إسلام ويب

ذنوب العباد بين الكبائر والصغائر [1]للشيخ : سفر الحوالي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الحديث عن ذنوب العباد حديث أَرَّقَ العلماء، وأقض مضاجع العبَّاد؛ لما يترتب عليها من عقاب يوم القيامة لا ينقطع أمده ولا ينتهي مداه إلا برحمة من الله جل وعلا، والذنوب إما أن تكون صغائر وإما أن تكون كبائر، إلا أن هناك ضابطاً ورد في هذه المادة يبين أن الكبيرة قد يتجاوز منها عن المحسن ما لا يتجاوز عن غيره، وعكس القول ينطبق على المسيء عند ارتكابه للصغيرة، كما أن حال العبد عند مقارفة الذنب ينبني عليه مآله وحسابه على هذا الذنب والذي قد يكون سبباً للتوبة أيضاً.

    1.   

    لا كبيرة مع خوف واستغفار ولا صغيرة مع إصرار

    إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بك اللهم من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    وبعد:

    فكما تعلمون وفقني الله وإياكم لما يحب ويرضى، ونفعنا بما نسمع وما نقول أننا قد تحدثنا في الأسبوع الماضي عن حديث الدواوين الثلاثة، وبينا أنه مع ضعف الحديث فإن معناه صحيح، وكان الموضوع هو موضوع الديوان الثاني الذي لا يترك الله تعالى منه شيئاً، وهو ما يتعلق بحقوق العباد ومظالمهم، وذكرنا ما فتح الله تعالى به ويسر من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في شأن المظالم وحقوق العباد، ولعل في ذلك كفاية إن شاء الله تعالى.

    وننتقل إلى ما بعده في قول الشارح رحمه الله: (وقد اختلفت عبارات العلماء في الفرق بين الكبائر والصغائر)، وستأتي الإشارة إلى ذلك عند قول الشيخ رحمه الله: (وأهل الكبائر من أمة محمد في النار لا يُخَلَّدون؛ ولكن ثمَّ أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يُلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يُلحقها بالكبائر، وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره، وأيضاً فإنه قد يُعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يُعفى لغيره، فإن فاعل السيئات تسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب، عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة).

    هذا موضوع عظيم، وخير الموضوعات وأنفع العلوم ما كان علاجاً للقلوب وأدوائها وأسقامها، وأعظم ذلك -أي أعظم الأدواء والبلايا والأسقام- هو الشرك، كما تحدثنا عنه فيما سبق، وهنا نأتي إلى قاعدة عظيمة فيما دون الشرك، وهي الذنوب التي لابد أن يصيبها العبد وأن يلم بها، هذه الذنوب أراد الشارح رحمه الله تعالى بعد أن ذكر الديوان الأول الذي لا يغفره الله تعالى أبداً، ثم الديوان الثاني الذي لا يترك الله تعالى منه شيئاً.. أراد أن يبين الديوان الثالث، وهو ديوان ظلم العبد لنفسه في حق الله تعالى فيما دون الشرك، وما دون الشرك ينقسم إلى كبائر وإلى صغائر، وأحال موضع الفرق بين الكبيرة والصغيرة إلى ما بعد، حيث سيأتي التفصيل بإذن الله، وأظن أن القضية هي قضية اختلاف الطبعات، فأنا عندي (ص524) مثلاً، وبعض الإخوان تختلف عندهم الطبعات، وهي فقرة طويلة جداً، أولها: (وأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في النار لا يُخَلَّدون ...) إلخ، وقد شَرَحَها شرحاً طويلاً، ومن أحب منكم، أو تعجل المعرفة في الفرق بين الكبائر والصغائر قبل أن نشرحه هنا -وهذا حسن جداً أن تقرءوا قبل أن نشرح- فليراجِع الجواب الكافي، ففيه تفصيل لذلك، وسنعرض له إن شاء الله تعالى ولغيره عندما نصل إلى هذا الموضع؛ لكن الشارح هنا بعد أن أشار إلى ذلك ذكر هذا الاستدراك العظيم الذي هو قاعدة من قواعد تعامل القلوب مع رب القلوب تبارك وتعالى.

    قال: (ولكن ثمَّ أمر ينبغي التفطن له ...)

    هنا قضية مهمة ينبغي أن يتفطن لها عباد الله، ولا يجوز أن يتغافل عنها من يسر الله تبارك وتعالى له أن يعرفها، قاعدة عظيمة من القواعد التي استخرجها أمثال هذا العالم الفاضل ومن نقل عنهم -رحمهم الله أجمعين- استخرجوها من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سير العبَّاد من السلف الصالح، الذين قاموا لله تبارك وتعالى بواجب العبودية على نحو يَقتدي به من بعدهم.

    قال الشارح: (وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يُلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يُلحقها بالكبائر ...).

    قال: (وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل ...).

    أي: أن ما يقوم بالقلب قدر زائد على مجرد الفعل.

    ثم قال: (والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره ...).

    ثم شرع في موضوع التوبة، وأسباب التوبة، وأسباب سقوط العقوبة التي أولها التوبة.

    فالقاعدة إذاً: أن الذنوب إما كبائر وإما صغائر؛ لكن الكبيرة إذا فَعَلها صاحبها لا ريب أن صورة العمل الظاهر أن هذا مرتكب لكبيرة؛ لكن يقول الشارح: (إن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يُلحقها بالصغائر)، وبالعكس: (قد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يُلحقها بالكبائر).

    إذاً: عندنا أمران: صورة الفعل، أو صورة العمل في مظهره، وعندنا حقيقته وتعلق القلب به، أو حال القلب عند عمل هذا الذنب.

    وهذا مفتاح لباب عظيم من أبواب التربية الإيمانية القلبية.

    الحكم على الكبير والصغيرة مناطه القلب

    إذاً: القضية قضية القلب، أي: أن الجوارح إنما تتحرك وتعمل وتتأثر بالقلب كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فمن الواجب إصلاح القلوب؛ لأنها محط ومحل نظر الرب من العبد. يقول بعض العلماء: رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.

    فالمسألة ليست هي صورة العمل؛ فإن بعض الناس قد يعصي الله وتكون هذه المعصية سبباً لبداية الخير وبداية التوبة في حياته، فقد يكون بداية الهداية موبقة كبيرة، أو ذنباً فَعَلَه، والبعض ربما كانت بداية انحرافه وزيغه ودخوله في باب الرياء والعُجْب، ثم خروجه -نسأل الله العفو والعافية- نهائياً من طريق أهل الاستقامة وأهل السنة، هو عَمَلٌ عَمِلَه في ظاهره أنه من الأعمال الصالحة، أو من الطاعات العظيمة المقبولة.

    1.   

    ذكر الأدلة على غفران الكبائر بما يقوم بالقلب من تعظيم ونحوه

    إذا‌‌ً: يجب على الشاب المؤمن، وعلى من يريد تنقية قلبه، وعلى كل من يحرص على تقوى الله سبحانه وتعالى أن يتنبه إلى هذه القضية وإلى هذه الحقيقة.

    وما بقي علينا إلا أن نأتي عليها بالأدلة، والأدلة كثيرة جداً مما ثبت وصح في الوحي، وكثيرة من واقع الناس؛ فمن المُشاهَد من أحوال الناس أناس كانوا على ذنوب وعلى فجور ثم تابوا واستقاموا، والذين كانوا على طاعة وعلى خير وطلب علم ودعوة ثم انحرفوا وحاروا.. ولذلك نستطيع أن نذكر الإخوان بشواهد وأدلة كثيرة على هذه القاعدة: أن بعض الناس إنما يكون سبب هدايته وبدايتها بإذن الله موبقة أو كبيرة أو ذنب أو سيئات عَمِلَها، فتكون هذه الذنوب لَمَّا قارنها خوفُ الله تبارك وتعالى واستعظامُ هذا الذنب، والنظرُ إلى عظمة مَن عصى، والخوفُ من الرب الجليل العزيز الجبار المتكبر، فإنه بالمعصية وبما أحاط بها من هذه الأمور يتحول الأمر إلى طاعة، وتنقلب الغواية إلى هداية واستقامة بإذن الله سبحانه وتعالى.

    الخوف من لقاء الله سبب لنيل مغفرته

    أقول: لقد سبق معنا حديث عظيم جداً، وذكرنا اختلاف العلماء فيه، وجوابه الصحيح هو ما ذُكِر الآن وقد قرأنا رواياته، وشرحناه طويلاً، وهو حديث الرجل الذي أوصى بنيه عند موته:

    إذ قال لهم: أي أبٍ كنت لكم؟

    قالوا: نِعْم الأب.

    وهو رجل -كما جاء في إحدى الروايات والتي قرأناها- أسرف على نفسه في المعاصي، فهو رجلٌ مسرف عاصٍ وأدركته الوفاة، فأخذ يقلب صفحات العمر، وإذا كلها سواد، وظلام، وموبقات، وذنوب، فأخذ يفكر في المخرج منها، إذاً: في هذه اللحظة جاءه الخوف من الله سبحانه وتعالى، واستعظام الذنب، واللقاء.. كيف ألقى الله وأنا بهذه الذنوب؟‍ فمع أنه ارتكب ذنباً آخر، ووقع في غلط عظيم؛ ولكن بسبب هذا الاستعظام، وهذا الخوف، وهذا الحياء؛ غُفِر ذنبه المتأخر وذنوبه المتقدمة ما هو الذنب العظيم الذي وقع فيه، والخطأ الجليل؟ عندما ظن أن الله لن يقدر عليه.

    فقال لأبنائه: إذا أنا مت فاجمعوا الحطب، وأحرقوني، ثم ذُرُّوني في الهواء، واجعلوا نصفي في البحر، والنصف الآخر في البر، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين.

    هكذا تخيلَ!

    إذاً: ما الحل والمخرج من لقاء الله، ومن الوقوف بين يدي الله؟ لا عذر ولا حجة، فأعماله كلها ذنوب ومعاصٍ وإسراف.

    قال: الحل يا أبنائي! أن تحرقوا هذا الجسد وتَذروه في الهواء، وتفرقوه في البر والبحر، وحينئذ لن يقدر الله تعالى على جمعه، كيف يجمعه.. فإذاً كأنه ينساه فينتهي، هذا هو المخرج كما كان يظن، مع أن هذا ليس بمخرج، فإن الله سبحانه وتعالى الذي هو على كل شيء قدير، إذا قال للشيء: كن كان، واجتمع ما في البر وما في البحر وكان، وأحياه الله سبحانه وتعالى، فهو الذي أنشأه أول مرة.

    فيسأله عز وجل: لِمَ فعلتَ؟ هذا؟

    السؤال الآن ليس عن الموبقات، ولا عن الذنوب الأولى، بل عن هذه المصيبة الكبرى التي أوصى بها.

    قال: خوفك يا رب! أو خشيتك ومهابتك يا رب!

    فغفر الله تبارك وتعالى له.

    إذاً: إذا اقترن بالذنوب والمعاصي خوفٌ وتعظيمٌ وهيبةٌ لله تبارك وتعالى، فإن هذه الذنوب إما أن تُمحى، أو تُكفَّر، أو تكون -كما قال الشيخ- كالصغائر وتأخذ حكمها، كما ذكر الله تبارك وتعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31] لأنها بما اقترن بها أصبحت صغيرة.

    هذا واحد من الأدلة.

    حديث قاتل المائة نفس

    والدليل الآخر هو الرجل قاتل المائة، أول الأمر قتل تسعة وتسعين.

    فذهب إلى العابد، وهذا من الأحاديث التي يستدل بها على كثرة ما فيها من الحكم والدلالات، من أعظم دلالاته وحكمه وعبره: فضل العالم على العابد، أي: العابد المجرد عن العلم.

    ذهب إلى هذا الراهب العابد المنقطع وقال له: إني رجل قتلت تسعة وتسعين نفساً، فهل لي من توبة؟

    فاستعظم الراهب ذلك وقال: لا أجد لك توبة.

    هذا من قلة العلم، ومن قلة الحكمة والفطنة كما ذكر العلماء.. فهذا الراهب، ليس عنده بصيرة أو فطنة في الدعوة، فهذا السائل قاتل، فإذا قلت: لا أجد لك توبة، كيف تأمنه على نفسك وعلى غيرك من الناس؟ فكان على هذا العابد أن يقول له: تُبْ واستقِم، ويقول: كُف عن كذا وكذا، ثم إن لم يكن له عند الله توبة فهذا بينه وبين الله؛ لكن على الأقل يكون لديك من الحكمة ما تدفع به شره في هذه الحياة الدنيا.

    قال الراهب: لا أجد لك توبة.

    فأكمل به المائة، ما دام ليس هناك توبة، فسواء قتل هذا أو قتل معه ألفاً أو ألفين فالأمر لا يتغير، فأكمل به المائة.

    وبعد ذلك ذهب إلى العالم فأرشده أن له توبة، وأرشده أن يذهب إلى القرية الصالحة ليعبد الله تبارك وتعالى فيها.

    ثم كان ما تعلمون عندما قبضه الله تبارك وتعالى، واختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وهذا أيضاً فيه دليل على أن الملائكة تجتهد في أمر الله تبارك وتعالى، كما نجتهد نحن بني آدم، نحن نسمع من كلام الله آية أو من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فنجتهد في العمل به، وقد نخطئ وقد نصيب، فملائكة الرحمة أخذوا ينفذون أمر الله تعالى فقالوا: رجل تائب مقبل على الله كيف ندعه لكم؟ وملائكة العذاب تقول: وأي توبة حصلت؟ رجل قتل مائة نفس وذهب إلى قرية. ما رأوا شيئاً قد تحقق، فهؤلاء ينظرون لها من جهة، وهؤلاء ينظرون لها من جهة، فحكم الله تبارك وتعالى بين الفريقين وهو الحكيم العليم: أن انظروا إلى أي القريتين كان أقرب فألحقوه بأهلها، وجاء في بعض الرويات: أن من رحمة الله سبحانه وتعالى أنه أمر هذه أن تتباعد، وأمر هذه أن تنقبض، فقاسوا فوجدوه إلى أرض التوبة أقرب، فغفر الله تبارك وتعالى له، وتولته ملائكة الرحمة.

    إذاً: هذا الرجل أسرف على نفسه، وهل بعد القتل من جُرم؟

    عندما نتعرض لموضوع التوبة إن شاء الله فسنذكر مسألة قبول توبة القاتل، والخلاف الذي بين علماء أهل السنة والجماعة فيها؛ لأنه ذنب عظيم، لكن اقترن به الخوف، أليس الذي دفعه أن يبحث عن الراهب ويسأله، ثم عن العالم ويسأله، أليس هو الخوف من الله؟

    إذاً: هذا فعل كبائر؛ لكن اقترن بها الخوف من الله سبحانه وتعالى، والتفكير في التوبة، والبحث عن مخرج، والحياء من الله، ومهابة لقاء الله، هذه إذا اقترنت بأي ذنب من الذنوب تحرقه بإذن الله، فلما اقترنت بحال هذا الرجل كانت نهايته وكانت عاقبته كذلك.

    قصة ماعز وقصة الغامدية

    ومن الأدلة أيضاً:

    قصة ماعز والغامدية رضي الله تعالى عنهما، فإنهما أتيا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريدان أن يطهرهما.

    والأمثلة في هذا كثيرة.

    وقد أحببت بهذه المناسبة أن أدلكم على مرجع مفيد في هذا الباب وهو: كتاب التوابين ، للإمام ابن قدامة رحمه الله، بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناءوط ، أخي شعيب ، وإن كنت أحب أن أنبهكم قبل ذلك إلى أن الكتاب لم يُعلَّق عليه في مواضع كان ينبغي أن يعلق عليه فيها، ولن تخفى على مثلكم إن شاء الله، منها: أن أغلب من يتوب كما في هذا الكتاب يترك الدنيا بالكلية، ويذهب في البراري وفي الجبال ويسيح، أو يعتكف في المساجد ويترك كل شيء بالكلية، وليس هذا من صفة التوبة الشرعية كما تعلمون؛ لكن في هذا الكتاب فوائد عظيمة جداً، ولا سيما الذين يتوبون من الطرب ومن الغناء أو من الفسق والفجور، كحال العالم اليوم والله المستعان.

    ونقتصر على ذكر أو عرض بعض التوبات التي تتعلق بحال العاصي الذي كانت معصيته وسبب هدايته، وهو المناسب لموضوع الدرس اليوم، أما مجرد التوبة فالتوابون كثيرون والحمد لله.

    وقد ذكر صاحب الكتاب قصة قاتل المائة أيضاً، ويكفي ذلك عنه.

    قصة أبي خيثمة وتخلفه عن تبوك أولاً

    أيضاً من التائبين -كما ورد في السيرة- الذين اقترن بالذنب ما جعلهم يتوبون ويهتدون ويستقيمون: الصحابي الجليل أبو خيثمة رضي الله تعالى عنه، والإمام ابن قدامة رحمه الله يروي بالسند، وهو عالم محدث فقيه بارع كما تعلمون، ولذلك يروي القصص التي يوردها بالأسانيد، سواءً أكان إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى أحد العلماء من المؤلفين، أو إلى كتب رواة الإسرائيليات وأخبار بني إسرائيل إن كان السند ينتهي إليهم، وهو كما تعلمون من الأئمة المجاهدين، ابن قدامة رحمه الله كان مع صلاح الدين الأيوبي في معاركه، ومع ذلك كتب المغني الذي ترون، وهو من أعظم وأنفع كتب الفقه المقارن، وله مؤلفات نافعة غير ذلك مع انشغاله بالجهاد، وله هذا الكتاب، فذكر بإسناده إلى ابن إسحاق المعروف، صاحب السيرة.

    يقول: (تخلف أبو خيثمة أحد بني سالم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، حتى إذا سار رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع أبو خيثمة ذات يوم إلى أهله ...)

    وهذا التخلف ما حكمه؟

    حكمه كبيرة.. مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [التوبة:120] (ما كان لهم) هذا من أقوى أنواع التعبير في التحذير والنهي. (ما كان لهم) يعني: لا يصح ولا يليق بحال من الأحوال أن يتخلف أحد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويرغب بنفسه عن نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق وأكرمهم على الله في الحر والرمضاء والحرب واللأواء وهذا في الظل الظليل الوارف مع الأهل والعيال وفي المزرعة، لا ينبغي ذلك، ولا يليق بأي حال من الأحوال؛ لكن هذا الذي لا يليق ولا ينبغي وقع فيه أبو خيثمة رضي الله تعالى عنه. (فعاد إلى امرأتين له في عريشين له في حائط ...)

    وكما تعلمون كانت الغزوة -كما جاء في حديث الثلاثة- في شدة الحر والقيظ، وكما جاء في القرآن لما قال المنافقون: لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ [التوبة:81] فرجع، ما كان عندهم كالآن مغريات مثلنا، يعني لما تقرأ المغريات التي كانت في عصرهم -الله المستعان!- المغري كله أن كلاً منهما لديها عريش ورشت الماء من حوله، فكان بارداً بالنسبة لهم، وبالنسبة لنا لا يُعد بارداً، ولا من البارد في شيء. (فأتى امرأتين في عريشين له في حائط ...)

    الحائط يعني: المزرعة والبستان. (قد رشت كل واحدة منهما عريشها، وبرَّدت له فيه ماء، وهيأت له طعاماً ...)

    برَّدت الماء بالطرق البدائية جداً كما تعلمون، وهيأت الطعام، وتعال يا أبا خيثمة! يعني: الزوجة والظل والعريش والماء البارد والطعام، هذه غاية المغريات المثبطات في زمانه. (فلما دخل قام على باب العريش ينظر ...)

    الآن استيقظ، الذنب وقع؛ لكن حفت به هذه القرائن، وقف على باب العريش ينظر. (ثم قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر ...)

    في الضح أي: شدة حر الشمس.

    ضحوت له كي أستظل بظله     إذا الظل أضحى في القيامة ناقصا
    قال: -وأبو خيثمة هذا يقول عن نفسه: (رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح والحر وأبو خيثمة -الآن يخاطب نفسه- في ظل وماء بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء، ما هذا بالنَّصَف ...)

    يعني: هذا ما هو عدل ولا إنصاف أبداً، ولا يليق ذلك أبداً، ربما لم تكن الآية قد نزلت بعد، والظاهر أنها ما نزلت إلا بعد ذلك؛ لأن فيها: وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة:118]؛ لكن هو عرف أن هذا لا يليق ولا يحق بحال من الأحوال أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، وأن يتخلف عنه أبو خيثمة، ويرغب بنفسه عن نفسه، ويتمتع ورسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الحال. (قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهيئا لي زاداً، ففعلتا، ثم قدما ناضحه فارتحل، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأدركه حين نزل تبوك ...)

    كما تعلمون آخرها: (لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم الراكب من بعيد فقال: كن أبا خيثمة . فذهبوا فوجدوه، فقالوا: يا رسول الله! هو أبو خيثمة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولى لك أبا خيثمة، فأخبره الخبر، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم)

    إذاً: سبحان الله العظيم! لو أن أبا خيثمة خرج أول الأمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان في قلبه من الإيمان والأثر والخوف من الله سبحانه وتعالى، والحرص على الجهاد والرغبة فيه مثلما كان بعد أن وقع في الخلل، وغلبه الضعف البشري.

    الناس ذهبوا أمة، وهو ذهب يجوب البراري والقفار وحيداً، لا رفيق له، وهو مستشعر الذنب في شدة الحر، ويركب البعير ومعه زاده وهو يذهب وأمله أن يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف يكون شعوره وهمه وتفكيره في هذه الحالة، وهو لم يدخل العريش أبداً.

    إذاً: قام بقلبه من حقائق الإيمان والتوبة والندم والاستغفار والحياء من الله تبارك وتعالى ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحبة اللحاق به أمور عظيمة جداً، ربما بل قد نقول: نعم. ما كانت لتأتي لو أنه ذهب من أول الأمر مع الناس.

    فكان إذاً في هذا الذنب -وهو التأخر والتخلف- خير.

    إذاً: رُبَّ معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.

    المثال الآخر أيضاً: مثال أبي لبابة رضي الله تعالى عنه، وهذا حال المتقين دائماً، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201] يعني: الشيطان يَمَس، (إن للملَك لَمَّة، وللشيطان لَمَّة) لكن ميزة أهل التقوى وأهل الإيمان أنهم إذا ألَمَّت بهم اللمَّة تذكروا فعادوا.

    هذا ما حدث لـأبي لبابة رضي الله تعالى عنه.

    يقول: (لَمَّا أرسلت قريظة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يرسلني إليهم حين اشتد عليهم الحصر، دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اذهب إلى حلفائك فإنهم أرسلوا إليك من بين الأوس) ...

    هو كان حليفهم في الجاهلية، وأبو لبابة له منزلة، وقاتل الله اليهود في كل زمان ومكان، اليهود هم اليهود، لا تصدقوا الذي يقول: اليهود منهم الحمائم ومنهم الصقور.

    بل كلهم ثعالب، لا حمائم ولا صقور، بل ثعالب خبيثة، فاليهود هم اليهود، يظنون أن جيش الإيمان والتقوى.. ركب المهاجرين والأنصار كغيرهم من الأمم والملوك والجيوش، فيقولون بلسان الحال: إذا كان لنا عندهم واسطة، أو لنا عليهم دالة أو حليف تغيَّر الأمر، فلنأتهم عن طريق الحليف، فأرسلوا يريدون أبا لبابة ؛ لأنه حليفهم، والناس كما تعلمون حديثو عهد بالجاهلية وأحلافها وعاداتها، ولهذا لما قال عبد الله بن أبي بن سلول : إني امرؤٌ أخشى الدوائر، ثلاثمائة دارع وحاسرة، حلفائي تحصدهم في غداة واحدة، هكذا كانت الارتباطات والعلاقات الجاهلية ما تزال قريبة العهد بهم. (قال: اذهب إليهم، قال: فدخلت عليهم وقد اشتد عليهم الحصار، فهشوا إلي ...وقالوا: يا أبا لبابة! نحن مواليك دون الناس كلهم... قال: فقام كعب بن أسد فقال: أبا بشير! قد عرفتَ ما صنعنا في أمرك وأمر قومك يوم الحدائق، ويوم بعاث، وكل حرب كنتم فيها ...)

    يذكره بأيام الجاهلية يقول عملنا معكم الجميل، والفعائل، والآن هذا وقت الشدة، ووقت رد المعروف.

    (وقد اشتد علينا الحصار وهلكنا، ومحمد يأبى أن يفارق حصننا حتى ننزل على حكمه، فلو زال عنا لحقنا بأرض الشام, أو خيبر، ولم نكثر عليه جمعاً أبداً ...)

    يقولون: يزيد أن تجعله يتركنا، ونحن نلحق بـخيبر أو الشام ، ولن يرى منا أذىً بعد اليوم.

    فما ترى؟ ...

    الآن يستشيرون أبا لبابة . (فما ترى؟ فإنا قد اخترناك على غيرك، وإن محمداً قد أبى إلا أن ننزل على حكمه ...

    قال: نعم، فانزلوا ...)

    هو قال: نعم فانزلوا؛ لأنه صحابي مؤمن، لا يمكن أن يشير عليهم بغير ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل يمكن أن يخالف حكم الله، وحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يطلب منهم غير ما طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لكن في آخر لحظة أخذته وقعة، الضعف البشري يقع حتى من هؤلاء الصحابة الأجلاء. (قال: انزلوا على حكمه. ثم أومأ بيده هكذا. يعني الذبح)

    فهو من حيث المقال قال الحق، ونطق بالحق، وقال: انزلوا على حكمه، وهكذا يجب أن يكون الإنسان وأن يقول؛ لكن أدركه شيء من الحمية لهؤلاء؛ نظراً لقولهم: إنك حليفنا، ووثقنا فيك، وفعلنا معك، وفعلنا. وعددوا المآثر، واليهود قوم خداعون كذابون، فوقع، فأومأ بيده، هكذا يعني: الذبح.

    حسناً يا أبا لبابة ! فعلت ذلك وليس أمامك إلا اليهود، فمن رآك يا أبا لبابة؟!

    لا أحد من الصحابة، ولا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن أهل السنة نؤمن أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب، هذا من العقائد القطعية، الذين يعتقدون أو يؤمنون أنه يعلم الغيب هؤلاء جعلوه إلهاً آخر، تعالى الله عما يشركون. فما أحد يعلم يا أبا لبابة! أنت وحدك؛ لكن القضية ليست قضية وحدي أو غير ذلك، فقد استشعر الندم توَّا.. فنترك التعبير له. (وقال: فندمت، واسترجعت، فقال كعب: ما لك يا أبا لبابة! فقلت: خنتُ الله ورسوله ...)

    ما حكم عليها أني وقعتُ في غلطة.. لا، بل قال: (خنتُ الله ورسوله).

    قال: (فنزلتُ، وإن لحيتي لمبتلة بالدموع، والناس ينتظرون رجوعي إليهم حتى أخذت من وراء الحصن طريقاً آخر ...)

    ما رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أيرجع وقد خانه؟

    أبت نفسه، وأبى إيمانه، وأبت تقواه أن يفعل ذلك. نعم. هو سقط؛ لكن أراد أن يستدرك، والله تعالى أراد أن يجعل في ذلك عبرة، وإلا كان في إمكانه أن يفعل هو أهون من ذلك، كما سيأتي من خبر الذي وصفه ربه تبارك وتعالى: بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [التوبة:128]؛ لكن ما فعل ذلك، ما استطاع أن يواجه النبي صلى الله عليه وسلم. فأخذاً طريقاً آخر بعيداً.

    ثم عاد حتى أتى المسجد، فارتبط به ...

    أخذ رباطاً من الشعر القوي وربط ذراعيه وربط نفسه في سارية من سواري المسجد، وأحكمها.

    قال: (وبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهابي وما صنعتُ، فقال: دعوه حتى يحدث الله فيه ما يشاء) ...

    لماذا؟

    لأنه هو الذي ربط نفسه، ولو جاء إليه لاستغفر له، فأما إذ لم يأت وذهب فكان هو الذي جنى على نفسه: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً [النساء:64] هذه قيلت فيمن هو أعظم ذنباً وجرماً من أبي لبابة ، وهم المنافقون الذين أعرضوا عن حكم الله، أما أبو لبابة فأخطأ وتاب؛ وهو حكم على نفسه، فإذاً: لن يفكه إلا أمر يأتي من عند الله تبارك وتعالى.

    قال الزهري: (وارتبط أبو لبابة سبعاً في حر شديد، لا يأكل ولا يشرب، وقال: لا أزال هكذا حتى أفارق الدنيا أو يتوب الله علي. يريد توبة صادقة).

    قال: (فلم يزل كذلك حتى يسمع الصوت من الجهد ...)

    يعني: حتى لا يكاد يسمع.

    ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه بكرة وعشية، ثم تاب الله عليه، فنودي: إن الله قد تاب عليك، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه ليطلق عنه رباطه، فأبى أن يطلقه عنه أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ...

    يريد أن يأتي بيده الشريفة صلوات الله وسلامه عليه ليحل الوثاق، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الزهري : فحدثتني هند بنت الحارث عن أم سلمة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحل رباطه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرفع صوته يكلمه ويخبره بتوبته وما يدري كثيراً مما يقول له من الجهد والضعف).

    يعني: ضعف سمعه وقواه انهارت وخارت؛ لأنه موثق في هذه السارية، كان في عذاب، نسأل الله أن يرحمنا.

    قال: (وقد كان الرباط حزَّ في ذراعه، وكان من شعر، وكان يداويه بعد ذلك دهراً).

    كان يداوي أثر الرباط في ذراعه دهراً، يعني: أصبح جرحاً غائراً، وتلوث -كما يقول الأطباء- فظل يعالجه دهراً.

    الشاهد -إذاً- عرفناه من القضية، وهو أن الذنب والخطأ قد وقع، فاقترن به من الخوف والحياء والمهابة والتعظيم ما جعل صاحبه يفعل ذلك الفعل، فكانت التوبة من الله تبارك وتعالى عليه، وكان ذلك خيراً له -فيما نرجو له عند الله سبحانه وتعالى- مما لو كان من الأصل لم يفعل شيئاً من ذلك.. والله تعالى أعلم.

    أم البنين بنت عبد العزيز وقصتها مع عزة المعشوقة

    ثم ذكر توبات كثيرة، كما قلت لكم: الكتاب لو خلا مما فيه مما يستوجب التعليق لكان نفعه عظيماً جداً.

    ذكر أيضاً توبة أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان ، هذه لها قصة مشهورة في كتب الأدب، وإن كانوا يذكرونها في كتب الأدب على أنها طرفة، أو مُلحة من المُلح والنوادر؛ لكنها عند أهل الإيمان واليقين تدل على ما يذكُر كما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى.

    يروي أيضاً في سنده قال: دخلت عَزَّة صاحبة كُثَيِّر ...

    كُثَيِّر عَزَّة ، انظروا النسبة، نعوذ بالله! بعض الناس ينسب إلى الخير، وهذا الرجل نُسب إلى العشق، وإلى المرأة التي عشقها، وكان رجلاً باطنياً خبيثاً، كُثَيِّر هذا كان رجلاً خبيث العقيدة، على عقيدة الباطنية، وهو ممن كانوا يعتقدون أن الإمام في أعلى جبل رضوى، وأن عنده نمور تحرسه، وعنده عسل، وعنده ماء، وسيخرج في آخر الزمان، انظروا! هذا الكلام كان في القرن الأول، فما بالكم عندما ابتدعت الروافض فيما بعد أن الإمام في سرداب سامراء إلى آخر ما ابتدعوه، فالكلام في هذا قديم، وهذه البدعة قديمة.

    الشاهد: عَزَّة دخلت على أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان أخت عمر بن عبد العزيز ، هذا البيت بيت الملك والأبهة، الدنيا كلها كانت تحت حكمهم كما بينا في مرة مضت، الدنيا كلها تحت حكم بني أمية، فكانت تسمع من الشعراء، وتسمع كأي امرأة مترفة ذات ملك وجاه ومال، فإذا قيل لها: فلان مطرب أو عنده نغمة، قالت: جيئوا به، ننظر ونسمع ما عنده، إلى آخره.

    فلما دخلت عَزَّة سألتها أم البنين : ...

    وهي عارفة بأخبارها، وعارفة بالحكايات التي يتناقلها الناس يتناقلونها، يعني: كما قالوا عن مجنون ليلى، وكما قالوا عن صاحب عفراء ، وفلان وفلان ممن جاءت أسماؤهم في كتب العشق عند العرب، وفي قصص العشق، فيُنسب الشاعر إلى صاحبته، كما أن كُثَيِّر نُسب إلى عَزَّة .

    قالت لها أم البنين: ما معنى قول كُثَيِّر:

    قضى كل ذي دَين فوفى غريمَه     وعَزَّة ممطولٌ مُعَنَّى غريمها

    انظر السؤال!

    وهذا يا إخوان! فضول العلم، وفضول الكلام، وفضول النظر، وجاء في الأخبار: أن رجلاً دخل على أحد السلف فقال له: إني أرى خشبة في سقف البيت تريد أن تسقط.

    فقال له: يا رجل! والله إن لي عشرين سنة في هذا البيت ما نظرت إلى السقف.

    وكانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام.

    هناك أناس ابتلاهم الله بالفضول، وأناس بخلاف ذلك، فيقول: هذا بيتي وأنا فيه منذ عشرين سنة فما نظرت إلى السقف، الناس في هم أعظم، قلوبهم منشغلة بالله وبالآخرة وبالعمل الصالح، فهم في شغل عن الفضول؛ لكن الناس الذين لا همّ لهم لا يستشعرون خوف الله ولقاء الله، فيسأل سؤالاً ولا يهمه الجواب هكذا على هذا السؤال فالقضية أنه يسأل من باب الفضول فقط.

    فجاءها الشيطان بهذا الفضول.

    قالت: يا عَزَّة! ما معنى قول كُثَيِّر :

    قضى كل ذي دَين فوفَّى غريمَه     وعَزَّة ممطولٌ مُعَنَّى غريمها

    أي: ما هو هذا الغُرم؟ وما هو الدَّين؟

    قالت لها: ما هذا الدَّين الذي يذكره؟ ...

    قالت: أعفيني.

    قالت: لابد أن تخبريني، ما هذا الدَّين.

    قالت عَزَّة : كنت وعدتُه قُبلة ... فأتاني يطلبها، فتحرجت عليه، ولم أفِ له ...

    أي: ما أعطيته.

    هؤلاء عشاق العرب الفجار الذين كان هذا حالهم، لذلك يسمونه الهوى العذري، أو الحب العذري؛ لأن الحب عندهم كان على نوعين، أو العشق على نوعين:

    نوع إباحي.

    ونوع عذري.

    الهوى العذري في زعمهم: هو فقط الحديث والمزاح والكلام دون أي شيء آخر.

    وهكذا كان كُثَيِّر وعَزَّة وطائفة من العشاق.

    والنوع الآخر هو الإباحي وهو الذي يؤدي -عياذاً بالله- إلى ارتكاب الفاحشة.

    يعني: هؤلاء كانوا من الموصوفين بالفجور، فهي منعها دينُها أو حياؤها أو أصالتها أو عربيتها أو قبليتها أي شيء، المهم منعها مانع أن تعطيه قُبلة، رغم أنه يواعدها ويخلو بها ويتحدثان، ويخبرها بما قال فيها من شعر، ثم يرجع كل منهما إلى مكانه. فقالت هذا الشيء، كما قال بعضهم: كان العشق فيما مضى أن الرجل يلاقي المرأة فيحدثها وتحدثه، ويناشدها وتناشده، أما اليوم فلا يكاد يخلو بها حتى يفعل بها الفاحشة، وكأنه أشهد على نكاحها أبا هريرة رضي الله تعالى عنه. هذا الكلام قالوه في القرن الأول، فكيف الآن! الآن ما عاد فينا -نعوذ بالله- إلا الفجور والفساد، حتى المجرمين في ذلك الزمن كانوا أخف جرماً، كان هناك نوع من الحياء العام في الأمة، يربط الأمة نوع من (لماذا نفعل؟).

    فاستعظمَتْ مع هذا الشعر والأخبار أن تعطيه هذا، بينما بعض الناس -عياذاً بالله- لا يرى هذا إلا عادياً جداً، الروايات والقصص والتمثيليات يأتي بها كل ليلة، فأصبحت لا تثير شعوراً إلا عند أهل الإيمان والتقوى -جعلني الله وإياكم منهم.

    فالشيطان جاء لـأم البنين ، رغم أن الأمر قد انتهى، وكُثَيِّر في مكان وعَزَّة في مكان، وانتهت القضية، وبَعُد العهد؛ لكن الشيطان أراد أن يوقعها.

    فقالت أم البنين : أنجزيها منه وعليَّ إثمها ...

    أي: أعطيه وعليَّ إثمها، فما هي إلا قُبلة، ليست فاحشة، كما يقول بعض الناس: بسيطة. كيف تكون بسيطة، حين يختلي الرجل بالمرأة وقد تسافر معه الأيام والأسابيع، بل بعضهم والله يخرج بها خارج المملكة ، ثم يقولون: القضية بسيطة. كيف بسيطة؟

    قالت: أنجزيها وعليَّ إثمها ...

    هذا الشيطان أوبقها فقالت هذه الكلمة.

    ثم راجعت نفسها ... من وقتها ومن مكانها، واستغفرت الله، وأعتقت لكلمتها هذه أربعين رقبة ...

    وتعلمون ما في العتق من الثواب، وقد وردت أحاديث تتناول ثواب العتق منها: (من أعتق رقبة أعتق الله رقبته)، نعم. كل عضو منه بعضو منها، فأعتقت أربعين رقبة من أجل هذه الكلمة.

    وكانت إذا تذكرت هذه الكلمة بكت حتى تبل خمارها وتقول: يا ليتني خرس لساني عندما تكلمت بها. الله أكبر! انظر كيف! تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف:201].

    وتعبدت عبادة ذُكرت بها في عصرها من شدة اجتهادها، فتحولت أم البنين من امرأة تستقبل الشعراء، وتسمع أخبار العشاق، إلى امرأة عابدة مجتهدة صالحة فاضلة.

    قال: فرفضت فراش المملكة، وقامت تحيي ليلها، وكانت كل جمعة تحمل على فرس في سبيل الله ...

    أي: كانت كل جمعة تجهِّز فرساً يخرج في سبيل الله عز وجل تكفيراً وتوبة، وكانت تبعث إلى نسوة عابدات يجتمعن عندها ويتحدثن ...

    انتهت أيام الشواعر والمطربات والطبالات والكلام الفارغ. فالآن من جلساؤها العابدات، الزاهدات، المتقيات.

    تقول أم البنين : أحب حديثكن، فإذا قمت إلى صلاتي لهوت عنكن ...

    سبحان الله! كيف رسخ الإيمان في قلبها إلى هذا الحد.

    وكانت تقول: البخيل كل البخيل من بخل على نفسه بالجنة ...

    والله هذا هو البخيل، الناس لو رأوا واحداً عنده مال، ولبس ثوباً ليس مناسباً، وأكل أكلاً جافاً قالوا: بخيل، تبخل على نفسك، أما تكرمها.

    فهذه معايير البشر أهل الظاهر الذين يرون ظاهر الأمور؛ لكن حقيقة الأمر: البخيل كل البخيل من بخل على نفسه بالجنة، فما عمل لها ولا اجتهد لها، وماذا تعادل الدنيا هذه كلها بالنسبة إليها.

    وكانت تقول: جُعل لكل إنسان نُهمة في شيء ...

    فكل إنسان له نُهمة، بعضهم نهم في الطعام، بعضهم نهم في النكاح، بعضهم نهم في سماع الشعر مثلاً، له هواية، وذوق، ومزاج.

    قالت: وجُعلت نُهمتي في البذل والإعطاء، والله للعطية والصلة والمواصلة في الله أحب إلي من الطعام الطيب على الجوع، والشراب البارد على الظمأ ...

    سبحان الله! جعل الله نُهمتها في العطاء والبذل والإحسان، هذا خير عظيم فتح عليها.

    قال: وهل يُنال الخير إلا بالاصطناع؟ وكانت على مذهب جميل حتى توفيت رحمها الله.

    إذاً: يا إخوان! واضح، فهذه معصية وقعت، وذنب وقع؛ ولكن أعقب ذلك هذه التوبة وهذه الاستقامة، وهذا الخير، وربما لم تكن لتنال ذلك الخير ولا تحصل عليه لولا أنها لم تقع في تلك الكلمة.

    ولقد ذكر ابن القيم رحمه الله ثلاثة عشر مشهداً من مشاهد العبد في الذنب؛ وعند ذكرها إن شاء الله سنعلق على بعض المشاهد، وهي التي تشمل مشهد الخوف، مشهد الإجلال، ومشهد الحياء، يعني: الذنب هو ذنب إذا وقعت فيه، لا يذهب بك الشيطان إلى القنوط واليأس من رحمة الله، في هذه الحالة قف فأنت في مشاهد عظيمة مع الله سبحانه وتعالى، في لحظة الذنب والخطأ هنالك موقف التوبة والضراعة والإنابة والذل والانكسار والعبودية، مواقف عظيمة جداً، ولهذا كما ذكر من كلام يحيى بن معاذ وغيره من العلماء الذين فضلوا حال التائب الذليل المنكسر على حال الطائع، لأن الطائع قد يُدِل ويُعجب ويغتر بعمله، أما ذلك المنكسر الذليل المذنب الذي جاء يطرق الباب مسكين، أين ملجؤه؟ أين ملاذه؟ لا يُتهم؛ لأنه جاء طالباً راجياً، أما ذلك فربما أصابه عجب، وتحدثنا عن هذا فيما مضى.

    قصة سلامة القس

    والقصة الأخرى قصة سلامة القس، هذا رجل من شيوخ القراء، كان اسمه عبد الرحمن ، وكان يلقب بالقس، أو القسيس، كما أن أبا عامر العابد قيل له: أبو عامر الراهب ، أو كما يقال: الحبر، يعني ألفاظ أو أوصاف أهل الكتاب، الحبر والراهب وأمثاله قد تطلق على من يقابلهم من هذه الأمة، فالرجل لشدة عبادته كان يلقب بذلك، فكان عبد الرحمن القارئ عند أهل مكة من أفضلهم عبادة وأظهرهم تبتلاً، فمر يوماً بـسلامة ...

    انظروا‍إلى الغناء يا إخوان! يقال لك: ماذا في الغناء؟ ليس فيه شيء، المفتري على الله ورسوله الأسبوع الماضي يقول: الغناء حلال، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه، يفترون على الله ولا يبالون، الغناء هذا الذي قال فيه ابن الجوزي رحمه الله في تلبيس إبليس : الغناء الذي أباحه بعض السلف غير الغناء في زماننا هذا، هذا ابن الجوزي يقول: عندنا الآن الشبابة والعود والدف، وأضافوا إليها الألحان والأنغام، ماذا عند ابن الجوزي؟ ماذا كان في أيامهم بالنسبة لنا الآن، الآن يسمونها فرقة، وعندما يأتون بهم فعلى طائرة خاصة؛ لأنها فرقة، وآلاتها وأمورها، يؤتي لأجل زواج أو بشأن أن (تميت) حفلة من الحفلات، أو تميت أمة من الأمم، تميت قلوب أمة، انظروا هذا الغناء الذي كثير من الناس لا يبالي به، التليفزيون يغني، والإذاعة تغني، والشريط يغني، وهو يغني، حتى لَمَّا يقفل السيارة ويمشي إلى الدكان يغني حتى يصل ليشتري الأغراض، كل الحياة أصبحت غناء نعوذ بالله.

    هذا عابد قارئ عالم زاهد، مر بجارية، وكانت لرجل من قريش، فسمع غناءها، فقال له الشيطان: قف قليلاً عند الباب، واستمع إلى هذا الصوت الحسن ثم انصرف.

    فأطل مولاها وإذا: بـعبد الرحمن عند الباب فقال له: هل لك أن تدخل فتسمع، فتأبَّى عليه، فألحَّ عليه الرجل، فلم يزل به حتى وافق، فدخل، فقال: أقعدني في موضع لا أراها ولا تراني، هو الحمد لله ويخاف الفتنة، هذا الذي يقول لك بعض الشباب في مجال الطب وفي مجال الخطوط الجوية، وما أدري أين: نحن نحاول أن نبعد عنها، الحمد لله الواحد يجتهد ما استطاع؛ لكن القضية أن النساء فتنة (ما تركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء)، وهو الذي بالمؤمنين رءوف رحيم صلوات الله وسلامه عليه، شفيق على هذه الأمة، وحذر من هذه الفتنة، المال والنساء، لا يقول واحد: والله ما يمكن أن أقع في المحظور أبداً. يبدأ قليلاً قليلاً، يأخذ الذي يبقى من الهلل في الصندوق، وفي النهاية يأكل نصف المشروع، بدأت بالهلل؛ لكن انتهت بالمليارات والملايين، وكذلك الزنا -نعوذ بالله- والفواحش، أولاً نسمع صوتها.. ثم نجلس.. ثم بعد ذلك يكون كما قال أحمد شوقي:

    نظرةٌ ...

    إلى آخره.

    قال: أقعدني في موضع لا أراها ولا تراني ...

    حرام أن أراها؛ لكن الصوت هذه المرة ونمشي ولن نعيدها، ما دمتُ أُحرِجتُ ولكن لن أعيدها إن شاء الله.

    قال: فدخل فتغنت، فأعجبته، فقال مولاها: هل لك أن أحولها إليك؟ ...

    فتأبَّى وامتنع، فلم يزل به أيضاً حتى وافق ...

    ما في خلوة، وأنا وإياك موجودون، وما في مشكلة.

    فجاءت فجلست أمامه، فلم يزل يسمع غناءها حتى شُغف بها وشُغفت به، وعلم ذلك أهل مكة ...نسأل الله أن يغفر لنا ويستر علينا.

    الخبر السيئ ينتشر في الآفاق -نعوذ بالله، نسأل الله أن يستر علينا ذنوبنا وعيوبنا- فتسامعوا، وإذا بهم يتسائلون: عبد الرحمن القس؟ نعم. القس سمعها، وصار يصغي لها، وانتشرت في كل مكان.

    وأخذ المجرمون والشعراء من ذلك مجالاً للقصائد، كما في كتاب الأغاني وأمثاله، يقولون: الشافعي أفتى، لأن الشافعي قيل له: (هل عليَّ في القُبلة من حرج؟ قال: لا حرج إن شاء الله). وفلان قال، وفلان، في روضة المحبين ذكر ابن القيم رحمه الله نماذج من كلامهم هذا كثير.

    فمن جملتها انتشر الخبر في مكة ، العابد الراهب الزاهد تعلق بهذه المغنية.

    حتى أنها مرة -بدأ الشيطان ينسج فيما بينهما؛ ولكن أراد الله سبحانه وتعالى أن تكون تلك بداية التوبة والانقطاع- فاتحته وقالت له: أنا والله أحبكَ.

    فقال: وأنا والله أحبكِ.

    قالت: فما يمنعك من الوصال، فوالله إن الموضع لخال!

    بدأ الشيطان الآن في العميق ولا يوجد أحد، فقال: إني سمعت الله تعالى يقول: الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67]

    وأنا أكره أن تكون خُلة ما بيني وبينكِ تئول بنا إلى عداوة يوم القيامة.

    قالت: يا هذا! أتحسب أن ربي وربك لا يقبلنا إذا تبنا إليه ...

    أوه! عندها فقه، الشيطان فقهها، فتقول: نعمل هذه المعصية الآن وبعد ذلك يتوب الله علينا، أنت حافظ للقرآن وعارف للأدلة، نتوب وكفى وانتهينا.

    قال: بلى ...

    بلى، يتوب علينا لو تبنا.

    قال: ولكني لا آمَن أن أفاجأ ...

    انظروا كيف تكون العودة إلى الله.

    ثم نهض وعيناه تذرفان، فلم يرجع بعد، وعاد إلى ما كان عليه من العبادة.

    سبحان الله! وعاد وهو أشد إيماناً وتقوى وخوفاً على نفسه، وعلى أذنه، وعلى عينه من الفتنة.

    هذا أيضاً مثال من الأمثلة الذي تكون فيه هذه الذنوب والموبقات سبباً أو داعياً إلى الخير.

    استشعار شدة عذاب الله وأليم عقابه سبب للتوبة

    يذكر أيضاً الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى مثالاً آخر قصيراً لكنه عظيم جداً.

    قال وهيب بن الورد أحد العباد المشهورين المعروفين: بينما امرأة في الطواف ذات يوم وهي تقول: يا رب! ذهبت اللذات وبقيت التبعات ...

    التبعة هي: المسئولية، أي: ذهبت اللذة، كسهرة ليلة، وجلوس مع فاجرة، وسماع لأغنية، ومجلس شر، إلى آخره، ذهبت اللذة تلك الليلة وانتهى؛ لكنه في الديوان ما تزال مسئوليته مكتوبة، فالإنسان يلقى الله يوم القيامة وقد انقضت اللذات؛ ولكن بقيت عليه التبعات.

    قالت: يا رب! ذهبت اللذات وبقيت التبعات، يا رب! سبحانك، وعزتك إنك أرحم الراحمين، يا رب! ما لك عقوبة إلا النار؟ ...

    الله أكبر‍‍! انظروا لَمَّا الله تعالى أيقظ قلبها بالإيمان.

    يا رب! ما لك عقوبة إلا النار؟ ...

    لأنها تذكرت، ليس بعد هذه الدار من دار إلا الجنة أو النار، فتعجبت، لا إله إلا الله: ما لك من عقوبة إلا النار؟ يعني: ليس هناك أي مخرج آخر؟ نعم، إما الجنة فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] هذا فاز؛ لكن إن كانت النار، فما هي النار؟ لو سيرت فيها جبال الدنيا لذابت من شدة حرها، أعوذ بالله، ليس هناك غير هذا.

    إذاً: ما الحل؟ وما المخرج؟

    قالت: يا رب! ذهبت اللذات، وبقيت التبعات، يا رب! سبحانك وعزتك إنك أرحم الراحمين، يا رب! ما لك عقوبة إلا النار؟ وكانت معها امرأة أخرى صالحة تمشي معها قالت: يا أخية! دخلتِ بيت ربك اليوم؟

    تظن أنها دخلت الكعبة، قالت: والله ما أرى هاتين القدمين أهلاً للطواف حول بيت ربي فكيف أراهما أهلاً لأن أطأ بهما بيت ربي وقد علمت حيث مشتا، وأين مشتا ...

    سبحان الله العظيم! تذكرت أن هاتين القدمين مشتا إلى معاصٍِ وفجور، والآن جاءها الندم، فكان تذكُّرها لتلك المعاصي والذنوب أعظم دافعٍ -بتوفيق الله سبحانه وتعالى- لأن تستقيم، وأن تستشعر هذا الشيء.

    امرأة عامية، ما عندها كثير علم، كما قال الأعرابي : لا أحسن دندنتك، ولا دندنة معاذ ؛ لكن عندها هذا الفهم العجيب: ما لك عقوبة إلا النار؟ شيء عجيب لو أن العاقل تفكر‍‍، هذه العبارة الصغيرة والله إنها تكفي عِبَراً لأي معتبر، ما لك عقوبة إلا النار؟‌يعني لو أن هناك مخرجاً آخر، لو أن هناك ملاذاً أو ملجئاً. إن لم تكن من أهل الجنة فإنها إلى النار. والنار هي ما علمنا.

    إذاً: يا رب، أين الملاذ؟ أين المهرب؟ أين المنجى؟

    فلذلك تابت وحسنت توبتها وكانت على ذلك.

    وأقول: الكتاب قيم حقيقةً كما قلت لكم، ولو أنه يُعلَّق عليه لوجدتم فيه فوائد عظيمة جداً.

    نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يتوب علينا.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315050

    عدد مرات الحفظ

    723585953