إسلام ويب

شرح أحاديث مختارة من كتاب التجريد الصريح [11]للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • طلب العلم من العبادات التي من أجلها بنيت المساجد، ولا يمكن أن يُمنع ذلك في المسجد؛ لأن المسجد مخصص للعبادة، ولا يمكن أن يعبد الله سبحانه وتعالى إلا بعد تعلم ما أمر به، فيشرع الجلوس في المسجد لطلب العلم وعادة السلف التحليق في وقت الطلب وللتحليق أداب منها: ألا يؤذي بعضهم بعضًا، وألا يزاحمه، وأن يكون السابق بادئًا. ويجوز الاستلقاء، وهو: الاضطجاع على الظهر، ويشرع البقاء في المسجد والمكث فيه، ولو لم يكن الإنسان في صلاة.

    1.   

    شرح باب الحلق والجلوس في المسجد

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أما بعد:

    فيقول البخاري رحمه الله: باب: الحلق والجلوس في المسجد.

    عقد هذا الباب للجلوس في المسجد لطلب العلم والتحلق فيه، وهذا معنى (الحلق)، و(الحلق) جمع (حلْقة) بالإسكان، وهذا الفصيح فيها، وقد تحرك؛ أي: قد تفتح، يقال: (حلَقة) نادرًا، والفصيح أن يقال: (حلْقة)، وجمعها (حلقات) بالتحريك، وهي المستدير من المجلس، أو من الجماعة، أو من الحديد، فالحلقة المفرغة معناها: التي لا يدرى أين طرفاها، والمقصود بذلك: أن المسجد بني لهذا، فطلب العلم هو من العبادة التي من أجلها بنيت المساجد، ولا يمكن أن يُمنع ذلك في المسجد؛ لأن المسجد أصلًا مخصص للعبادة، ولا يمكن أن يعبد الله سبحانه وتعالى إلا بعد تعلم ما أمر به؛ ولذلك قال الغزالي رحمه الله: (ما عصي الله إلا عن جهل به، أو بشرعه)، فالمعصية أصلها إما الجهل بالله، كمعصية الذين يعرفون الأحكام، فيتجاسرون على المعاصي، فهم جاهلون بالله؛ ولذلك تجاسروا على معصيته، أو عن جهل بشرعه، كحال عوام الناس وأكثرهم؛ لأنهم يجهلون الأحكام، فمن أجل ذلك وقعوا في المعاصي.

    وقد عرف في تاريخ الإسلام تحلق الناس لطلب العلم، وذلك أنهم جميعًا في الطلب سواء، فلا يكون بعضهم وراء بعض إلا عند الضرورة وضيق المكان، وقد ورد في ذلك عدد من الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (فقد كان يومًا جالسًا، تحلق أصحابه عليه في المسجد، فجاء ثلاثة نفر؛ فأما أحدهم فوجد فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأما الآخر فجلس وراءهم، وأما الثالث فرجع، (انصرف)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم فأوى إلى الله، فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا، فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض، فأعرض الله عنه)، والذي أوى إلى الله فآواه الله: هو الذي دخل في الصف، وهذا يدل على أن صفوف العبادات هي مثل صفوف الصلاة، فوصلها مطلوب، ومن المطلوب أن يجعل الإنسان نفسه مع العابدين الذاكرين الله، فإنه إذا اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، تحفهم الملائكة، وتتنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، كما ثبت في حديث أبي هريرة رضي الله عنه في صحيح مسلم، وغيره: (ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه)، وهذا يشمل دراسة الأحكام؛ لأن مأخذها من القرآن، فالسنة كلها داخلة في القرآن في قول الله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[الحشر:7]، وكذلك العلم كله، ما لدينا من العلم- ونحن في هذه الأمة الأمية- كله مأخوذ من كتاب الله؛ فلذلك كل علوم الدين هي من تدارس القرآن، ما كان منها مأذونًا فيه شرعًا أو مطلوبًا، أما ما كان منهيًا عنه شرعًا، فلا يدخل في حيز ذلك، ومن ذلك الفلسفات المضلة، وما كان فيه اعتداء وتجاوز.

    والمقصود بالجلوس في المسجد؛ أي: لطلب العلم، وقد ورد في الحديث: (طلب العلم فريضة على كل مسلم

    1.   

    شرح حديث ابن عمر: ما ترى في صلاة الليل

    فقال: وعنه رضي الله عنه؛ أي: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: ما ترى في صلاة الليل؟)، (سأل رجل)؛ أي: من الصحابة، (النبي صلى الله عليه وسلم: ما ترى في صلاة الليل؟)؛ أي: في كيفيتها، فإنه بين لهم كيفيات الفريضة، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، فلا يحتاجون إلى سؤاله عن كيفية الفريضة وعدد ركعاتها وهيئاتها؛ لأنه أراهم ذلك وبينه، وكذلك نوافل النهار، فقد كان يصلي راتبة الظهر القبلية والبعدية في المسجد، راتبة وكذلك العصر وهي قبلية، فكان يصليها في المسجد، فإذًا صلاة النهار واضحة لهم، فرضها ونفلها، وبقي صلاة الليل، وصلاة الليل تطلق على قيام الليل، وهو التهجد؛ أي: مجانبة الهجود، والهجود: النوم؛ أي: ما يكون من الصلاة في الوقت الذي ينام فيه الناس؛ لأن الله تعالى يقول: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[السجدة:16]، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح صلى واحدةً، فأوترت له ما صلى)، (مثنى مثنى)؛ أي: صلاة الليل هكذا تكون مثنى مثنى؛ أي: ركعتين ركعتين، وهذا هو الأفضل فيها؛ أي: أن يسلم من كل ركعتين، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم غير ذلك، ففي حديث عائشة: (أنه كان يصلي ركعتين خفيفتين، يفتتح بهما صلاة الليل، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، لا يسلم بينهن، ثم يصلي أربعًا، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن)، وفي رواية أيضًا: (لا يسلم بينهن)، وهذا يقتضي أنه قد يجمع بين أربعٍ بتسليمة واحدة، وقد ثبت ذلك في عدد من الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم في النافلة.

    وكذلك الوتر، فإنه هنا ذكر فيه واحدة، قال: (فإذا خشي الصبح صلى واحدة، فأوترت له ما صلى)، والواحدة هي أقل الوتر، والوتر: هو ما لا ضعف له من العدد، ما لا ثاني له من العدد؛ أي: يشمل واحدة، وثلاثًا، وخمسًا، وسبعًا، وتسعًا، إلى آخره.

    لكن ظاهر هذا السياق أن ذلك عند ضيق الوقت يقتصر على الواحدة، إذا ضاق الوقت فخشي الإنسان الصبح، فيقتصر في الوتر على واحدة، وإذا لم يضق الوقت، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك، فقد أوتر بثلاث، وأوتر بخمس، وأوتر بسبع، وأوتر بتسع، وانتهى وتره إلى إحدى عشرة ركعة، لا يسلم بينهن، لكن اختلف حينئذ في هيئة الصلاة، هل يجلس بعد كل اثنتين، أو لا يفعل ذلك، فإذا كان الوتر ثلاثًا فقد اختلف أهل العلم في هذا، فذهب الحنفية إلى أنه لا يجلس في الاثنتين، بل يجعلهن سردًا؛ لئلًا يكون ذلك كهيئة صلاة المغرب، وذهب الجمهور إلى أنه يجلس بعد كل اثنتين، فيجلس إذا كان سيوتر بتسع يجلس بعد اثنتين، ثم يجلس بعد اثنتين، ثم يجلس بعد اثنتين، ثم يجلس بعد اثنتين، ثم يسلم بعد الأخرى، إذا كان سيوتر بسبع يجلس بعد اثنتين، ثم بعد اثنتين، ثم بعد اثنتين، ثم يسلم بعد الأخرى، وهكذا، وإذا جلس فسيقتصر حينئذ على التشهد؛ لأنها بمثابة التشهد الأول في الصلاة الرباعية أو الثلاثية، وحينئذ يقتصر فيه على التشهد، وإذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فيه فلا حرج، لكن لا يزيد على ذلك؛ لأن التشهد الأول يطلب تقصيره.

    ومعنى (مثنى مثنى)؛ أي: اثنتين اثنتين اثنتين، بالتكرار، وهي معدولة عن ذلك، فأصل (مثنى): اثنتين اثنتين اثنتين، وعدلت، عدل بها عن هذا اللفظ؛ ولذلك منعت من الصرف، (مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح)، معناه: خشي طلوعه، (صلى واحدة، فأوترت له ما صلى)، وذلك أن الله وتر يحب الوتر، فالفرائض موتورة بصلاة المغرب، فهي في اليوم والليلة سبع عشرة ركعة بالنسبة للمقيم، وهذه السبع عشرة فيها وتر قطعًا، وهو في المغرب ثلاث ركعات، وكذلك صلاة المسافر ينقص منها ست ركعات، فتبقى إحدى عشرة ركعة في الفريضة، وأصل الصلاة الخمسون التي فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وقد بقي أجر الخمسين على الخمس؛ لأن الله قال له: (هن خمس، وهن خمسون، ما يبدل القول لدي)، لكن مجموع ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليه، وما حض عليه، إذا راجعته وجدته يقترب من ذلك دائمًا؛ أي: من خمسين ركعة، لا من خمسين صلاة، والركعة قد تسمى صلاة؛ لأن الوتر صلاة، فإذا عددت الفرائض سبع عشرة ركعة، وعددت ركعتين قبل الفجر وستًّا، في وقت الضحى، وأربعًا قبل الظهر، واثنتين بعدها، واثنتين قبل العصر، أو أربعًا بعد الظهر، أو أربعًا قبل العصر، واثنتين بعد المغرب، واثنتين بعد العشاء في بيته خفيفتين، ثم صليت من الليل ثلاث عشرة ركعة، أو إحدى عشرة ركعة، على ما سبق في النقص في النهار، فيتم لك من ذلك خمسون ركعة، وإذا حافظ الإنسان عليها، يكون قد شكر نعمة الله عليه في اليوم والليلة.

    وإنه كان يقول: (اجعلوا آخر صلاتكم وترًا)، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، (إنه)؛ أي: إن ابن عمر، (كان يقول: اجعلوا آخر صلاتكم)؛ أي: يأمر أهله بذلك وطلابه، (اجعلوا آخر صلاتكم وترًا)، والمقصود: صلاة الليل؛ ولذلك جاء في الرواية الأخرى: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا)، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، فهذا رفع لهذا الحديث، وهو يقتضي أن يوتر الإنسان عند نهاية صلاته، لكن إذا صلى وهو يريد النوم فمن الأفضل ألا ينام قبل أن يوتر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أوصى رجلين من أصحابه بذلك، فقد أوصى أبا هريرة وأبا ذر بالوتر قبل النوم، وذلك أن الإنسان قد ينام فيصبح عليه الوتر، والوتر أمر عظيم جدًّا، وما ورد في شيء من النوافل ما ورد من الحض على الوتر، فيوتر الإنسان قبل أن ينام، فإذا قام من الليل، فإنه أيضًا يصلي ما كتب له، لكن لا يلزمه وتر آخر؛ لأنه إذا أوتر مرة أخرى صارت صلاته شفعًا لا وترًا.

    وكان ابن عمر رضي الله عنه إذا حصل له ذلك، فنام بعد الوتر، ثم قام يبدأ صلاته بركعة واحدة يشفع بها وتره الماضي، ثم يصلي ما كتب له، ثم يوتر مرة أخرى، وعلى هذا يكون قد صلى الوتر ثلاث مرات، أوتر أول الليل، ثم شفع ذلك الوتر بوتر آخر، ثم أوتر في نهاية صلاته، وهذا فهم منه، ولم يوافقه الصحابة رضوان الله عليهم عليه، بل رأوا أنه يكفي ذلك الوتر الأول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا وتران في ليلة)، وإذا انتفى الوتران دل ذلك على أن ما زاد على ذلك منفي، إذا قال: (لا وتران في ليلة)، معناه: ثلاثة أوتار، أو أربعة أوتار، أو خمسة منهي عنها، والوتران شفع دائمًا، إذا حصل وتران لا بد أن يحصل الشفع، والمطلوب في الصلاة الوترية كما ذكرنا؛ لأن الله وتر يحب الوتر؛ ولذلك فكثير من أمور العبادات يقصد فيها الوتر، كما ذكرنا في ركعات الصلاة في الفرض وفي النفل، وأيضًا في الغسلات، ثلاث غسلات في الوضوء، ومثل ذلك في الاستجمار، وفي غيره في كثير من الأمور يندب فيها الإيتار، ومثل ذلك في غسل الميت: (اغسلنها ثلاثًا، أو خمسًا، أو سبعًا، إن رأيتن)، كما في حديث أم عطية في غسل إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم، فكل ذلك تطلب فيه الوترية.

    وهذا الحديث ليس فيه ذكر الحلق، لكن فيه الجلوس في المسجد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان على المنبر عندما سأله الرجل، وظاهر ذلك أن الرجل كان جالسًا في المسجد، ولكن يدل الحديث عمومًا على طلب العلم في المسجد، وعادة السلف التحليق في وقت الطلب؛ لأن كثيرًا من الفهم في العينين، فإذا كان الإنسان يرى، فإن رؤيته المباشرة للمتحدث تعينه على فهم كلامه؛ ولذلك كانوا يتحلقون، وكان لذلك (آداب التحلق) ألا يؤذي بعضهم بعضًا، وألا يزاحمه، وأن يكون السابق بادئًا، وأن يقوم الإنسان عن مقعده لمن هو أفضل منه أو أكبر إجلالًا له وتقديرًا، ونحو ذلك من آداب التحليق.

    1.   

    شرح باب الاستلقاء في المسجد

    ثم قال: باب: الاستلقاء في المسجد.

    أي: باب: جواز الاستلقاء، وهو: الاضطجاع على الظهر، أن يجعل الإنسان وجهه إلى السماء، فقد ورد النهي عن الاضطجاع في المسجد، ولكن ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه وعن بعض أصحابه، فقد ثبت عن أبي بكر، وعن عمر، وكان عثمان أيضًا يرتفق في مؤخرة المسجد في الثلث الأخير من الليل، فيقرأ الناس عليه القرآن كما في الموطأ، وكذلك فإن علياً لما غاضب فاطمة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم نام في المسجد، فانكشف رداؤه عن جنبه، فلصق به التراب، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم، فمسح عنه التراب، وقال: (قم أبا تراب)، فكانت أحب أسمائه إليه؛ ولذلك فإن كثيرًا من أهل العلم يرون أن النهي عن الاستلقاء في المسجد منسوخ بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وخلفائه الراشدين، وذهب بعضهم إلى أن النسخ لا يثبت إلا بدليل مخصوص؛ فلذلك لا يحمل على النسخ، لكن يقال: إنما جاء النهي عن الاستلقاء في صورة مخصوصة، وهي إذا كان أمام المصلين، أو في ذلك أذًى لهم، أو تضييق للمسجد عليهم، فهم أولى بذلك، وبالأخص إذا كان أمام المصلي، فإن وجه الآدمي مشغلة عن الصلاة إذا كان الإنسان ينظر إليه، بخلاف قفاه، كان الإنسان جالسًا، وكنت تصلي وراءه، فيمكن أن تستتر به، ولا شأن لك في قفاه، لكن إذا كان ينظر إليك- وهو أمامك- فهذا مشغلة عن الصلاة، كذلك إذا كنت تراه في حال الاستلقاء.

    1.   

    شرح حديث ابن زيد أنه رأى النبي مستلقيًا في المسجد، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى

    فقال: عن عبد الله بن زيد الأنصاري أنه: (رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مستلقيًا في المسجد، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى)، فـعبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري رضي الله عنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستلقيًا في المسجد؛ أي: مضطجعًا فيه على ظهره، واضعًا إحدى رجليه على الأخرى، وهذا يدل أيضًا على جواز ذلك، وقد ورد النهي عنه في حديث صحيح في النهي عن وضع إحدى الرجلين على الأخرى في حق المضطجع، فهو أيضًا يحمل على نسخ ما سبق، ويمكن أن يقال: إن النسخ لا يثبت إلا بدليل مخصوص، ولا نعرف أي الحديثين كان أولًا، فيقال: إنما كان النهي في حال مخصوص، وهو إذا كان ذلك عرضة لكشف الإزار عن الإنسان، ولا يحق هذا على المتسرول الذي يلبس السراويل؛ لأنه لا يتعرض للكشف، بخلاف المؤتزر، فهو عرضة للكشف، فإذا رفع إحدى رجليه، وبالأخص إذا كان قد رفع ركبته، فجعل رجله على ركبته، فهو عرضة للكشف حينئذ إذا كان مؤتزرًا، وكذلك إذا رفع رجله على الأخرى، كثيرًا ما تنكشف فخذه مثلًا، والعورات يجب الحفاظ عليها بالستر، وقد دخل ذلك في قول الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ[النور:30]، فالحفظ يشمل الحفظ من النظر، والحفظ من الاستمتاع.

    من فوائد حديث ابن زيد

    والحديث يدل على أن الإنسان يشرع له البقاء في المسجد والمكث فيه، وأن المكث في المسجد عبادة، ولو لم يكن الإنسان في صلاة، وذلك أن المساجد هي أحب البقاع إلى الله، ومكث الإنسان فيها منع لنفسه عن المعصية؛ لأن الإنسان ما دام في المسجد، فجوارحه ممنوعة عن المعصية محجوبة عنها، وأيضًا فإن في ذلك تعرفًا على الملائكة الذين يكتبون الناس على أبواب المساجد، الأول فالأول، وقد فسر كثير من أهل العلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تعرف إلى الله في الرخاء، يعرفك في الشدة)، بالمرابطة في المساجد، قالوا: التعرف إلى الله في الرخاء بالمرابطة في المساجد؛ أي: بانتظار الصلاة قبل أن يحين وقتها، كانتظار الصلاة بعد الصلاة، قد سمى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك رباطًا، فقال: (ألا أخبركم بما يكفر الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، وهذا تعرف إلى الله في الرخاء؛ لأنك إذا جئت في وقت الصلاة فالوقت ضيق لبقائك في المسجد، فليس في الرخاء، بل هو في وقت الشدة، فإذا جئت قبل الصلاة بوقت، أو انتظرتها قبل أن يدخل وقتها، فقد تعرفت إلى الله في الرخاء، فكنت ضيفًا على الله في بيته ومسجده، وتتعرض لنفحاته وإكرامه، وقد كان ضيوف النبي صلى الله عليه وسلم ينامون في المسجد، وهم أهل الصفة من فقراء المهاجرين.

    1.   

    شرح باب الصلاة في مسجد السوق

    ثم قال: باب: الصلاة في مسجد السوق.

    عقد هذا الباب لجواز الصلاة في مسجد السوق، وذلك أنه ورد: (أن أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأن أبغض البقاع إلى الله أسواقها)، فظاهر ذلك أنها ليست محلًا للعبادة؛ لأنها مبغوضة، لكن إذا اتخذ فيها مسجد، فلا حرج في الصلاة في ذلك المسجد، ولا يشمله ما يشمل السوق من البغض، فهو مكان للطاعة، وحينئذ لا يجوز البيع فيه، ولا تعريف الضالة، ولا غير ذلك مما لا يجوز في المسجد، والمقصود بالمساجد هنا: مسجد السوق إذا كان مسجدًا مخصوصًا، كالموقوف المبني المحوز، ومثل ذلك ما إذا خص الإنسان من محل بيعه مكانًا للصلاة، وهو غير موقوف، وغير مخصص، ولا محرز فيمكن أن يتخذ مسجدًا، ومثل ذلك المساجد المؤقتة، كمساجد أهل البدو الرحل، فإنهم يتخذون مكانًا مسجدًا لوقت نزولهم، ثم ينتقلون، وتزول المسجدية عنه بانتقالهم عنه، لكن لا ينقص ذلك فضله وأجره في وقت اتخاذه مسجدًا؛ ولهذا قال العلامة محمد مولود رحمة الله عليه:

    ومسجد البدو وإن تخولفا هل كسواه حرمًا وشرفا

    لم ينف ذاك كونه بيت العلي أعد للصلاة والتبتل

    وذا هو الوجه الذي منه اكتسب الاخر ما اكتسب لا من الخشب

    فإنما اكتسب فضله من كونه مكانًا مخصوصًا للعبادة معدًّا لها، (وذا هو الوجه الذي منه اكتسب الاخر)؛ أي: المسجد المبني، (مسجد الحضر).

    وذا هو الوجه الذي منه اكتسب الاخر ما اكتسب لا من الخشب

    أي: من هيئة بناء وزخرفته.

    ويدخل في هذا المسجد المستأجر، كما إذا كان قوم في مكان، ولا يجدون مكانًا مخصوصًا يجعلونه مسجدًا، فلهم أن يستأجروا مكانًا، ويجعلوه مسجدًا لمدة محددة، وهي مدة الأجرة، وقد كان الفقهاء- رحمهم الله- يذكرون هذا قديمًا، ولم يكن الناس يظنون أنه سيتحقق في حياتهم، حتى جاءت الهجرة إلى أوروبا وأمريكا والبلاد الضيقة، فاضطر الناس لاستئجار الأماكن للصلاة، فأصبحت مساجد مستأجرة كما ذكر الفقهاء، والمسجد المستأجر يجوز أن تقام فيه الجمعة وغيرها، وكذلك الراجح أن المساجد التي لم تبن ولم تسقف يجوز إقامة الجمعة فيها، بدليل المسجد الحرام، فإنه لم يكن مبنيًا في العهد النبوي، وكانت تقام فيه الجمعة، وأيضًا فأول جمعة جمعت في الإسلام صلاها أبو أمامة أسعد بن زرارة رضي الله عنه بالأنصار في المدينة تحت ظلال النخل بهزم النبيت، بنقيع الخضمات، ولم يكن إذ ذاك مسجد مبني في المدينة.

    1.   

    شرح حديث أبي هريرة: صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة

    قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة، فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء، وأتى المسجد لا يريد إلا الصلاة، لم يخطُ خطوة إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه خطيئة حتى يدخل المسجد، وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه وتصلي (يعني: عليه) الملائكة ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه: اللهم، اغفر له، اللهم، ارحمه. ما لم يؤذِ (يحدث))، وحديث أبي هريرة هذا ليس فيه ذكر الصلاة في مسجد السوق، بل فيه ذكر الصلاة في السوق، ولكن البخاري فهم من ذلك تخصيص مكان للصلاة في السوق أنه قال: (وصلاته في سوقه)، ومحل ذلك عند الذين يرون وجوب صلاة الجماعة، وقد اختلف أهل العلم في ذلك؛ فذهب عطاء بن أبي رباح وعدد من السابقين من الفقهاء من التابعين وغيرهم: إلى أن صلاة الجماعة فريضة على القادرين عليها من الرجال، وأنها شرط لصحة الصلاة، وأن الإنسان الفذ إذا فرط لا تجزئه صلاته، وذهب الحنابلة- في روايتهم المشهورة عندهم- إلى وجوب الجماعة من غير شرط؛ أي: ليست شرطًا لصحة الصلاة، ولكنها واجبة، ويستدل الموجبون لصلاة الجماعة بحديث: (الرجل الأعمى الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر له أنه أعمى، ولا يجد قائدًا: هل يجد له رخصة في التخلف عن المسجد، قال: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب)، وهذا يدل على أنه لا بد أن يجيب مطلقًا، ويستدل الذين لا يرون الوجوب، بل يرون الفضل والزيادة والنماء بها، وأنها سنة مؤكدة في حق القادر عليها من الرجال بالأحاديث الكثيرة التي فيها فضل في صلاة الجماعة على صلاة الفذ، فصلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، ومثل هذا الحديث، ومثل حديث: (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما زاد فهو أزكى عند الله)، وعدد كبير جدًّا من الأحاديث التي فيها ذكر التفاضل بين صلاة الفذ وصلاة الجماعة، فلو كانت صلاة الجماعة واجبة مطلقًا؛ لما كان لصلاة الفذ أصلًا تفريع ولا ذكر في هذه الأحاديث، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلاة الجميع تزيد على صلاته في بيته)، (صلاة الجميع)؛ أي: صلاة الجماعة، فالجميع بمعنى: الجماعة، فهي (فعيل)، و(فعيل) تطلق على المذكر والمؤنث معًا، وعلى الجمع والمفرد أيضًا، مثل قول الله تعالى: وَالمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ[التحريم:4]، و مثل قول الشاعر:

    خبير بنو لهب فلاتك ملغيًا مقالة لهبي إذا الطير مرت

    ومثل قول الآخر:

    ولو أنكِ في يوم الرخاء سألتني طلاقك لم أبخل وأنت صديق

    فإذًا، تطلق لفظة (فعيل) على المذكر والمؤنث، (وهن صديق لمن لم يشب)، تطلق على المذكر، والمؤنث، والمفرد، والجمع؛ فلذلك قال: (صلاة الجميع تزيد على صلاته)؛ أي: صلاة الفرد، وهو الفذ، (في بيته، وصلاته في سوقه خمسًا وعشرين درجة)، وفي الحديث الآخر (سبعًا وعشرين درجة)، وفي الآخر: (خمسة وعشرين جزءًا)، وفي حديث أبي هريرة أيضًا في الصحيح: (خمسة وعشرين ضعفًا)، وقد حمل ذلك على التعارض، وحاول قوم الجمع، حمله بعض على التعارض، فقالوا: كان النبي صلى الله عليه وسلم في البداية علم أن الفضل خمس وعشرون، ثم زيد فيه، والله تعالى يضاعف لمن يشاء، ويزيد في الثواب، ويعلم رسوله صلى الله عليه وسلم بذلك، وقال آخرون: بل خمسة وعشرون جزءًا هي سبعٌ وعشرون درجة، فيكون الجزء أكبر من الدرجة، ويشكل على ذلك هذا الحديث؛ لأن فيه خمسًا وعشرين درجة، وعمومًا فهذا من تنمية الصلاة وتزكيتها، وقد جمع أهل العلم ما ينمي الصلاة مما ورد، ولكن بعضه صحيح، وبعضه ضعيف، فجمعوا من ذلك ما مجموعه مائة وخمسون درجة يمكن أن تزيد بها الصلاة، أو مائة واثنتان وخمسون درجة، وذلك بالسواك، وبالتخليل (تخليل الأسنان)، وبتغطية أعلى الإنسان أو رأسه، وبصلاة الجماعة في المسجد، فهذه يحصل منها هذا العدد على اختلاف الأحاديث، لكن بعض الأحاديث ضعيف، مثل أن السواك يزيد في فضل الصلاة سبعين درجة، هذا ضعيف، وكذلك أن التخليل يزيد ثلاثين درجة، هذا ضعيف أيضًا، وكذلك أن تغطية الرأس أيضًا بخمس وعشرين درجة، فهو ضعيف، لكن زيادتها بالجماعة في المسجد، هذا الثابت الذي فيه سبع وعشرون، وخمس وعشرون، وعمومًا إذا جُمع الجميع حصل من ذلك إما مائة وخمسون، وإما مائة واثنتان وخمسون، وقد أشار إلى ذلك العلامة محمد مولود رحمه الله في قوله:

    ونمها فاستك وخلل والزمِ جمعًا غطا رأس ترج بقيم

    فالقاف مائة، والياء عشرة، والميم أربعون، فإذا أضفت الباء في قوله: (بقيم)، كانت اثنتين، على الاختلاف في سبع وعشرين درجة، وخمس وعشرين درجة، وهو قصد ذلك، فأتى بالباء المحتملة الأمرين.

    (ونمها)؛ أي: نم الصلاة.

    ونمها فاستك وخلل والزم جمعًا غطا رأس ترج بقيم

    ترج معناه: تربح، بقيم، مقابل هذه من الدرجات، الباء رقم اثنين، والقاف مائة، والياء عشرة، والميم أربعون، لكن الباء يمكن أن تكون للتعدية (حرف تعدية)، فلا تكون داخلة في الحساب، على اعتبار خمسة وعشرين جزءًا، أو سبع وعشرين درجة.

    فبين ذلك الفضل، وهو فضل الجماعة، وفضل الجماعة فضل مركب، فليس فضلًا بسيطًا، بل لا يمكن أن يكون فضل الجماعة متساويًا، (ما صلى قوم فاستوت صلاتهم قط)، ومن أهم الفضل الذي في الجماعة أن الصلاة روحها الحضور والخشوع، وذلك أن الصلاة فيها ثلاثة من أنواع العمل: عمل القلب، وعمل اللسان وعمل البدن.

    فعمل القلب ثلاثة أقسام هي: النية، ثم الحضور، ثم الخشوع، فالنية تنقسم إلى أقسام: منها نية الصلاة المعينة، كنيتك لصلاة العصر مثلًا، هذه واجبة لا بد منها، ومنها نية الاقتداء بالإمام، فهذه لا يحصل فضل الجماعة إلا بها، ومثل ذلك نية الإمام، (الإمامية)، أن يكون إمامًا، فهذه تجب في الصلاة التي لا يصليها الفذ، كصلاة الجمعة، والجمع، والاستخلاف، وأيضًا لا يحصل للإمام فضل الجماعة إلا إذا نوى الإمامية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، كذلك نية عدد الركعات، ونية الأداء أو القضاء، ونحو ذلك، لكن تلك النيات غير واجبة؛ ولذلك إذا تركها الإنسان لم يلزمه شيء، إذا لم ينو الأداء ولا القضاء، لم يلزمه شيء في ذلك، ومثل ذلك إذا لم ينو عدد الركعات، ولم ينو استقبال القبلة، أو الامتثال باستقبال القبلة، أو لم ينو اليوم، (أن هذا اليوم يوم الخميس مثلًا، أو أن هذا اليوم يوم كذا)، لم يلزمه ذلك، لكن إذا نوى تلك النيات، فخالفت الحقيقة، فالعبرة بالنية لا باللفظ، فإذا قال مثلًا: صلاة العصر يوم الأربعاء، وكان اليوم يوم خميس، وهو نوى بقلبه الخميس؛ فصلاته صحيحة ولو كان اللفظ مخالفًا للنية، أما إذا كان نوى بقلبه الأربعاء، وهو الخميس، ولو صرح بذلك فالصلاة باطلة؛ لأن العبرة بالنية لا بالقول، والقول مختلف فيه؛ أي: التصريح بالنية في الصلاة، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه بدعة؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذهب بعضهم إلى الجواز اعتبارًا بأنه صرح بالنية فيما يتعلق بالحج والعمرة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لبيك اللهم حجة)، وثبت عنه أنه قال: (لبيك اللهم عمرة)، وهذا تصريح بالنية في اللفظ، والعبادات حكمها في ذلك في الأصل السواء؛ فلذلك كان اللفظ واسعًا إذا تلفظ به الإنسان، لا يقال: بدعة، ولا ينكر عليه؛ لأنه قياس على الحج والعمرة، ولكن الأصل عدم التلفظ بنية شيء من العبادات ما عدا الحج والعمرة..

    بالنسبة للإحرام في الحج ليس... تكبيرة الإحرام؛ لأن تكبيرة الإحرام لا تصح الصلاة بدونها، والتلفظ بالإحرام في الحج والعمرة يصح الحج والعمرة دونه قطعًا، إذا نوى الإنسان ذلك صح حجه، وصحت عمرته، وأنت إذا أحرمت عن الصغير، فنويت إدخاله في الإحرام، لا يلزم أن تلبي عنه؛ لأن التلبية عبارة، والعبارة من العبادات الخاصة، فلا تلبي عنه، لكنك تنوي عنه بقلبك، فيدخل هو الإحرام بذلك، وينعقد إحرامه، وقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بفج الروحاء، استقبله ركب، فقال: من أنتم؟ فقالوا: المسلمون، قالوا: ومن أنت؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفعت إليه امرأة صبيًّا في خرقة، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر)، وبالنسبة للبيك اللهم عن شبرمة، شبرمة كان قد مات وليس حاضرًا، لكن الإحرام عن الصبي، ينوي عنه وليه فقط، ولا يتلفظ بالإحرام عنه؛ فلذلك التلفظ بالإحرام بالحج أو العمرة غير واجب، الواجب هو الإحرام بالنية، وإذا حصل الإحرام بالنية، انعقد الحج أو العمرة، والتلبية في بداية الإحرام واجب يجبر بالدم، فهي نسك، لكنها ليست ركنًا من الأركان، الركن: هو الإحرام، والنية، بينما تكبيرة الإحرام ركن من الصلاة، ولا تنعقد الصلاة بدونها..

    والعبادات لا شك يدخلها القياس، فكثير من أمور الصلاة ومن أمور الحج وغيرها كلها مبناها على القياس، فالسهو في الصلاة لم يأت النبي صلى الله عليه وسلم بجميع أنواع السهو، ولم يسهُ كل سهو في الصلاة، كثير من السهو الذي نفعله نحن الآن لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نقيسه على السهو الوارد عنه فنسجد..

    ولا تلحق عبادة بكاملها بالقياس، لكن جزئيات العبادة القياس كلها، فبين هذا الفضل؛ أي: فضل الجماعة، فقال: (فإن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء)، فإذًا هذا من فضل الجماعة أن يتوضأ الإنسان فيحسن الوضوء، وهذا يشمل ما إذا كان الوضوء لرفع الحدث، من كان محدثًا ثم توضأ، أو كان تجديدًا للصلاة، فإنه يطلب إذا كان وضوءه قديمًا، كما إذا صلى به الظهر وحان وقت العصر، يندب له أن يجدد وضوءه للصلاة الجديدة، ومع ذلك جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلوات بوضوء واحد، كما في حديث ابن عمر؛ ولذلك افتتح ابن الجارود كتابه المنتقى في الأحكام بقوله: باب: ما جاء في قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ[المائدة:6]، الدليل على أن هذا ليس على كل قائم للصلاة ما حدثناه عبد الله بن هاشم، وساق الإسناد إلى عمر بن الخطاب: (والنبي صلى الله عليه وسلم جمع الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد فقلت: يا رسول الله، إني رأيتك فعلت شيئًا لم تكن تفعله؟ فقال: إني عمدًا فعلت ذلك يا عمر)، فدل ذلك على أن قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ[المائدة:6]، يختص بمن كان محدثًا، فالوجوب إنما هو في حق المحدث، أما من كان على طهارة فيمكن أن يجمع بين الفرائض بطهارته.

    وهل يدخل في ذلك التيمم، أم لا؟ هذا محل خلاف، فالذين يلحقون التيمم قياسًا بالوضوء، وهذا مثال لمسألتك التي كنت تسأل عنها الآن، هذا مثال لمسألتك، وهو إلحاق التيمم بالوضوء، بما يتعلق بالجمع بين فريضتين به أو أكثر، إذا كان التيمم رخصة، فالرخصة لا يدخلها القياس، القياس لا يدخل الرخص، ولا الكفارات، ولا المقدرات، هذه الأمور التي هي خارجة عن صنع القياس هي الرخص، والكفارات، والمقدرات، ومثلها الحدود المحددة، كل شيء محدد بالضبط، فإنه لا يدخله القياس.

    وإذا قلنا: إن التيمم ليس رخصة، وإنما هو عزيمة في حق غير المريض، كالفاقد للماء مثلًا وغيره، ففاقد الماء لم يعد سبب الحكم الأصلي قائمًا، والرخصة: هي الحكم الشرعي المتغير إلى سهولة لعذر مع بقاء سبب الحكم الأصلي، وهو الآن لم يبق معه سبب الحكم الأصلي؛ لأنه لا يجد الماء، ففاقد الماء التيمم في حقه عزيمة لا رخصة، وعلى ذلك يمكن أن يدخله القياس؛ فلذلك اختلف أهل العلم: هل يمكن أن يجمع بالتيمم بين فرضين فأكثر، أو لا يجمع؛ على اعتبار آية المائدة، وحديث عمر هذا؟

    (وإحسان الوضوء): هو إسباغه، وأن يأتي به على الوجه الأكمل، بترتيبه، وهيئته الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون الإنسان مشغولًا، فيقتصر على الواجب منه، وقد يكون الماء قليلًا، فيقلل، وقد يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث ابن عباس في قيام الليل في ليلة مبيته عند خالته ميمونة: (فقام النبي صلى الله عليه وسلم فشاص فاه بالسواك، ثم قام إلى شن معلق فتوضأ منه وضوءًا يقلله عمرو، ويخففه)، عمرو: هو عمرو بن دينار الذي روى هذا الحديث، عن ابن عباس، وقد رواه عنه اثنان من أصحابه هما: كريب وعمرو بن دينار، وحديثاهما في الصحيحين، (يقلله عمرو ويخففه)، فيقلله من باب الكم، ويخففه من باب الكيف؛ أي: يقلل الماء الذي استعمل في الوضوء، ويخففه؛ أي: يخفف وقته فهو سريع، أو يخفف عدد الغسلات، فكل ذلك يمكن أن يدخل في قوله: (يقلله عمرو، ويخففه).

    (وأتى المسجد)؛ أي: ذهب إلى المسجد، (لا يريد إلا الصلاة)؛ أي: لا يحمله إلى الذهاب إلى المسجد رياء، ولا سمعة، ولا تقاضي دين، ولا غير ذلك من الأمور، (لا يحمله على الذهاب إلى المسجد إلا الصلاة) (لم يخطُ خطوة إلا رفعه الله بها درجة)، فكل خطوة، وهي تقدم إحدى الرجلين على الأخرى، يرفعه الله بها درجة، ويحط عنه بها خطيئة؛ أي: يغفر له بها سيئة، (حتى يدخل المسجد)، فطول طريقه كذلك؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لبني سلمة: (دياركم دياركم، تكتب آثاركم)، فبنو سلمة أرادوا أن ينتقلوا من مكانهم وراء سلعٍ ليقتربوا إلى المسجد؛ وليجاوروا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (دياركم دياركم، تكتب آثاركم)، فحثهم على البقاء في ديارهم، لتكتب آثارهم؛ أي: خطاهم إلى المسجد.

    (وإذا دخل المسجد كان في صلاة ما كانت تحبسه)، إذا دخل المسجد كان في صلاة؛ أي: اعتبر في صلاة، (ما كانت تحبسه)؛ أي: ما انتظر الصلاة، (أنتم في صلاة ما انتظرتموها)، والمقصود بحبس الصلاة له: انتظاره لها، (وتصلي- يعني: عليه- الملائكة)؛ أي: وتصلي الملائكة، هذا اللفظ النبوي، وفسر هو ذلك بقوله: يعني عليه، ومعنى صلاة الملائكة عليه؛ أي: دعاؤها له، والصلاة في اللغة: تطلق على البركة، وعلى الدعاء، وعلى العبادة مطلقًا، وعلى الرحمة، فهذه معانيها في اللغة..

    فالصلاة: تطلق على الدعاء، ومن ذلك قول الله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهمْ[التوبة:103]؛ أي: ادع لهم، وتطلق على البركة، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم، صل على آل أبي أوفى)؛ أي: بارك عليهم، ومنه قول جرير:

    صلى على عزة الرحمن وابنتها لبنى وصلى على جاراتها الأخر

    أي: رحمهم، بارك عليهم أقصد، وتطلق على الرحمة، وبه فسرت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هي الرحمة المقرونة بالتبجيل، إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب:56]، هي الرحمة المقرونة بالتبجيل، وتطلق على العبادة، فمنه الصلاة المخصوصة، فهي عبادة، وتطلق على الدين، ومنه قول الله تعالى: قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا[هود:87]؛ أي: أدينك يأمرك بذلك، وصلاة الملائكة عليه فسرها بقوله: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)؛ أي: تدعو له بذلك، (ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه)؛ أي: في نفس المكان الذي صلى فيه من المسجد، فلا يقتضي ذلك أنه إذا تنقل من المسجد من مكان إلى مكان يبقى له صلاة الملائكة عليه، بل هذا أجر مخصوص لمن ثبت في مكانه الذي صلى فيه، وقد جاء الحض على الثبات في المكان الذي صلى فيه الإنسان حتى يكمل أذكار ما بعد الصلاة، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان يسعى بابن آدم، يذكره ما لم يكن يذكره، حتى يقوم من مكانه الذي صلى فيه قبل أن يكمل أذكار ما بعد الصلاة، فعلى الإنسان أن يصبر في مكانه الذي صلى فيه حتى يكمل على الأقل أذكار ما بعد الصلاة؛ لأنها ختام الصلاة، وهي التي تدل على قبولها، إذا وفق الإنسان للبقاء في مكانه حتى يتم الأذكار، فذلك أقبل للقبول والتمام، فهذه الأذكار هي ترقيع لما نقص من خشوعها وحضورها، وفضل الجماعة من أهمه أن الصلاة كما ذكرنا فيها الأفعال القلبية ثلاثة، هي: النية، والحضور، والخشوع، والأفعال البدنية هي: القيام، والركوع، والسجود، والجلوس؛ أي: الواجبات، وفيها رفع اليدين والقبض، إلى آخره..

    وفيها الأقوال، وهي مثل: التكبير، والتسميع، والسلام، ومثل: قراءة الفاتحة، والسورة، ومثل: الأدعية، والأذكار المخصوصة، كالتسبيح في الركوع والسجود، فإذًا هذه ثلاثة أقسام من أنواع الأفعال.

    والأفعال القلبية هي روحها، فإذا جاءت جثة كملت أفعالها وأقوالها، ولكن لم يأت الإنسان بروحها؛ أي: بخشوعها وحضورها، فهي بمثابة الجيفة، والجيفة نجس ينبغي أن تخرج من المسجد، ولا تجعل فيه، والحضور معناه: أن يكون الإنسان طيلة الصلاة حاضرًا ما يفعل، (يعي ما يقول ويفعل)، وهذا متعذر في حق كثير من الناس، (صعب عليهم)، ولكنه ممكن في الجماعة؛ لأن اللحظة التي تغفل فيها أنت يعي فيها صاحبك، فإذا غفلتما وعى الثالث، فإذا غفلتم جميعًا وعى الرابع، وهكذا فكلما ازداد العدد كانت فرصة الحضور فيها أكبر، والصلاة عبادة واحدة منسقة؛ ولذلك قال عدد من أهل العلم: ترفع الصلاة على قلب أتقى رجل فيهم؛ أي: في الجماعة، فإذا غبت أنت أو سهوت أو غفلت فجارك سيكون حاضرًا، فلا تخلو الصلاة من وقت للحضور إذا كثرت الجماعة، وانظروا إلى الأعداد الهائلة مثلًا في الحرم، من المستحيل عقلًا وعادة أن يغفلوا جميعًا في لحظة واحدة لا بد أن يكون أحد هذه الأعداد الكبيرة منتبهًا في هذا الوقت، في أي لحظة من لحظاتها.

    ثم الخشوع، والخشوع معناه: الخوف باستشعار الوقوف بين يدي الخالق جل جلاله، يستشعر الإنسان أنه الآن يناجي ربه، إن المصلي يناجي ربه، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول، (إذا تقدم للإحرام)، يقول: (إن المصلي يناجي ربه، فلينظر أحدكم بم يناجيه)، والمناجاة أمرها عظيم جدًّا؛ فلذلك لا بد أن يستحضر الإنسان من يناجي، ومن يكلم، فهو يكلم الله جل جلاله، وأنت تغبط موسى بن عمران إذا قرأت أنه كلمه الله جل جلاله؛ لأن الله تعالى شرفه بكلامه، وإذا حضرت أنت في الصلاة فإن الله يكلمك؛ لما ثبت في صحيح مسلم، وقد ذكره البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، وأورده بقية الجماعة جميعًا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقول الله تعالى: قمست الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الفاتحة:2]، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال العبد: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[الفاتحة:3]، قال الله: أثنى علي عبدي، فإذا قال العبد: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[الفاتحة:4]، قال الله: فوض إلي عبدي)، وفي رواية: (مجدني عبدي، هؤلاء لي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[الفاتحة:5]، قال الله: هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ[الفاتحة:6-7]، قال الله: هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل)؛ ولذلك قال ابن القيم رحمه الله: من أسباب الخشوع أن يقف القارئ على رأس كل آية من الفاتحة، ينتظر جواب الملك الديان جل جلاله، فيحصل له لذة المناجاة، والإقبال الكبير على الله سبحانه وتعالى، وهو يقف ينتظر جواب الملك الديان، كأنه في حوار مع الله جل جلاله، كما قال موسى: هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى[طه:18].

    وصلاة الملائكة على المصلي هو: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، (اللهم اغفر له)، وهذا سؤال أن يغفر الله له، والمغفرة: هي ستر الذنب في الدنيا، وعدم المؤاخذة به في الآخرة، المغفرة مشتقة من (الغفر)، وهو الستر، فهي ستر الذنب في الدنيا، لا يطلع عليه أحد يعيبك به أو يتنقصك، وعدم المؤاخذة به في الآخرة، فلا يؤاخذك الله به فيها، (اللهم ارحمه)؛ أي: أدخله في رحمتك، وهذا يشمل كل نفع وكل خير، فرحمة الله تنقسم إلى قسمين: رحمة دنيوية، ورحمة أخروية، كما ثبت في الصحيح: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فادخر عنده تسعًا وتسعين رحمة لعباده المؤمنين في الجنة، وأنزل رحمة واحدة في الدنيا، فبها يتراحم الخلائق فيما بينهم حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها)، وهذه الرحمة الدنيوية فوائدها كثيرة، فمنها: الليل، والنهار، والشمس، والقمر، والمطر، وغير ذلك، وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ[القصص:73]، فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا[الروم:50]، فكل ما تعيش فيه من أمر الدنيا، فهو من آثار هذه الرحمة الدنيوية؛ فلذلك قال عبد الله بن المبارك للرشيد- لما وعظه فبكى، فأراد أن يخفف عليه- قال: يا أمير المؤمنين، ما حظك من رحمة الله في هذه الحياة؟ قال: أوتيت ما لم يعطه غيري، فأنا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته، وأنا قائد المسلمين جميعًا، قال: هذا حظك من رحمة واحدة في الدنيا، فما بالك بحظك من تسع وتسعين رحمة في الآخرة، فهون عليه بذلك.

    نسأل الله سبحانه وتعالى أن يدخلنا في رحمته، وأن يرزقنا مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3046353013

    عدد مرات الحفظ

    735558395