إسلام ويب

الإخلاصللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ارتبط صلاح الإنسان واستقامته بقلبه، وذلك بتحقيق الإخلاص والنية فيه، والمقصود بالإخلاص أن يكون العمل لوجه الله وحده لا شريك له، ولكن قد يعترض هذا الإخلاص عوارض كثيرة منها: قصد الناس بالعمل، وترك المداومة عليه أو عمله في وقت دون وقت كما يمر الإخلاص بمزالق منها: اتهام النية زيادة ونقصاناً ووساوس الشيطان، هذا ولزيادة الإخلاص وسائل منها: التعرف على الله، والحفاظ على العبادة، ومصاحبة أهل الخير.

    1.   

    ارتباط إصلاح الإنسان بقلبه

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بُعث رحمه للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

    فإنكم تعلمون أن صلاح الإنسان مرتبط بصلاح قلبه، وقد أخرج البخاري و مسلم في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

    وهذه العناية بالقلب وارتباط الجوارح به، وارتباط صلاح الإنسان بصلاحه، كلها تقتضي أن عمل القلب أفضل من عمل الجوارح، فلا مقارنة بين عمل قلب الإنسان وعمل جوارحه؛ لأن عمل القلب هو شرط دخول الجنة، فلا يمكن أن يدخل أحد الجنة إلا بإيمانه.

    درجات أعمال القلب

    وعمل القلب ثلاث درجات:

    الدرجة الأولى: هي النية، وهي الإرادة، وهي شرط لجميع الأعمال؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى)، فلا يمكن أن يقبل عمل، سواء كان بدنياً أو مالياً، وسواء كان من الواجبات أو من المندوبات إلا بهذه النية.

    والدرجة الثانية من أعمال القلب: هي الإخلاص لله تعالى أي قصد وجهه الكريم بالعمل، وهي من الاعتقاد، وهي كذلك شرط لقبول العمل، فكل عمل لم يخلص فيه صاحبه لله فهو مردود عليه، فقد أخرج مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: ( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).

    والدرجة الثالثة من عمل القلب: هي حضور الإنسان له، وهي بإحسانه كالخشوع في الصلاة والخشوع في العبادات كلها، فهي نماء وزيادة، وإن كانت مشروطة في بعض العبادات، فقد لا تكون مشروطة في غيرها.

    الخشوع وحضور القلب في الأعمال

    فالخشوع مثلاً واجب في الصلاة على الراجح، لكن لا يجب في كل ركنٍ من أركانها، بل يكفي إذا وقع في ركنٍ واحد، كما قال محمد مولود رحمه الله: وأي الأركان به كان كفى.

    لكن الخشوع مطلوب أيضاً في الدروس، ومطلوب في طلب العلم، وحتى في مجرد المشي في الطريق يُطلب من الإنسان أن يكون خاشعاً، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا)، وفي رواية: (وعليكم السكينة والوقار).

    أما رواية: (وعليكم السكينة والوقار)، فالجملة حالية معناها: حال مشيكم عليكم السكينة والوقار، فالسكينة والوقار مبتدأ، والخبر عليكم جار ومجرور سد مسد الخبر، فالخبر متعلق بالمحذوف، أي: عليكم تستقر السكينة والوقار، وأما رواية النصب وهي: (وعليكم السكينة والوقار)، أي: والزموا السكينة والوقار، وهذه جملة معطوفة على الجملة السابقة التي هي: (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون)، فعطف الأمر على النهي، فالنهي لا تأتوها وأنتم تسعون، والأمر وأتوها وعليكم السكينة والوقار، أي: والزموا السكينة والوقار، وعليكم هنا ليس جار ومجرور، وإنما هي اسم فعل بمعنى: الزموا.

    وكل ذلك يقتضي أن الإنسان في مشيه إلى الصلاة ينبغي أن يلزم هذا الخشوع الذي يتضمن أمرين:

    أحدهما: السكينة، وهي التأني وعدم العجلة، والوقار: وهو غض البصر، وخفض الصوت.

    أما السكينة فهي بالتأني وعدم الفعل الذي لا يعني

    وخفض صوت ثم غض البصر هو الوقار عندهم في الأشهر

    فيطالب الإنسان بجمع هذا، وهذا هو الاقتصاد في المشي الذي أمر الله به في قوله: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ [لقمان:19]، فالقصد في المشي أن يظهر على الإنسان الخشوع بالتأني والوقار.

    وبهذا يعلم أن الإخلاص لله سبحانه وتعالى من عمل القلب، وهو أشرف من عمل الجوارح كلها، وأنه من مقاصد الشرع المهمة، ولذلك رُبط به الثواب وبه أرسل الأنبياء، فالأنبياء جميعاً إنما أُرسلوا بالإخلاص لله، كما قال الله تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [البينة:5]، وما أمروا: أي ما أمر الناس جميعاً، إلا ليعبدوا الله، أي: إلا بعبادته، (مخلصين له الدين): أي في حال إخلاصهم له الدين كله، وكذلك قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:11]، فهذا يقتضي أن العبادة مربوطة بالإخلاص لله تعالى، ولا يمكن أن تتم إلا بذلك.

    1.   

    الإخلاص في أعمال الجوارح

    تعريف الإخلاص لغة

    والإخلاص في الأصل: مصدر أخلص الشيء إذا لم يجعل فيه شركاً، فيقال: ملك فلان كذا خالصاً له، أي: غير مشارك فيه، ومن ذلك قول الله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الأعراف:32]، فهي للذين آمنوا في الحياة الدنيا مشروكين فيها، خالصة لهم يوم القيامة، لا يشركهم فيها من سواهم.

    ولذلك فالدين لا بد أن يكون خالصاً لله سبحانه وتعالى وحده، ومن أخلصه له فلم يرد به غير وجه الله الكريم، ولم يرد بذلك رياءً ولا سمعة ولا قصد جاه ولا مال في هذه الحياة عند غير الله فهذا هو المخلص، ويسمى مخلَصاً أيضاً بصيغة اسم الفاعل وبصيغة اسم المفعول، فالمخلِص لأنه قد عمل ذلك فهو من عمله وكسبه، فذلك يُصاغ له منه الوصف فيقال: فلان مخلِص، وهو مخلَص لأن الله أخلصه لنفسه، فلم يجعل فيه شركاً لغيره، فلا يمكن أن يعمل الإنسان ذلك إلا بتوفيق الله، وقد قال الله تعالى: لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:28-29]، ولهذا تقرءون في السبعية قول الله تعالى: وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصًا [مريم:51]، وفي القراءة السبعية الأخرى: إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا [مريم:51]، فهو مخلِص وهو مُخلَص، فقد أخلصه الله تعالى لنفسه، ولم يجعل فيه محلاً لغيره، فشغله به عمن سواه، وهو مخلِص لله لأنه قد اكتسب ذلك فتقرب إلى الله بالعمل خالصاً لوجه الله الكريم.

    دخول الإخلاص في المأمورات والمنهيات

    وهذا الإخلاص الذي أمر الله به يتشعب بتشعب المأمورات والمنهيات، فالمنهيات فيها إخلاص، والمأمورات فيها إخلاص، فالمنهيات مثلاً قد يتركها الإنسان، لكن لا يتركها إلا خوفاً من سطوة القانون، كالذي يترك أمراً ما؛ لأنه يخاف عقوبةً دنيوية ترتب عليه، فهذا لم يتركه مخلِصاً لوجه الله تعالى، وكذلك ما تركه الإنسان منها خشية المرض، كالذي يترك شرب الخمر لما يترتب على شربها من الأضرار، فهذا غير مخلِصٍ ولا يُثاب على عمله؛ لأنه لم يرد وجه الله، وإنما تركه؛ لأنه يخاف عقوبة وهي المرض، ومثل ذلك كل ترك لم يرد به صاحبه وجه الله تعالى، فهو من التروك التي ليس فيها إخلاص، ولذلك فكل تركٍ من التروك لا بد أن يكون مرتبطاً بالإخلاص بخلاف النية.

    أقسام التروك التي يدخلها الإخلاص

    فالتروك تنقسم إلى قسمين:

    تروك مخصوصة بوقتٍ، فتحتاج إلى النية كالصوم، وتروك غير مخصوصة بالوقت، فلا تشترط فيها النية للامتثال ولكنها تزيد الثواب، كترك شرب الخمر، وترك الزنا، وترك قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وترك التولي من الزحف ونحو ذلك، فهذه التروك غير مخصوصة بوقت، فيمكن أن تتحقق من غير نية، فأنت الآن قد لا تكون نويت أن لا تفر من الزحف في عمرك؛ لأنك لم تدخل زحفاً قط، لكن قد حصل اجتناب ذلك بمجرد الترك ولو لم تنوِ هذا، ولكن نيتك تزيد ذلك ثواباً وتزيد عملك زكاءً فهذا الفرق، فإذاً الترك إذا كان مخصوصاً بوقت كالصوم، فهو ترك للأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فهو مخصوص بوقت فيحتاج إلى النية؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له)، والترك الذي هو غير مخصوص بوقت كما ذُكر من التروك، لا يحتاج في أصل الاجتناب إلى النية، ولكنها تزيد ثوابه، بخلاف الإخلاص فهو مشروط لكل عملٍ، سواءً كان الترك مؤقتاً بوقت كالصوم أو كان غير مؤقت بوقت كترك شرب الخمر وترك التولي من الزحف وترك الزنا.. إلى آخره، فيحتاج في الإخلاص إلى كل ذلك.

    الإخلاص في الأفعال والفرق بينه وبين النية

    ومثلها الأفعال، فالأفعال كلها أيضاً يُحتاج فيها إلى الإخلاص، سواءً كانت من عمل القلب أو من عمل الجوارح أو كانت في المال، بخلاف النية فعمل القلب لا يُحتاج فيه إلى النية؛ لأن اشتراط النية فيه يقتضي التسلسل؛ لأن النية من عمل القلب، فلو شُرطت النية لعمل القلب لاشترطت النية للنية ثم لتلك النية نية أخرى، وهكذا حتى يقع التسلسل. فعمل القلب كله لا يُحتاج فيه إلى النية، بخلاف عمل الجوارح فأكثره يُحتاج فيه إلى النية كما ذكرنا سابقاً وبينا، وبعضه قد يُستغنى فيه عن النية كالعبادة في الغير، كغسل الميت لا يُحتاج فيه إلى نية مخصوصة، وكتطهير الثوب أو البدن أو المكان كطهارة الخبث كلها لا تحتاج إلى النية؛ لأنها من التعبدات المتعلقة بالغير، بخلاف طهارة الحدث فهي محتاجة إلى النية، فالتيمم إجماعي أيضاً لكن الوضوء هو محل الخلاف، فلذلك عند الحنفية أن الوضوء ليس من شرطه النية، ولكنها شرط عندهم للتيمم؛ لأنه اسمه القصد، والقصد هو النية، وشرط كذلك للغسل؛ لأنه لا يمكن أن يرفع الإنسان الحدث الأكبر إلا بالنية، فكذلك التعبدات التي هي متعلقة بالغير قد تكون النية في غير محلها فمحل النية في الأصل القلب أي: قلب الفاعل، ولكن الفاعل قد لا تصح منه النية كالصبي الصغير غير العاقل يُحرم عنه وليه والإحرام نية، فتكون النية في غير محلها الأصلي.

    ومثل ذلك: الزوجة إذا كانت كتابيةً فحاضت فلا يحل وطؤها قبل غُسلها، والغسل من شرطه النية، ولكنها هي لا تنوي فينوي زوجها لها، ومثل ذلك: الزوجة المجنونة فلا يحل وطؤها بعد حيضها حتى تغتسل، وغُسلها من شرطه النية، والنية لا تتم منها؛ لأنها فاقدة العقل مرفوع عنها القلم، فينوي لها زوجها، فتكون النية في غير محلها.

    أما الإخلاص فيشترط في جميع الأفعال، فكل فعلٍ سواءً كان قلبياً أو كان بدنياً أو تعلق بالمال لا بد أن يُخلص فيه لوجه الله الكريم، ولذلك فعموم الإخلاص ليس مثل غيره من عمومات عمل القلب؛ لأنه ملازم للإنسان في كل أموره وفي كل شئونه، فما شُرط في أصله لا يمكن أن يُقبل أصلاً بدونه، وما كان من العادات والأمور التي يفعلها الإنسان جبلّةً يقلبها الإخلاص، ويحولها إلى أن تكون عبادةً، فيكون سعي الإنسان كله عبادةً، وهذا مستوىً من مستويات أهل الإيمان يتحقق في أصحابه قول الله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162] لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ [الأنعام:163]، فيكون نوم الإنسان عبادةً، وأكله عبادةً، وشربه عبادةً، وراحته عبادةً، ولبسه عبادةً، ويكون كل تصرفه عبادةً لله تعالى؛ لأن محياه لله رب العالمين لا شريك له، ولذلك يقول أحد الدعاة رحمه الله: إن كثيراً من الناس يستهولون الموت لله رب العالمين، فأن يموت الإنسان شهيداً في سبيل الله هذا أمر شاق صعب، لكن الحياة لله أشق منه وأصعب، فالموت يمكن أن يصبر الإنسان دقيقة واحدة في وجه العدو ثم يموت في سبيل الله، لكن الحياة في سبيل الله يصبر فيها الإنسان على ذلك مدة عمره، فالشاق أن تكون حياتك لله رب العالمين لا شريك له.

    1.   

    الأعراض المنافية للإخلاص

    إن هذا الإخلاص يحتاج منا إلى وقفات وإلى تأمل، وسنذكر بعض ما يقابله وبعض المظاهر المنافية له، لنعرض عليها أنفسنا، حتى يكون الدرس عملياً، ولا بد أن يعرض كل إنسانٍ منا نفسه على ما يسمع، فإن وجد نفسه خالياً من هذه العوارض فليحمد الله، فهي نعمة خصه الله بها، وهي تستحق الشكر، وإن وجد في نفسه بعض هذه العوارض فلا بد من المبادرة والمسارعة إلى علاجها، فهي داء عضال، يمكن أن يستشري ويزيد، فالسيئة تدعو إلى السيئة.

    قصد الناس بالعمل

    لذلك فأول الأعراض التي يأتي منها نقص الإخلاص لله سبحانه وتعالى: قصد الناس بالعمل، أي أن الإنسان يرائي فيقصد الناس بالعمل، فإذا كان بحضرة الناس أتقنه وأداه، وإذا كان وحده لم ينشط له، وإذا كان الإنسان أمام الناس أتقن صلاته، وأتقن ركوعها وهيئاتها وأداها على أحسن الوجوه، فإذا كان خالياً ليس معه أحد لم تكن صلاته بذلك فلم يبادر إليها بوقتها، ولم يؤدها على أحسن الوجوه، فهذه إذاً علامة من علامات نقص الإخلاص، ولا يستثنى منها إلا أمر واحد وهو ما يتعلق بالمؤثرات في التأثير، كتحسين الصوت بالقراءة، فهذا يمكن أن يستغني الإنسان ببعضه إذا كان وحده كالذي يقرأ سراً، لكن يُحتاج إليه في الجهر ليزيد الناس انتباهاً إلى القرآن واهتماماً به، فذلك ليس منافياً للإخلاص أن تحسن صوتك أمام الناس بالقرآن، وإذا قرأت وحدك لم يكن بذلك الحُسن، فهذا ليس فيه منافاة للإخلاص؛ لما صح في الصحيحين: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أبا موسى الأشعري يقرأ في المسجد فقال: لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود فلما سمع ذلك أبو موسى قال: لو كنت أعلم أنك تستمع إلي لحبرته لك تحبيراً )، فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا، فدل ذلك على أنه غير منافٍ للإخلاص، لكن عُلم أن تحسين الصوت بالقرآن يُقصد به إجلاله وتوقيره واهتمام الآخرين به وجلب انتباههم إليه، بخلاف حُسن الصلاة، فهو أمر يختص بك أنت ويزيد قلبك إقبالاً على الله، فلذلك ينبغي أن تكون صلاتك في الخلوة كصلاتك في الجلوة، كما قال أبو القاسم الجنيد رحمه الله عندما سُئل عن الإخلاص: ما هو؟ قال: أن يكون حالك في خلوتك كحالك في جلوتك، أي: أن يكون حالك وأنت وحدك خالٍ بالله تعالى كحالك بين أيدي الناس.

    وحالات الزمان عليك شتى وحالك واحد في كل حالِ

    فإن اتفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزالِ

    فذلك إنما يتم إذا كان الإنسان ينظر إلى الناس كما هم، أي يجعلهم في مكانهم أنهم أشخاص مثله ومكلفون بنفس التكليف الذي كُلف به، يشترك معهم في بعض الأمور المشتركة، فيؤدي نصيبه منها، وما عجز عنه غير مكلف به، فإذا نظر إليهم بهذه النظرة لم يكن ليحسن شيئاً من العمل ابتغاء وجوههم أو ابتغاء ذكرهم، وإنما يتم ذلك بتمام المعرفة لله تعالى، فإن الإنسان إذا عرف الله حق معرفته عرف أنه وحده الذي يستحق أن يُعبد، وهو وحده الذي يستحق أن يُخاف، وهو وحده الذي يستحق أن يُطمع فيه، وهو وحده الذي يستحق أن يُراعى وجهه، أما من سواه من الخلائق فلا يملك أحد منهم لأحدٍ نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطْلُوبُ [الحج:73].

    ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم لـجبريل في تعريفه للإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، أي: هو يراك على كل حال، سواءً شعرت أنت بذلك أو لم تشعر به، فهو يراك على كل حال، لكن المطلوب أن تتقن أنت العمل حتى كأنك تراه، فإذاً إذا وجد الإنسان قصوراً في هذا الباب، فوجد نفسه مع الناس يحاول الإتقان في هيئات صلاته ولا ينظر ولا يلتفت ولا يتثاءب، ويقيم ركوعه وسجوده وأركانه ويطيلها، فإذا خلى نقر ولم يؤدها على الوجه الصحيح، أو أخرها عن وقتها وتكاسل بها وتهاون، فليعلم أنه غير مخلص، وأنه قد أصيب بداءٍ عضال، وعليه أن يبادر لعلاجه.

    وكذلك الحال في غير هذا من القربات، فالإنسان إذا كان في مجال الإنفاق بحضرة الناس جاد بخيار ماله وكان من المسارعين المسابقين، وإذا كان في مكان لا يُعرف فيه لم يجد ذلك في نفسه، بل كان من المتأخرين، ولم يبذل إلا ما لا بد من بذله، فليعلم أنه كذلك غير مخلصٍ فيما بذل.

    ومن هنا فإن عُبيد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما سافر إلى الشام من المدينة ومعه مولىً له، فمر بأسرة فقيرة من أهل البوادي فنزل عندهم، فلما رآه الرجل توسم في وجهه أنه من أهل الخير، ولم تكن هذه الأسرة -ولها عدد من البنات- تملك إلا شاة واحدة، وهي عنز (بقية خمس أعنز كن لهذه الأسرة)، فقام الرجل فذبحها، فلامه عياله، فقال: لقد توسمت في وجه هذا الرجل أنه من أهل الخير، فلم يكن ليبيت عندنا من غير إكرام، فلما كان الصباح أمر عبيد الله مولاه أن يعطيه بقية زاده، فإذا هو خمسمائة دينار، وخمسمائة دينار تُغني أهل مدينة بكاملها فضلاً عن أسرة واحدة، فقال الرجل:

    توسمته لما رأيت مهابةً عليه فقلت المرء من آل هاشمِ

    وإلا فمن آل المرار فإنهم ملوك كرام من ملوك أكارمِ

    فقمت إلى عنز بقية أعنز لأذبحها فعل امرئ غير نادمِ

    فعوضني عنها غنايا ولم تكن تساوي عنزي غير خمس دراهمِ

    بخمس مئينٍ من دنانير عُوضت على البذل ما زادت به كف حاتمِ

    فقال المولى لـعبيد الله : إن هذا الرجل لا يعرفك ويمكن أن تُعطيه أقل من هذا فيرضى، فقال: إن كان لا يعرفني فأنا أعرف نفسي، فهو يعلم أنه مكلف لله سبحانه وتعالى، وأن ما قدمه سيجده عند الله، وهو لا يريد به ثواباً عند الناس، وإنما يريد به ثواباً عند الله وحده.

    الأعراض المنافية للإخلاص في طلب العلم

    ومثل هذا أيضاً في طلب العلم، فالإنسان الذي يحرص على طلب العلم ويؤدي ذلك ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى، ولا يجد فيه ضجراً ولا مللاً، ويحرص أن يكون من السابقين إليه دائماً، ويريد به التعبد لله سبحانه وتعالى سواءً حصل له فهم أو لم يحصل له، حصل له انتفاع عاجل أو لم يحصل له، هذا هو المخلص في طلب العلم، أما الذي يحصل له الضجر والملل أو ينافس الناس إذا رأى إقبالهم وكثرتهم، أو يستمع إذا كان المتحدث يعجبه علمه أو شكله، وإذا كان غيره يتحدث لم يتحمل ذلك ولم يحضره، فهذا ناقص الإخلاص في الطلب، وطلبه ليس للعلم وإنما هو للذكر فقط.

    الأعراض المنافية للإخلاص في الدعوة إلى الله

    وكذلك الحال بالنسبة لمن يدعو إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان قد استهوته الدعوة، فأعجبته وتذوق طعمها وأصبحت هوايةً لديه، يمارسها بروح الهواية لا بروح التعبد فليعلم أنه غير جادٍ، وأنه صاحب هوايةٍ، كالذي يجمع الطوابع البريدية أو العملات مثلاً أو الصور، لديه هواية من الهوايات، لكن لا يمكن أن تكون في كفة الحسنات يوم القيامة، أما إذا كان يمارسها بروح التعبد لله، وهو حريص على أداء الحق الذي عليه لله، يريد بذلك أن يبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن ينوب عنه في تبليغ رسالات ربه، وسواءً أحسنت معاملته أو أسيئت لا يبالي في ذلك، فهذا المخلص لله سبحانه وتعالى، وإن كان أيضاً إذا وجد أذىً ضجر به، وإذا وجد مضايقة ضجر بها وتراجع، فهذا غير مخلصٍ لقول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ المُبِينُ [الحج:11].

    ترك المداومة على العبادات

    وكذلك الذي يتعود على عبادة ما، ما دام في مكان أهله يُقبلون على تلك العبادة، فمثلاً: إذا كان مع زملائه وأصدقائه يحرص على طلب العلم؛ لأن إخوانه وزملاءه يحرصون معه على ذلك فينافسونه فيه، فإذا انتقل من تلك البيئة أو انقطع عن أولئك الرفاق تراجع عن ذلك، فهذا لم يطلب العلم ولا الدعوة للقربة والعبادة، وإنما طلبها من أجل الرفقاء والزملاء، ومثل هذا من يكون نشيطاً في الدعوة في وقت الطلب إذا كان طالباً، ففي مدة الطلب يكون من القائمين بالحق والناصرين لدين الله، فإذا تخرج وتوظف تراجع عن ذلك وتركه؛ لأنه تعود عليه في بيئةٍ، وقد خرج منها إلى بيئة أخرى، فهذا إنما عمل ذلك العمل من أجل تلك البيئة التي كان فيها ولهذا لم يخلص ولم يبقَ مداوماً عليه كما كان.

    ومثل ذلك: الإنسان الذي كان قبل الزواج وقبل المسئوليات ينفق وقتاً من وقته في الدعوة أو طلب العلم أو نحو ذلك، فلما شُغل بهذه المسئوليات نقص أداؤه وتراجع، فهذا إنما كان يؤدي ذلك لتلك البيئة التي كانت محيطةً به، وحين تغيرت عليه البيئة تغير هو تبعاً لها، فهذا غير مخلصٍ أيضاً، ومثل ذلك: من كان في بلدٍ من البلدان وله فيه رفاق يؤازرونه على طلب العلم أو على الدعوة، فلما خرج من ذلك البلد فتر ولم يؤدِّ ما كان يؤديه في البلد الأول، فهذا أيضاً غير مخلصٍ؛ لأنه إنما كان يعمل من أجل البيئة التي هو فيها.

    ومثل هذا: من يكون مقبلاً على الله في رمضان، فيومه قراءة للقرآن وذكر لله تعالى وليله قيام وتدبر، فإذا خرج رمضان عاد كأن شيئاً لم يكن، فهذا من أولئك الذين لا يعرفون الله إلا في رمضان، وقد قال أحمد بن حنبل : بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، فهذا غير مخلصٍ؛ لأنه إنما أراد العبادة لرمضان فقط وللوقت الذي مر به.

    ومثل ذلك الذي إذا أصابته نكبة أقبل على الله بالضراعة والدعاء والصدقة، فإذا ارتفعت عنه تلك النكبة نسي ذلك، وإذا مرض كان من المتصدقين ومن المبادرين إلى الصلاة ومن المتطهرين ومن الذين يكثرون الضراعة والدعاء، فإذا شفي من المرض كأنه لم يصب بشيء، ونسي هذا العهد الذي كان بينه وبين الله، ومثل هذا: الذي يتعظ في وقت الموعظة إذا رأى جنازة أو عاد مريضاً تأثر لذلك، فأخلص لله وأكثر الدعاء والذكر، وربما دمعت عيناه وبكى، لكن إذا رأى الغافلين غفل معهم وانساق معهم فيما هم يساقون فيه، فهذا أيضاً غير مخلصٍ لله، وإنما هو كالشاة ترتع فإذا رأت الذئب في ذلك المكان هربت منه، ثم سرعان ما تعود إليه وتنسى أن الذئب كان فيه، فلذلك لا بد أن نراجع هذه الأمور بدقة في أنفسنا، وإذا وجدنا بعض هذه الصفات فينا فعلينا أن نبادر لإزالتها.

    التفريق بين ما يقصد به وجه الله لطلب الآخرة أو لطلب الدنيا

    وهنا لا بد من التفريق أيضاً بين ما يُقصد به وجه الله لطلب الآخرة، وما يُقصد به وجه الله لطلب الدنيا من العبادات، فكل ذلك لا ينافي الإخلاص، فالإنسان إذا تصدق من أجل أن يرفع عنه بلاء، أو تصدق من أجل أن يُشفى من مرض، أو تصدق من أجل نجاح في امتحان، أو من أجل مغفرة ذنب من الذنوب، أو نحو ذلك، فهذا لم يقصد الدنيا وإنما قصد وجه الله، ويترتب على ذلك ما يترتب عليه من أمور الدنيا؛ لأنه لم يرد بذلك مخلوقاً، وإنما أراده عند الله، فهذا غير منافٍ للإخلاص، كحال الدعاء، فأنت تسأل الله من أمور الدنيا كما تسأله من أمور الآخرة، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ[البقرة:201-202]، فكما أنك تقول في دعائك: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، فأنت تريد صلاح الدنيا كما تريد صلاح الآخرة، فالتماسك ذلك من الله تعالى لا ينافي الإخلاص له؛ لأنك لم ترده من مخلوق، وإنما أردته من الله سبحانه وتعالى، ومن هنا فالذي يتقرب بالقرب من أجل صلاح أمرٍ دنيويٍ، كالذي يدعو بصلاح ذلك الأمر فلا حرج في مثل هذا النوع ولا ينافي الإخلاص.

    1.   

    استحضار الإخلاص ومشقته على النفس

    مشقة استحضار الإخلاص ابتداء

    كذلك من الأمور التي يجب التنبيه عليها في هذا الباب، أن الإنسان الذي يريد الإخلاص لله سبحانه وتعالى، لا بد أن يعلم أنه سيجد ذلك شاقاً في بداية أمره، ولكنه يتعود عليه بالتدريج، كحال الإنسان الذي تعود في صباه على قراءة مكسرة للقرآن، فيشق عليه إصلاحه وتجويده، ولكنه إذا تعود على ذلك سهل عليه فيما بعد، والإنسان الذي تعود على صلاة منافية لهيئة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الصبا، ثم لما تعلم السنة وتعلم هيئات صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وجد ذلك شاقاً في بداية الأمر؛ لأنه في حال القيام يحاول هيئة القبض وهيئة الوقوف، وفي حال الركوع يحاول تسوية ظهره وتفريق أصابعه على ركبتيه ونصب ركبتيه، وفي حال السجود يحاول أن يشرك الأعضاء السبعة حتى يكون لكلٍ حظ من سجوده فيثقل على رجليه؛ لئلا تخلو من حمل شيءٍ من بدنه، ويباعد ضبعيه عن جنبيه حتى يُرى بياض إبطيه، ويوجه يديه إلى القبلة، ويجعل إبهاميه مقابلي أذنيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، فيتعود على هذا بالتدريج، وكذلك في حال الجلوس إذا كان بين السجدتين يجلس على رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، ويضع يديه على فخذيه، أو يُلقم ركبته اليسرى يده اليسرى، وكذلك في حال التشهد يقبض إصبعين من يمينه، ويحلق بهاتين الإصبعين الإبهام والوسطى، ويمد السبابة أو يحركها أيضاً، فيتعود على هذا، وفي البداية سيجد ذلك شاقاً، كلما سها غير وعاد إلى عادته الأولى، ولكنه سيتعود عليه فيصبح الأمر ميسوراً لديه سهلاً؛ لأنه مما تعود عليه.

    وهذا الحال هو نظير ما ضربت له مثالاً من قبل من السياقة، فالإنسان الذي لم يتعود السياقة من قبل تشق عليه إذا شغل السيارة وأراد دخول الشارع، ستلتبس عليه السرعة، هل يبدأ بالسرعة الأولى أو الثانية أو الثالثة التي تلتبس بها؟ وإذا كان في الثانية هل تلتبس عليه في الرابعة؟ وهكذا أيضاً حتى المقابض تلتبس عليه، وحتى النظر في المرآة التي بين يديه والأخرى التي في الجنب مما يشوش عليه ويشق عليه متابعة ذلك كله، لكنه بالتعود يزول عنه ذلك، فيفعله من غير حضور بالٍ أصلاً، فكذلك الطالب الإخلاص لله تعالى لا بد أن يجد عناءً في البداية، ولكن هذا العناء غير مقيتٍ؛ لأنه من جهاد النفس، وجهاد النفس له طعم عجيب، إذا تذوقه الإنسان نال به سعادة عجيبة، وإذا شعر بأنه راعٍ وأن مرعيه هو النفس، وأنها محتاجة إلى الرعاية والعناية، وأنه يحاول مثلاً معها الخشوع في الصلاة ويجعل الصلاة كهذه البناية، والنفس تحاول النفرة وتحاول الخروج من الباب فإن سد عليها الباب، حاولت الخروج من النافذة، فإن سد عليها النافذة دارت للبحث عن نافذة أخرى أو باب، فهذا المقام يجد فيه الإنسان لذة وسعادة حين يجاهد نفسه هذا الجهاد، وقد قال أبو الطيب المتنبي :

    وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي.

    فكذلك الحال بالنسبة للمجاهد نفسه، فالمجاهد نفسه هو الدهر يرجو ويتقي.

    تجديد الإخلاص

    كذلك فإن هذا الإخلاص أيضاً حتى بعد التعود عليه من الأمور التي تجد وتخلق كحال الإيمان كله، فالإيمان يجد ويخلق في النفوس، ولا بد من تجديده، فشُرعت الخطبة كل جمعة لتجديد الإيمان، وهذا يدل على أن كل أسبوع ينبغي للإنسان أن يراجع فيه إيمانه ونياته ومعتقداته؛ لئلا يلقي عليه الشيطان بعض الشبهات، فهذه الشبهات يحاول الشيطان زرعها في كل الأوقات والإنسان ضعيف، فقد يكون في وقت من الأوقات ضعيفاً أمام شهوة، وفي وقت ضعيفاً أمام شبهة، وفي وقتٍ يسمع كلاماً يتأثر به، وفي وقتٍ يرى فعلاً يتأثر به، فيحتاج إذاً إلى صيانة دورية كصيانة الأجهزة والمباني، وهذه الصيانة بالنسبة للإيمان لا يمكن أن تتعدى ثلاثة أسابيع وإذا تعدت ذلك لا بد أن يُختم على قلب الإنسان فيُكتب من الغافلين.

    فإذاً لا بد أن تكون أسبوعية إذا استطاع الإنسان ذلك بحضور الخطبة وغيرها، وبمراجعة قضايا الإيمان في كل أسبوع، إن لم يستطع ففي أسبوعين، لكن لا يؤخر إلى الأسبوع الثالث، ( فمن ترك ثلاث جمع متواليات ختم الله على قلبه ثم كُتب من الغافلين ).

    مراجعة الإخلاص عند ابتداء الأعمال الموسمية

    كذلك مراجعة النفس بالنسبة للإخلاص، ينبغي للإنسان أن يراجعها عند بدايات الأعمال الموسمية، كرمضان والزكاة والصدقات ونحو ذلك، ومثل هذا عند الأعمال المترددة في اليوم، كمراجعة الإخلاص عند الصلاة وعند الذهاب إلى الدرس ونحو ذلك، ومن هنا فإن مربياً من المريبن كان معه تلميذ له فطرق طارق الباب، فقام إليه ليفتح له الباب، فقال: اجلس، فقال: أريد أن أفتح الباب للطارق، قال: ماذا تريد بذلك؟ قال: فقط أردت أن يدخل، فقال: لقد فاتتك إحدى وعشرين نية: أولاً: خدمة طالب العلم، وخدمة الشيخ الذي يدرس عليه، والتعاون مع الآخر على البر والتقوى، وإجابة الداعي وهي من حقوق المسلم، والنيابة عن أهل البيت في ذلك، والمبادرة إلى الخير.. وعد له هذه النيات كلها.

    فلذلك كان أبو محمد الجويني رحمه الله يخرج إلى الدرس، فإذا لم يستحضر النية في بداية الأمر عاد فرجع إلى بيته، حتى تكون النية أول خطوة من خطواته، وقد يخرج إلى الدرس فيضيق الوقت، ولكنه يرجع من السوق إلى بيته، فيقال: ولم ترجع وقد حان وقت الدرس؟ فيقول: لم أتذكر الإخلاص في بداية مخرجي، فخشيت أن تضيع هذه الخطوات، فيعود إلى البيت حتى يبدأ الإخلاص من أول خطوة يخطوها.

    ومثل ذلك أيضاً ما يجدده الإنسان في الأثناء، فقد يفوت على الإنسان بعض ذلك في بداية الأمر، ولكنه في الأثناء إذا تذكر فالفرصة مواتية على الأقل؛ لئلا يضيع عليه ما مضى، فالإنسان إذا جاء إلى المسجد من غير استحضار هذه النية، ولكنه الآن فيه وهو ينوي الاستمرار إلى بقية الدرس أو انتظار الصلاة بعد الصلاة أو نحو ذلك، هذا يمكن أن يجدد النية من جديد، ويمكن أن يراجع نيته، فيجددها في هذه اللحظة؛ لئلا يفوت عليه ما بقي على الأقل.

    خطر نقص الإخلاص أو ذهابه

    وكذلك لا بد أن نستحضر ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم من خطر نقص الإخلاص، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( ألا أخبركم بالنفر الثلاثة الذين هم أول من تُسعر بهم النار؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: رجل علمه الله العلم، فعلمه الناس، فعرفه نعمته عليه فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ قال: يا رب! علمت فيك العلم، فيقول الله: كذبت، ويقول الملائكة: كذبت، إنما علمت ليقال: عالم فقد قيل، فيؤمر به فيسحب على وجهه فيرمى في النار، ورجل قاتل حتى قُتل، فدعاه فعرفه نعمته عليه فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: يا رب! قاتلت فيك حتى قُتلت، فيقول الله: كذبت، ويقول الملائكة: كذبت، إنما قاتلت ليقال: شجاع فقد قيل، فيؤمر به فيسحب على وجهه فيُرمى في النار، ورجل آتاه الله من أصناف المال ما آتاه، فقسم ماله في أوجه الخير، فعرفه نعمته عليه فعرفها، فقال: فما عملت فيها؟ فقال: يا رب! ما تركت وجهاً تحب أن يُنفق فيه المال إلا أنفقته فيه، فيقول الله: كذبت، ويقول الملائكة: كذبت، إنما أنفقت ليقال: جواد فقد قيل، فيؤمر به فيسحب على وجهه فيُرمى في النار)، فهؤلاء كما رأيتم جميعاً هم أول من تسعر بهم النار، وهم أول الذين يُرمون في النار، ولا يُقصد بهم أشخاص، وإنما يُقصد بهم فئات كبيرة جداً من المجتمعات في عصور متطاولة، فليس هذا مقصوداً لشخصٍ واحد، بل المقصود من كان كذلك مطلقا، وهذا بيان نبوي مشعر بالخطر في هذه العبادات التي هي من أولى ما يتقرب به إلى الله تعالى، كالعلم والجهاد وإنفاق المال، ومن أعظم ما يُتقرب به إلى الله، لكن إذا كانت من غير إخلاص، وكان صاحبها إنما يريد بها الناس لا يُريد بها الله لا يمكن أن يتقبلها الله، فتضيع عليه ومع ذلك، لو كان نجا منها كفافاً لا له ولا عليه، فعلى الأقل يجد السلامة، لكنها كانت وبالاً عليه حين قصد الناس ولم يقصد بها الله، فأشرك في ذلك فاستحق النار، نسأل الله السلامة والعافية.

    استحضار العبد للإخلاص في كل التصرفات والأعمال

    فيحتاج الإنسان إلى عرض نفسه على هذا في كل تصرفاته وأعماله، وبالأخص إذا عرف أن أعماله جميعاً لا تخلو من أمرٍ أو نهي أو إباحة، فما كان منها مأموراً به فهو قربة لا غبار عليها، وما كان منهياً عنه فاجتنابه أيضاً قربة لا غبار عليها، وما كان مباحاً فاستحلاله قربة أيضاً، فمجرد الاستحلال قربة، ولذلك فإن الرجل الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: أرأيت إذا أديت المكتوبات، قال بعدها: وتركت الحرام واستحللت الحلال أأدخل الجنة؟، فإن استحلال الحلال قُربة لله سبحانه وتعالى؛ لأنه رضا بتشريعه، وبذلك يكون المباح قسم من أقسام الخطاب التكليفي، ومعروف أن الأصوليين يعدون المباح قسماً من أقسام الخطاب التكليفي فإما أن يقتضي فعلاً، وإما أن يقتضي تركاً، إما أن يقتضي تخييراً، فالفعل إما أن يكون على وجه الجزم أو لا، والترك كذلك إما أن يكون على وجه الجزم أو لا، والتخيير مستوي الطرفين، فالتخيير إنما يكون خطاباً تكليفياً إذا كان الإنسان يستحل فيه ما أحله الله له، ويزنه بعد ذلك بميزان المصلحة، ومن هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وفي بُضع أحدكم صدقة؟ قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر)، فاستحلال الحلال فيه أجر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك)، فأقل شيء حتى ولو كان ذلك في حال المداعبة أو نحوه يُثاب عليه الإنسان فيكون صدقة، بمعنى الصدقة العام، فالصدقة لها معنيان: أحدهما عام والآخر خاص، فالمعنى العام: كل ما أُريد به وجه الله فهو صدقة، فالكلمة الطيبة صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وبكل تسبيحة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وبكل تكبيرة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، فالصدقة هنا بالمعنى العام أي ما يُتقرب به إلى الله، ومعناها الخاص: ما يتعلق بإنفاق المال في غير الواجب، فالصدقة أي الزكاة غير الواجبة، هي المعنى الخاص.

    ومن هنا فإن الإنسان إذا أدرك هذا المعنى كانت الدنيا كلها له محراباً كبيراً للتعبد، فجلوسه سيكون عبادةً، ونومه عبادةً، وخروجه في طلب العلم عبادة، وخروجه في الدعوة عبادة، وخروجه لطلب المال الحلال عبادة، وأداؤه حقوق أهله عبادة، وأداؤه حقوق المجتمع عبادة، وأداؤه حقوق الطريق عبادة، وبهذا يكون الإنسان متعبداً لله تعالى بكل تصرفاته، فيكون عبداً خالصاً لوجه الله من المُخلصين المخلَصين حيث كانت حركاته وسكناته مما يلتمس به وجه الله، ويُراد به التقرب إليه سبحانه وتعالى.

    1.   

    مزالق في طريق الإخلاص

    وهذا المقام لا يصل إليه الإنسان إلا بالجهد والعناء، ولذلك فدونه مزالق متعددة هي المزالق في طريق الإخلاص، فمنها:

    اتهام النية في الإخلاص

    أولاً: ما يتعلق باتهام النية في الإخلاص، فإن الإنسان قد يزيد فيه حتى يظن أنه غير مخلصٍ دائماً، فكلما أدى عملاً سولت له نفسه أنه غير مخلص، وألقى الشيطان في ذهنه ذلك يريد به إدخال الحزن عليه، فالشيطان عدو للإنسان وهو يسعى لإدخال الحزن عليه في كل الجوانب قال الله: إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا [المجادلة:10]، فيحاول إدخال الحزن على الإنسان بإلقاء مثل هذه الوساوس في ذهنه أنه لم يخلص لله، وأن كل أعماله الماضية باطلة، وأنه في طلبه للعلم وفي دعوته وفي عبادته وفي قيامه لليل وفي صيامه للنفل وفي ذكره لله تعالى غير مخلص، وبهذا يتردد في الوحل لأنه يُصبح لُعبة في يد الشيطان، وذلك مذموم شرعاً، وعلى الإنسان إذا دخل في مثل هذا النوع من المتاهات أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وأن يراجع إخلاصه لله تعالى، وبذلك يكذب الشيطان، فقد قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ [الحج:52]، (إذا تمنى) أي: إذا تلى القرآن فالتمني هو قراءة القرآن: إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللهُ آيَاتِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [الحج:52] لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج:53] وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الحج:54].

    الشعور بكمال الإخلاص

    وكذلك من هذه المزالق في طريق الإخلاص أن الشيطان قد يُخيل إلى الإنسان أنه مخلص في كل أموره وهو في الواقع مراءٍ أو مسمع، فلا يراجع هذا الباب من عقيدته، ولا يراجع إخلاصه؛ لأنه ظن أنه قد أخلص وانتهى الأمر، وبهذا يكون على خطرٍ عظيم، فهو مهدد ببطلان العمل ورده عليه بكل الأوقات.

    الغفلة وترك استشعار الإخلاص

    كذلك من هذه المزالق في طريق الإخلاص نوع ثالث: وهو أن يكون الإنسان السائر في طريق الإخلاص عُرضة للغفلة عنه لا يستشعره أصلاً ولا يراجعه، فلا هو مثل النوع الأول الذي كبر الإخلاص في أذهانهم، حتى قعد بهم عن بعض العمل، ولا هو من أولئك الذين ظنوا أنهم قد أكملوه واستكملوه ولم يريدوا زيادته، بل قد غفل عنه بالكلية، فأعماله لا يراجع فيها الإخلاص ولا يهتم بمتابعته فيها، فكل ذلك من مزالق هذا الطريق، ويحتاج الإنسان أيضاً إلى الحذر من هذه المزالق، فمن لم ينل بعضها فإنها أمامه في الطريق لم يصل إليها بعد، والذي لم يستشعر اتهام نفسه بالإخلاص، ولم توسوس له نفسه أنه غير مخلص، وأن ترك العمل أولى به من فعله؛ لأنه عمل من غير إخلاص، فمعناه أنه ما زال في الطريق وما زال هذا المنعرج أمامه، وكذلك الذي يظن أنه قد أكمل الإخلاص ولم يعد يخاف من نقصه فقد بقي هذا المنعرج أمامه لم يصل إليه، وكذلك الإنسان السادر الغافل الذي لا يكون الإخلاص من اهتماماته، فيهتم بإتقان الظواهر، كمن يهتم مثلاً بجزيئات الصلاة وهيئاتها، وبأحكام الزكاة وأحكام الطهارة، ونحو ذلك، لكنه لا يهتم بروحها الذي هو الإخلاص لله سبحانه وتعالى، هذا أيضاً ما زال الطريق أمامه طويلاً، وقد وصل إلى هذا المنعرج الذي هو خطر عليه، ولا بد من المبادرة لمعالجة ذلك.

    1.   

    وسائل زيادة الإخلاص

    كذلك فإن السالك في طرق الإخلاص لا بد أن يحاول الازدياد منه، وهذا الازدياد له وسائل كثيرة تزيد الإخلاص، فمن هذه الوسائل:

    التعرف إلى الله والحفاظ على مستوى العبادة

    أولاً: التعرف إلى الله تعالى، بأن يزداد الإنسان معرفة لله ومحبةً له بمراجعة أسمائه وصفاته وكثرة دعائه وذكره.

    ثانياً: الحفاظ على مستوى العبادة، بحيث يُحافظ الإنسان على مستوىً دائمٍ ولو كان يسيراً، فأحب العبادة إلى الله أدومها ولو قل، فيحافظ الإنسان على دوام عبادة، سواءً كانت من صلاة أو من ذكر أو من عبادة أخرى، ثم بعد ذلك من أسباب تحصيل الإخلاص إكثار التدبر للقرآن، فإن فيه شفاءً لكل الأمراض ومنها نقص الإخلاص، والقرآن جاء في كثيرٍ من مواضعه ذكر الإخلاص والتنبيه على ضرورته وخطر فقده، فيحتاج الإنسان إلى تدبر ذلك ومراجعته، كذلك مما يزيد الإخلاص قراءة سير المخلصين، فقراءة سير الأنبياء والصالحين ومراجعة تعاملهم مع الله سبحانه وتعالى كل ذلك يزيد الإنسان إخلاصاً؛ لأنه سيحاول التحلي بأخلاقهم وما كانوا عليه.

    ومن هنا فإن الذي يعيش مع سير الصالحين والأنبياء والسابقين ويقرأها فإنما يعتزل العالم من حوله عُزلة شعورية، فهو يعيش مع الناس وهو في مكان ناءٍ عنهم بالكلية، فهو معهم فوق هذه الأرض على الكوكب الذي هم عليه، ولكنه يعيش مع آخرين هم أفضل من الذين يخالطهم وهم خير منهم، فهو يعيش مع أنبياء الله، يراجع حياتهم وسيرهم، ويعيش مع أولياء الله الصالحين من الصحابة والتابعين وغيرهم، فلذلك تكون عُزلته للناس وخلطته لهم مطبوعة بذلك الطابع الذي يدرسه من حياة وسير أولئك السابقين.

    التعود على الصدق

    وكذلك مما يزيد الإنسان إخلاصاً: تعوده على الصدق، فقد ذكرت من قبل أن كل إنسان عليه أن يضع برنامجاً لنفسه يحاول فيه أن يحقق صفات المؤمنين ويجتنب صفات المنافقين والمشركين، ومن صفات المؤمنين الصدق، فإذا كان الإنسان صادقاً فإن ذلك مما يزيده إخلاصاً حتى لو قلت عبادته، وكذلك مما يزيد الإنسان إخلاصاً لله سبحانه وتعالى وضع برنامجاً للمحاسبة، وهو ورد يومي لمحاسبة النفس يحاسب فيه الإنسان نفسه على نعم الله عليه وعلى التزاماته وعباداته، وأفضل أوقاته عند النوم إذا اضطجع الإنسان على فراشه فتقلب يميناً وشمالاً، لا يشكو من جنبه ولا ظهره ولا من بطنه ولا يحس بألم في قلبه، ولا في كلاه ولا في رأسه ولا في عينه ولا في أذنه، لا بد أن يستشعر نعمة الله سبحانه وتعالى ويتذكر هذا اليوم الذي مضى وهو أربع وعشرون ساعة، كم كان فيه عليه من الواجبات؟ وكم نُهي عنه من المنهيات؟ كم أدى من ذلك؟ وكم ترك؟ ليتذكر نعمة الله عليه في هذا اليوم وقد مضى، وبماذا قابلها من الشكر؟ فكل نعمة تستحق شكراً كبيراً، والله سبحانه وتعالى يستحق الشكر على كل النعم، فلا بد من مراجعة النفس حينئذٍ، وإذا وجد الإنسان تقصيراً بادر إلى التوبة؛ فإن التوبة تجب ما قبلها، وحينئذٍ إذا كان له ورد من المحاسبة فلا يمكن أن يُكتب من الغافلين، لأنه راجع نفسه على الأقل في أربع وعشرين ساعة مراجعةً شاملة.

    مصاحبة أهل الخير

    كذلك مما يزيد الإنسان إخلاصاً: مصاحبته لأهل الخير المخلصين؛ لأنه برؤيته لهم يراهم مقبلين على الله، ويجدهم في أوقات خلواتهم وفي أوقات عباداتهم مشغولين بالله سبحانه وتعالى مقبلين عليه، وهؤلاء الذين عرفوا الله سبحانه وتعالى وأقبلوا على عبادته مجرد النظر إليهم ومجالستهم يزيد الإنسان إيماناً ويقيناً، ولذلك فإن صحبتهم مأمور بها شرعاً كما قال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]، فيحتاج الإنسان إلى مصاحبتهم، وإذا صاحبهم الإنسان فلا بد أيضاً أن لا يغلو فيهم، فكثير من الناس لا يعرف آداب الصحبة، فيظن أنه إذا صاحب أهل الخير أن كل من يصاحبه فهو خير منه، وهذا قد يكون في البداية من التواضع، لكنه أيضاً قد ينساق فيه الإنسان سياقاً مسلكياً غير محمود شرعاً بأن يصل إلى حد الإفراط في الناس، والناس أوقاتهم غير متساوية، فقد يجد بعضهم إقبالاً على الله فعلاً ويبرز فيه فيكون في هذا الوقت خيراً منك، لكنه أيضاً يجد فترة وتراجعاً وكسلاً في وقتٍ من الأوقات وتكون أنت في ذلك الوقت في قوتك وإقبالك على الله فيقع التكامل بينكما إذا حصلت الصحبة، ومن هنا فإن على الإنسان في صحبته لأهل الخير أن لا يكون صاحب إفراط ولا صاحب تفريط، فالمفرط فيهم هو الذي يظن أنهم قد وصلوا إلى مقامٍ لا يمكن أن يعروهم فيه نقص ولا قصور، وبذلك لا يخاف عليهم أبداً، وإذا رآهم على فعلٍ ظن أنه هو الصواب دائماً، وهذا النوع خطأ وخطر؛ لأنه خطر في الاعتقاد أولاً، وخطر في الشرع؛ لأن معناه أن الإنسان قد علق عقله وأهمل علمه وقلد الآخرين تقليداً مطلقاً، وكذلك في العكس أيضاً لا بد أن لا يفرط فيهم، فأنت -يا أخي- قد اطلعت على عيوب نفسك أكثر مما اطلعت على عيوب الآخرين، فلذلك لا بد أن تعرف أنك إذا كنت ذا عيوب كثيرة وكنت مفرطاً في جنب الله، ومقصراً في الطاعات وأنت تعلم ذلك، فعلى الأقل غيرك قد ستر الله عنك بعض نقصه وبعض عيبه، فتلتمس الخير الذي تراه فيه، وتعتقد فيه ذلك الخير الذي رأيت منه، وما خفي عنك من أمره أنت غير مسئول عنه، فإنما نحن قوم نحكم بالظواهر، والله يتولى السرائر، فمن أبدى لنا صفحة عنقه أخذناه.

    كذلك فإن صحبة الناس في طريق الخير أيضاً يُحتاج فيها إلى انتقاءٍ واختيار، فليست هذه الصحبة راجعة إلى مجرد الألفة والمعاصرة في العمر، فقد يكون الإنسان في عمرٍ، وكل أقرانه في ذلك العمر لا تصلح له صحبتهم؛ لأن مستواه مباين لمستوياتهم، ومن هنا فالمرءُ بأصغريه؛ قلبه ولسانه، وعلى الإنسان أن يختار من يزيده لا من يقعد به، ولذلك فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه اختار ابن عباس لأن يكون من جلسائه، وجلساء عمر كانوا أهل القرآن، كما في حديث الحر بن قيس وكان القراء أصحاب مجلس عمر ، والقراء، أي: أهل القرآن والعلم هم أصحاب مجلس عمر بن الخطاب ، فهم جلساء عمر رضي الله عنه، وقد قال ابن عطاء الله الإسكندراني رحمه الله: لا تصحب من لا ينهضك حاله ولا يدلك على الله مقاله، ومعنى: لا تصحب من لا ينهضك حاله، أي: يرفعك ويزدك تقدماً، وحاله هو ما هو عليه، إذا كان صاحب كسلٍ فلا ينهضك حاله، وإذا كان صاحب تقصير في العبادة فلا ينهضك حاله، إنما ينهضك حال الجاد المجتهد الذي هو جاد في طلب العلم وفي العمل به وفي الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وإذا رأيته في أي وقتٍ فاعلم أن عمله في عبادة، سواءً كان نوماً أو قياماً أو غير ذلك، كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه: إني لأحتسب في نومتي ما أحتسب في قومتي.

    ومعنى (ولا يدلك على الله) أي: أيضاً لا بد أن يكون قول الإنسان مما يدل على الله سبحانه وتعالى، فإذا كان الإنسان ساكتاً عما يعرض من العيوب فلا يغير منكراً، ولا يأمر بمعروفٍ ولا يدعو إليه، حتى لو كان صالحاً في نفسه فصحبته لا تنفعك شيئاً؛ لأنه قصر في بعض الجوانب تقصيراً تراه وتشهده، حين سكت عن المنكر وهو يراه، أو سكت عن التقصير في المعروف وهو يراه، أو حمله الحياءُ المذموم على ترك التعلم ونحو ذلك وهو قادر عليه، فهذا لا تنفعك صحبته، إنما تنفعك صحبة من يدلك على الله مقاله.

    الحرص على الاستزادة من الخير مع تقدم العمر

    كذلك فإن مما يزيد الإنسان إخلاصاً لله سبحانه وتعالى: أن يحرص على الازدياد من الخير في كل زيادة في العمر.

    ورج الفتى للخير ما إن رأيته على السن خيراً لا يزال يزيدُ

    أن يجعل لنفسه مثلاً يقتدي بها، فيحاول الوصول إلى تلك الأهداف، وليبدأ الإنسان بما يقدر عليه أولاً ثم ليتجاوزه، فقد كان الحافظ ابن حجر رحمه الله يشرب ماء زمزم ويسأل الله أن يكون على قدر حفظ الذهبي للحديث، فتجاوز حفظ الذهبي رحمه الله، فمن هنا يحتاج الإنسان إلى مراجعة المُثل، وأن يحرص على أن يزداد من الخير كل يوم تطلع فيه الشمس، وأن يحاول الازدياد حتى يكون غده خيراً من يومه، ويومه خيراً من أمسه.

    وقد ذكرت من قبل قول ابن الجوزي رحمه الله: إن من الصفوة أقواماً منذ استيقظوا ما ناموا، ومنذ قاموا ما وقفوا، فهم في صعودٍ وترقٍ كلما قطعوا شوطاً نظروا فرأوا قصور ما كانوا فيه فاستغفروا. أي يرون قصورهم في التصور وفي العلم وفي العمل وفي الإخلاص، ويستغفرون لذلك القصور الذي كانوا فيه، وبذلك يزدادون خيراً على خير، وقد جاء في هذه المتابعة والمراقبة قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: إن لي نفساً تواقة، تاقت إلى الإمارة فنالتها، ثم تاقت إلى الخلافة فنالتها، ثم تاقت إلى الجنة، فهدف الإنسان هو الذي يسعى للوصول إليه، وسيبذل قصارى جهده في الوصول إليه، ومن هنا إذا تعلق الإنسان بجنات النعيم فسيسعى لعمل أهل الجنة، وسيبحث حتى يعرف عمل أهل الجنة وسيلزمه، وإذا كان يخاف من نار الجحيم فسيسعى أيضاً لتجنب عمل أهلها، فهو يعلم أن العمل هو الذي يُدخل الجنة وهو الذي يدخل النار، فلا بد أن يحرص على تعلم العمل الذي يدخل الجنة والعمل الذي يدخل النار، فيحرص على أداء العمل الذي يدخله الجنة واجتناب العمل الذي يدخله النار ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

    إن تقويم الإنسان لنفسه مما يعينه عليه أيضاً تقويم غيره له، فلذلك يحتاج إلى الصحبة الخالصة المخلصة التي لا تكتم عنه شيئاً مما فيه، وهذه الصحبة إنما تتحقق بإخوة الإسلام.

    والأخوة الإسلامية الخاصة لها ركنان:

    أحدهما: تحقيق الألفة، والثاني: إزالة الكلفة، وتحقيق الألفة: أن تتحقق الألفة بين القلبين، فلا يخشى أحدهما من الآخر نفرة ولا غضباً، وأن تزول الكلفة بينهما بحيث لا يكتم عنه شيئاً رآه من معايبه، ويكون صادقاً في كل ذلك، وهذا الحال بتحقيق الألفة وإزالة الكلفة قلما يصل إليه المتآخيان في الله سبحانه وتعالى، لكن إذا وصلا إليه انتفعا به انتفاعاً عجيباً، ومن هنا فإن علينا في طريقنا إلى الإخلاص أن يحرص كل إنسان منا على أن يكون له صديق يحقق معه تمام الأخوة الإسلامية، فتزول بينهما الكلفة وتتحقق الألفة، فيصليان الصلوات الخمس دائماً في جماعةٍ واحدة في مكانٍ واحد يلتقيان عند كل صلاة، ويسأله: كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ مما يغرس الود في فؤاد الحبيب، ويتزاوران دائماً، ويعرف كل واحدٍ منهما أهل الآخر وأقاربه واهتماماته وأموره، وأعماله اليومية، وكل ما يحب وكل ما يكره حتى تحصل الألفة، ثم بعد ذلك تزول الكلفة بالمصارحة التامة، فيكون له بمثابة المرآة ينظر إليها ويعلم أنها لا تخونه، وأنها ستبدي له وجهه على صورته.

    الخل كالماء يبدي لي ضمائرهُ مع الصفاء ويخفيها مع الكدرِ

    وإذا وجد الإنسان هذا الأخ المخلص فليشد يديه عليه، وليعلم أنه رفيق الدرب وهو صاحبه في الطريق، وعليه أن يبحث عنه كثيراً، فقد يبحث مع مائة صديق لا يجد فيهم صديقاً يصلح له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة)، فيحاول الإنسان أن يجد هذا الصديق الذي يُخلص له ويُفضي إليه بأسراره وأموره، حتى ينفعه في مسيرته ويزيده إخلاصاً ويقيناً.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين..

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042735840

    عدد مرات الحفظ

    731601749