إسلام ويب

شرح زاد المستقنع كتاب الإقرارللشيخ : محمد مختار الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كتاب الإقرار من كتب الفقه المهمة، خاصة لمن يمارسون القضاء، وتأتي أهمية هذا الباب من حيث اعتباره من أقوى حجج القضاء؛ لأنه شهادة على النفس، لكن هذه الشهادة لها شروط لابد أن يتصف بها المقر حتى يلزم بها، ولها قوادح تسقط بها إن وجدت.

    1.   

    الإقرار.. تعريفه ومشروعيته

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير خلق الله أجمعين، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيقول المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب الإقرار] :

    تعريف الإقرار

    الإقرار: مأخوذ من قَرَّ الشيء إذا ثبت، وفي الاصطلاح: الاعتراف بالحق، ويكون لفظاً وكتابة وإشارة مفهمة؛ فافترق الإقرار هنا عن الشهادة، والسبب في ذلك: أن الإشارة المفهمة شهادة من الإنسان على نفسه، ولكن الشهادة شهادة على الغير، ويسوغ في شهادة الإنسان على نفسه ما لا يسوغ في شهادته على غيره.

    مشروعية الإقرار

    أجمع العلماء على اعتبار الإقرار لبثبوت السنة باعتبار الإقرار، وقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم إقرار ماعز والمرأة على نفسيهما بالزنا، وهذا يدل على حجية الإقرار وثبوته واستيفاء الشروط، والإجماع المنعقد على أنه حجة شرعية.

    قال بعض العلماء: أقوى حجج القضاء الإقرار؛ لأنه ليس هناك إنسان عاقل تتوافر فيه شروط الإقرار لقبول إقراره ويشهد على نفسه بالضرر إلا إذا كان صادقاً، ومن هنا فهو أقوى الحجج، ومن هنا أخذ الله الإقرار على أنبيائه وعباده وخلقه، وهذا يدل على عظم حجية الإقرار.

    1.   

    شروط من يصح منه الإقرار

    قال رحمه الله: [يصح من مكلف ]

    يصح الإقرار من كل مكلف بالغ عاقل، فلا يصح من مجنون، ولا سكران.

    أما الدليل على سقوطه عن المجنون والسكران: فلأن كل منهما لا يعلم ما يقول، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء:43]؛ فدل على أن السكران لا يعلم ما يقول، فلربما أقرّ بأشياء لا حقيقة لها، سواء كان سكره على وجه يعذر به شرعاً، كمن أعطي المخدر لعملية جراحية وقبل الإفاقة أقرّ بأشياء، فإنه لا يُقبل إقراره، وذلك للشبهة، ولا يوثق بقوله. أو كان سكره تعمداً فإنه لا يؤاخذ بإقراره على الصحيح من أقوال العلماء.

    ودليلنا على سقوط إقرار السكران: ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث بريدة بن حصيب رضي الله عنه وأرضاه: أن ماعز بن مالك نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد، فقال: (إني أصبت حداً فطهرني، فقال صلى الله عليه وسلم: أبه جنون؟ -يسأل جماعته وقرابته ممن كان قد أسلم- فقالوا: لا) ليس به جنون ونعرفه عاقلاً. وهذا يدل على أن المجنون لا يقبل إقراره، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (أشربت خمراً؟ -لأنه قال: إني أصبت حداً فطهرني- فقام رجل فاستنكهه) يعني: شم رائحة فمه، فلم يجد رائحة خمر. وهذا يدل على أنه لا يقبل الإقرار من سكران.

    ومن الأدلة أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم أسقط مقالة الردة عنه كما في الصحيحين في قصة حمزة رضي الله عنه وأرضاه، وهذا يدل على أنه لا عبرة بإقرار المجنون والسكران.

    أيضاً: لا يُقبل إقرار الصبي؛ لأنه لا يوثق بخبره، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة: -وذكر منهم- والصبي حتى يحتلم) فالصبي لا يوثق بقوله، فلا عقل عنده ولا حلم يمنعه ويردعه.

    قال رحمه الله: [مختار].

    أي: غير مكره، فالمكره لا يُقبل إقراره، وقد بينا أدلة سقوط مؤاخذة الإكراه في أكثر مسائل الأموال والحدود، فإذا أكره فإنه لا يؤاخذ على ما يقول؛ لأن الله أسقط أحكام الردة -وهي قول من أقوال المكره بالإكراه- فدل على أن قول المكره لا يُعتد به، ولذلك لا ينفذ طلاقه ولا عتقه ولا إقراره، وقد أسقط الله عز وجل قول المكره في الردة وهي أعظم شيء؛ لأن المكره قلبه مطمئن بالإيمان، وهذا له ضابط، أولاً: أن تستوفى شروط الإكراه وقد قدمناها في مباحث الإكراه على الطلاق.

    ثانياً: أن يتقيد بما أُكره عليه، فإذا أُكره على أن يقر بسيارة، فأقر بسيارة ومزرعة، أُخذ بإقرار المزرعة، ولم يؤخذ بإقرار السيارة؛ لأنه يتقيد بحدود ما أُكره عليه، فما زاد فإنه يؤاخذ به في إقراره.

    قال رحمه الله: [غير محجور عليه]

    فلا يصح إقرار السفيه بالمال؛ لأن أصل الحجر عليه هو منعه من التصرف في أمواله، وهذا نص قوله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ [النساء:5]، فأسقط تصرفاتهم المالية؛ فإذا جئنا نصحح إقرار السفيه بالمال فإنه حينئذٍ ربما يقول لفلان عليّ عشرة آلاف، ويضيع ماله؛ لأنه سفيه، ومن هنا حُجر على السفهاء في إقراراتهم المالية أو ما يئول إلى المال، أما لو كان إقراره بحد أو قطع فيصح إقراره؛ لأن المراد هنا إسقاط إقراره في الأموال وما يئول للمال، وهو الذي حجر عليه فيه، ولو قيده فقال: (غير محجور عليه فيما أقر به) لكان أدق؛ فإن هذا الذي عليه العمل عند العلماء، أما إقرار المحجور عليه في غير ما حجر عليه؛ فإنه عاقل ومكلف ومستوفٍ للشروط فيؤاخذ بإقراره، فلو أقر أنه قتل عمداً وعدواناً فإنه يقتص منه، وإقراره صحيح ما دام أنه مستوفٍ للشروط.

    قال رحمه الله: [ولا يصح من مكره، وإن أكره على وزن مال فباع ملكه لذلك صح].

    ذكرنا أنه يتقيد الإكراه بما طلب منه، فالشخص يزن مثلاً الدراهم والدنانير ثم يصرفها ويبيعها، فأُكره على أن يزن فوزن ثم باع، فالبيع صحيح؛ لأن الذي أكره عليه هو الوزن لا البيع، فبيعه لم يصادف محلاً للإسقاط، والأصل إعماله، فيعمل العقد ويبقى على صحته.

    إذاً: شرط صحة تأثير الإكراه في الإقرار أن لا يتجاوز المحل الذي أُكره عليه أو القدر الذي طلب منه أن يقر به.

    1.   

    قوادح الإقرار

    قال رحمه الله: [ومن أقر في مرضه بشيء فكإقراره في صحته إلا في إقراره بالمال لوارثه فلا يُقبل]

    صورة قدح المرض في الإقرار

    المرض نوعان: مرض مخوف، وغير مخوف.

    فأما المرض غير المخوف فكالزكام، فلو قال شخص مزكوم: فلان له عليّ ألف، فإن إقراره صحيح.

    وأما المرض المخوف، فقد تقدم تعريف ضابطه، فهذا المرض يؤثر في الإقرار إذا كان لوارث بمال، فحينئذٍ شرع المصنف رحمه الله في قوادح الإقرار في الصور الخاصة وهو: أن يكون في الأموال أو ما يئول إلى المال على الضابط الذي ذكرناه، أما لو أقر بغير ذلك كأنه يلزمه، في هذه الحالة إذا كان مريضاً مرضاً مخوفاً فعلى ضربين:

    الضرب الأول: أن يكون مرضه مؤثراً في عقله، كما هو الحال في الجلطات.. إذا أصيب بجلطة قبل موته، وكانت الجلطة مؤثرة على دماغه، فأثرت في تركيزه وحفظه، فأقر وقال: فلان له عليّ ألف، فإنه ربما كان سدد الألف فنسي بسبب الجلطة فإذا قال الأطباء: إن هذا النوع من المرض أو الأدوية التي يعطاها تؤثر في ذاكرته وضبطه فإقراره ساقط؛ لأن التهمة موجودة.

    الضرب الثاني: إذا كان مرضه لا يؤثر في أهليته بالإقرار وضبطه، فننظر حينئذٍ إما أن يقر في مرض الموت لوارث، وإما أن يقر لغير وارث -وهو الأجنبي- فإذا أقر لغير وارث أن في ذمته مائة ألف حكمنا بصحة الإقرار واعتباره؛ لأن الإنسان ربما كان ظالماً آكلاً لأموال الناس جاحداً لها، أو متساهلاً في رد حقوق الناس حتى إذا مرض مرض الموت أدركته رقة الآخرة، فانكسر وتاب، فيمكَّن من أن يخلص نفسه ويرد الحقوق إلى أهلها والمظالم إلى أصحابها.

    أما إذا كان قد أقر لوارث ففيه معارضة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصية للوارث، وحينئذ تحصل الشبهة يقولون: هذه تهمة في الإقرار، ويُشترط في صحة الإقرار أن لا يكون متهماً، فهذا وجه إدخال المصنف رحمه الله لهذه المسألة في أول كتاب الإقرار في الشروط؛ لأن من شروط صحة الإقرار أن لا يكون متهماً، فإذا كان في مرض الموت وأقر لوارث اتهم، فإنه ربما أقر له محاباة له، أو لأنه ابن بار به.

    يتخلص من شروط الوصية ويعطيه عن سبيل الإقرار، وهذا من باب التحفظ والصيانة، فحينئذٍ لا يقال ببطلان الإقرار؛ لأن الإقرار صحيح من حيث الأصل، لكن التهمة تمنع إعمال الإقرار إلا بإذن الورثة، فإذا رضي الورثة وأجازوه صحت الوصية، -وقد تقدم- وأما إذا قال الورثة: لا. فحينئذٍ نقول: الإقرار موقوف على الورثة، ولا يحكم ببطلانه. لكن هذا يسمونه الإقرار الموقوف ويحكم بصحته في الأصل ثم نقول لبقية الورثة: هل تجيزونه أو لا؟ فإن أجازوه صح ونفذ وإلا فلا.

    صورة قدح الزوجية في الإقرار

    قال رحمه الله: [وإن أقر لامرأته بالصداق فلها مهر بالزوجية، لا بإقراره].

    إذا أقر بأن للمرأة عنده صداق، فمعنى ذلك: أنه أقر أنها زوجة له؛ لأنه لا صداق إلا بنكاح، ولا نكاح يوجب الصداق إلا إذا كان نكاحاً صحيحاً شرعياً، وحينئذٍ تثبت الزوجية بإقراره، ويكون لها مهر المثل.

    قال رحمه الله: [ولو أقر أنه كان أبانها في صحته لم يسقط إرثها]

    لو أن مريضاً مرض الموت ادعى أنه طلق امرأته طلاقاً بائناً في حال صحته، فحينئذٍ يتهم، وقد سبق بيان هذا في الطلاق، حتى إن بعض الصحابة يقول: من طلق زوجته في مرض الوفاة نورثها منه، حتى لو خرجت من عدتها، بل بعض السلف يورثها ولو تزوجت رجلاً آخر، قالوا: لأنه لما أخرها إلى مرض الوفاة وطلقها دل على أنه يريد حرمانها من الإرث، وهذا ما يسميه العلماء: المعاملة بنقيض القصد.

    صورة قدح الإرث في الإقرار

    قال رحمه الله: [وإن أقر لوارث؛ فصار عند الموت أجنبياً لم يلزم إقراره؛ لأنه باطل]

    إن أقر لوارث فقال: فلان ابن عمي له عندي ألف ريال، ولم يكن حين أقر له عنده ولد، ثم شاء الله عز وجل بعد موته أن ولدت المرأة فأنجبت ذكراً، فابن العم عصبة يحجب بالابن؛ لأن مرتبة البنوة تحرم ابن العم، فعندما أقر له واعترف كان وارثاً وهذا يوجب بطلان الإقرار له إذا لم يجز الورثة -كما ذكرنا-، ثم كونه صار أجنبياً بعد ذلك لم يصادف محلاً، أي: أن بطلان الإقرار لا يعاد مرة ثانية، فيحكم بصحته بعد إلغائه؛ لأن الإبطال إلغاء، ولا يمكننا أن نعمل بعد الإلغاء، فإذا ألغي الإقرار وسقط لم يؤثر زوال المانع.

    وفي الشريعة موانع إذا زالت رُجع إلى الأصل، مثلاً: الفاسق الذي لا تقبل شهادته، إذا صار عدلاً قُبلت شهادته، فالفسق مانع مؤقت، فما دام أنه موجود يمنع، لكن إذا زال رجع الحكم للأصل وقبلت الشهادة.

    لكن هنا كونه أقر فسقط الإقرار في حال الابتداء لا يوجب أن نقول: الآن أصبح أجنبياً فنصحح الإقرار؛ لأن الإقرار بطل من أصله.

    ومن أهل العلم طبعاً من فصل في هذه المسألة بتفصيل أدق؛ لأنه في حال الإقرار إذا أقر وقلنا: إن الإقرار موقوف على إجازة الورثة. فهذا معناه أنه صحيح، وإذا كان صحيحاً في الأصل فإنه إذا زال الموجب للمنع رجع إلى الأصل من القبول بالإقرار.

    قال رحمه الله: [وإن أقر لغير وارث أو أعطاه صح، وإن صار عند الموت وارثاً]

    وإن أقر لغير وارث صح الإقرار، وحينئذٍ إذا صح الإقرار ثبت الحق لصاحبه، مثلاً: أقر لابن العم وعنده ابن ذكر، فابن العم لا يرث مع وجود الفرع الذكر الوارث، ثم شاء الله عند الإرث أن توفي الابن قبل وفاة الأب؛ فرجع ابن العم وارثاً، وهو في الأصل غير وارث، قالوا: لأنه بمجرد إنشاء الإقرار ثبت الحق لصاحبه واعتد به، وزوال المانع بعد ثبوت الإقرار لا يؤثر. وهذا صحيح.

    قال رحمه الله: [وإن أقرت امرأة على نفسها بنكاح ولم يدعه اثنان قُبل].

    أي: إن أقرت امرأة على نفسها بأنها زوجة لفلان، (ولم يدعه اثنان) أي: لم توجد خصومة أو منازع قبل إقرارها.

    1.   

    صور لما يثبت بالإقرار

    قال رحمه الله: [وإن أقر وليها المجبر بالنكاح، أو الذي أذنت له صح].

    وهو الولي الذي ينزل منزلتها، إما بالولاية كالأب الذي له حق ولاية الإجبار على ابنته البكر، فأجبرها وقال: أقر أن فلاناً هو زوج ابنتي، وأن فلانة ابنتي زوجة لفلان، فإنه يؤاخذ بهذا الإقرار ويعتد به، وهكذا من كان قائماً مقامها.

    قال رحمه الله: [وإن أقر بنسب صغير أو مجنون مجهول النسب أنه ابنه ثبت نسبه]

    فيؤاخذ به ويرث منه إذا كان حياً، ويرثه إذا كان ميتاً؛ لأن هذا المحل قابل للإقرار بلا تهمة، فإن قال: فلان ابني وليس هناك من يدعيه، وهو صغير جاهل لا يعرف نسبه فنعم، أما إذا كان كبيراً فإنه لا يثبت إذا نفى ولم يصدق، لأن هذا من حقه.

    فإذا أقر بنسب ابن صغير أو مجنون أو نحو ذلك، وليس هناك أحد ينازعه في هذا الإقرار قُبل منه هذا الإقرار، وإذا قُبل ثبت به ما يثبت بالنسب من الإرث والمحرمية وغير ذلك من الأحكام المترتبة على هذا الإقرار.

    قال رحمه الله: [فإن كان ميتاً ورثه]

    إن كان هذا الصغير ميتاً ورثه الأب الذي ادعى نسبه، لأنه في هذه الحالة له حق الإرث، وهذا الآن قليل، خاصة مع وجود الوسائل من توثيق الولادة وغيره، ولكن إن حصل في لقيط أو نحو ذلك، فقال: هذا اللقيط ابني، ثبت إقراره، وينسب إليه، ويعامل معاملة الولد له إذا كان هذا اللقيط صغيراً أو مجنوناً، أما إذا كان كبيراً فالحكم واضح في مثل هذا.

    قال رحمه الله: [وإذا ادعى على شخص بشيء فصدقه صح].

    إذا ادعى شخص عليه بمال، فقال: لي عليك ألف ريال، فقال: نعم، فحينئذ يؤاخذ بإقراره؛ لأن السؤال معاد في الجواب، أي: نعم لك علي ألف، ولو قال: أنا قصدت نعم لشيء آخر، نقول: لا يُقبل؛ لأن نعم جاءت مركبة على السؤال، والسؤال هذا لو سأله القاضي: له عليك ألف، فقال: نعم؛ فإنه يؤاخذ ويعتبر إقراراً.

    إذا ادعى عليه بأي شيء -من حيث الأصل- فقال: نعم، هذا حصل ووقع أو قال: نعم أنا ضربته.. أنا شتمته.. أنا كسرت بابه.. أنا كسرت سيارته. فحينئذٍ يؤاخذ بإقراره متى كان مستوفياً للشروط، فإذا ادعى عليه بلا شيء، فلا شيء له.

    قيل: خاصم رجل رجلاً عند قاضي، فقال: ما خصومتكما؟ قال: سله. فقال: هل له عليك شيء؟ قال: لا. ما له عندي شيء، قال: هذا (اللا شيء) أنا أريده منه، يعني الخصم يقول: ما دام أنه ما عنده شيء أنا أريد هذا الذي يدعي عليه، ومثل هؤلاء ممن بلغ عقله إلى هذا المستوى كيف تجيبه؟ تقول له: ما لك شيء، يقول: أريد هذا اللا شيء، قال: أنت ذو عقل، فأجبني إذا سألتك، أترى في يدي شيئاً؟ ثم فتحها، قال: ليس فيها شيء، قال: إذاً خذ من هذا ألا شيء، وقد وهبته لك في حق صاحبك، إذاً: لابد وأن يكون المدعى شيئاً، وهذا الشيء قد يكون في الحقوق المالية، وقد يكون في الحقوق الشخصية، فإذا ادعى عليه شيئاً فإنه يؤاخذ بإقراره.

    1.   

    ما يسقط به الإقرار

    قال رحمه الله: [فصل: إذا وصل بإقراره ما يسقطه، مثل أن يقول له: عليّ ألف لا تلزمني، ونحوه؛ لزمه الألف]

    هذه مسألة الوصل، وهي تابعة لشروط الإقرار، وهي عدم رجوع المقر عن إقراره، وعدم إبطاله من حيث الأصل؛ لأن الرجوع يؤثر في مسائل معينة، ولا يؤثر في الحقوق المالية وحقوق الآدميين، لكنه لو رجع عن حق من حقوق الله عز وجل فإنه يؤثر، والأصل في ذلك قصة ماعز ، وقد تقدمت معنا في باب الزنا.

    فلو وصل بإقراره ما يبطله، فحينئذٍ يكون هذا الإبطال نوعاً من الرجوع، كأنه أقر بشيء ثم رجع عنه، فهذه المسألة يبحثها العلماء هنا، وهي في الحقيقة تابعة لمسائل الرجوع، فقال رحمه الله: [إذا وصل بإقراره ما يسقطه، مثل أن يقول: له عليّ ألف لا تلزمني ونحوه]

    فقوله: (له عليّ ألف) هذا يثبت به الحق، وقوله: (لا تلزمني) يسقط به الحق؛ فوصل بإقراره ما يسقطه. وهذا نوع من الرجوع ونوع من الإبطال لا يعتد به ولا يُقبل، فنقول له: لما قلت: (لك عليّ ألف) ثبتت الألف لصاحبها، وقولك: (لا تلزمني) رجوع عن حق مالي، والرجوع في الإقرار عن الحقوق المالية وحقوق الآدميين لا يؤثر؛ لأنه قد ثبت بإقراره واعترافه في الحق، وحينئذٍ لا نعدل عن هذا إلا بيقين أو غالب ظن مثله، فإذا قال: ليس له عليّ شيء؛ فإنه يتهم بأنه يريد أن يسقط عن نفسه التبعات، فلا يُقبل منه قوله: لا تلزمني، فتثبت الألف.

    قال رحمه الله: [وإن قال: كان له عليّ وقضيته. فقوله بيمينه]

    هذا يسميه العلماء قبول الإقرار كلاً دون قبوله للتجزئة، وهذا مذهب بعض العلماء.

    فإذا قال: له عليّ ألف وقضيته، قالوا: في هذه الحالة قد جمع في إقراره بين أصلين لا يمكن إسقاطهما؛ لأنهما جاءا في إقرار واحد، فلا يمكن أن نقول: نقبل إقراره ولا نقبل قضاؤه، ومن هنا قالوا: مع يمينه؛ لأنها يمين تهمة، ويقبل منه ذلك.

    قال رحمه الله: [ما لم تكن بينة]

    ما لم تكن بينة تثبت أنه قد دينه أو أعطاه، بمعنى: أن عندنا أصلين: إقراره بالألف وقضاؤه لها، فأنت إذا فصلت في هذه القضية جاءك المقر وأقر بهما معاً، حينئذ تقول: إما أن أقبل الإقرار كلاً وإما أن نسقطه كلاً، فتقول: القول قوله بيمينه، فقبلت إقراره وأعطيته اليمين حتى يتخلص من الحق، وإما أن نقول: أن يثبت المدعي الأصل الأول، فيقول: له عليّ ألف، وقامت البينة على الألف، فحينئذ لا يقبل قوله: وقضيته، فتقبل جزء الإقرار بإثبات الألف أو يقيم بينة على السداد.

    قال رحمه الله: [أو يعترف بسبب الحق]

    كأن يقول: من بيع.. من هبة ونحو ذلك.. فيسنده إلى السبب.

    قال رحمه الله: [وإن قال: له عليّ مائة، ثم سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه، ثم قال: زيوفاً أو مؤجلة؛ لزمه مائة جيدة حالة].

    هناك شيء يسمونه الإطلاق وشيء يسمونه التقييد، فالمطلق في عرف يتقيد بهذا العرف، فإذا قال: له عليّ مائة، فالعرف عندنا أنها الريال السعودي، فنقول له: ادفع مائة ريال، فلو أنه قال: له علي مائة. وسكت، ثم ذكر عملة منحطة قيمتها لا تساوي الريال فإننا نلزمه بالأغلى؛ لأنه المنصرف عرفاً وهو الأصل، فكونه سكت سكوتاً يمكنه أن يصف ولم يصف ثبت به الأول، وكان بإمكانه أن يستدرك، لكنه لم يستدرك لنفسه، ويثبت كون المائة جيدة صحيحة غير مزيفة، وكون العملة أعلى، ولو كان هناك عملة في البلد وعلمت أن غيرها أعلى، فالمعروف أنه عند الإطلاق تنصرف إلى الجيدة الصحاح فلا يقبل قوله: مكسرة؛ لأن قوله مكسرة يقع هروباً مما أقر به، فكما أن قوله: لا تلزمني، يسقط كل المقر به، فهنا يسقط جزء المقر به، لكنه إسقاط بنوع من التلاعب والتحايل، ولو فتح هذا الباب سقطت حقوق الناس.

    ومن أهل العلم من قال: إنه يقبل منه، حتى ولو مضى وقت، إذا سأل وبين. وهذا مبني ومقيس على مسألة استثناء.. البعض من الكل.

    قال رحمه الله: [وإن أقر بدين مؤجل فأنكر المقر له الأجل؛ فقول المقر مع يمينه]

    مثاله: أقر محمد لعبد الله بألف، قال: ولكنها دين مؤجل، فقال المقر له: لا. بل إني أعطيته الألف وديعة آخذها منه حينما أريد، فحينئذٍ يلزمه الدفع فوراً؛ لأن الأصل في الحقوق أنها تدفع فوراً، وبناء على ذلك نقول: إقراره بالألف أو بالحق يوجب عليه دفعه لصاحبه، ما لم يثبت ما خالف الأصل وهو التأجيل. وهذا راجع إلى الأصل وما خالف الأصل، فالمطلق يقيد به، فعندنا الذهب المغشوش والذهب الخالص، والصحاح والمزيفة والمكسرة، والصحاح والمكسرة والزيوف والخالصة والعملة الغالية، كلها تنصرف إلى المعروف عرفاً حتى يثبت خلافها؛ لأنها الأصل.

    قال رحمه الله: [وإن أقر أنه وهب أو رهن وأقبض، أو أقر بقبض ثمن أو غيره، ثم أنكر القبض ولم يجحد الإقرار، وسأل إحلاف خصمه؛ فله ذلك]

    هذه المسألة قد تشكل على البعض وصورتها: أن كون شخصاً يقول: وهبت فلاناً وأقبضته، فحينما يعترف أنه وهب فلاناً وأقبضه معناه أنه يعترف أنه ملّكه؛ لأن الهبة تملك بالقبض -وقد بينا هذا في باب الهبة- إذاً ما الذي يجعل المقر له ينكر أنه قبض؟ ما الذي يجعل المقر يعدل عن الإقباض؟

    هذا يتأتى في مسائل الخصومات إذا حصل ضرر من الشيء الموهوب، فمثلاً: أعطاه عمارة هبة ثم سقطت العمارة على أربعة أشخاص وقتلتهم، فالدية لأربعة أشخاص أعظم من قيمة العمارة، فحينئذ إذا أثبت أنه وهبه وأقبضه. فهذا من مصلحة المقر، والمقر له من مصلحته أن يقول: وهب ولكن ما أقبضني، وحينئذ يرد الإشكال: هل قبض أو لم يقبض؟ وانتقال اليد موقوف على القبض؛ لأن الهبة بالإجماع تثبت بالقبض لقصة أبي بكر رضي الله عنه مع ابنته عائشة : (إني كنت قد نحلتك ثلاثمائة وسقاً جاداً من نخل نخلي بالغابة، فلو أنك احتجتيه وقبضتيه لكان ملكاً لك، أما إنك لم تفعلي ذلك فأنت اليوم وإخوتك فيه سواء) وهذا يدل على اشتراط القبول في الهبة، فحينئذ إذا ادعى أنه أقبضه، وقال الموهوب له: ما أقبضه، فإنه أول شيء يقر أنه وهبه، ثم يقر أنه أقبضه، فالمقر له يتهرب من قضية الإقباض، فإذا قال: ما أقبضني، يقول: أنا أسأل القاضي أن يحلفه أني ما أقبضته؛ كان له ذلك المراد، ولذلك بعض الشراح يقول: كيف يقر الخصم أنه أعطاه ثم نقول له: يحلف؟! ولا يتأتى إلا في مسائل فيها الخصومة والنزاع التي يخشى الإنسان فيها من بقاء الملكية واليد، خاصة إذا حدث الضرر من العين ونحو ذلك.

    قال رحمه الله: [وإن باع شيئاً أو وهبه أو أعتقه، ثم أقر].

    كإقراره في الرقيق والعبيد، كأن يجني عبداً جناية، فمن المصلحة أن لا يكون العبد في ملكه، وحينئذ يرد النزاع في الإقباض وعدمه؛ لأن الملكية تنتقل بالقبض.

    قال رحمه الله: [وإن باع شيئاً أو وهبه أو أعتقه، ثم أقر أن ذلك كان لغيره لم يقبل قوله، ولم ينفسخ البيع ولا غيره ولزمته غرامته]

    الصورة الأولى: إذا قال له: بعتك هذا الكتاب، فأخذ الكتاب بعشرة، ثم بعد البيع ادعى البائع أن الكتاب ليس له، فحينئذ عقد البيع ثابت على وجه لا إشكال فيه، وهو عقد شرعي أمرنا الله بالوفاء به فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] فإذا جاء البائع يدعي أنه ملك لغيره، ففي هذه الحالة الأصل أن هذا الكتاب انتقل إلى المشتري، فإقراره بعد البيع لم يصادف شيئاً يملكه، فقد تم عقد شرعي وهو البيع ثم جاء إقرار لم يصادف محلاً، فهو يقر بشيء لم يعد له عليه يد؛ لأن البيع قد تم وانتهى، فمن هنا سقط إقراره بعد ثبوت البيع، لكنه بهذا الإقرار قد أقر أنه تصرف في مال الغير، فاشتمل إقراره على أمرين:

    الأول: أنه أراد أن يسقط البيع، والقاعدة الشرعية تقول: الإعمال أولى من الإهمال، الأصل إعمال العقود لا إهمالها ولا إلغاؤها؛ فنبقي البيع سارياً في إعماله، فتثبت به الملكية، ثم جاء إقراره بهذا المال للغير أشبه بالشهادة، فهو ليس إقراراً يوجب ثبوته؛ لأنه لم يملكه، وشرط صحة الإقرار: أن يقر بشيء يملكه وبشيء له حق أن يقر فيه. لكن الجانب الثاني: وهو كونه يقول: هذا الكتاب لزيد وليس لعمرو الذي اشترى مني، فحينئذ قد أثبت بنفسه جناية على مال زيد، يعني أنه باع مال زيد، وحينئذ نقول له: تغرم لزيد المال، ويصحح البيع إعمالاً له على الظاهر.

    الصورة الثانية: يقول: أنا لم أكن مالكاً له، فإذا قال: لم أكن مالكاً له؛ فحينئذ جاء بشرط يؤثر في البيع، ويورد الشبهة في العقد، أما أن يقول: هذا الكتاب ليس لعمرو الذي اشتراه وإنما هو لزيد فهذا إقرار لم يصادف محلاً. هذا هو وجه التفريق بين الإقرارين، حينما ينفي أنه ملكه فحينئذ لا إشكال؛ لأن من شرط صحة العقد أن يكون مالكاً له، وحينما يقول: هو لفلان وليس لفلان فقد جاء إقراره غير مصادف للمحل المعتبر، فيسقط في الثاني ويعتد به في الأول.

    قال رحمه الله: [وإن قال: لم يكن ملكي ثم ملكته بعد، وأقام بينة قبلت]

    إذا قال: لم يكن ملكي وبعته وأنا لا أملكه؛ لأن الإنسان قد يسهو ويأخذ كتاب صاحبه يظنه كتابه فيبيعه، ثم لما باعه قال: هذا الكتاب ليس ملكاً لي، بل ملكاً لغيري، وأقام بينة على أن فلاناً جاء بكتابه ووضعه عنده وكلا الكتابين يشبه أحدهما الآخر فأخطأ وباع، فحينئذ يقبل قوله ويحكم بانفساخ البيع؛ لأنه باع ما لا يملكه، ومن شرط صحة البيع أن يكون لما يملكه.

    قال رحمه الله: [إلا أن يكون قد أقر أنه ملكه أو أنه قبض ثمن ملكه لم يقبل]

    هذا يسمونه التناقض: أن يكون عنده إقرار سابق ثم يأتي بإقرار لاحق، يقصد به إلغاء الإقرار السابق وإبقاء الإقرار اللاحق، يقول: يا فلان! بكم هذا الكتاب؟ قال: بعشرة، قال: هو ملك لك؟ قال: نعم، هو ملك لي، وأقر بملكيته، ثم جاء وقال: ليس بملك لي، فحينئذ يريد إبطال البيع، فلا نقبل منه إقراره بأنه غير مالك.

    إذاً شرط قبول إقراره بأنه غير مالك: أن لا تكون هناك تهمة في مناقضته لإقرار سابق، أما لو ثبت أنه أقر سابقاً فإنه يسقط الثاني ويبقى الحكم الأول.

    1.   

    الإقرار المجمل

    قال رحمه الله: [فصل: إذا قال: له عليّ شيء، أو كذا، قيل له: فسره]

    هذا يسمونه الإقرار بالمجمل، والمجمل هو الذي يتردد بين معنيين فأكثر لا مزية لأحدها على الآخر، أو بين معنيين فأكثر بالسوية.

    والمجملات تحتاج إلى بيان وتفسير، ولذلك من شرط قبول الإقرار: أن يكون بيناً، وبعض العلماء يقول بعدم قبول الإقرار المجمل نهائياً، ومنهم من يقول: نقبل الإقرار المجمل ولكن نطلب تفسيره ممن أقر به. وهذا هو الذي درج عليه المصنف رحمه الله، وهو مذهب طائفة من أهل العلم.

    فقوله: له عليّ شيء (شيء) هذه نكرة يحتمل أنه غالي ويحتمل أنه رخيص.. يحتمل أنه من العقارات ويحتمل أنه من المنقولات.. يحتمل أنه حق من الحقوق العامة مثل الشفعة.. يحتمل أنه حق في القذف أو عرض أو نحو ذلك، فيطالب ببيان وتفسير ما أجمل، فإذا أراد أن يفسر ينبغي أن يفسر بشيء له قيمة يصدق على أنه شيء، ولو قال: علي مال، ينبغي أن يكون الشيء الذي يقر به مالاً محترماً شرعاً، وعلى هذا لو قال: له عليّ مال، ثم قيل له: ما هذا المال؟ قال: ميتة، أو خمر، أو خنزير، نقول: هذا التفسير ساقط، ونلزمه بدفع أقل ما يصدق عليه أنه مال، وإذا لم يبين ولم يفسر الأصل يقتضي أنه يحبس حتى يبين ويفسر ما أجمله؛ لأن فيه حقاً للغير، وهو الخصم الذي أقر له.

    قال رحمه الله: [فإن أبى حبس حتى يفسره]

    هذا مذهب من يرى الحبس في الحقوق المبهمة والمجملة، والحبس ينبغي أن لا يكون إلا بدليل واضح بين.

    قال رحمه الله: [فإن فسره بحق شفعة، أو بأقل مال قبل]

    (فإن فسره بحق شفعة) قال: له عليّ حق أن أشفع له في عقار بينه وبين أقاربي، وفعلاً كان بينه وبينهم عقار فيقبل منه؛ لأنه يصدق عليه بأنه شيء، وله حق أيضاً.

    (أو بأقل مال) قال: له عليّ مال، ثم قيل: كم المال؟ قال: ريال ونصف، الريال والنصف يصدق عليه أنه مال، فنقبل منه، لكن لو قال: له عليّ شيء، قال: فسر، قال: حبة شعير، هذه لا يمكن أن تقبل ولا يصدق عليها أنها مال عرفاً.

    قال رحمه الله: [وإن فسره بميتة أو خمر أو كقشر جوزة لم يقبل]

    هذا مفهوم العبارة السابقة، قال: له عليّ مال، قال: ما هو المال؟ قال: ثعلب محنط -مثلما يحنطون الآن- هذا ليس بمال؛ لأنه لا يجوز بيع الثعالب المحنطة، نقول: هذا ميتة وليس بمال، إنما يقبل أن يكون مالاً محترماً شرعاً، وهكذا لو فسره بالخمر وبالخنزير كله لا يقبل؛ لأنه لما قال: له عليّ مال، ثم ذكر شيئاً لا قيمة له في الشرع ولا يعتد به شرعاً فكأنه تهرب من الإقرار، كما ذكرنا عند قوله: (له عليّ ألف لا تلزمني) وهو التهرب الصريح والتهرب الضمني.

    قال رحمه الله: [ويقبل بكلب مباح نفعه، أو حد قذف]

    (ويقبل بكلب مباح نفعه) وهو كلب الحراسة وكلب الصيد المعلم، فإذا فسره فقال: له عليّ كلب معلم قُبل تفسيره. والنفع المباح هو الصيد والماشية، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم استثناء الكلب للصيد وحراسة الغنم والدواب والبهائم، هذه ثلاثة أنواع من الكلاب: (من اتخذ كلباً إلا كلب صيد أو حرث أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان)، وهذا يدل على أنه له قيمة شرعاً ومنفعته مباحة.

    ومذهب بعض العلماء أنه إذا أتلف كلب الصيد المعلم الذي خسر على تعليمه فعليه ضمانه، وهو مذهب ضعيف، لكن له وجه مما ذكرناه.

    قال رحمه الله: [وإن قال: له عليّ ألف، رجع في تفسير جنسه إليه]

    (وإن قال: له عليّ ألف) هذه الألف ما ندري دولارات أو ريالات أو دنانير أو دراهم. نقول له: فسر، هل هي ألف دولار أو دينار، فإذا فسره بالدولار قبل، وإذا فسره بالريال قبل؛ لأنه يحتمل، ولو فسر المحتمل بأي تفسير قبل منه؛ إذا كان اللفظ يحتمله.

    قال رحمه الله: [فإن فسره بجنس واحد أو بأجناس قبل منه]

    قال: هذه الألف دولارات؛ فأخذ بالقيمة الغالية قبل منه، هذه الألف ريالات؛ فأخذ بالقيمة الدنيا قبل؛ له ألف؛ خمسمائة دولارات وخمسمائة ريالات -مشترك- قبل، قال بأي شيء؛ سواء أجناس أو جنس واحد.

    قال رحمه الله: [وإذا قال: له عليّ ما بين درهم وعشرة؛ لزمه ثمانية]

    لأن التسعة تسقط بالبينية، ويوافق في هذا بعض فقهاء المالكية الحنابلة رحمهم الله، فما بين درهم وعشرة يلزمه أن يدفع ثمانية؛ لأن هذا يقتضي البينية.

    ومن أهل العلم من قال: يلزمه تسعة، لوجود المقاربة، فيدفع تسعة دراهم، والقول الأول يختاره المصنف رحمه الله لوجود البينية، لكن ما الذي يبين له البينية من ناحية ما بين التسعة وما بين الدرهم وبين العشرة؛ لأن التسعة مقاربة للعشرة وما قارب الشيء أخذ حكمه.

    قال رحمه الله: [وإن قال: ما بين درهم إلى عشرة، أو من درهم إلى عشرة؛ لزمه تسعة].

    هذا للمقاربة لا إلى الغاية، وحينئذ تكون الغاية إلى العشرة وما دونها غير منفية، فتكون تسعة، وما بين درهم وعشرة نفس الحكم، قالوا: لأن هذا يقتضي البينية وقد بيناها في اللفظ وفي المعنى.

    قال رحمه الله: [وإن قال: له علي درهم أو دينار؛ لزمه أحدهما].

    الدينار أغلى من الدرهم، مثل: له عليّ دولار وريال والدولار أغلى من الريال، نقول له: فسر. وهذا مراد المصنف: أنه إذا تردد بين الغالي والرخيص طلب منه أن يبين؛ لأن هذا محتمل.

    قال رحمه الله: [وإن قال: له عليّ تمر في جراب، أو سكين في قراب، أو فص في خاتم ونحوه؛ فهو مقر بالأول].

    (له عليّ تمر في جراب) قالوا: مقر بالتمر وغير مقر بالجراب؛ لأنه قال: تمر في جراب، وما قال: تمر وجراب، وبعض الأحيان الشخص يقول: له عليّ كيس في الثلاجة، فليس معنى ذلك أن نأتي نأخذ الكيس والثلاجة؛ لأن بعضهم يقر بهذا ويقصد أن الذي عليه موضوع في جراب أو في ثلاجة، هذا وجهه، وحينئذ المقر به الأول، وليس المحل تبعاً لما أقر به، والتمر في الجراب.

    (أو سكين في قراب) كذلك هو في هذه الحالة لا يقصد؛ لأن كثيراً من الناس يعبر بهذا التعبير ولا يقصد مجموع الأمرين؛ لأنه لو قصد هذا لعبر بالمشاركة، أو قال مثلاً: له عليّ جراب فيه تمر، فهذا واضح بأنه يقصد الجراب مع التمر، لكن إذا قال: تمر في جراب، أو سكين في قراب أو سيف في غمده ونحو ذلك فإنه يقصد به الأول دون الثاني، وهكذا لو قال: فص في خاتم.

    فهو مقر (بالأول) بالتمر وبالسكين وبالفص، ولا يلزمه الجراب ولا القراب ولا الخاتم؛ لأنه لم يقر بالثاني.

    قال رحمه الله تعالى: [والله سبحانه وتعالى أعلم].

    والله أعلم وأحكم سبحانه، سبحان من علم آدم وعلم الأنبياء والعلماء.

    ونسأل الله بعزته وجلاله أن يجعله علماً نافعاً وعملاً صالحاً، ونسأله بعزته وجلاله أن يجعله شافعاً نافعاً يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3002736981

    عدد مرات الحفظ

    718595514