إسلام ويب

أسباب الفتنللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الابتلاء سنة من سنن الله في خلقه, ومن أنواع الابتلاء: الابتلاء بالفتن, وللفتن أسباب منها: الغفلة عن ذكر الله, وانتشار الظلم والطغيان, والأثرة والحسد, وإثارة النعرات الطائفية, وغير ذلك من الأسباب. وللفتن آثار عظيمة على الفرد والمجتمع, ومنها: انشغال المسلمين بعداوة بعضهم البعض وترك عداوة الكفار, وإنكار الحق, واستحلال المحرمات.

    1.   

    ابتلاء الله لأنبيائه عليهم السلام

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده ويمتحنهم، فيبلوهم بالشر والخير فتنة لهم, كما قال الله تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ[الأنبياء:35]، وقد جعل الله تعالى هذه الدنيا دار امتحان وابتلاء، وبين أن الناجحين في هذا الامتحان، والفائزين في هذا الابتلاء هم الذين يفوزون بجنات النعيم يوم القيامة، وأن الخاسرين هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.

    ولذلك فإن الله عز وجل قصَّ علينا امتحاناته وابتلاءاته للمصطفين من عباده, ومنهم أنبياؤه عليهم الصلاة والسلام، وبين نجاح أنبيائه في هذا الامتحان، فقال تعالى في امتحانه لإبراهيم عليه السلام: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[البقرة:124]. وبين ابتلاءه للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ[المائدة:67]، وقد شهد له بالنجاح في هذا الامتحان فقال: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ[الذاريات:54]، وقال: وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ المُبِينُ[النور:54].

    وبين كذلك ابتلاءه لآدم عليه السلام ولغيره من الرسل، وكل ذلك تذكرة وعبرة للمعتبرين من الخلائق، فإذا كان أنبياء الله وأصفياؤه وخيرته من خلقه يبتليهم الله سبحانه وتعالى ويمتحنهم في الثبات على دينهم، فكيف بمن دونهم ومن سواهم، فمن لا يصل إلى أدنى مستوىً من مستويات إيمانهم، فهم الأسوة الصالحة والقدوة الطيبة لكل المقتدين من المؤمنين؛ ولذلك لابد من مراجعة أحوالهم, وتعاهد مواقفهم في المحن والابتلاءات، وبالأخص إذا عرفنا أننا الآن نعيش في زمان الفتن، وهو آخر هذه الأمة التي هي آخر أمم الدنيا، فنحن الآن في آخر أمة من أمم الدنيا؛ وهي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وفي آخر هذه الأمة كذلك, وآخرها هو وقت الزلازل والمحن والفتن، وستكثر وتكون كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمناً ويسمي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا.

    1.   

    أنواع الفتن التي تصيب هذه الأمة

    وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم عدداً من الفتن تكون في آخر هذه الأمة، فمنها: فتنة السراء، ومنها: فتنة الدهيماء، ومنها: فتنة الباب المغلق، وغير ذلك من الفتن العظيمة.

    فتنة السراء

    فمن هذه الفتن التي سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم: فتنة السراء، وهي: ما يصبه الله على عباده من أنواع الخيرات التي لم تكن تخطر على بال أحد من الماضين, وما نشهده اليوم من تيسر الأمور والاتصالات والنقل والعلاج.. وغير ذلك، كله من السراء التي لم تكن فتحت لمن قبلنا، الذين مكنوا في الأرض أكثر مما مكن لنا.

    فتنة الضراء

    وكذلك منها: فتنة الضراء، وهي ما يصيب المؤمنين من المذلة والهوان، عندما ينزع الله المهابة من قلوب أعدائهم، ويسلط عليهم الوهن، وإنما يكون ذلك عندما يكثر سوادهم من غير فائدة، فيكون الكم كبيراً والكيف ضعيفاً؛ ولهذا بين النبي صلى الله عليه وسلم حالهم حينئذٍ فقال: ( بل أنتم يومئذٍ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل)، وهذه الغثائية هي سبب هذه الفتنة التي هي فتنة الضراء، وهوان هذه الأمة على الأمم.

    فتنة الدهيماء

    وأما فتنة الدهيماء، فقد قيل: هي أن يفيض المال ويكثر بين الناس, فلا يبال الرجل أخذه من حله أو حرامه.

    وقيل: إنما هي جفنة الملك والحكم حيث يتنافس الناس عليه، فيتولاه من لا يصلح له ومن ليس معداً له، كما بين النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك من أشراط الساعة، قال: ( إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ).

    فتنة حب الدنيا والتعلق بها

    وبين النبي صلى الله عليه وسلم كذلك من الفتن المسماة بين يدي الساعة: (أن يحسر الفرات عن جبل من ذهب, فيقتتل الناس عليه قتالاً شديداً حتى يقتل من كل مائة تسعة وتسعون، فيقول الباقي: لعلي أنا آخذه)، وذلك من حب الناس للدنيا أن تجبل قلوب الناس على محبة الدنيا والتنافس فيها حتى تكون المائة يقتل منها تسعة وتسعون من أجل المطامع الدنيوية، ويكون الباقي أيضًا غير معتبر ولا متفكر في مصير أولئك التسعة والتسعين الذين سبقوه، فهو يريد أن يعيد تجربتهم ويقول: لعلي أنا آخذه.

    وهذا الحال وإن لم يحصل فيما يتعلق بانحسار الفرات بخصوصه، لكن حصلت أسبابه، فانتشر في الناس حب الدنيا، والتنافس فيها، وعدم الاعتبار بمصائر أهلها؛ ولذلك فإن الناس في الزمان الماضي كان يوجد فيهم بعض محبة الدنيا، وكان فيهم بعض الذين يجمعونها ويكتسبونها، ويقدمونها على الآخرة، لكن يكون ذلك في أفراد قلائل، فمثلًا: نتذكر قصة قارون، فقد أوتي مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ[القصص:76]، وجمع من أنواع المال ما جمع, وأدى به ذلك إلى الطغيان والتكبر، فخرج على قومه في زينته، فكان قومه على قسمين: الذين يريدون الحياة الدنيا، والذين يريدون الآخرة، فالذين يريدون الحياة الدنيا تمنوا ما هو فيه: قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ[القصص:79].

    والذين يريدون الآخرة: هم أهل العلم والإيمان، وهم الذين نهوهم عن ذلك وبينوا لهم: أن الفضل إنما هو بيد الله يؤتيه من يشاء، وأن مجرد امتحان الإنسان بما يجعل تحت يده من أمر الدنيا إنما هو فتنة له، وإذا لم ينجح في الامتحان فليس في ذلك نتيجة ولا فائدة، لكن عندما خسف الله بـقارون وبداره وكنوزه رجع الجميع إلى أهل العلم والإيمان فأقروا بما أخبروهم به: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[القصص:81-83]، فرجعوا جميعًا إلى هذا الأصل وهذه القناعة التي هي قناعة أهل الإيمان والعلم؛ أن الدار الآخرة إنما هي للذين يريدون وجه الله عز وجل، وأن الدنيا ما ليس منها نافع في أمر الآخرة ومطية لها لا خير فيه.

    فكثرة عرض الدنيا إذا كان شاغلًا عن الدار الآخرة وشاغلًا عن عبادة الله سبحانه وتعالى فهو مضرة لا منفعة، وقليلها إذا كان عونًا على طاعة الله تعالى فهو منفعة لا مضرة، وكذلك إذا سلط الإنسان على هلكتها في الحق فلم يكن يعبدها ولا يتخذها صنماً يقدسه، وإنما يستغلها في سبل نجاته وتقربه إلى الله سبحانه وتعالى، فإن هذا نجاح له في الامتحان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله علماً فهو يقضي به آناء الليل وأطراف النهار)، وفي رواية: ( رجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها الناس، ورجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق). فهذان الرجلان هما اللذان يغبطان فيما امتحنا فيه؛ لأنهما قد نجحا، وكثير هم أولئك الراسبون في هذا الامتحان، فمن أوتي علماً وفهماً وذكاء؛ ولكنه استغله فيما لا ينجيه بين يدي الله تعالى فما أوتيه لا يغبط عليه؛ لأنه لا خير فيه، إنما يغبط على ذلك من استغله آناء الليل وأطراف النهار، وكذلك من أوتي مالاً كثيراً، ولكنه لم يستغله في طاعة الله وعبادته والتقرب إليه، فإنما هو حسرة وندامة عليه يأتي يوم القيامة وقد زال عنه كل ما كان فيه: وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ[الأنعام:94]، فيخرجون منها ويؤتون فرادى حفاة عراة غرلاً، ليس مع أحد منهم إلا عمله كما قال الله تعالى: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ[الأنبياء:104].

    وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنكم ملاقوا الله حفاة عراة غرلاً، ليس مع أحد منكم إلا عمله, كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ[الأنبياء:104] )، فتتقطع الأسباب والأنساب، ويأتي كل إنسان فردٍ يجادل عن نفسه: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا[مريم:95]، يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا[النحل:111]، فكل نفس ستحشر كأنها أمة بكاملها، كأنها أمة لوحدها تجادل عن نفسها، وهي معروضة بين يدي الملك الديان, والخصوم كثير جداً، فيؤتى بالشهيد والسائق، فالشهيد من الأنبياء, والسائق من الملائكة، وحينئذٍ عندما تزول المعاذير وتذهب فلا يبقى مع الإنسان حجة إلا النجاح في هذا الامتحان الذي امتحن به.

    1.   

    أسباب الفتن

    وهذه الفتن لها أسباب كثيرة:

    الغفلة عن الله سبحانه وتعالى

    فمن أسباب الفتنة: الغفلة عن الله سبحانه وتعالى، فالغافلون الذين لا يكون أمر الآخرة على خلد أحدهم, ولا يفكروا في نهاية هذه الدنيا, ويظنوا أنها مسلسل مستمر، فيقول: إذا لم أفعل كذا اليوم فسيفعله غداً، وإذا لم أفعله غداً فسيفعله بعد غد، وإذا لم يفعله في هذا الشهر فسيفعله في الشهر القادم أو في السنة القادمة، فهؤلاء هم المغرورون بالتسويف وطول الأمل، وهم مفتونون قد أخذ الشيطان بأزمتهم، وهذه الغفلة سبب من أسباب الفتن، صاحبها قلما يثبت على حق، بل لابد أن تأتيه الهزات والأزمات حتى يتساقط عن طريق الحق فيسقط عن الصراط الدنيوي؛ وذلك مؤذن بسقوطه كذلك من فوق الصراط الأخروي يوم القيامة.

    انتشار الطغيان والبغي

    كذلك من أسباب هذه الفتن: الطغيان والبغي، فانتشار الظلم سبب للظلم في المقابل، فكل من سعى للإفساد في الأرض وتجبر وطغى وبغى فإنه سبب من أسباب الفتنة، ولهذا قال الله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ[البقرة:193]، فقادة الكفر وأئمته والطغاة المحادون لله المعطلون لحدوده المحاربون لأوليائه في كل زمان ومكان هم من أسباب الفتنة؛ لأن ما يعملونه لا بد أن يستدعي من الآخرين ردة فعل فتقع المشكلات؛ ولذلك فإن من القواعد العامة: أن الظلم يؤدي إلى الظلم، وأن العنف يؤدي إلى العنف, وهكذا، فكل ذلك من الأمور التي يستدعي بعضها بعضاً، وقديماً قال الجاهلي:

    ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين

    وكذلك فإن هذا الطغيان سبب لطغيان آخرين؛ لأنها مدرسة يورثها الإنسان ومن حوله، وعكس ذلك أيضاً صحيح، فالصلاح والاستقامة والعدل سبب أيضاً لمحاربة الفتن وسد بابها بالكلية، ولهذا فإن عمر بن عبد العزيز رحمه الله، لما أراد أن يسد بعض الفتن التي كانت منتشرة في هذه الأمة، دعا رجاء بن حيوة وهو من كبار التابعين من العلماء الفقهاء، فقال: يا رجاء إني أريد الإصلاح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولكني لا أجد رجالاً، فقال: يا أمير المؤمنين! السلطان كالسوق يجلب إليها ما يروج فيها، فإذا كان السلطان عدلاً صالحاً، يعدل بين الناس في حكمه ولا يعتدي عليهم ولا يمنعهم حقوقهم، ولا يستأثر بمال الله دونهم، فإنهم جميعاً سيتعودون على هذا، فترتفع أيدي بعضهم عن بعض, ولا تنتشر فيهم الفوضى، ويأمنون من المشكلات كلها، ولذلك قال أحد الذين عاشوا في زمان محمد المهدي رحمه الله وهو أحد خلفاء بني العباس الموفقين, يقول:

    تلقى الأمان على حياض محمد ثولاء مخرفة وذيب أطلس

    لا ذي تخاف ولا بهذا صولة تهدى الرعية ما استقام الريس

    ففي مقابل ذلك إذا جار السلطان وبغى فسيعود حتى الضعفاء على الجور والبغي والظلم؛ لأنهم يقتدون به، والناس على دين ملوكهم، وقد قال أبو عمر بن عبد البر رحمه الله: من القواعد التي أثبتها الشرع والتجربة: أن الناس على دين ملوكهم، وقال ابن تيمية رحمه الله: إن الناس على دين من ارتفع شأنه بينهم، فهم على دين الملك فيما هو فيه، وهم على دين أغنيائهم، فمن ارتفع شأنه بينهم فإنما يتبعون سبيله ويقتدون به، فلذلك لما اهتم بنو أمية بالعمران والبنيان، اهتم جميع هذه الأمة بالعمران والبنيان, وانتشرت بالعمارة في مشارق الأرض ومغاربها.

    ولما تشاغل ملوك الأندلس بالرفاة والقينات وشرب الخمر وغير ذلك تشاغل الناس به جميعًا, حتى جاء المستعمر فأخذ برقابهم وسقطت الأندلس، وهكذا في كل عصر من العصور ما يعمله سلطان قوم، فسيقتدي به الآخرين، فإذا كان صاحب إفساد واعتداء فستكون الراعية كذلك على قلبه, فتدب بينهم الفتنة والفساد.

    الأثرة والحسد

    والأثرة كذلك سبب من أسباب الفتن؛ لأنها سبب لحصول الحسد، والحسد سبب لكل الفتن، فهو من أمراض القلوب المؤذية، ولا يأتي بخير أبدًا، فإن كثيراً من الناس إذا عاشوا في فقر مدقع, وفي مرض وجهل وعدم عناية, وهم يرون آخرين يجدون ما يسدون به حاجاتهم من غير ما ورثوه عن آبائهم، وإنما هم فيه سواء، فيستأثروا به دونهم، فيكون ذلك سبباً لحصول الفتن والمشكلات.

    إثارة النعرات الطائفية

    كذلك من أسباب الفتن والمشكلات: إثارة النعرات، فقد خلق الله البشر جميعاً من نفس واحدة، وجعلهم جميعاً لآدم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كلكم لـآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى)، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ[الحجرات:13]، فكرم أهل الدنيا إنما هو بتقوى الله سبحانه وتعالى، والخوف منه، ورجاء ثوابه, وخوف عقابه، ولذلك فكل الفئات الدنيوية تعود يوم القيامة إلى فئتين فقط، الآن: تنوع الكثير في البشر ذكور وإناث، علماء وجهلاء، أغنياء وفقراء، أصحاء ومرضى، ساسة ومسوسون، إلى غير ذلك من أنواع الطوائف، لكنهم يوم القيامة يرجعون إلى قسمين فقط: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ[هود:105-108].

    فلذلك لابد أن ندرك أن تفاوت أهل الدنيا فيها إنما هو بمثابة تفاوت الراكبين في السيارة؛ إذا ركب بعضهم في مقدمها وبعضهم في مؤخرها، فعندما تنتهي الرحلة فإنهم يصلون سواء، فلا يقال: وصل فلان قبل فلان، أو فلان قبل فلان، فقد وصلوا في آن واحد، ومدة الرحلة إنما هي ساعة أو ساعتان أو ساعات قليلة، ثم بعد ذلك تكون الفوارق، ولهذا فمدة المكث على الحياة الدنيا كما سبق لا يساوي شيئاً من أعمار الإنسان، فإذا عاش الإنسان فوق هذه الدنيا مدة حياته فقيراً ضعيفاً سقيماً مستذلاً.. إلى آخره، فله وقت يستوي فيه مع غيره، فبالموت يتساوى الجميع، فالغني يموت كما أن الفقير يموت، والجبان يموت كما أن الشجاع يموت، والسوقة يموتون كما أن الملوك يموتون، وهكذا الجميع يتساوون في الموت، ثم إذا وقف الواقف على قبورهم لا يفرق بينها، وهو يعلم البون الشاسع بين أحوال أهل القبور، فالقبر إما روضة من رياض الجنة, وإما حفرة من حفر النار، وأخبار ذلك منقطعة, والنهاية يجتمع في القبر الواحد من هو في غاية النعيم، ومن هو في غاية العذاب، وعظامهم مختلطة, وذراتهم مختلطة, فلا هذا يحس بشيء من نعيم هذا، ولا هذا يحس بشيء من عذاب هذا، كرجلين لبسا ثوباً واحداً فناما، فرأى أحدهما رؤيا هي في غاية اللذة، ورأى الآخر رؤيا في غاية الحزن، فلا يصل إلى هذا شيء من لذة هذا، ولا إلى هذا شيء من حزن هذا، ولذلك فإن تفاوت الناس في هذه الحياة الدنيا ينبغي أن يكون عامل إثراء وتكافل وإلا كان عامل فتنة وإشاعة للفوضى.

    ومن هنا: فإن كل إشاعة للفوضى هي دعوة إلى معصية الله سبحانه وتعالى، ومخالفة لأمره، وكل تعزز بالآباء أو بالجهات أو بالقبائل أو بغير ذلك هو مخالف لمنهج الله تعالى ودعوة إلى الفتن، ولا يأتي كل ذلك بخير، بل كل ذلك إنما هو من العسر والظلم والإفساد في الأرض التي لا تعود إلا بالبغي الوخيم، وقد قال الحكيم في الجاهلية:

    تعلم أن خير الناس ميت على جفر الهباءة لا يريم

    ولولا ظلمه لأقمت أبكي عليه الدهر ما طلع النجوم

    ولكن الفتى حمل بن بدر بغى والبغي مرتعه وخيم

    الجهل بالله تعالى والجهل بشرعه

    كذلك من أسباب الفتن أيضاً: الجهل بالله تعالى والجهل بشرعه، فإن الجهل بالله تعالى يقتضي الجسارة على معصيته، فالذين ترونهم يتجاسرون على معصية الله سبب ذلك أنهم ما عرفوا الله، فلو عرفوه لخافوه، فهو الذي يستحق أن يخاف، والذين يتعلقون بأذيال المخلوقين فيذلون لهم، ويقدمون لهم القرابين، ويتعاملون معهم على أساس القناعة باستمرار أفكارهم، سبب ذلك جهلهم بالله تعالى، فلو عرفوا الله تعالى لعرفوا أن جميع المخلوقين قلوبهم بين إصبعين من أصابع الله جل جلاله، وأرواحهم بيده متى شاء أخذها، وأنهم لا يملكون لأنفسهم ولا لمن سواهم حياة ولا موتاً ولا نشوراً: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ[الحج:73]، وهذا المثل ضربه الله لكل الخلائق، فقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ[الحج:73-74]، فالذي يقدر الله حق قدره: هو من كان عارفاً به جل جلاله، فيخافه ويرجوه ويتعلق به ويأنس به, ولا يرجو من أحد سواه نفعاً, ولا يخاف من أحد سواه ضراً، لعلمه أن النفع والضر إنما هما من تلقاء الله, وأن الخلائق لا يقدرون عليهما.

    وكذلك الجهل بشرع الله فهو سبب من أسباب الفتن، فإن كثيراً من الناس يرتكب الأمر يرى أنه موافق للشرع، وأنه هو السنة، وأنه هو الذي يقوم عليه الدليل, ويكون على عكس ذلك بسبب فهمه ونقص علمه بشرع الله عز وجل وبسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك من الفتن المضلة التي يرتكبها كثير من الناس، فيغوى بها ويضل، وكثير من طوائف هذه الأمة التي ضلت عن سواء السبيل سبب ضلالتها هو تلك التأويلات المغرضة والابتعادات عن منهج الله عز وجل، فالخوارج الذين قتلوا عثمان رضي الله عنه ظلماً في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام، والذين قتلوا علياً رضي الله عنه كذلك في رمضان، وهو أمير المؤمنين، إنما سبب التواء منهجهم عزوفهم عن شرع الله وجهالتهم به وعدم فهمهم له، فهم يتأولون النصوص على غير محاملها، ويضعونها في غير مواضعها.

    ومثلهم كذلك الذين غلوا في الناس، فالذين تشيعوا لـعلي رضي الله عنه، وغلوا فيه وفي آل بيته من الروافض، حيث جعلوا المقارنة كأنها بين علي وبين أصحابه مثل أبي بكر وعمر وعثمان، ونسوا أنفسهم ومن عاصرهم هؤلاء أيضاً سبب ضلالتهم وابتعادهم عن المنهج واعتدائهم على كثير من المسلمين، إنما هو جهلهم بشرع الله، حيث فهموه على غير وجهه، وبدأوا يتعلقوا بمتشابهاته، وقد حذر الله من هذا فقال تعالى: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ[آل عمران:7]، فهؤلاء هم الراسخون في العلم وهم أولو الألباب الذين يفهمون، فقد أوتوا من العلم النقلي ما رسخوا به؛ لأنه قال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[آل عمران:7]، ثم أوتوا من العلم العقلي ما يفهمون به وما يروونه؛ لأنه قال: أُوْلُوا الأَلْبَابِ[آل عمران:7]، فحكم لهم بأنهم أولو الألباب، أي: أصحاب العقول، فيفهمون ما وصل إليهم من النصوص، وينزلونها على مواضعها، فلا يغلون فيها ولا يجفون عنها، وهذان أمران منهي عنهما: الغلو في الشرع, والجفاء عنهم، وكلاهما سبب من أسباب الفتن.

    التعلق بالأشخاص وتقديسهم

    كذلك من أسباب الفتن أيضاً: التعلق بالأشخاص وتقديسهم, حتى يظن الإنسان أنهم دائماً على صواب وهم غير معصومين، فإذا حصل زلة من أحدهم استكثرها الإنسان فكان ذلك سبباً لتركه لمنهجهم بكاملهم، وهذا غلط، فالأشخاص قلوبهم بين إصبعين من أصابع الرحمن جل جلاله، وهم يخطئون ويصيبون، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: من كان مقتديًا فليقتدِ بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن فتنته، فكل حي هو عرضة للفتنة قبل موته، ولذلك علينا جميعًا أن نعلم أن تصرفات الأفراد لا يمكن أن تنسب إلى المناهج، فهذا المنهج القويم الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله تعالى، أليس قد دخله الناس أفواجًا، فآمن كثير من الناس وصدقوا، لكن كانت تصرفاتهم متباينة وحصل منهم كثير من الزلات والأخطاء في مختلف العصور، ولذلك لا يقتضي زلـلهم وخطؤهم أن ينسب الخطأ للمنهج أبداً، فالمنهج الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم، فالزلات والأخطاء إنما هي من تصرفات الأفراد، وهذه التصرفات لا يمكن أن تحسب على المنهج نفسه، ولا يمكن أن يحسبها عليهم إلا من كان جائراً في حكمه غير سوي في تصرفاته واختياراته.

    محبة الدنيا والإقبال عليها

    كذلك لابد أن نعلم أن من أسباب الفتن أيضاً التي يخاف منها في مثل زماننا هذا: محبة الدنيا والإقبال عليها، فإن حب الناس للدنيا يعمي أسماعهم وأبصارهم، فيكون الإنسان كالطير الذي يحب الحب فيتبعه ويلتقطه حتى يقع في الفخ من حيث لا يشعر، فلذلك لابد أن ينتبه الإنسان من الدنيا، وأن يعلم أن حظه منها يسير، وليتذكر أنه سيخرج منها بأكفانه وحنوطه إذا وجد ذلك، وليس له حظ من هذه الدنيا سوى هذا.

    فلذلك عليه ألا يرغب في جمع كثير من حطامها، فكلما ازداد حطبها ازداد لهبها.

    1.   

    آثار الفتن

    بعد هذه من الأسباب اليسيرة من أسباب الفتن: لابد أيضًا من بيان آثارها: فإن للفتن آثاراً كثيرة.

    انشغال الأمة بمعاداة بعضها البعض وترك معادة أعداء الله تعالى

    فمنها أولاً: انشغال بعض الناس في الطعن في بعضهم وعدواتهم، وترك الكفار وأعداء الله سبحانه وتعالى، فتنشغل الأمة بمعاداة بعضها لبعض والتنافر بين قلوبها، ويرفع السيف على هذه الأمة وينعم الأعداء، ويتفرجون، فالفتنة ليست إلا لصالح أعداء الأمة، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر منها تحذيراً بالغاً، ففي وصيته التي هي من آخر ما قال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وقال: ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وبين النبي صلى الله عليه وسلم كذلك أن الطعن في الأنساب والنياحة من أمر الجاهلية، وبين أيضاً: أن الفرقة هي الحالقة, قال: (لا أقول: تحلق الشعر؛ ولكن تحلق الدين).

    فلذلك كل هذه الفتن إنما تشغل هذه الأمة عن كيد أعدائها، وكان اللازم أن تتوحد هذه الأمة صفاً واحداً في وجه أعدائها الكائدين لدينها، والذين لا يمكن أن يصلوا إلى بيضة الإسلام ما لم يجدوا منفذاً من خلال الأمة، لو كانت الأمة سداً منيعاً في وجه الأعداء لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه، ولما تغلغلوا فيما تغلغلوا فيه من ديار المسلمين، لكنهم يجدون أنصاراً وأعواناً من الداخل، وهذا الذي يسمى بالطابور الخامس: وهو الأنصار للأعداء في داخل الأمة، وهم الذين يشيعون الفساد، ويشيعون الفتن، فينشغل الناس بذلك عن عداء أعداء الإسلام, ويتمكن الأعداء منهم، وقد حصلت تجارب مرة لهذه الأمة.

    فلما تشاغل أهل الأندلس في الفتن فيما بينهم، وكان بعضهم يحارب بعضاً، ويستعين بالنصارى عليهم؛ سقطت الأندلس جميعاً، فلم يعد أحد منهم يستطيع حماية أحد، ولذلك فإن المعتمد بن عباد وقد كان من أمراء الطوائف فيها الذين جمع لهم من أنواع الجاه والسلطان والمال ما لم يجتمع إلا للنوابغ من البشر، ووصل به الرفاة إلى أن زوجته الرميكية رأت الناس في يوم من الأيام يمشون في الطين فاشتهت المشي في الطين, فأمر المعتمد فسحقت أشياء من الطين، وذرت في ساحة القصر حتى عمته، ثم نصبت القرابيل, وصب فيها ماء الورد على أخلاط الطيب، وعجنت بالأيدي حتى كانت كالطين، فخاضت الرميكية هي وجواريها تسقط يمينًا وشمالًا كأنها تصير في الطين, وهي إنما تصير على المسك والكافور، وبعد هذا اعتقل هو في أغمات، وعاش فيها ذليلاً مدة طويلًا، ومات فيها في ذلك الحال لا يجد ما يكف به رمقه, ولا ما يسد به حاجته إلا خدمته للناس يخدمهم بالحدادة، فينفخ الجمر والفحم من أجل خدمة الناس، ولذلك يقول عن نفسه:

    فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا فساءك العيد في أغمات مأسورا

    ترى بناتك في الأطمار حائرة يغزلن للناس ما يملكن قطميرا

    ويقول فيه شاعره الداني لما أتاه وهو ينفخ الجمر قال:

    للنفخ في الصور هولٌ ما حكاه سوى هولٍ رأيتك فيه تنفخ الفحما

    أدخلت في آلة الصواغ أنملة لم تدرِ إلا الندى والسيف والقلما

    يداً عهدتك للتقبيل تبسطها فتستقل الثريا أن تكون فما

    فلذلك إذا غفل الناس عن مصائب الحياة الدنيا فإنها لا تغفل عنه، بل ستأتيه في عقر داره.

    الفتن سبب لخفاء الأمور والتباسها

    كذلك فإن من آثار الفتن: أنها أيضًا سبب لأن يصير الحليم حيران، لا يدري ماذا يتصرف, ولا يدري ماذا يعمل، فالناس قبل أن يدخلوا في فتنة هم على منهج يعرفون ما يقدمون وما يؤخرون، فإذا دخلوا في فتنة لبس الله الأمور عليهم، فلم يدروا المخرج منها ولم يعرفوه.

    ولذلك فإن من أخطر أدواء الفتن وآثارها: أنها سبب للبس والخفاء في الأمور كلها، وقد حصل هذا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ظهرت الفتنة، فشكوا من أنهم كانوا يعرفون الحق واضحاً، فلما حصلت الفتنة التبس الأمر عليهم، فبعضهم اعتزل الناس، وترك ما هم فيه جميعاً، كـأسامة بن زيد وسعد بن أبي وقاص، وبعضهم: تمنوا أن لو كانوا أصحابهم على وجه واحد حتى يتبين لهم الحق، وكذلك من بعدهم كل ما جاءت فتنة وشاعت في الناس التوت المسالك عليهم فلا يدرون الحق فيها في أي اتجاه، وهذا من أخطر آثار الفتن.

    استحلال محرمات الله عز وجل

    كذلك من آثار الفتن: أنها تستحل فيها محرمات الله عز وجل، فتستباح بها الدماء التي حرم الله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً)، وقد قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً[النساء:92]، فلا يمكن أن يكون المؤمن يقتل مؤمنًا إلا إذا كان خطأً من غير قصد، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم غاية التحذير من المشاركة في هذا النوع من الفتن، فبين أن القائم في الفتنة خير من الماشي، وأن القاعد خير من القائم، وأن المضطجع خير من القاعد، وبين أن من شارك في قتل مسلم ولو بنصف كلمة كأن يقول: (اق) من (اقتل) فهو مشارك فيها.

    فحذر النبي صلى الله عليه وسلم منها، وقال لبعض أصحابه: ( إن أدركتها فاتخذ سيفًا من خشب )، أي: شيئاً يراه المعتدي عليه فيهابه به، ولكنه هو لا يستطيع أن يعتدي به على أحد.

    وبين كذلك أن الاعتزال في ذلك الوقت في وقت شدة الفتنة حتى تزول هو من الإيمان، فقد أخرج البخاري في الصحيح عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن مالك بن أنس عن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر؛ يفر بدينه من الفتن)، فالفرار بالدين من الفتن عندما تعم وتشمل إنما هو من الإيمان، ولهذا بوب عليه البخاري في صحيحه، فقال: باب الفرار من الفتن من الإيمان، فجعله من الإيمان.

    كونها سبباً لأنكار الحق

    وكذلك فإن من آثار الفتن أيضًا: أنها سبب لإنكار الحق، فالإنسان إذا دخل فتنة فسينكر الحق؛ لأنه يريد نصرة ما هو عليه، ويرتكبه حتى لو كان يعرف خلافه تماماً، ولذلك فإن الذين ينكرون الحق في وقت الفتنة إذا زالت الفتنة كثيراً ما يرجعون ويندمون على ذلك ندماً شديداً، ولهذا فأئمة المتكلمين الذين دخلوا في الكلام والأقاويل التي ليس عليها دليل من الشرع ندموا غاية الندم على الدخول في تلك الأقاويل في آخر أعمارهم، فهذا الفخر الرازي يقول في آخر عمره:

    نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال

    وأرواحنا في وحشة من جسومنا وغاية دنيانا أذىً ووبال

    ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا

    وكذلك أبو المعالي الجويني يقول في آخر عمره: لعمري لم تبقَ مقالة إلا قلت بها، ولا رأي لأحد إلا ناقشته، وها أنا أموت على عقائد عجائز نيسابور.

    وكذلك الخوارزمي بين أيضاً أنه في نهاية المطاف لم يجد إلا من يقرع السن من الندم على إضاعته للعمر في غير منهج الحق.

    وقد بين عمرو بن العاص رضي الله عنه أمراً عجيباً جدًا، فعندما أدركه الموت جعل ابنه عبد الله يذكره بعمله في الإسلام وجهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصرته للدين، وهو يبكي، فقال: يا بني لقد مررت بثلاثة أطباق، أي: بثلاثة أعمار:

    أما الطبق الأول: فعندما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم نصبت له العداء، وكنت من أشد الناس جسارة عليه وعداوة له، فلو مت على ذلك لكنت في النار.

    وأما الطبق الثاني: فعندما أدخل الله في قلبي الإيمان أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعته على الإسلام، وأمسكت بيدي عند البيعة فقال: (مه. فقلت: أبايعك على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي؟ فقال: أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله، وأن الهجرة تجب ما قبلها)، فبايعته فلم يكن أحد على وجه الأرض أحب إليّ منه، ولم أستطع أن أنظر في وجهه حياءً منه، ولو سئلت أن أصفه لما استطعت، فلو مت على ذلك لكنت في الجنة.

    ثم جاءت أمور بعد ذلك -أي: هذا الطبق الثالث من عمره- الأمر التي حصلت بعد ذلك فنحن فيها نرجو ونخاف، فلذلك لابد أن يعلم أن من آثار الفتنة الندم على تصرفات الإنسان فيها؛ لأنه يعلم أنه في وقتها قد ينكر الحق ويقر الباطل من حيث لا يشعر.

    كونها سبباً لانتشار البغضاء والعقوبات السماوية

    كذلك فإن من آثار الفتنة: أنها أيضًا سبب لانتشار البغضاء، وسبب لانتشار العقوبات السماوية، أي: العقوبات التي ينزلها الله من السماء إلى أهل الأرض، وقد أخرج ابن ماجه في السنن، وأحمد في المسند والحاكم في المستدرك وابن حبان في صحيحه، وابن خزيمة في صحيحه كذلك بأسانيد صحاح، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يا معشر المهاجرين! أعيذكم بالله أن تدركوا خمسًا: ما ظهرت الفاحشة في قوم فأعلنوا بها إلا ظهرت فيهم الأوجاع والأمراض التي لم تكن فيمن مضوا من أسلافهم، ولا نقص قوم الميكال والميزان إلا أخذوا بالسنين وعسف السلطان ونقص المئونة، ولا نقض قوم عهد الله وميثاقه إلا سلط الله عليهم عدواً من سواهم فأخذ بعض ما في أيديهم، ولا منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، وما حكمت أئمتهم بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم).

    فهذه المصائب تأتي من عند الله تعالى تنبيهًا للناس لعلهم يرجعون إلى الله، كما قال الله تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَهمْ يَرْجِعُونَ[الروم:41]، فهي منبهات ينبه الله بها عباده للعود إليه والرجوع إليه، فمثلها الآيات كلها كما قال الله تعالى: وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا[الإسراء:59]، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم كسف الشمس عند موت إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يخوف الله بهما عباده، لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة)، فلذلك على المؤمنين في حال الفتن أن يفزعوا إلى الله, وأن يمدوا إليه أيدي الضراعة، وأن يجأروا إليه بالدعاء لأن يرفع عنهم الغمة، وأن يزيل عنهم الكروب، وقد قال الله تعالى: فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[الأنعام:43]، وقال تعالى: فَفِرُّوا إِلَى اللهِ[الذاريات:50]، والفرار إليه إنما يكون بالدعاء, والتوكل عليه, والاعتماد عليه جل جلاله في أوقات الكروب والمشكلات.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042388098

    عدد مرات الحفظ

    731454792