إسلام ويب

محبة الرسول ونصرته [1]للشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خص الله أياماً وشهوراً بمزيد فضل وعناية ومن ذلك الأشهر الحرم، وخص من بين الأشهر الحرم شهر رجب، حيث دلت الأحاديث على فضله ومزيته. واختص هذا الشهر بوقوع حادثة الإسراء إلى المسجد الأقصى والمعراج إلى سدرة المنتهى، وهذه الحادثة سر من أسرار الدين، ابتلى الله بها الناس ليتميز المصدق من المكذب، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم تفاصيل هذه الرحلة المباركة وما جرى فيها. ومما يستفاد من قصة الإسراء والمعراج فضل الأنبياء على سائر الخلائق وفضله صلى الله عليه وسلم، وتفضيل المساجد على غيرها وفضل المسجد الحرام والمسجد الأقصى على سائر المساجد، وكذلك أهمية الإيمان بالغيب وعظم شأنه والإيمان بجميع الأنبياء.

    1.   

    فضل الأشهر الحرم

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى يخص ما شاء من خلقه بما شاء من أحكامه، وإنه سبحانه وتعالى يختار من الزمان والمكان ما يشاء، وقد اختار من الأزمنة الأشهر الحرم وشهر رمضان، وبين ما لهذه الأشهر من الفضل، فقد قال تعالى في الأشهر الحرم: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً [التوبة:36]، وبين فضل رمضان في قوله: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [البقرة:185].

    فضل شهر رجب

    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فضل شهر رجب بخصوصه من الأشهر الحرم، فقد صح في حديث أسامة بن زيد، الحب بن الحب رضي الله عنهما: ( أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صوم شهر شعبان، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر فيه الصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان )، وهذا دليل على العناية التي كانت في الزمان النبوي بشهر رجب، فإن الناس كانوا يقارنونه برمضان، فكانت العناية به كذلك؛ فمن أجل هذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم على غفلة الناس عن شعبان؛ لوقوعه بين رجب ورمضان، وهذا يقتضي منا جميعاً أن نتذكر ما كان الحال عليه في العهد النبوي من العناية بشهر رجب، وما كان النبي صلى الله عليه وسلم كذلك يتعاهد فيه شهر شعبان؛ لما ذكر من العلة، وهي غفلة الناس عنه؛ لوقوعه بين رجب ورمضان.

    وهذا الشهر المعظم كان مضر يعظمونه في الجاهلية؛ ولذلك كان يسمى بــ(رجب مضر)، و (رجب) من الترجيب، وهو التعظيم، فرجب الشيء إذا عظمه، والمرجب: المعظم، فرجب مشتق من هذا.

    وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم حال الناس إذ ذاك، وذكر معه رمضان؛ فدل ذلك على أنه لم يكن من أمر الجاهلية، وإنما كان من أمر الإسلام؛ لأنه ذكر أن شعبان بين رجب ورمضان، وأن الناس يغفلون عنه؛ فدل هذا على أنه لا يقصد بالناس هنا أهل الجاهلية، وإنما يقصد بهم أهل الإسلام؛ لأنهم الذين يعظمون رمضان، فقد كان تعظيم أهل الجاهلية لرجب لا لرمضان.

    وقوع الإسراء والمعراج في شهر رجب

    ثم إن الله سبحانه وتعالى خص هذا الشهر بوقوع هذه الحادثة العظيمة التي كانت سراً من أسرار هذا الدين وموسماً من مواسمه، ألا وهي الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم المعراج به من المسجد الأقصى إلى سدرة المنتهى، وفرض الصلاة عليه في تلك الليلة الشريفة، وتقريبه صلى الله عليه وسلم هذا التقريب العظيم، ومشاهدته لكبريات الآيات الربانية الكريمة العظيمة، التي خصه الله به وبين بها فضله ومنزلته، وهذه الحادثة حصلت في رجب، ولم يعرف اليوم الذي حصلت فيه على الراجح، فجمهور أهل التاريخ على أنه لا يحدد اليوم الذي كان فيه الإسراء والمعراج برسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    حادثة الإسراء والمعراج وما احتوته من دروس

    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ما حصل له، فقد صح عنه في الصحيحين: ( أن جبريل أتاه ففرج له سقف بيته.. )؛ أي: رفعه بيده حتى انفصل عن البيت، فأخرجه من السقف ولم يخرجه من الباب؛ إيذاناً بارتفاعه وعظم شأنه، وبارتفاع المهمة التي أرسل بها جبريل إليه، ( فذهب به إلى باب بني جمح.. )، وهو الباب الجنوبي من المسجد الحرام، مقابل للركن اليماني، ( فإذا دابة مربوط عنده، وهي البراق، بين الحمار والفرس، فسأله: ما هذا؟ فقال: هذا البراق، فقال: اركب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله، وأراد أن يركبه، فشمس البراق..)؛ أي: نفر منه، ( فوضع جبريل يده على ظهره فتواضع، فقال: مه! فما ركبك خير منه )، فعلاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسار به، يقع حافره حيث يقع بصره، وسار معه يقوده به حتى أتى المسجد الأقصى بالشام، فربط البراق بالحلقة التي كان الأنبياء يربطون بها دوابهم، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد الأنبياء ينتظرونه بالمسجد الأقصى جميعاً، فقدموه للإمامة، فصلى بهم ركعتين قبل فرض الصلاة عليه، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر أوجب عليه ركعتان بالغداة وركعتان بالعشي، وهما فرض الصلاة في البداية، ركعتان في الصباح وركعتان في المساء، فصلى بالأنبياء جميعاً؛ إيذاناً بفضله وإمامته وختمه للنبوة والرسالة، واستشعاراً لهذه المزية، فإن الأنبياء أفضل الخلائق، والرسول صلى الله عليه وسلم أفضلهم، وهو إمامهم وقائدهم.

    ويؤخذ من ذلك من الفقه أن يكون الإمام مختاراً، وأن يكون أفضل المصلين، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواءً فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم سلماً )، وفي رواية: ( سناً )؛ فلذلك يختار للإمامة الأفضل فالأفضل، وقد ورد في ذلك عدد من الأحاديث الأخرى التي لا تصل إلى درجة الصحة مثل ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( أئمتكم شفعاؤكم؛ فاختاروا من تستشفعون به )، لكن جاءت أحاديث أخرى حسنة صالحة للاحتجاج مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ( الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ).

    واختيار النبي صلى الله عليه وسلم للأئمة الذين كان يرتبهم لإمامة المساجد كله مساق في هذا السياق، فقد اختار لمسجد قباء الذي أسس على التقوى من أول يوم من الهجرة؛ حيث بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم نشاطه في المدينة - اختار له النبي صلى الله عليه وسلم إماماً من أهل الفضل والعلم، وهو معاذ بن جبل الذي يأتي أمام العلماء يوم القيامة رتوة أو رتوتين؛ أي: غلوة للفرس، أو غلوتين، وهو أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام، كما في حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند الحاكم في المستدرك وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أقرؤكم أبي، وأقضاكم علي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل )؛ فهذا الفضل من أجله اختار النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إماماً لمسجد قباء.

    وكذلك اختار النبي صلى الله عليه وسلم أئمة آخرين لمساجد أخرى؛ فاختار عتاب بن أسيد إماماً للمسجد الحرام بعد أن فتحه الله عليه عام الفتح، وفي حديث مالك بن الحويرث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاهم أن يختاروا أقرأهم لكتاب الله فينصبونه إماماً، وأن يختاروا مؤذناً لا يأخذ على الأذان أجراً )، وكذلك في حديث عمرو بن أبي سلمة: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إليهم أن يختاروا للإمامة أقرأهم لكتاب الله )، قال: (وقد كنت إذ ذاك طفلاً، فكنت إذا جاء راكب من المدينة استقبلته فسألته عن آخر ما نزل من الوحي، حتى كنت أحفظ من ذلك الكثير، فكنت أقرأهم لكتاب الله، فقدموني للإمامة، فقالت امرأة من نسائنا: غطوا عنا سوءة إمامكم، فاشتروا لي ثوباً ما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي بذلك الثوب).

    وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يولي على مسجده في غزواته أفاضل الصحابة، كـعبد الله بن أم مكتوم الذي عاتبه فيه ربه سبحانه وتعالى وأنزل فيه: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى [عبس:1-2]، وهو رجل من السابقين الأولين من المهاجرين، وهو ثاني من هاجر إلى المدينة مع أنه ضرير أعمى، هو ثاني من هاجر بعد مصعب بن عمير إلى المدينة النبوية، فولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة والإمامة في المسجد النبوي في بضع عشرة غزوة، وكذلك فإنه اختار أبا بكر لإمامة الناس في مرض موته صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي، واختاره قبل ذلك للإمامة أيضاً، وقال: ( مروا أبا بكر، فليصل بالناس )، وإنما اختاره لفضله ومزيته في الإسلام؛ فهو أفضل هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة في الصحيح: ( يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر )، فاختاره رسول الله صلى الله عليه وسلم لإمامة المؤمنين وعهد إليه بالصلاة، فكان يصلي في أيام مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، ثم استمرت إمامته وخلافته بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم بعد هذا عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل إلى البراق، ( فعرج به إلى السماء الدنيا، فاستأذن جبريل عند باب السماء الدنيا، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوَقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: فمرحباً به، ونعم المجيء جاء، ففتح له باب السماء الدنيا، قال: فدخلتها فإذا رجل طويل، عن يمينه أسودة وعن شماله أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا أبوك آدم، قلت: وما الأسودة عن يمينه وعن شماله؟ قال: نسم بنيه، الذين عن يمينه أهل السعادة، والذين عن شماله أهل الشقاوة، إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، فسلمت عليه، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، ثم ارتفعا إلى السماء الثانية، فاستأذن جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ فقال: محمد، قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به، ونعم المجيء جاء، ففتح لهما باب السماء الثانية، فدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ابنا الخالتين عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام، فقالا: مرحباً بالنبي الصالح والابن الصالح، ثم ارتفعا، فاستأذن جبريل في باب السماء الثالثة، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: فمرحباً به، ونعم المجيء جاء، ففتح باب السماء الثالثة فدخلاها، فإذا يوسف عليه السلام، وإذا هو قد أوتي شطر الحسن، فقال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم ارتفعا، فاستأذن جبريل على باب السماء الرابعة، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: فمرحباً به، ونعم المجيء جاء، ففتح باب السماء الرابعة، فدخلاها، فإذا إدريس عليه السلام، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم ارتفعا، فاستأذن جبريل على باب السماء الخامسة، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: فمرحباً به، ونعم المجيء جاء، ففتح باب السماء الخامسة فإذا هارون بن عمران عليه السلام، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم ارتفعا إلى السماء السادسة، فاستأذن جبريل، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوَقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: فمرحباً به، ونعم المجيء جاء، ففتح باب السماء السادسة فإذا موسى بن عمران عليه السلام، فقال: مرحباً بالنبي الصالح والأخ الصالح، ثم ارتفعا، فاستأذن جبريل على باب السماء السابعة، فقيل: من أنت؟ فقال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوَقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: فمرحباً به، ونعم المجيء جاء، ففتح باب السماء السابعة فإذا البيت المعمور، وإذا هو كل يوم يدخله سبعون ألف ملك لا يعودون إليه بعد، وإذا إبراهيم خليل الرحمن مسند ظهره إليه، فسلم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا صاحبكم أشبه الناس به)؛ أي: إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه الناس خلقة بإبراهيم عليه السلام، ( فقال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح، ثم عرج بهما حتى بلغا سدرة المنتهى)، فرأى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم العجائب العجيبة، ( إذا فيها أربعة أنهار، نهران خارجان ونهران داخلان، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، وإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا هي تغشاها الألوان من أمر الله عز وجل، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عن الأنهار الأربعة، فبين أن النهرين الخارجين هما: الفرات ونيل مصر، والنهران الداخلان نهران في الجنة.

    ثم بعد ذلك بقي جبريل هنالك، وقال: هذا مكاني لا أتعداه، فعرج برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمع صريف القلم)، أو صرير القلم، ( فكلمه ربه سبحانه وتعالى وأنزله في المقام المحمود والمكان الرفيع، وفرض عليه خمسين صلاة، عليه وعلى أمته، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى موسى بن عمران في السماء السادسة، فسأله: ما فرض عليك ربك من الصلاة وعلى أمتك؟ فقال: خمسين صلاة، فقال: قد خبرت بني إسرائيل، وهم أطول أعماراً وأقوى أبداناً فلم يستطيعوا ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل الله التخفيف؛ فخفف عنه خمساً..)، أو: ( عشراً )، على خلاف في الرواية، ( ولم يزل يتردد بين موسى وربه حتى بقيت خمس، فقال موسى: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد استحييت من ربي، فناداه الرب سبحانه وتعالى: هن خمس وهن خمسون، مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ [ق:29] ).

    فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الأمانة العظيمة والمزية الكبيرة، التي هي الصلوات الخمس؛ إيذاناً بانطلاق هذه الرسالة الخاتمة للرسائل، وإكمالاً لدين الله عز وجل في الأرض، فنزل من حيث عرج به عند المسجد الأقصى، ثم ركب البراق فسار إلى مكة، فمر بعير لقريش قد عرسوا- أي: ناموا من الليل- فوجد إناءً فيه لبن، فشرب منه ثم غطاه -خمره؛ أي: غطاه- وعرف مكانهم، والمكان الذي هم فيه.

    فلما أصبح بمكة أخبر الناس بذلك، فتباينت ردودهم، من مصدق ومن مكذب، ولم يكن أبو بكر بمكة إذ ذاك، فاستقبله المشركون، يقولون: ألم تر ما قال صاحبك؟ يزعم أنه خرج في ليلة واحدة إلى الشام، ثم عرج به إلى السماوات، فقال: (إن كان قالها فقد صدق)، وقد كفر بسبب هذه الواقعة عدد من الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين الله حكمته في ذلك فقال: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا [الإسراء:60]، فكان ذلك سبباً لردة بعض الذين لم يرسخ الإيمان في قلوبهم، وكان -أيضاً- سبباً لارتفاع منسوب الإيمان في قلوب آخرين، آمنوا وصدقوا وعرفوا أن هذا هو الحق الذي لا غبار عليه، وجاء المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: إن كنت صادقاً فصف لنا بيت المقدس، فرفعه إليه جبريل وهو ينظر إليه، فما سألوه عن شيء إلا أخبرهم به، وهم يقولون: قد علمنا إنك لم تره من قبل، فعرفوا أنه صادق، وسألوه عما رأى في الطريق، فأخبرهم بحديث العير، فقالوا: ( متى تقدم؟ قال: ساعة كذا، تطلع عليكم من ثنية التنعيم، يتقدمها جمل أورق لبني فلان )، فخرج عاديهم يعدو حتى صعد من ثنية التنعيم فإذا العير وإذا الجمل الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أمام العير، فقامت الحجة عليهم بذلك.

    1.   

    تعليم جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم أوقات الصلاة

    ولم يصل رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح حتى كان وقت الظهر؛ لأنه لم يعلم أحكامها حتى أتاه جبريل فعلمه أحكام الصلاة، وفي حديث ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر في الأولى منهما حين صار الفيء مثل الشراك، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى بي المغرب حين وجبت الشمس، وصلى بي العشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الصبح حين بزق الفجر، وصلى بي الظهر في الثانية منهما حين صار ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، وصلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى بي المغرب حين وجبت الشمس لوقتها الأول، وصلى بي العشاء حين ذهب ثلث الليل، وصلى بي الصبح حين أسفر، ثم التفت إلي، وقال: يا محمد، هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك والوقت فيما بين هذين ).

    وكذلك افتتح مالك موطأه بحديث عروة بن الزبير: ( أنه دخل على عمر بن عبد العزيز وقد أخر الصلاة يوماً، فقال له عروة: إن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوماً وهو بالكوفة فدخل عليه أبو مسعود البدري، فقال: ما هذا يا مغيرة ؟! أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: بهذا أمرت؟ فقال له عمر بن عبد العزيز: اعلم ما تحدث به يا عروة، أو إن جبريل هو الذي أقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الصلاة؟ فقال عروة: هكذا كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه، ولقد أخبرتني عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر ).

    وقد أخرج مسلم هذا الحديث في صحيحه فزاد فيه خمساً، أي: بين ( أن جبريل نزل فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم )؛ أي: عشر صلوات في يومين، وقد اختصر ذلك مالك في الموطأ فذكر خمس صلوات فقط، وهي مثال لما وراءها لا تقتضي حصراً، فمفهومها مفهوم عدد، أما البيان الشافي فهو ما ذكره مسلم في الصحيح، حيث ذكر صلاة يومين، وقد بين ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس في السنن، كما حدثنا به آنفاً.

    وقد ذكر في بعض الروايات أن جبريل لما أتاه ذهب به إلى المسفلة، وهي مستنقع الوادي في جنوب الكعبة، فضرب بعقبه فنبع ماء، فنضح منه جبريل على فرجه وتوضأ فأراه الوضوء، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا دليل على مشروعية الوضوء مع الصلاة، وأنه فرض مع الصلاة ولم تشرع صلاة بغير وضوء، وقد ذكر بعض أهل العلم خلاف ذلك، وأنه فرض قبل فرض الصلاة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ عندما كان يصلي ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ولكن ذلك مرجوح، فلم يرو عنه أنه توضأ قبل ذلك الوقت، وقد بين الله الوضوء بعد ذلك في آية المائدة، فبين أركانه في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة:6]، وقد نزلت هذه الآية في العام الخامس من الهجرة، في غزوة المريسيع، وقطعاً كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ قبل ذلك، لكنها بينت فرائض الوضوء، حيث لا يقبل الوضوء بأقل مما ذكر في هذه الآية.

    1.   

    الدروس المستفادة من قصة الإسراء والمعراج

    تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق

    وفي هذه القصة كثير من الدروس والعبر؛ فمنها: تفضيل الله لرسوله صلى الله عليه وسلم ولأنبيائه على الخلائق جميعاً؛ فجبريل الذي هو من الملائكة المقربين، وهو أمين الله على الوحي جاء ليخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلته، وليكون رفيقه ومؤنسه في هذه الرحلة، فلما بلغ سدرة المنتهى قال: هذا مقامي، لا أتعداه، فرفع الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك فإن أهل السماوات كانوا يسألونه، فإذا أجاب قيل: أوقد بعث إليه؟ قال: نعم، قيل: فمرحباً به، ونعم المجيء جاء، فبينوا أن المجيء إنما ينسب للرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: ونعم المجيء جاء، فمعناه أن جبريل تابع له في الرحلة.

    وكذلك فإن من فضله ما ذكره جبريل للبراق حين شمس، فبين له أنه لم يركبه أحد أفضل منه؛ فدل ذلك على أفضلية النبي صلى الله عليه وسلم على غيره من الأنبياء، فقد ركب إبراهيم خليل الله البراق، وكان يقطع به المسافة بين الشام ومكة، ومع ذلك فإن جبريل بين للبراق أنه لم يركبه أحد أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    تفضيل المساجد على سائر الجمادات

    وكذلك فيه فضل المساجد على سائر الجمادات، ففضل المساجد في الجمادات كفضل الأنبياء في البشر، فإذا عرفنا أن البشر أفضل من الجمادات وأن الأنبياء أفضل البشر فكذلك الجمادات أفضلها المساجد، وفضلها فيها كفضل الملائكة في البشر، وقد نص أهل العلم على أخذ ذلك من هذه القصة، وذكره الحافظ ابن حجر وغيره، وذكروا المناسبة أيضاً حتى بين فضل المساجد، فأفضلها المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، وهذه الرحلة ابتدأت من أحد هذه المساجد الثلاثة وانتهت بأحدها، مروراً فوق المسجد الآخر، فأحاطت بهذه المساجد الثلاثة.

    ثم إن المساجد منها ما هو في الأرض ومنها ما هو في السماء، وأفضلها في السماء البيت المعمور، وقد مر به في هذه الرحلة الشريفة، وهذا دليل على فضل المساجد والعناية الربانية بها، فهي أحب البقاع إلى الله، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نسبها الله إلى نفسه إضافة تشريف وتحرير لها من الأغيار: وَأَنَّ المَسَاجِدَ للهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَدًا [الجن:18]، وهذه الإضافة تقتضي أن لا ملك لأحد عليها ولا سيطرة لأحد عليها إلا لله الملك الديان وحده، فالمساجد خالصة لله من دون الناس، نسبها الله إلى نفسه وجعلها مكاناً لعبادته؛ ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي: ( إن هذه المساجد لم تبن لهذا، وإنما بنيت لذكر الله وإقامة الصلاة )، وكذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين فضل المساجد في كثير من الأحاديث الثابتة عنه؛ كنهيه عن البصاق في المسجد، وغضبه حين رأى المخاط في قبلة المسجد، وحكه له بظفره، ودعا بطيب فجعله مكانه، ومثل ذلك حضه على بناء المساجد وتشريفها، فقد قال: ( من بنى لله مسجداً ولو قدر مفحص قطاة بنى الله له به بيتاً في الجنة )، وكذلك فإنه شارك في بناء المسجد بنفسه حتى اغبر بطنه من حمل الحجارة:(وكنا نحمل لبنة لبنة، وعمار لبنتين لبنتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( هذا الحمال لا حمال خيبر، هذا أعز ربنا وأطهر ).

    بيان فضل المسجد الحرام

    ثم بعد هذا كذلك بيان فضل المسجد الحرام حين ابتدأت منه هذه الرحلة العظيمة، وأنتم تعلمون أن المسجد الحرام هو أول بيت وضع للناس في هذه الأرض، منه ابتدأت حضارة البشرية جميعاً، فهو عاصمة العالم السفلي، انطلقت منه حضارة البشر جميعاً: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:96]، الأمريكان الآن يفخرون بمكان في ولاية بنسلفانيا، ويقولون: من هنا بدأت أمريكا، وهذا الشعار مكتوب في كل ولاية بنسلفانيا، حيث كانت بدء الحضارة في أمريكا، لكن الواقع أن البيت الحرام منه ابتدأت حضارة البشر جميعاً، في جميع أنحاء المعمورة: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ [آل عمران:96]، وقد أثبت الله عز وجل له البركة والهدى، وبين الآيات العجيبة التي جعل الله فيه: فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [آل عمران:97].

    وهذا المسجد الحرام هو قبلة المسلمين، فهو الذي يتجهون إليه في صلواتهم، وهو الذي يحجونه كذلك في الحج الذي هو ركن من أركان الإسلام، ويطوفون به كذلك؛ استقالة للعثرات، ورجاءً لمغفرة الذنوب: وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا [آل عمران:97]، وهذا يشمل الأمن في الدنيا والأمن في الآخرة، فإن الحرم يجير داخله، فمن دخله فإنه قد دخل مأمناً؛ ولذلك لا ينفر صيده، ولا يعضد شوكه، ولا يقطع شجره، إلا الإذخر للبيوت والقبور، وكذلك فقد كان هذا من عهد الجاهلية، من لدن إبراهيم عليه السلام، فلم يكن أحد يجرؤ ولا يتجاسر على الإقدام على انتهاك حرمة الحرم؛ ولذلك قالت امرأة لولدها بمكة قديماً في الجاهلية:

    أبني لا تظلم بمكة لا الكبير ولا الصغير أبني قد جربتها فوجدت ظالمها يبور

    الله آمنها وما بنيت بساحتها القصور والله آمن طيرها والعصم تأمن في ثبير

    ولقد غزاها تبع فكسا بنيتها الحرير يمشي إليها حافياً بفنائه ألفا بعير

    وقد كان أهل الجاهلية يقدرون للحرم حرمته؛ فيعيذون العائذ به ويتركونه، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أصل ذلك في قوله: ( إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، وإنها أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت لحرمتها، فحرمتها اليوم كحرمتها يوم خلق الله السماوات والأرض ).

    وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم كذلك حرمتها في سؤاله لأصحابه: ( أي يوم هذا؟ )، ثم قال: ( أي شهر هذا؟ )، ثم قال: ( أي بلد هذا؟ )، فقال في جواب البلد: ( أليس البلدة؟ )؛ أي: البلدة التي حرم الله، وقد جاء التنويه بذلك في القرآن في عدد من الآيات؛ كقول الله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين:1-3]، وكقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد:1-2]، وجاء التنويه به ووعد النبي صلى الله عليه وسلم بفتحه في عدد من الآيات، كقول الله تعالى: وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَا [الفتح:21]، وكقوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ [القصص:85]، وكذلك قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:27].

    ونوه النبي صلى الله عليه وسلم بعظم الأجر في المسجد الحرام، فبين أن الصلاة فيه بمائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد، صلاة واحدة فيه بمائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد، وبين كذلك أنه من المساجد التي تشد إليها الرحال، وتقصد لأداء العبادة الخاصة فيها، فقد أخرج البخاري و مسلم في الصحيحين، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تشد الرحال.. )، وفي رواية: ( لا تشدوا الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى )، فهذه المساجد هي التي تشد إليها الرحال لقصد العبادة فيها بخصوصها، وما سواها من المساجد لا يقصد تفضيل مسجد منها على غيره، ولا تشد الرحال إليه لقصد الصلاة فيه أو عبادة مخصوصة فيه.

    بيان فضل المسجد الأقصى

    فهذا المسجد منه ابتدأت هذه الرحلة الميمونة المباركة؛ تنويهاً بشأنه، وبياناً لعظم مزيته في الإسلام.

    وكذلك المسجد الذي حصلت منه الانطلاقة إلى السماء، وهو المسجد الأقصى المبارك، الذي هو ثاني المساجد بعد المسجد الحرام، وبينهما أربعون سنة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله عليه وسلم بين أن أول مسجد بني في الأرض المسجد الحرام، وأن ثاني مسجد بعده المسجد الأقصى، فقيل: ( كم بينهما؟ فقال: أربعون )؛ أي: أربعون سنة كانت بين بناء المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وقد بناه الأنبياء، فبناه إبراهيم عليه السلام، ثم بناه بنوه من بعده، وبناه سليمان بن داود عليه السلام، واستمر بناؤه على أيدي الأنبياء بعد ذلك، وكان قبلة المسلمين في أول الهجرة، فصلى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعة عشر شهراً في مقدمه المدينة، حتى نسخ ذلك بقول الله تعالى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة:144]، فنسخت القبلة السابقة لكن بقي أثرها في التعظيم والاحترام، وبقي مكانها كذلك في قلوب المؤمنين محبة ووفاءً لقبلتهم الأولى، وللمكان المشرف الذي شرفه الله بهذا الفضل العظيم.

    وهو خير مهاجر المؤمنين في آخر الزمان، كما في الحديث: ( يوشك أن يكون خير مهاجركم مهاجر أبيكم إبراهيم عليه السلام )؛ ولذلك ( فإن عيسى بن مريم عليه السلام سينزل حكماً عدلاً بالشام، عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، كأنما خرج من ديماس، يمينه على ملك وشماله على ملك، إذا رفع رأسه تقاطر منه مثل الجمان، وإذا طأطأه تحدر منه مثل الجمان، فلا يرتاب الناس فيه، فيأتي وقد أقيمت صلاة الفجر، فيقولون: يا نبي الله، تقدم فصل، فيقول: ما أقيمت لي، وإمامكم منكم؛ تكرمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا يحل لكافر أن يجد ريح نفسه إلا ذاب كما يذوب الملح في الماء، وإن نفسه ليبلغ ما يبلغ بصره )، فهذا سلاح الدمار الشامل هو تنفس المسيح بن مريم عليه السلام.

    كذلك فإن المسيح بن مريم عليه السلام سيحصر هو والمؤمنون معه في آخر الزمان عند خروج يأجوج ومأجوج في الشام، في جبل هنالك حول المسجد الأقصى، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيوحي الله إلى المسيح بن مريم: إني باعث عباداً لا طاقة لأحد بهم، فيخرج يأجوج ومأجوج من كل حدب ينسلون، (من كل حدب)؛ أي: من كل طريق، (ينسلون)؛ أي: يخرجون فجأة على الناس، بدون تكلف، فيخافهم أهل الأرض، ويستوعبونها ويستحوذون على ما فيها، وهم أشد الناس فساداً وضرراً، فيدعو عليهم المسيح بن مريم والمؤمنون؛ فيسلط الله عليهم النغف في رقابهم؛ فيموتون موتة رجل واحد، فيملئون الأرض بزهمهم ونتن جثثهم، فيستسقي المسيح بن مريم والمؤمنون معه، فيبعث الله عليهم سيلاً فيحمل جثثهم ويطهر الأرض حتى تغدو كالكرسفة البيضاء، فتنزل فيها البركة حينئذ.

    وكذلك فإن بقية المؤمنين سيقاتلون الدجال هنالك، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من الأحاديث الصحيحة:( لن تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، وحتى يتكلم الحجر والشجر: يا عبد الله، يا مؤمن، هذا يهودي خلفي، فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ).

    وكذلك فإن هذا المكان ستبقى فيه الطائفة المنصورة، التي لا يضرها من خالفها حتى يأتي أمر الله، وقد صح ذكر تلك الطائفة في عدد من الأحاديث الصحيحة، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما في صحيح البخاري رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما أنا قاسم والله المعطي، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك )، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عنهم: ( أين هم؟ فقال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس )، وقد تعهد الله سبحانه وتعالى بجمع اليهود لفيفاً في ذلك المكان - أي: في الشام - وبداية ذلك بإخراج النبي صلى الله عليه وسلم لبني قينقاع من المدينة، كما قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ [الحشر:2]؛ أي: لأول حشر اليهود إلى الشام، وسيأتي الله بهم لفيفاً، وذلك شرط من أشراط الساعة وعلامة من علاماتها، كما قال تعالى: وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ [الإسراء:104]؛ أي: تفرقوا فيها، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا [الإسراء:104]؛ أي: يأتي الله بهم لفيفاً، جميعاً إلى الشام، فيجتمعون فيه، وهنالك مصارعهم.

    وقد تعهد الله بأن يسلط عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، كما قال الله تعالى: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأعراف:167]، فهذا المسجد الأقصى هذه مزيته في الإسلام، وهذه مكانته فيه، وقد فتحه الله على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فعندما حاصره المؤمنون من كل جانب -ويقودهم إذ ذاك أميرهم أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه- تكلم رهبان بيت المقدس وقساوسته، فقالوا: قد جاء في كتبنا وصف الرجل الذي يفتح الله على يديه بيت المقدس، ولن نسلم المفاتيح إلا لهذا الرجل، فوصفوه للمؤمنين، فقالوا: هذه صفة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأخرجوا رقاعاً قد رسم فيها عمر على هيئته، فلما رآها الناس قالوا: هذا عمر، كما هو، فأرسل أبو عبيدة إلى عمر، فخرج من المدينة في وقت الحر والشدة، وليس له زاد إلا ظرف صغير فيه شيء من السويق، ومعه عبد له، ولهما بعير هزيل، فكانا يعتقبان عليه، يركبه عمر فيقود به الغلام، فإذا قطع شوطاً نزل عمر، فركب الغلام، فقاد به عمر، حتى وصلا إلى الشام وهو يلبس ثوباً مرقعاً، فلما استقبله المسلمون هنالك أتاه أبو عبيدة ببغل مؤدب ليركبه، فلما ركبه تبختر به البغل، فقال عمر: (ما هذا إلا شيطان) فنزل عنه، وقال: (ردوا علي بعيري).

    ولما رآه نصارى الشام بكوا وعرفوا الحق، وعرفوا عمر بن الخطاب، فسلموا إليه مفاتيح بيت المقدس، وكتب بينهم وبين المؤمنين كتاباً مشهوراً، ومر عمر في طريقه بالجابية، وهي أرض الأردن، وخطب فيها خطبته المشهورة التي شهدها عدد كثير من الصحابة والتابعين، وبين فيها عمر حقوق المصالحين -أهل الصلح- الذين لم تفتح بلادهم عنوة، وإنما فتحت صلحاً، وبين ما لهم من الحقوق على المسلمين، وما للمسلمين من الحقوق عليهم.

    ثم أراد عمر رضي الله عنه أن يجدد بناء هذا المسجد ليتسع للمؤمنين، فاستشار كعب الأحبار، وكان قديماً من علماء اليهود باليمن، وكان أبوه يعلم ذكاءه وحدة قريحته، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أخفى عنه صفة النبي صلى الله عليه وسلم في التوراة والإنجيل، فجعلها في صندوق وأحكم إغلاقه، وقال: يا بني، لا تفتح هذا الصندوق، فإنه عين الهلكة عليك، فبقي كعب بقية عمر والده يقرأ الكتب ويحفظها، ولا يفتح ذلك الصندوق ولا يقربه حتى مات أبوه، فلما مات رجع من جنازته حزيناً كئيباً فإذا الصندوق بين يديه، فدعاه الحزن إلى أن يفتحه ليعرف ما فيه، فلما فتحه إذا صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا الأمر واضح، فزال عنه الحزن، وكره أباه بعد أن كان حزيناً على فراقه محباً له، وخرج إلى المدينة ليسلم، فلم يدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأسلم في أيام أبي بكر رضي الله عنه، وحسن إسلامه، وتعلم ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فكان ممن يؤتى أجره مرتين حين آمن بنبي من الأنبياء من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به؛ فكان عمر يستشيره في بعض الأمور، وكان عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقون عنه العلم، منهم: أبو هريرة و ابن عباس وغيرهما.

    فسأله عمر: أين يبني المسجد، فأشار كعب إلى مكان خلف الصخرة، وهذه الصخرة كان أهل الكتاب قبلنا يعظمونها، وكانت قبلة بعضهم، فضربه عمر وقال: هذه من بقايا دينك، فجعل عمر المسجد أمام الصخرة، فكانت الصخرة وراء المصلين؛ لئلا ينوي أحد استقبالها، وذلك من قيام عمر بالحق، فإن الأمر السابق نؤمن به وبصدقه، فهذا الكتاب مصدق لما بين يديه من الحق، لكن نعلم أنه نسخ، ولم يعد الآن قابلاً لأن يتعبد الله به.

    فبنى عمر بن الخطاب رضي الله عنه المسجد الأقصى وسقفه، ثم رجع إلى المدينة، وقد استغرق بناؤه قرابة شهر؛ أي: ثمانية وعشرين يوماً، ثم بعد ذلك بناه عبد الملك بن مروان، ووسعه ابنه الوليد بعده، وما زال بناء الوليد قائماً إلى اليوم، البناء الذي بناه الوليد بن عبد الملك في عام ثلاثة وتسعين من الهجرة ما زال قائماً إلى الآن.

    كذلك فإن هذا المسجد على مكانته في الإسلام خرج أجيالاً من العلماء في كل العصور، فمنه تخرج كثير من جهابذة الحديث والعلماء، فأنتم تعرفون الأئمة الذين ينسبون إلى بيت المقدس؛ كالحافظ المقدسي مؤلف عمدة الأحكام وغيره من الكتب، والحافظ المقدسي الكبير مؤلف المختارة في الأحاديث الصحيحة التي هي من أصح كتب الحديث في الإسلام، وكذلك خرج كثيراً من الفقهاء فيما بعد من مختلف المذاهب، فمن الذين درسوا في المسجد الأقصى وتخرجوا في أروقته من جهابذة العلماء ابن قدامة الحنبلي المقدسي وأخوه وابن أخيه، وكذلك من الذين درسوا فيه ابن أبي الدم الحموي من أئمة الشافعية، ومنهم كذلك من الأحناف الطرابلسي، ومنهم من المالكية: أبو بكر بن العربي و أبو الوليد سليمان بن خلف الباجي، فكل المذاهب تخرج عدد من أئمتها وعلمائها ومحدثيها ومفسريها في أروقة ذلك المسجد الطاهر الطيب.

    وكذلك اشتهر فيه عدد كبير من العباد الزهاد الذين انتفعت الأمة بنصائحهم وتربيتهم وإرشادهم؛ ومنهم: إبراهيم بن أدهم رحمه الله، فكان من المجاورين في المسجد الأقصى، وهكذا عدد من العباد في كل العصور.

    وما زال المسجد الأقصى إلى الآن يحوي عدداً من علماء الأمة وعبادها ومجاهديها وقادتها، الذين يبذلون أرواحهم في سبيل الله، وكل إنسان من أحياء المؤمنين في بيت المقدس يسمي نفسه مشروع شهيد؛ أي: يعد نفسه للشهادة في سبيل الله، وقد اتضح أثر هؤلاء في هذا المسجد، فمنذ قامت المؤامرة الكفرية الدنيئة على تهويد بيت المقدس واحتلاله وتغيير معالمه وبناء الهيكل مكانه بعد هدمه وتخاذلت الحكومات العربية والإسلامية فلم يكن لها بذل يذكر في سبيل تحرير بيت المقدس والانتصار للمؤمنين المستضعفين، هنالك قام الشباب المسلم من أهل بيت المقدس بالدفاع عن هذا المسجد وحوزته، وما زالوا يضحون بأرواحهم في سبيل ذلك إلى اليوم؛ ولذلك ففي المسجد من حماته وحراسه ثلاثمائة وخمسون في كل ساعة، إذا جاء وقت نومهم خلفهم ثلاثمائة وخمسون آخرون، يتعاقبون فيه لحفظه من اليهود، وهم يعلمون أن اليهود قد قاموا بحفر أنفاق من تحته يريدون أن يتهاوى المسجد، ويريدون تفجيره، لكن منذ شب فيه الحريق في عام 1966م إلى الآن وللمسجد عدد من الحراس من المؤمنين، يتعاقبون على حراسته، ويمنعون اليهود من تدنيسه ودخوله.

    وهذا المسجد كذلك من مزاياه وفضله ما خرج منه من الجيوش الفاتحة إلى الأمصار الأخرى، فكثير من الجيوش عقدت ألويتها بفناء المسجد الأقصى، كالجيش الذي افتتح قبرص، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فضله وذكر مزية أهله، كما في حديث أم حرام بنت ملحان في الصحيح، حيث: ( كان نبي الله صلى الله عليه وسلم نائماً في بيتها فاستيقظ يضحك، فقالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما يضحكك؟! قال: قوم من أمتي ملوك على الأسرة.. )، أو: ( كالملوك على الأسرة يركبون ثبج هذا البحر، هم في الجنة، فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم، ثم نام فاستيقظ يضحك، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما يضحكك؟!قال: قوم من أمتي ملوك على الأسرة.. )، أو: ( كالملوك على الأسرة يركبون ثبج هذا البحر، هم في الجنة، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت من الأولين )، فغزيت قبرص مرتين، فالمرة الأولى كان فيمن غزاها عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان فوقعت عن دابتها فماتت شهيدة بقبرص، ثم غزيت مرة أخرى بعد ذلك، فكان ذلك من أعلام النبوة ودلائلها.

    وكل هذا الفضل العظيم للمسجد الأقصى يتجاهله كثير من المسلمين اليوم فيسلمونه راغمين صاغرين لليهود إخوان القردة والخنازير، الذين كتب الله عليهم الذلة والمسكنة، وهم أجبن الناس وأخنعهم إلى يوم القيامة، ومع ذلك تجد حفنة يسيرة منهم ألقاطاً وأوزاعاً أتوا من مختلف الأمصار والبلدان، لا يرغبون في الجنة ولا يودون الموت بحال من الأحوال، أكره ما يكرهون الموت، ومع ذلك تتراجع أمامهم الملايين من المسلمين، وتنهزم أمامهم الجيوش المدججة بأنواع الأسلحة.

    فكل ذلك ينبغي أن يذكرنا بالمعراج وبالإسراء إلى المسجد الأقصى، وبمزية هذا المسجد في الإسلام؛ حتى يحيي ذلك في نفوس المؤمنين الجهاد في سبيل الله والدفاع عن هذا المسجد وحرمته، والدفاع عن المؤمنين المستذلين المستضعفين هنالك، الذين يقتلون كما تذبح الشياه، ويستباح منهم ما حرم الله، في كل يوم من الأيام تسمعون أذاهم وإهانتهم ومهانتهم، وقد قال أحد علماء هذه البلاد في وصف ذلك:

    وشيوخاً في الشرق يدعون إلى الحق فيلقون في ظلام السجون

    إخوة ما ذكرت ما يعتريهم من شئون إلا استهلت شئوني

    إخوة ما ذكرت ما هم عليه من هوان إلا وجن جنوني

    إنما القدس أمكم فاحفظوها حفظ بر حقوق أم حنون

    لم يفاوض ولم يساوم ولم يقنع بسلم يجيء من نيكسون

    كان ذلك في أيام نيكسون رئيساً للولايات المتحدة.

    فلابد أن تحيي ذكرى الإسراء والمعراج في نفوس المؤمنين محبة المسجد الأقصى، وتذكر المسئولية عن هذا المسجد، وتذكر حرمة سكانه المؤمنين المستذلين المستضعفين، وما لهم من الحق، فلا يحل لمؤمن أن يخذل مؤمناً ولا أن يسلمه، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( المسلم أخو المسلم، لا يخذله ولا يحقره ولا يسلمه ولا يكذبه، التقوى هاهنا - وأشار إلى صدره ثلاثاً- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام؛ دمه وماله وعرضه )؛ فلذلك لابد من تذكر حقوق المسجد الأقصى بهذه المناسبة العظيمة، ومن تذكر حقوق عمار المسجد الأقصى من المؤمنين كذلك، وما لهم من الحقوق، ولو لم يستطع الإنسان إلا الدعاء لهم ومناصرتهم بالكلمة وتذكير المؤمنين بهم وبأحوالهم فذلك واجب لا يحل له التراجع عنه بحال من الأحوال، فلابد أن نشركهم في دعائنا، ولابد كذلك أن نحفظهم بتنبيه الأمة على حقوقهم، ومن يستطع الكتابة فليكتب، ومن يستطع الكلام فليتكلم، لكن لا يقبل أبداً إسلامهم بالسكوت عن حالهم ودعوى أن تلك المحنة مختصة بأهل فلسطين أو بأهل المسجد الأقصى وحدهم دون سواهم من الأمة، فهذا لا يصدر من قلب مؤمن بكل هذه العبر والقصص، ومن قلب مصدق لرسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الإسراء مؤمن بها.

    تعظيم المساجد واحترامها

    ثم بعد ذلك من الدروس العجيبة في هذه القصة ما يتعلق بتعظيم المساجد واحترامها، فأنتم تعلمون أن هذه القصة ذكر فيها ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومنه ابتدأت، والمسجد الأقصى، وهو المحطة الأرضية الأخيرة فيها، والبيت المعمور، وهو المحطة السماوية فيها، فهو المسجد، مسجد السماء، وهذا تنبيه على عظم شأن المساجد واحترامها، فهذه المساجد نوه الله بشأنها في كتابه فقال تعالى: اللهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:35-38]، فهذا التنويه العظيم من الله سبحانه وتعالى في سورة النور - التي سميت بهذه الآية- بالمساجد وأهلها وعمارها لابد من تذكره، وهو من عبر هذه القصة ومن فوائدها، فنحن اليوم في زمان اتخذت فيه المساجد مرافق عمومية، وأصبح كثير من الناس ينظر إليها على أنها أملاك يتصرف فيها، وتوضع حيث أراد لها الذين يخططون والذين لا يبنونها ولا يشاركون في بنائها ولا في عمارتها ولا في مائها ولا في كهربائها ولا في نظافتها، وحتى لا نشهدهم يصلون فيها في الصفوف الأول على الأقل، يخططون لجعلها مرافق عمومية كسائر المرافق، وقد نوه الله بشأنها وبين درجتها واحترامها في كتابه، ونوه بشأنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سبق.

    وقد جاء في عدد من الدروس السابقة بعض ما جاء في المساجد، وكيف كانت في الإسلام، وكيف كان استغلالها، وقد بينت لكم أنها كانت كل شيء في الإسلام، فهي عاصمة الإسلام بمعنى الكلمة، هي وسيلة الإعلام في الإسلام، وهي المدرسة في الإسلام، وهي مجلس القضاء في الإسلام، وهي بيت المال في الإسلام، وهي الثكنة العسكرية في الإسلام، وهي المستشفى في الإسلام، كل ذلك ذكرنا أدلته الصالحة الناصعة من قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبالإمكان الرجوع إليها في بعض الدروس السابقة المختصة بذلك، فما كان هكذا فلا يمكن أن تتناوله أيدي الناس فيكون لعبة في أيدي الملوك، وقد كان مالك رحمه الله من أفقه أهل زمانه، فعندما عرض عليه المنصور أن يهدم الكعبة وأن يبنيها على قواعد إبراهيم وأن يعيدها كما بناها ابن الزبير وكما تمنى رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاه عن ذلك، وقال: أخشى أن تكون لعبة في أيدي الملوك، كلما جاء ملك غيرها، فالمساجد كذلك لا ينبغي أن تكون لعبة في أيدي الملوك، كلما جاء رئيس غير شأنها وسن لها من القوانين ما يحلو له وما يوافق سياسته، فهذا غير مقبول بوجه من الوجوه، بل لابد أن تبقى المساجد محترمة، ولابد أن تبقى مؤدية لرسالتها، وقائمة بالحق الذي له بنيت وبه قامت منائرها، ولابد أن يسمع منها صوت الحق مدوياً عالياً، ولابد كذلك أن تتصل مساجد الأرض بمساجد السماء، لابد أن تبقى معمورة كالبيت المعمور في السماء، الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يرجعون إليه.

    إننا نذكر فترات مضت وقد كنا في هذا البلد لا نرى الشباب في المساجد ولا نراهم يعمرونها، بل لم نكن نعرف من المساجد في بلدنا، في عاصمتنا هذه إلا مساجد محصورة على أصابع اليد الواحدة، والحمد لله قد يسر الله لها من بناها فانتشرت وكثرت، وبعث في نفوس الشباب - الحمد لله - الهداية، فامتلأت المساجد بالشباب المؤمنين الذين يمكن أن نشهد لهم بالإيمان على ضوء قول الله تعالى: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ [التوبة:18]، فكان ذلك من فضل الله ونعمته وتوفيقه وحمايته لدينه، لكن ذلك لا يحلو لكثير من الناس، بل يغيظ كثيراً من القلوب المريضة، فلا تريد أن تكون هذه المساجد مأوىً للصادقين المحقين، ولا تريد أن تكون هذه المساجد كذلك مشعل نور، يستضيء به المريدون لطريق الحق، السالكون لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك لم يشاركوا في بنائها أصلاً، ثم لما بنيت - وكان ذلك فلتة لم يشعروا بها- سنوا من القوانين ما يقلل بناءها ويحرمه تقريباً، وما يجعلها أيضاً - لو بنيت-خاضعة للقوانين، وخاضعة للرقابة، وخاضعة لما لا يحمد، وأنتم تعرفون خطر ذلك وضرره على دين الله عز وجل.

    الإيمان بجميع الأنبياء

    ثم من الدروس والعبر كذلك العجيبة في هذه القصة ما يتعلق بالاتصال الروحي بين الأنبياء؛ فالأنبياء جميعاً رسل من عند الله، اختارهم الله من خلقه وحملهم هذه الرسالة العظيمة، التي تقوم على أمرين: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:13]، ركنان عظيمان، أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:13]، كما قال الله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:13]، فالأنبياء جميعاً حدد الله سبحانه وتعالى مقتضى بعثتهم في قوله: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]؛ فهذا هو نكتة إرسال الأنبياء جميعاً: تحقيق العبادة لله، واجتناب الطاغوت في الأرض، بهذا أرسل جميع الرسل، وهو الدين، فدين جميع الأنبياء واحد، وإنما تختلف شرائعهم ومللهم؛ أي: التفصيلات الحكمية فيما يتعلق بالجزئيات، أما الأصل في التوحيد، فهو واحد في جميع الملل السماوية، وما يزعمه بعض الناس من الاختلاف في الأصول، وينساق وراءه بعض الباحثين من المسلمين تقليداً للنصارى والمستشرقين باطل، ليس له أي أساس، ومن الغرائب أن تسمع اليوم بعض الباحثين من المسلمين يزعمون أن المعاد الجسماني وما يتعلق بالحشر وما يتعلق بالصراط - أن ذلك من خصائص رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الرسائل السابقة لم تكن تعرفه، فهذا باطل، فأين الكتب السابقة السماوية؟ أليست قد حرفت وبدلت بشهادة الله تعالى في كتابه؟! فلذلك لا يمكن أن يعتمد على الموجود في أيدي القساوسة والرهبان اليوم، ونحن نعلم أن آباءهم وأسلافهم قد حرفوها وبدلوها وغيروا فيها، وقد قال ابن حزم رحمه الله: إن النصارى لم يبق بأيديهم من الأحكام المنزلة في الإنجيل على عيسى إلا حكم واحد، وهو منع تعدد الزوجات، جميع ما سوى ذلك من الأحكام غيروه وبدلوه، منع تعدد الزوجات، حكم واحد من أحكام الإنجيل بقي النصارى يتشبثون به، ما سواه من الأحكام غيروه جميعاً.

    كذلك فإن هذا الاتصال بين الأنبياء يقتضي أن نؤمن بهم جميعاً، وأن نحبهم جميعاً، ومن سمي منهم في القرآن فحينئذ قد جاءنا خبر اليقين عنه فعرفناه، ومن لم يسم منهم في القرآن ولا في السنة لم يأتنا عنه خبر اليقين، لكن نؤمن بوجود الأنبياء رسلاً مبشرين ومنذرين، ونؤمن أن الله قد ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقفى على آثارهم به، وأنه قد جاء بالحق المصدق لما بين يديه من الحق، وأنه مهيمن على كل الكتب السابقة، ناسخ لها، وأن الله لا يقبل من أحد التعبد بأية ملة من الملل بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم وقيام الحجة بالقرآن الذي أنزل إليه.

    الإيمان بالغيب وعظمة الامتحان به

    كذلك من الدروس والعبر في هذه القصة - وهي قصة الإسراء والمعراج- ما يتعلق أيضاً بالإيمان بالغيب، فإن الإيمان بالغيب امتحان عظيم امتحن الله به المؤمنين، وهو من أعظم الامتحانات، فالامتحانات إما أن تكون من عمل العقل بالتصديق، وإما أن تكون من عمل الجوارح، فأعظم امتحانات العقل الإيمان بالغيب، وأعظم امتحانات البدن والجوارح الجهاد في سبيل الله، فهما أمران هما أعظم ما امتحن الله به هذه الأمة، فالإيمان بالغيب أثنى الله به على المؤمنين من هذه الأمة، فقد قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم، الــم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:1-3]، وهذا الإيمان يقتضي من الإنسان أن يعلم أن عقله جارحة من جوارحه، كما أن جوارحه عاجزة عن كثير من الأمور، فكذلك عقله عاجز عن تصور كثير من الأمور، ومن هنا إذا جاء الوحي فلابد من الاستسلام له مطلقاً، فهمته أو لم تفهمه، وافق عقلك أو لم يوافقه، فالوحي هو الصواب وهو الحق، وعقلك هو الضعيف الذي فيه النقص، وإذا عرف الإنسان ذلك واستسلم له فإنه سيصدق بكل ما جاء في الوحي مطلقاً، ولن يجد نفسه مجادلة ولا مخالفة، بل سيجد طعم الاستسلام وحلاوة الإيمان، كما قال الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

    وهذا الإيمان بالغيب يقتضي تصديق الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثًا [النساء:87]، وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلًا [النساء:122] في كل ما أخبر به عن نفسه، وأخبر به عن خلقه، وما أخبر به عن اليوم الآخر وما فيه، فلابد من الاستسلام لصفات الله التي وصف بها نفسه، وأن نؤمن بها ونصدق كما أخبر الله بها، فلا أحد أعلم بالله من الله، وما أخبر الله به هو الصدق، ولو لم تفهمه أنت، ولو خالفه كل إنسان فلا يقوى أحد على مخالفة خبر الله سبحانه وتعالى؛ فهو الصدق، بل إن الخبر ليس كالأمر، فالأمر يقبل النسخ، والخبر لا يقبل النسخ، خبر الله عز وجل هو صدق ولا يقبل النسخ ولا التغيير؛ لأن نسخه تكذيب له، بينما أمر الله إذا أمر بأمر يمكن أن ينسخه ويغيره: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا [البقرة:106]، وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [النحل:101]، فالخبر لا يغير ولا يبدل ولا ينسخ، والأمر يعروه ذلك؛ فدل هذا على أن التعبد بتصديق الخبر أعظم من التعبد بطاعة الأمر؛ ولذلك لابد من الاستسلام التام لخبر الله عز وجل، وبالأخص لخبره عما لا يمكن أن تصل إليه العقول ولا الجوارح؛ كخبره عن نفسه وصفاته، وكخبره عن اليوم الآخر وما فيه، فلابد من الاستسلام لذلك كله.

    وكذلك لابد من الاستسلام لخبر الأنبياء الذين صدقهم الله، فتصديق الله لهم يقتضي أن من كذبهم فقد كذب الله؛ لأن الله صدقهم بالمعجزات الظاهرة الباهرة، فكل ما جاءوا به قد صدقه الله حين أقام الحجة على صدقهم، فمن كذبهم فقد كذب الله من هذا الوجه، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً؛ فلذلك لابد من تصديقهم في كل ما أخبروا به، سواءً كان ذلك من خبر ما مضى أو من خبر ما يأتي، فما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأمم السابقة، وما حدثنا به عن مشاهد القيامة وأشراط الساعة وما يحصل في آخر هذه الأمة، كل ذلك من الإيمان بالغيب؛ فيجب الإيمان به والتصديق والاستسلام له، ومعرفة أنه الحق، وأنه سيتضح وينكشف إذا حصل، فلا تفكر - يا أخي-في جزئيات ذلك وكيفياتها، واعلم أن عقلك عاجز عنه، وأنك عندما يحصل فستشاهده وتراه رأي العين، لا تسأل عن كيفية مرور الناس على الصراط وهو أحد من السيف وأرق من الشعر، ولا تسأل عن كيفية قيام الخلافة الراشدة في آخر الزمان، التي يحكمها اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، ولا تسأل -كذلك- عن كيفية قتال المسلمين لليهود، وتكلم الحجر والشجر، ولا تسأل -كذلك- عن كيفية نزول المسيح بن مريم حكماً عدلاً، ولا تسأل عن كيفية خروج الدجال، ولا تسأل عن كيفية خروج النار من قعر عدن تسوق الناس إلى المحشر، ولا تسأل عن تكليم الرجل أهله، من مقبض سوطه، أو من شراك نعله، مع أن ذلك قد بدأت بوادره، فقد نشاهد اليوم التكلم في الأجهزة والهواتف الجوالة؛ مما يدل على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك من الآيات المنظورة في هذا الكون، وقد قال الله تعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت:53].

    إن هذه القصة حين حصلت كانت معياراً للتمييز بين الصادقين في الإيمان والمبطلين، فالذين آمنوا بعواطفهم ولم يؤمنوا بعقولهم، الذين آمنوا عندما وجدوا ما يوافق أهواءهم، سيكفرون إذا وجدوا ما يخالف أهواءهم، وهؤلاء هم مرضى القلوب، وهذا المرض الذي يقتضي قبول البعض ورفض البعض ينقسم إلى قسمين:

    إلى مرض عقدي؛ كمرض اليهود الذين قالوا: نؤمن بما أنزل على محمد وجه النهار ونكفر آخره، وجعلوا القرآن عضين، يؤمنون ببعضه ويكفرون ببعضه: وَمِنَ الأَحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ [الرعد:36]، فهؤلاء من الناحية العقدية آمنوا ببعض ذلك وكفروا ببعضه، فإذا جاءهم الخبر الموافق لأهوائهم صدقوه، وقالوا: نعم، لا يعلم هذا إلا نبي، وإذا جاءهم الخبر المخالف لذلك أنكروه وكذبوه.

    القسم الثاني من مرضى القلوب: الذين يحصل هذا لهم فيما يتعلق بالعمل والتحاكم، فإذا كان الحق في جانبهم قبلوه ورضوا بحكم الله، وإذا كان الحق في جانب خصمهم لم يقبلوه ولم يركنوا إليه بوجه من الوجوه، وقد قال الله تعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ [النور:51]، قال: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور:48-52].

    احترام الأشهر الحرم

    إن دروس وعبر قصة الإسراء والمعراج كثيرة جداً، ومن الأمور العملية التي ينبغي أن نأخذها ما يتعلق باحترام هذا الشهر، فهو من الأشهر الحرم التي نوه الله بشأنها، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم -كذلك- إلى أن الناس كانوا في ذلك الزمان يقارنونه برمضان فيغفلون عن شعبان؛ لأنه بين رجب ورمضان، ولم نر هذا اليوم معهوداً لدى الناس، فعلى الناس اليوم أن يستغلوا هذه الفرصة في الصلاة في الجماعة، وحضور الدعوة والدروس، وسماع الخطب، وتعاهد القرآن ودراسته، والإكثار من الصيام والقيام من النوافل دون تحديد معين ودون تحديد ما لم يأذن الله بتحديده، فذلك ابتداع، لكن إذا فعلوا ذلك ابتغاء تضعيف الأجر في الأشهر الحرم، وبالأخص في هذا الشهر الذي هو من أفضلها فلا حرج في ذلك، ولا يدخل ذلك في حيز البدع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقره حين قال: ( ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان ).

    ثم كذلك علينا أن نتذكر الشهر القادم، وهو شهر شعبان، وأن نتذكر الإكثار من الصوم فيه؛ تهيئة للنفوس لرمضان، ثم نتذكر البشارة الكبرى في السنة بقدوم شهر رمضان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشر به الناس، فيقول: ( قد أظلكم شهر عظيم، تفتح فيه أبواب السماء، وتوصد فيه أبواب النار، وتصفد فيه مردة الشياطين )، فكان يبشرهم بمقدم شهر رمضان.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لأحسن الأعمال والأخلاق، وأن يصرف عنا سيئها، لا يهدي لأحسنها ولا يصرف سيئها إلا هو، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042867590

    عدد مرات الحفظ

    731665476