عليها أبحاث؛ لأنه قد تكتشف أنت التركيبة التي فيها شفاء هذا الداء.. مثلاً: بالنسبة لمرض العين، لما نقرأ حديث: (إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمدهما بالصبر) أو (اكتحلوا بالإثمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر) أو إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأن في العسل العلاج، وقبل ذلك في القرآن، وإخباره بأن السنا والسنوت من العلاجات، وهي أنواع معروفة من النباتات، ينبت أجودها في أرض الحجاز، ويعرفها العطارون، فإن بعض الأشياء قد لا يعرفها الأطباء، وليس لها مسمى علمي عندهم، لكن هذه الأشياء في الأحاديث عند العطارين معروفة، كالحبة السوداء، وكذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (شفاء عرق النسا إلية شاة أعرابية تذاب ثم تجزأ ثلاثة أجزاء، ثم تشرب على الريق كل يوم جزءاً) شاة أعرابية، مثلاً: خروف نجدي يعيش ويرعى في البر، هذه الإلية تؤخذ وتصهر -تذاب- ثم تقسم إلى ثلاثة أجزاء، وتشرب لمن به مرض عرق النسا فيشفى بإذن الله.. قد يكون هذه الوصف غير معروف طبياً، لكن الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى يعرف هذا الأمر، وقد تجري فيه بحوث، وقد تكون فاتحة أمور طبية.

    مثلاً: ألبان البقر وسمن البقر، والكمأة بالنسبة للعين، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين) يمكن أن ماء الكمأة يستفاد منه، وإذا جرب أحد هذا الأمر حصل له أشياء، فإذاً: هذه أبحاث أريد أن أشير إليها إشارة سريعة، فلابد من الاهتمام بالطب النبوي.

    كشف العورات وحكمها في العلاج

    من الأمور المهمة -أيها الإخوة- قضية العورات.. فإنه عند الفحص وعند العمليات يحدث كشف للعورات، ونحن نعلم حرص الإسلام على ستر العورة، والرسول صلى الله عليه وسلم أخبر في الحديث الصحيح بقوله: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد) رواه مسلم، والإفضاء هو الملامسة متجردين من الثياب تحت فراش أو تحت غطاء واحد، فالشاهد: كل ما حرم الشرع النظر إليه حرم لمسه.. هذه قاعدة، فالشرع يحرم النظر إلى العورات، إذاً: لا يجوز لمس العورة.

    في باب الطب هناك ضرورات معينة، فهنا لا بد من الرجوع إلى أقوال أهل العلم عن الضرورة، وما هي الضرورة التي تبيح المحظورات؟ لأن بعض الإخوان قد يقول: الضرورة تبيح المحظورات، ويفعل أشياء ليست من الضرورات في شيء، ويكون قد ارتكب المحظور بدون حاجة، وكذلك الضرورة تقدر بقدرها، حتى لو وصلنا إلى نتيجة أن هذا الأمر ضرورة فلا يعني أن نسترسل فيه وأن يأخذ الواحد راحته لأنها صارت ضرورة، لا بد أن تقدر بقدرها..

    مثلاً: المرأة لا يجوز أن يفحصها رجل، هذا أمر محرم في الشريعة، وهو معروف ومتفق عليه مهما رأيت من الحالات وتبلد إحساسك في المستشفى، وقد رأيت مئات من هذه الأشياء ومن حالات النساء مع رجال، فيبقى الأمر حراماً لا يجوز، وهو عند الله إثم عظيم.. لكن ما توفرت المرأة المؤهلة لفحص هذه المرأة المريضة.. ماذا نفعل؟ هل نقول لها: تموت، تتضاعف حالتها وتبقى على ألمها..؟ لا، في هذه الحالة نقول: يجوز أن يؤتى برجل ليعالج المرأة، وحتى هذا الأمر فيه ترتيب، فأولى الناس بالعلاج المرأة المسلمة، ثم المرأة الكتابية، ثم الرجل المسلم، ثم الرجل الكتابي أو الكافر، فلا يقدم رجل مسلم على المرأة الكافرة، المرأة الكافرة تعالج مع أنها كافرة.. لماذا؟ لأن الشريعة تحتاط في قضايا الاختلاط، وقضايا الملامسة والنظر إلى العورات احتياطاً شديداً، وهذا الترتيب ذكره أهل العلم.

    وهناك أشياء يتوسع فيها الناس وليست ضرورات، فينبغي لك يا أخي الطبيب ألا تستجيب، أو -مثلاً- أتت امرأة لها حالة غير طارئة، ويمكن أن تبحث صاحبتها عن حل وتجد، وأنت تعلم الحل، فلا يلزم أن تكشف عليها، بل تدلها وتقول لها: المستشفى الفلاني فيه نساء، لأنها ليست ضرورة، لكن لو قال: والله ما وجدنا ولا أي مستشفى، وبحثنا على قدر طاقتنا، فهنا يجوز أن تكشف، وأنت لست مكلفاً بالتنبيش عن الناس، هذه هي شغلتهم ومسئوليتهم، لكن أنت إذا كنت تعلم أن هناك حلاً فالمفروض أنك ما تدخل لكي لا تعين على المنكر.

    مثلاً: بعض حالات العقم.. قد يكون هناك رجل امرأته فيها عقم، أو فيها شيء يمنع الإنجاب، فهذه الآن ليست حالة طارئة؛ فإن من الممكن أن تبحث وتواصل البحث عن امرأة وقد تجد، فليس هناك ضرورة أن يكشف عليها رجل إذا لم تجد امرأة الآن؛ لأنها ليست حالة طارئة، لكن لا يعني هذا أن تبقى طيلة عمرها بدون علاج حتى ترى امرأة.. لا، لكن إن بحثت مع الفترة الزمنية الكافية المقنعة عن امرأة فلم تجد، فلا بأس أن تذهب لتتعالج عند الرجل.

    أيضاً حالات الطوارئ، حتى لو أن هناك أناساً في أماكن أخرى فما يكفيك الوقت أن تستدعي المرأة من بيتها لتقول: تعالي، هنا حالة طارئة، أنت الموجود في الطوارئ، إذاً أنت الذي تشرف بنفسك مباشرة.

    وهنا ننبه إلى مسألة فيها جانب من التضحية مهم جداً، لكن لأنه ليس فيها احتساب للأجر فلا تعطى هذه القضية حقها.. أحياناً تنتهي فترة دوام الطبيبة المناوبة أو المشرفة، أو التي موجود في الجدول أنها في الوقت الفلاني، جاءت مريضة بعد انتهاء النوبة، والموجود رجل، فمن المفروض شرعاً -لله- أن هذه الطبيبة التي انتهت فترة النوبة عندها، لكي لا تحرج أختها المسلمة التي أتت للعلاج، وتضطرها للكشف على الرجل، من المفروض أن تكشف عليها ولو كان خارج الدوام، ولو كانت خارج النوبة، وتحتسب الأجر عند الله، والرجل مثلها، لو رأى رجلاً قد أتى، وأنه الآن سيكشف على امرأة وهي الموجودة الآن في العيادة، فيحاول هو أن يأخذ الدور ويأخذ الرجل ويعالجه، وهذه المسألة نابعة من احتساب الأجر عند الله عز وجل، ونابعة من أنك أنت الآن تحاول ألا يقع المنكر، وبالذات في حالات الولادة التي تنكشف فيها من العورات ما الله به عليم أشياء كثيرة جداً.

    وللأسف أن الغربيين يراعون هذا الأمر؛ فلو أن امرأة في الغرب في المستشفى قالت: أنا لا أريد إلا امرأة، لأتوا لها بامرأة من أي مكان، حرصاً على نفسية المريض، وعلى النواحي الإنسانية، ونحن لأن القضية كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسألة إسلامية وشرعية نضيعها! فهل الكفار أحسن منا في هذا الجانب؟! مع أنهم ما عندهم وازع ديني يدفعهم لهذا، لكن بمجرد أن طلبت المرأة هذا الأمر، نحن عندنا ليس فقط طلب المرأة، عندنا دين، عندنا قانون إلهي نعمل به، فلا يجوز التفريط بسهولة، والله ما هو موجود عندنا إلا يا فلان دبر نفسك.. بعض الناس يجيبون إجابات عجيبة، مع أنه قد يمكن التوفير.

    نعم. إن هذه القضية إدارية أكثر من أنها تتعلق بنفس الطبيب، لكن سددوا وقاربوا، ولا بد من التعاون والتكاتف على إيجاد الحلول، وإذا لم أتحرك أنا ولم تتحرك أنت فما الذي يصلح الأمور؟

    مثلاً: هناك بعض العلميات قد يجرد المريض فيها من ثياب لا يحتاج إلى إزالتها، أحياناً تكون عملية جيوب أو عملية الغدة الدرقية، فما هو الداعي إلى كشف ثياب المريض من الأسفل؟! أو كشف أشياء من المرأة في الساقين والعملية في الغدة الدرقية أو في الجيوب.. لماذا تكشف الساقين؟ أو -مثلاً- من باب أن الضرورة تقدر بقدرها ما الداعي لكشف العورة على عمال النظافة؟

    فالقضية الآن كلها قضية أطباء، فإذا كان الطبيب يريد أن يطلع عليه أن يترك المجال للمريض كي يغطي، فإن بعض الأطباء يهمل المريض، وقد يكون هذا في السرير، فأنت إذا مررت بين الأسرة والعنابر من المفروض إنك إذا رأيت مريضاً قد كشفت فخذه أو جزء من عورته أن تغطيه حتى لو كان نائماً، فإنه قد يكون مخدراً لا يدري عن نفسه، ولو أنه كان في اليقظة لراعى نفسه ولستر عورته، لكنه مسكين مستسلم بين يديك، المفروض أنت الآن الذي تحرص عليه، أحب لأخيك ما تحب لنفسك، هل ترضى أن تكون عورتك مكشوفة والناس يمرون ويجيئون ويذهبون؟ لا ترضى بهذا، فينبغي أن يكون عندك حرص على هذا الجانب، وعلى ستر عورات المرضى وعدم كشفها إلا في الضرورة، وألا يراها الناس الذين ليس لهم علاقة بالموضوع، أو أنهم مستثنون من الرؤية.

    1.   

    بعض العمليات التي ينبغي على الأطباء أن يعرفوا أحكامها

    هناك عمليات معينة ينبغي على الإخوان الأطباء أن يلتفتوا إليها وإلى أحكامها..

    عمليات العقم

    مثلاً العمليات التي تسبب العقم، مثل: عملية ربط المبايض، هناك أشياء ينبغي ألا يلجأ إليها إلا عند الضرورة والخوف على حياة المرأة، وإذا ما وجد علاج آخر أقل ضرراً من هذا، وبالذات إعطاء أشياء لمنع الحمل؛ لأن من مقاصد الشريعة تكاثر الأمة، والطبيب عندما يعطي هذه الأشياء يصادم مقصود الشريعة بتكثير النسل للمسلمين، فعليه ألا يعطي هذه الأشياء إلا في الحالات الضرورية، كأن يخشى على صحة المرأة، فلا يمكن أن تحمل نهائياً، ولو حملت فإنه خطر مؤكد على حياتها، ولا بد أن يوافق الزوج؛ لأن له حقاً في الولد وليست المرأة فقط هي التي لها حق في الولد، فالمسألة إذاً لا بد أن يبحث فيها أيضاً.

    الأدوية التي تخفف الشهوة قد يجوز إعطاء مريض دواءً يخفف الشهوة -مثلاً- حتى لا يجد العنت وحتى لا يقع في شيء، لكن لا يجوز إعطاؤه دواء يقطع الشهوة بالكلية ويجعله عنيناً لا يقوى على الوقاع.

    عمليات التجميل

    أيضاً: عمليات التجميل.. فإن بعض عمليات التجميل مباحة، مثلاً: رجل حدث له حروق فلا بد من عملية التجميل، أو آخر عنده حَوَلٌ ممكن أن يعمل عملية تجميل، أيضاً: سحب الدهن والشحم من البطن، هذه سألنا فيها بعض العلماء فقال: إذا لم تسبب ضرراً فلا بأس أن يسحب الشحم، كذلك إزالة الإصبع الزائدة وبعض الأشياء المشوهة، أو إزالة الوشم، وقد سأل أحد الإخوة عن هذه فقال: أنا عندي وشم، وشمت وأنا ما زلت صغيراً، يقول: والرسول صلى الله عليه وسلم لعن الفاعل لهذا الفعل، فأريد أن أذهب الآن لعملية التجميل، فما حكم إزالة الوشم بهذا؟ فكان جواب الشيخ ابن عثيمين لما سألته عن المسألة قال: يجوز أن يعمل العملية لإزالة هذا المنكر، لأنه فعل منكراً هنا في الجلد، فيجوز له أن يزيله بعملية تجميل.

    لكن لو أتى إليك أحدهم وقال: أريد عملية تصغير الثدي، ووشر، وتفليج، وشد ... إلخ فهنا أشياء فيها تغيير واضح لخلق الله، وليس هناك داع وليس فيه عيب، وقد كان جواب الشيخ ابن عثيمين فيها واضح، حيث قال: هذه مثل التفليج فلا يجوز عملها.

    وليس قصدي أن أطرح لكم أحكاماً تفصيلية في المواضيع بقدر ما أقصد أن أثير هذه النقاط عند إخواني الأطباء والطبيبات حتى يحصل فيها اهتمام وسؤال.

    قطع الأعضاء ودفنها

    كذلك: عملية إسقاط الأجنة.. ما حكم إسقاط الجنين؟ قد تأتي بعض النساء اللاتي يفعلن الفاحشة -والعياذ بالله- وفي بطنها جنين، فتقول: تعال أسقط الجنين.. أيضاً الأعضاء المبتورة، قد تقطع يد، وقد تقطع رجل، إذا كان المرض سرطان، فهذه الأعضاء -كما يقول الشيخ ابن باز لما سألته عن هذه المسألة-: هذه أعضاء محترمة مصانة، لا بد أن تلف ولا بد أن تدفن، إلا الأشياء مثل الأظفار والشعر والمخلفات البسيطة؛ لأن الظاهر الآن أن بعض هذه الأشياء تجمع ويلقى بها في سلة المهملات أو في الزبالة أو في أي مكان، فهنا لا بد أن يراعى (ما قطع من حي فهو ميت) ولا بد أن هذا الشيء يصان ويدفن، ولا بد أن يكون فيها إجراءات، وأنتم بينكم وبين إدارة المستشفى تتواصون بالحق حتى هذه الأشياء لا تذهب هكذا.

    مثلاً: الجنين الذي سقط إذا لم يأخذه أهله أين يذهب؟ إذا كان الجنين قد نفخ فيه الروح فلا بد من معاملته كجنازة كاملة، وأن يدفن في المقبرة، وإذا كان الجنين لم ينفخ فيه الروح أو كان شيئاً بسيطاً نزل فيدفن في أرض، لكن لا يشترط أن تكون مقبرة، لكن لا بد أن يدفن في أرض ولو لم تكن مقبرة، أما إذا كان الجنين لا بد من دفنه، كأن يكون سقط ومات وقد نفخت فيه الروح، فلا بد أن يدفن في المقبرة.

    عملية التشريح

    كذلك: قضية التشريح.. يمكن أن يحدث تساهل -لا سمح الله- فيؤتى بجثة إنسان مسلم لتشرح، فإذا اكتشفت أنت بالقرائن وتبين لك أن هذه جثة مسلم فلا يجوز لك مطلقاً أن تشرح فيها، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح: (إن كسر عظم المؤمن ميتاً مثل كسره حياً) أتي لك بجثة، وتأتي بالمنشار الكهربائي وتفك الرأس وتخرج الدماغ، وتريد أن تفحص هذا على جثة أخيك.. لو أنت مكانه هل ترضى بهذا الكلام؟

    فالأصل أن الأجساد محترمة فتدفن، ولا تبقى حتى على وجه الأرض، فإن الدفن واجب، لكن لضرورة التعليم يؤتى بأجساد ليست أجساد مسلمين، فيحصل فيها قضايا التعليم، ولذلك قال أهل العلم: ويحرم قطع شيء من أطراف الميت وإتلاف ذاته أو إحراقه ولو أوصى به.

    وحتى في مسألة الجنين الذي يتحرك في بطن الأم الميتة تردد بعض الفقهاء في شق بطن الأم، وقالوا: يمكن أن يخرج الولد ويمكن أن يموت، فنكون قد شققنا بطن الميتة، لكن القول الراجح في هذا: أنه إذا غلب على ظن الطبيب أن الولد سيخرج حياً فيجوز له أن يشق بطن الأم الميتة لإخراج الولد الذي يغلب على الظن أنه سيعيش، لكن إذاك كان ميتاً والأم ميتة فلا تشق بطنها، وهناك قضايا تنبه لها العلماء، قالوا: لو أن امرأة نصرانية كافرة تزوجها رجل مسلم، وماتت وفي بطنها جنين قد نفخت فيه الروح، ومات الجنين معها، فكيف تدفن؟ حتى هذه المسألة فكروا فيها، فقالوا: تدفن الأم وظهرها إلى القبلة.. لماذا؟ لأن الجنين الذي في البطن جنين مسلم، والمسلم عند الدفن يوجه إلى القبلة، وهو في بطه أمه يكون وجهه إلى ظهرها، فعندما تدفن تكون هي موجهة إلى غير القبلة وظهرها إلى القبلة ليكون الولد المسلم في بطنها متوجهاً إلى القبلة.

    وهنا جاءت مسألة أخرى: هذه امرأة كافرة هل يجوز قبرها في مقابر المسلمين؟ لا يجوز، لكن في بطنها ولد مسلم فهل يدفن في مقابر الكفار؟ لا يجوز، ولذلك كان الحل أن يقبر في مدفنة خاصة لا هي من مقابر المسلمين ولا من مقابر الكفار، أو جزء معين من المقبرة خاص لمثل هذه الحالة.

    انظر إلى الفقهاء! هذه أمور من الدين ليست سهلة، ونحن الآن نفعل أشياء ولا نعرف ولا نفكر أصلاً ما هو الحكم في المسألة هذه..!

    بقي عندنا حالة، أو فتوى في جهاز الإنعاش ودراسة، ملخص دراسة في الموضوع، ونقف عند هذه؛ لأنني أخشى أن أطيل عليكم، ولكن -أيها الإخوة- أذكركم أخيراً بمسألة مهمة.. بتقوى الله، واستشعار الأمانة، فهو أهم ما يعتمد عليها في مهنة الطب، قضية الأمانة التي يسميها الغربيون "شرف المهنة" ونحن نسميها "أمانة" أوصانا الله عز وجل بها.

    وأسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم السداد.