إسلام ويب

هموم الأمةللشيخ : محمد الحسن الددو الشنقيطي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بما أن الله قد شرف هذه الأمة على غيرها من الأمم، وجعلها حاملة لواء حزب الحق حزب الله، وابتلاها حتى وصلت إلى درجة الأستاذية على العالم، وشرفها بكثير من المزايا؛ فإنه سبحانه قد ابتلاها منذ بداياتها إلى يومنا هذا، فكان لابد عليها أن تواجه ذلك الابتلاء بما يرضي الله من الوسائل الشرعية، وتصد عملية التكالب عليها من المشركين والمنافقين، وتعلي كلمة الله وتنصر دينه

    1.   

    سنة التدافع والصراع بين الحق والباطل في الدنيا

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهدية، واستن بسنته إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فإن الله سبحانه وتعالى بنى هذه الدنيا على صراع أبدي بين الحق والباطل، هذا الصراع طرفاه حزب الله وحزب الشيطان.

    أما حزب الله فقادته رسل الله المعصومون، وسراجه الوحي المبين المنزل من عند الله عز وجل، وأما حزب الشيطان فقائده إبليس عليه لعنة الله، وهذا الصراع هو مصلحة للأرض، فلو توقف لحظةً واحدةً لفسدت الأرض، ذلك أن الله جعل هذه الدار دار عمل ولا جزاء، وجعل بعدها الآخرة دار جزاء ولا عمل، وهذه الدار لو تمحض فيها الحق لم يكن لها معنىً؛ لأن الناس يستحقون حينئذ دخول الجنة، ولو تمحض فيها الباطل فلم يكن للحق صوت لجاء سخط الله ومقته: (إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله).

    فلذلك سن الله فيها التدافع بين هذين الحزبين على أن يكون ذلك مصلحةً للأرض، واستمراراً للحياة الطبيعية عليها، قال الله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ[البقرة:251]، فمصلحة الأرض إذاً وجود هذا الصراع الأبدي عليها.

    تمثيل الأمة الإسلامية لحزب الله منذ البعثة الشريفة

    إن حزب الله منذ بعث محمد صلى الله عليه وسلم تمثله هذه الأمة المحمدية أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كل ما كان يتشبث به السابقون قد نسخ، وهذا الكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مهيمن على سائر الكتب مصدق لما بين يديه من الحق، ما أحكمه وأقره فهو المحكم من عند الله، وما غيره ونسخه فلا رجعة إليه، ولهذا قال الله تعالى: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[آل عمران:85].

    وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا كبه الله على وجهه في النار).

    وقد أخذ الله العهد والميثاق على الأمم السابقة جميعاً أن يتبعوا هذا الرسول إذا بعث، وأخذ إقرار الأنبياء على ذلك فقال: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي[آل عمران:81]، والإصر هو أشد العهد، أشد ما أخذ أحد على أحد: قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ[آل عمران:81-82]، والفاسقون: الخارجون عن طاعة الله وحكمه.

    1.   

    مظاهر تشريف الله لأمة الإسلام

    خيرية أمة محمد صلى الله عليه وسلم على بقية الأمم

    إن هذه الأمة قد شرفها الله بأنواع التشريف فجعلها خير أمة أخرجت للناس، ولذلك قال في محكم التنزيل: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[آل عمران:110]، وقد اختلف أهل التفسير في متعلق الجار والمجرور في قوله: (للناس) فقالت طائفة منهم: متعلقه كنتم، أي: كنتم للناس خير أمة أخرجت، فهذه الأمة هي التي ترعى مصالح الناس، وهي الشهود عليهم يوم القيامة، وهي عدول الله في الأرض، وهي كذلك الشفعاء الذين لا يردون، وهي التي ترعى الزمام للأمم الأخرى، وهي التي تصدق الرسل ولا تعدو فيهم حق الله، فلذلك اشترط النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان به أن يؤمن الإنسان بأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فمن شهد بذلك بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فقد أوجب كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس، فخيريتها للناس جميعاً، أي: للبشرية كلها.

    وهذه الخيرية تظهر جلية يوم القيامة عندما يخاصم الأنبياء جميعاً أممهم، فما من رسول إلا ويقام في المحفل في المشهد الأعلى فيقال: هل بلغت رسالات الله؟ فيقول: قد بلغت، فيقول أصحابه: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيؤتى بهذه الأمة فتشهد للرسل على خصومهم، حتى نوح يخاصمه قومه فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيقول: بلى، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيؤتى بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فيشهدون أن قد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وأنه دعاهم إلى الله عز وجل، وأقام عليهم الحجة لله.

    القول الثاني لأهل التفسير في متعلق الجار والمجرور في قوله: (للناس)، أن أن المتعلق هو أخرجت، أي: كنتم خير أمة أخرجت، أي: أخرجت هذه الأمة للناس، والمقصود بإخراج الأمة للناس، أي: بعثها بحضارتها ورسالتها ودينها، وهذا يقتضي أن هذا الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو خير دين للناس، فالأديان السابقة حق، المنزلة من عند الله حق، ولكن شتان بين ثواب العمل بها والعمل بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا أخرج البخاري في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما مثلكم ومثل من قبلكم مثل رجل قال: من يعمل لي من أول النهار إلى منتصفه أو إلى صلاة الظهر بقيراط. فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي من الظهر إلى العصر بقيراط. فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى غروب الشمس بقيراطين. فكانت هذه الأمة أهل ذلك، فأنكر اليهود والنصارى فقال: هل ظلمتكم من حقكم شيئاً، فقالوا: لا ).

    فهذه الأمة حقها مضاعف وأجرها مضاعف فبذلك دينها خير الأديان، فصلاة الرجل من هذه الأمة أجرها أجر أضعافها من صلوات السابقين، وجلسة الرجل في المسجد من هذه الأمة ما بين صلاتي العصر والمغرب، أو ما بين صلاتي الظهر والعصر أجرها أجر سنوات من عمل الرهبان المنقطعين للعبادة في الأمم السابقة، كل هذا من تشريف الله لهذه الأمة.

    تشريف الأمة بإنزال أفضل الكتب على نبيها

    وكذلك فإن من تشريفها وخيريتها: أن الله سبحانه وتعالى أنزل إليها أفضل الكتب، وشرع لها خير شرائع الدين، وأرسل إليها أفضل الرسل، وجعل معجزتها باقيةً خالدة، وكتب لها ستة أمور لم تكن في الأمم السابقة، فالأمم السابقة لا يمكن أن يصلي أحد منهم إلا في المكان المخصص للصلاة، وهذه الأمة ( جعلت لها الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل أدركته الصلاة فليصلِ ).

    كذلك فإنها أبيحت لها الغنائم ولم تبح لأحد فيما مضى، وكذلك فإنها نصرت بالرعب مسيرة شهر، نصر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبر، وقد أخبر في حديث آخر: أن ذلك بقية لأمته، فهي منصورة بالرعب.

    كذلك أن الله سبحانه وتعالى لم يكن ليسلط عليها من يجتث بيضتها، فلا بد أن يبقى منها القائمون على الحق الذين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وكذلك فإنها قد رفع عنها الإصر وأحل لها كثير مما حرم على الأمم السابقة، ولهذا قال الله تعالى خطاباً لأهل الكتاب: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ[الأعراف:157].

    خصوصية الأمة في جعل علمائها بمثابة أنبياء بني إسرائيل

    إن هذه الأمة كذلك مما خصها الله به أن جعل علماءها بمثابة أنبياء بني إسرائيل، ( فإن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء )، وهذه الأمة لا تخلو من عالم يقوم لله بالحجة، فقادتها هم علماؤها الذين يحفظون الوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أمناء الله على هذا الوحي، ولم يكن الله ليجعل وحيه بدار هوان، فإن الله يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، ولم يكن ليأتمن المفلسين، فمن كان مفلساً غير أمين خائناً لم يكن الله ليأتمنه على وحيه، بل الله سبحانه وتعالى له الاختيار وله الملك لا معقب لحكمه، فلذلك يختار لحفظ وحيه الأمناء الذين هم أمناء الله على وحيه وهم الموقعون عن رب العالمين.

    سنة المجددين في أمة محمد صلى الله عليه وسلم

    كذلك من خصائصها التي ميزها الله بها: أن يخرج لها على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها، وهذا ما تحتاج إليه الأمة في كل الأحيان، فكلما مضى طور من الأطوار وطبق من الأطباق جاء من يجدد أمر الدين، وهم عصبة متعاونة على البر والتقوى، فيهم العلماء العاملون، وفيهم المجاهدون الصادقون المضحون، وفيهم الساسة المتقنون، وفيهم الاقتصاديون المحنكون، وفيهم القائمون في الأمر الذين لا يخافون في الله لومة لائم، وفيهم الجنود المحقون، وفيهم النساء المحافظات على ما شرع الله، وفيهم الشباب الذين يؤثرون الآخرة على الأولى، فهؤلاء يجددون أمر الدين، كلما مضى طبق جاء طبق جديد خرج فيه من هؤلاء من يجدد لهذه الأمة أمر دينها.

    1.   

    ابتلاءات الله لبني إسرائيل وأمة محمد صلى الله عليه وسلم

    لكن مع هذا كله ومع هذا التشريف العظيم لم يكن الله ليترك المؤمنين على ما هم عليه إلا بعد امتحانات شاقة، وهذه سنة الله الماضية ليست ظلماً ولا نقضاً لسنة كونية، بل ما مضى أحد من الأنبياء ولا من خلفهم من الصالحين إلا وقد امتحن امتحاناً شاقاً على هذا المنهج الصحيح، ولهذا قال الله تعالى: (بِسْمِ اللهِ الْرَّحمَنِ الْرَّحَيمِ) أَلم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[العنكبوت:1-3].

    وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل)، وهذا إبراهيم خليل الله الذي شرفه الله على كل من سبقه من الناس، وشرفه كذلك على من عداه ما عدا محمداً صلى الله عليه وسلم، وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا[النساء:125]، مع هذا فقد ابتلاه الله وامتحنه بأنواع البلايا والمحن، وعندما بلغ معه ولده المشي أمر بذبحه، وامتحن كذلك بالأوامر الشاقة بأن يترك جاريته وولده بواد غير ذي زرع ليس فيه ماء ولا مرعىً وإنما فيه وحوش كاسرة، لكن أتم إبراهيم هذه الامتحان ونجح بامتياز فشهد له الله بذلك فقال: وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ[البقرة:124]، نجح في كل الامتحان مائة بالمائة، فكانت الجائزة قول الله تعالى: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا[البقرة:124]، فالناس جميعاً يلزم أن يقتدوا بـإبراهيم ، فلا يخالفه إلا من سفه نفسه، لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا من كان سفيهاً سفه نفسه.

    أمر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام

    فقد أمر الله محمداً صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم ، وأمركم معاشر المؤمنين باتباع ملة إبراهيم ، وبين هذه الملة التي ينبغي أن تتبع وهي إخلاص العبودية لله وحده والولاء الكامل لله والبراء الكامل من أعداء الله، هذه ملة إبراهيم التي أمرتم باتباعها: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ[الممتحنة:4]، فكل ما فعله إبراهيم من ذلك أو قاله فهو أسوة للمؤمنين؛ لا بد أن يأتسوا به ويقتدوا به إلا أمراً واحداً وهو استغفاره لأبيه، فإن هذا الأمر وحده استثناه الله من الاقتداء بـإبراهيم فقال: إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ[الممتحنة:4]، أما ما عدا ذلك من هدي إبراهيم فقد ارتضاه الله لنا جميعاً وأمرنا بالاقتداء به.

    ابتلاء الله لبني إسرائيل بالجهاد في سبيل الله

    إن ابتلاء الله لهذه الأمة عظيم جداً ويتكرر فيه نظير ما سبق للأمم السابقة، وقد قص الله علينا كثيراً من ابتلاءات الأمم السابقة ليكون ذلك تثبيتاً لنا وإعداداً لنا حتى لا يجزئنا الأمر فيتساقط المتساقطون، بين الله سبحانه وتعالى بعض امتحاناته لبني إسرائيل فقال في محكم التنزيل: أَلَمْ تَرَ إِلَى المَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ[البقرة:246]، فأول امتحان وجه إلى هؤلاء بعد أن ثار حماسهم وقالوا: ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله، أول امتحان وجه إليهم قال: قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا[البقرة:246]، وهذا الامتحان فشلوا فيه جميعاً رسبوا فيه جميعاً ولم ينجح فيه أي أحد: قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا[البقرة:246]، فليس القتال إذاً في سبيل الله بل هو قتال من أجل الديار والأبناء، وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا[البقرة:246].

    بعد هذا جاء الامتحان الثاني بعد الامتحان النظري جاء الامتحان التطبيقي: وهو أداء الجهاد في سبيل الله، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ[البقرة:246]، الامتحان التطبيقي دائماً أسهل من الامتحان النظري، الامتحان النظري يرسب فيه الممتحنون كلهم، والامتحان التطبيقي ينجح فيه قليل منهم كما سيتكرر عليكم في هذه الآيات، الامتحان الأول النظري لم ينجح فيه أحد، الامتحان الثاني كان تطبيقياً: فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ[البقرة:246]، نجحت منهم طائفة قليلة.

    ابتلاء الله لبني إسرائيل بتقديم الأصلح

    ثم بعد هذا جاء امتحان نظري آخر: وهو تقديم من لا يرونه يستحق التقديم عليهم، وهذا الامتحان شاق على النفوس، فإن كثيراً من النفوس مبنية على الحسد ورؤية الفضل على الغير والإعجاب بالنفس، فلذلك: َقَالَ لَهمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا[البقرة:247]، فرسبوا جميعاً في هذا الامتحان: قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ[البقرة:247]، ثبتهم الله سبحانه وتعالى بأمر خارق للعادة هو نزول الملائكة يحملون تابوتاً من السماء فيه السكينة، وفيه بقايا مما ترك آل موسى وآل هارون، وذلك من فضل الله سبحانه وتعالى؛ لأنه حين رسبوا في هذا الامتحان الشاق يصعب أن يخرج منهم بعد هذا طائفة تجاهد في سبيل الله، فلما جاءتهم الآيات البينات ونزل الملائكة يحملون التابوت من السماء فيه سكينة من الله وثبات على الحق وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون اقتضى ذلك نجاحاً وارتفاع للمعنويات وثباتاً على الحق.

    ابتلاء الله لبني إسرائيل بالشرب من النهر

    ثم بعده جاء امتحان تطبيقي آخر وهو قوله: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ[البقرة:249]، الجنود جمع قلة فالذين مع طالوت عدد قليل؛ لأنه سبق رسوبهم في الامتحانات السابقة، ومع هذا فأولئك أيضاً لم يبقَ منهم إلا القليل، شربوا جميعاً من النهر إلا قليلاً منهم.

    اختبار الثبات عند لقاء العدو

    ثم بعد هذا جاء امتحان آخر وهو شاق جداً، وهو تذكر المواجهة. عندما يتذكر هؤلاء المجاهدون قوة عدوهم ويرون أنهم أضعاف مضاعفة، وأن في أيديهم القوة المادية، وأن خيرات الأرض مسخرة في مقابلهم، فهذا لا شك امتحان شاق، ولذلك قال: فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ[البقرة:249]، وهم قليل من قليل من قليل: قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ[البقرة:249]، فهذا امتحان نظري رسبوا فيه جميعاً.

    بعد هذا ثبت الله طائفةً قليلة بالحق وهم الذين يظنون أنهم ملاقو الله، يوقنون أنهم ملاقو الله، وأنهم لو عاشوا ما عاشوا فإن مصيرهم إلى الله: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمُ المَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ[النساء:78]، وأن الموتة التي كتبها الله واحدة:

    ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد

    وهذه الموتة لا يمكن أن يرفعها الهرب والجبن، ولا يمكن أن يعجلها الإقدام والشجاعة، ولذلك قال ابن محمدي رحمه الله:

    فلا الاحزام يجلب ما كفينا ولا الإقدام يمنع ما نلاقي

    فما كتبه الله سبحانه وتعالى لا بد أن يقع، فلذلك قال: قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ[البقرة:249]، وهؤلاء هم الذين استطاعوا الثبات؛ لأنهم أصلوا أصلاً عقدياً ينطلقون منه، فكانت عقيدتهم دافعاً لهم إلى التقدم؛ لأنهم يظنون أنهم ملاقو الله شهد لهم الله تعالى بصدق العقيدة وصلاحها، فلذلك هم الذين صبروا على المواجهة.

    ومع ذلك صرحوا بمقتضى دافعهم العقدي فقالوا: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ[البقرة:249]، ولم يعتقدوا ذلك في نفوسهم فقط بل صرحوا به ليزيد ذلك ثباتاً ويقيناً، ولهذا نحتاج نحن إلى مدارسة مثل هذا الموضوع الذي بين أيدينا وهو هموم هذه الأمة، نحتاج إلى مدارستها كما قال أولئك: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ[البقرة:249-250]، لم يتكلوا على القوة المادية وإنما رفعوا أيديهم إلى الله: قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ[البقرة:250-251]، لم يقل: هزموهم بقواهم ولا بشجاعتهم ولا بآلياتهم، وإنما قال: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ المُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ[البقرة:251]، فهذه سنة الله الماضية، ولذلك عقبها الله بقوله: وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ[البقرة:251]، إن هذه السنة تتكرر دائماً فيمتحن الله الناس؛ لأن هذا الإيمان ليس قولاً يقال ولا دعوى تدعى بل لا بد أن يصدقه العمل.

    ابتلاء الله لنبيه وصحابته في شعب أبي طالب

    إن الذين آمنوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة لقوا عناءً مبيناً إذا تذكرتموه اليوم فاضت عيونكم بالدموع، ونشأ لديكم من الإشفاق والرحمة الشيء الكثير، عندما يتذكر أحدكم حال المحبوسين في الشعب الذين حوصروا ثلاث سنوات منعوا من البيع والشراء والنكاح، لا يتصدق عليهم أحد بأية صدقة، وليس لديهم زرع ولا سقاية ولا تجارة ولا أي مورد من موارد الحياة، يقص علينا كثير منهم بعض ما عانوا.

    فيقول سعد بن أبي وقاص : خرجت ذات ليلة في الشعب لحاجتي فوقعت يدي على شيء فنفضته، فإذا هو جبة فاقتسمتها نصفين بيني وبين عتبة بن غزوان ، فأتزرت بنصفها وأتزر عتبة بن غزوان بنصفها، ويقول أيضاً: خرجت ونحن في الشعب لأقضي حاجتي فوقعت يدي على شيء فأزلت عنه التراب، فإذا هو جلد، فأتيت به فشويته فأكلته أنا وإخواني.

    ويقول عتبة بن غزوان : ( لقد رأيت هنا في الشعب مع النبي صلى الله عليه وسلم وما منا أحد إلا وهو يعصب الحجر على بطنه من الجوع، ثم والله الذي لا إله غيره لقد رأيت أولئك النفر وما منهم أحد إلا وهو والىٍ على مصر من الأمصار.

    إن الله سبحانه وتعالى قادر على أن ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم دون هذا الحصار، ولكن حكمته وسنته الماضية هي التي جعلت المشركين يحاصرون المؤمنين في الشعب حتى يتكون المؤمنون تكويناً تحتاج إليه هذه الأمة، فأولئك الرجال الذين حوصروا في الشعب لم تكن الدنيا بعد هذا تساوي عندهم أي شيء، ولهذا يقول سعد بن أبي وقاص كما في صحيح البخاري : والله إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد رأيت أن أغزوهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وما لنا زاد إلا ورق السمر وهذه الحبلة، وإن أحدنا ليضع كما تضع الشاة ما له خلط، ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، خبت إذاً وضل سعيي ).

    إن أحدكم إذا فكر في ذلك الحصار وتألم في باطنه لما لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من كيد المشركين، ينبغي أن يتذكر أيضاً أن هذا من كيد الله ورحمته بهذه الأمة، وأنه لولا هذا الحصار لما تكون أولئك الرجال الذين استطاعوا حمل لواء الإسلام إلى كل مكان. إن العهد المكي الذي دام ثلاث عشرة سنة هو الذي تكون فيه رجال هذه الأمة وتربوا فيه تربيةً كاملة، أتت هذه التربية بثلاثة عشر قرناً من عمر هذه الدولة الإسلامية، فالعهد المكي كان ثلاث عشرة سنة كل سنة جاءت بقرن كامل من عمر هذه الأمة، والأمة الآن محتاجة إلى العهد المكي من جديد، فلذلك تكالبت عليها الأمم بسنة الله سبحانه وتعالى تنقيةً وتمحيصاً، وليتخذ منكم شهداء، ثم بعد ذلك تبقى البقية الباقية منكم منصورةً لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، وهي التي يفتح الله على يديها، ولا بد أن يكون هذا التمحيص شاملاً للأمة، ولا بد أن يقع فهو السنة الماضية.

    ابتلاءات الله للنبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم

    لم تقتصر امتحانات هذه الأمة في الصدر الأول على ما لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العهد المكي، بل استمرت حتى في العهد المدني، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لهم ما سيقع في هذه الأمة من البلايا والرزايا والمحن، ولذلك في صحيح البخاري من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: ( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردته في ظل الكعبة فقلت: يا رسول الله! ألا تستنصر لنا، ألا تدعو لنا، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! فقال: إنه كان فيمن قبلكم يؤتى بالرجل فيوضع المنشار على مفرقه فيفرق به فرقتين، ثم يؤتى بأمشاط الحديد فيمشط بها ما دون عظمه من جلد ولحم، لا يصده ذلك عن دينه، ووالذي نفس محمد بيده ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون )، فلم يكن هذا ليقع في تلك الأوقات التي هي أوقات التربية والتكوين، إنها سنن الله الماضية، فلا يمكن أن يكون من هو في مستوى الابتدائية معداً لرسالة دكتوراه، ولا يمكن أن يكون من هو في مستوى المتوسط صالحاً لمستوى الجامعة وهكذا، فهذه سنة الله في التربية.

    ابتلاء النبي وأصحابه يوم أحد

    لذلك فإن المؤمنين بعد أن هاجروا إلى المدينة شهدوا أيضاً أنواعاً شتى من هذه البلايا والهموم، من أبلغها الامتحان الذي حصل يوم أحد عندما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن استكرهه الناس للخروج ولم يكن يرى ذلك، فقد كان يرى أن يقاتل المشركين من الحصون، فمن جاء منهم قتل فيرجعون على أدبارهم مهزومين دون أن يقع المسلمون في التعرض للأخطار، ولكن الشباب أهل الحماس ألزموه إلى أن يلبس لأمة الحرب وأن يستعد للجهاد، فلما دخل يغتسل ليلبس لأمته لبسها وخرج فقالوا له: ( كأننا استكرهناك يا رسول الله؟ فقال: أجل، فقالوا: نحن تائبون إلى الله فافعل ما رأيته، فقال: ما كان لنبي إذا لبس لأمة الحرب أن يخلعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه ).

    ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ونادى مناديه في الناس. في ذلك الوقت ازداد كلب المنافقين في المدينة حتى إن رجلاً منهم أعمى البصر أعمى البصيرة جعل يحثو التراب على الجيش ويقول لرسول صلى الله عليه وسلم: لو علمت أن التراب يصل إلى وجهك لصرفته إليك )، هؤلاء المنافقون إذا جاء وقت الخوف اشتدت شوكتهم على المسلمين، وإذا ذهب الخوف ذابوا كأن لم يكونوا ولم يكن لهم أي أثر.

    فلذلك تألب المنافقون وخرجت طائفة منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخذلوا من استطاعوا من الجيش، فلما فصل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيوت وخرج من ديار بني أمية بن الحارث من الخزرج أقام معسكره دون أحد، فرفع راية المهاجرين والأنصار فاجتمع تحتها سبعمائة من الذين يظنون أنهم ملاقو الله من الصادقين، ورفع عبد الله بن أبي ابن سلول راية النفاق فاجتمع تحتها مثل ذلك من المنافقين، فخرج راجعاً بنصف الجيش عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن رأى المشركين قد أقبلوا في كبريائهم وعداوتهم للإسلام.

    فتقدم إليهم والد جابر بن عبد الله ، عبد الله بن عمرو بن حرام فوقف عليهم فقال: أي قوم! لا تخذلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الموقف وقد رأيتم الصف، فقالوا: لو كنا نعلم قتالاً لاتبعناكم. فرجعوا إلى ديارهم ففضحهم الله عز وجل.

    لم يكن الامتحان هنا برجوع نصف الجيش فقط، بل كان الامتحان أشق من ذلك حين دبت الهزيمة في النفوس فانهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يثبت معه إلا عشرة رجال وامرأة واحدة، وهو واقف في وجه العدو يقول: (إليّ إليّ)، يقاتل في سبيل ربه، كان هذا الامتحان شاقاً جداً، ومع ذلك جاءت بعده المغفرة، ولهذا قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ[آل عمران:155].

    اجتماع الأحزاب على حرب النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين في المدينة

    جاء بعده امتحان آخر شاق أيضاً ألا وهو امتحان الأحزاب، عندما جاء الحمس بكل ما يملكونه من مسائل القوة، وجاءت معهم قبائل غطفان العشر، وجاءت معهم القيسية، وجاء معهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة يريدون النصر والغنيمة، وجاء معهم بنو النضير، ونقض بنو قريظة العهد، فحصل الحال الذي بينه الله تعالى في وقت الشدة بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولًا * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا[الأحزاب:9-18].

    تمايز مواقف سكان المدينة المنورة حين تألب الأحزاب لحربهم

    إن هذا الحال الذي حصل تباينت فيه مواقف الناس إلى أربعة مواقف:

    الموقف الأول: هو الموقف المشرف الذي سطره الله شهادةً في محكم تنزيله للمهاجرين والأنصار، للصادقين من هذه الأمة، للأسوة الصالحة الذين ينبغي أن يقتدي بهم خلف الأمة: وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ[الأحزاب:22-24].

    إن هذا الموقف المشرف هو الذي اقتضى من هؤلاء الإيمان والتسليم، الإيمان بالقدر النافذ والتسليم للشرع كذلك، فهم الذين جمعوا بين القدر والشرع، ففي القدر آمنوا بما قدره الله، وعرفوا أن ما كتبه الله لا بد أن يقع لا تغني منه الأسباب أي شيء، رفعت الأقلام وجفت الصحف.

    ومع ذلك فالشرع أعمل الأسباب التي يطيقونها بعلمهم أنهم مكلفون بأدائها، فلا يمكن أن يعتمدوا فقط على سابق القدر ولا أن يتكلوا على ما كتب، بل لا بد أن يعلموا الشرع وأن يجاهدوا وأن يبذلوا ما يستطيعون، فلذلك كانت نسيبة تقاتل بسيفين، ورمى طلحة بن عبيد الله يوم أحد حتى شلت يده، وكان سعد بن أبي وقاص يرمي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: (ارم فداك أبي وأمي)، وما جمع أبويه في فداء لأحد سواه.

    إن هذا الموقف المشرف العظيم الذي وقفه هؤلاء يتكرر كلما جاءت غزوة الأحزاب مرةً أخرى، كلما جاء هذا الامتحان نجد الذين يزدادون إيماناً بقدر الله، ويزدادون تسليماً لشرع الله، فهم مؤمنون بأن ذاك كتبه الله لا بد أن يقع وهم مستسلمون لحكم الله لا بد أن ينقادوا وأن يتبعوا ما أمر به الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    الموقف الثاني: موقف صرحاء المنافقين الذين كانوا ينتظرون وقتهم، فجاء هذا الوقت في وقت الاستضعاف فصرحوا بما يكنونه: وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا[الأحزاب:12]، يقولون: يعدكم محمد أنه ستفتح عليكم كنوز كسرى وقيصر، وها أنتم اليوم لا يستطيع أحد منكم أن يخرج لحاجته! بلى فتحت كنوز كسرى وقيصر، وأنفقت في سبيل الله، ونحن على ذلك من الشاهدين، وصدق الله ورسوله وكذب العادلون بالله، إن هذا الموقف الصريح يتكرر أيضاً كما سنرى.

    ثم الموقف الثالث: موقف أهل المحاداة من المنافقين ومرضى القلوب الذين يحاولون التخذيل، فهم لا يستطيعون التصريح بما يجدونه في أنفسهم من الانهزام، ولكنهم يخذلون الناس عن نصرة الله ورسوله: وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا[الأحزاب:13]، ولا فرق بين القراءتين: (لا مُقام لكم)، أي: لا استقرار لكم هنا يريدون منهم الهزيمة، و(لا مَقام لكم)، أي: لا غنى بكم، ولا فائدة من وقوفكم ومن مجيئكم، (فارجعوا)، أي: انهزموا، فهؤلاء هم المعوقون المخذلون الذين يقولون للناس: ماذا تصنعون؟ ومن تقاتلون؟ ماذا تريدون؟ إن أعدائكم لا يمكن أن يقف في وجههم أي أحد، وهؤلاء المخذلون كذلك يتكرر موقفهم كما سترون كلما جاءت غزوة الأحزاب.

    الموقف الرابع: هو موقف ضعفة العقول والتدبير من المؤمنين الذين انكفأوا على مصالحهم الخاصة، وتركوا أمر العامة وقالوا: تعالوا بنا نصلح مزارعنا وأسوار بيوتنا، وهؤلاء هم الذين سطر الله موقفهم بقوله: وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ[الأحزاب:13]، أي: ليست داخل السور، وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا[الأحزاب:13]، فقد سمى الله عز وجل الرجوع إلى المصالح الخاصة فراراً من الزحف، وتراجعاً عن نصرة الله ورسوله.

    وقد بين الله عز وجل أن هؤلاء ما تمسكوا إلا بأضعف شعرة وأقلها، ولذلك قال: وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ[الأحزاب:14]، أي: بيوتهم مِنْ أَقْطَارِهَا[الأحزاب:14]، أي: من أطرافها: ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا[الأحزاب:14]، أي: أعطوها من سألهم، وفي القراءة الأخرى: (لأتوها)، أي: لوقعوا فيها نسأل الله السلامة والعافية، والفتنة هي الردة عن الإسلام.

    فهؤلاء الذين انكفأوا على مصالحهم الخاصة لو عرفوا أنهم لم يكونوا ليأمنوا على أموالهم وبيوتهم وأهليهم إلا إذا أعلنوا الردة عن الإسلام لفعلوا، وهذا ما نشاهده أيضاً كلما تكررت غزوة الأحزاب.

    1.   

    تكرر محنة الأمة الإسلامية في غزوات مثل غزوة الأحزاب

    إننا اليوم نشاهد غزوة شديدة هي غزوة الأحزاب، وهي هم واحد من هموم هذه الأمة، لكنه الهم البارز الذي يفكر فيه كثير منكم عندما سمع هذا العنوان هموم الأمة، لا شك أن كثيراً منكم يفكر في همين:

    للناس هم ولي اليوم همان فقد الكليب وفقد الشيخ عثمانِ

    كما قال أبو هريرة رضي الله عنه. تفكرون في همين: هم في فلسطين وهم في أفغانستان، لكن الواقع أن هموم الأمة أكثر وأكبر من ذلك، وهذان الهمان لا يمكن أن نزهد فيهما ولا أن نقلل من شأنهما، لكن سأطبق عليهما ما عودنا الله في غزوة الأحزاب وسترون النتائج إن شاء الله.

    قدم فكرة تكالب الكفار والمنافقين على الإسلام والمسلمين

    أولاً: تكالب المنافقين والمشركين والأحزاب على هذه الأمة ليس أمراً جديداً، بل هو المعهود ولو لم يفعلوا لاعتبروا خائنين، ولو لم تشتد عداوة اليهود للمسلمين لكان اليهود قد خانوا مبادئهم وتراجعوا عن شأنهم، ولو لم تغز أمريكا المسلمين في عقر دارهم لكانت أمريكا قد أعلنت الإفلاس والتراجع، إذ ليس لهم أي مبدأ يمكن أن ينطلقوا منه في حياتهم إلا عداوة هذا الدين والكيد لأهله.

    إن هذا المبدأ هو الذي يخفى على كثير من الناس، فكثير من الناس إذا حصلت نكاية بأعداء الله -أياً كانت تلك النكاية- قالوا: هذا تعرض للأبرياء، فما معنى الأبرياء؟ الأبرياء كما تعلمون جميعاً هم غير المجرمين. فهل تعرفون جرماً أكبر من الشرك بالله وتكذيب رسله؟ كيف يوصف من كفر بالله وكذب رسل الله عليهم الصلاة والسلام بأنه بريء، ما أجرم أحد جرماً أعظم من هذا الجرم، فلذلك لا يمكن أن يوصف من كفر بالله وكذب رسله بأنه بريء أبداً، بالأخص إذا عرفنا أن هؤلاء الكفرة إنما ينتبهون خيرات المسلمين ويغيرون دينهم ويغيرون عليه بكل أوقاتهم، فحربهم الدائمة على هذا الدين ليست مختصة بالجانب العسكري كما يتوهمه من ليس مدركاً لأحوال الناس.

    مدى خطورة الحرب غير العسكرية على الإسلام والمسلمين

    إن الحرب في المجال العقدي وفي المجال الفكري وفي مجال الأخلاق والقيم، وفي مجال العلم، وفي المجال الاقتصادي حرب قائمة طويلة الأمد. لقد صرح أمامنا أحد صناع السياسة الأمريكية في مؤتمر إسلامي دولي في الرياض، صرح أمام الجمهور وبحضرته عدد من الوزراء والأمراء والدكاترة وأساتذة الجامعات، صرح على منبر الإسلام بأنهم ينتهبون فقط (85%) من خيرات أرضنا، ويتصدقون علينا بـ (15%)، شهد شاهد من أهلهم بذلك؛ فإن (85%) من خيرات بلادنا ينهبونها ويتصدقون علينا، ويريدون منا الشكر على (15%) من خيرات بلادنا التي آتانا الله! ثم بعد هذا لا شك أنهم يقيمون الحرب بكل ما يملكون من الوسائل على أصل اعتقادنا كالتشكيك الذي يشك فيه شباب المسلمين في بلاد الإسلام، وما يحصل عندما تأتي الأزمات من إظهار النفاق والتراجع عن دين الله وترك الالتزام به، كله من كيد هؤلاء وآثار عملهم، وغزواتهم الدائمة المستمرة التي تسعى لتنصير الناس، وتسعى كذلك لإفساد أخلاقهم، وتسعى لبث أنواع الرذيلة فيهم، كل هذه الغزوات مستمرة لا ينكرها إلا غافل أو متغافل.

    إن الحرب القائمة اليوم على الإسلام، سواءً كان ذلك في فلسطين أو في أفغانستان أو في الشيشان، أو في غير هذه الأماكن من البلاد نظيرها حرب أخرى لا يشعر بها كثير من الناس، لا ينجو منها بيت حجر ولا بيت مدر في العالم كله، تغزوكم هنا في عقر داركم، هذه الحرب فتشوا عنها تجدونها في صدوركم، فما منكم أحد إلا وقد غزي في صدره، في قناعاته؛ حتى أصبح ينكر عقله ويقتنع بأمر لا يقره العقل، إن كثيراً منكم يصدق الدعاوى التي ينشرها الإعلام الغربي، ويقتنع بها، ويراها مسلمات لا تقبل المجادلة والنقاش، ولو أردا أحدكم منكم أن يقنع أمه أو خالته بكذب ما أعلنته إذاعة لندن أو مونتكارلو؛ فإنها لا يمكن أن تصدقه، لماذا؟ لأن الغزو قد دخل إلى سويداء القلوب، فهم قد غزوكم هذا الغزو العلمي المثبت في المدارس والمنهج، وهذا الغزو الإعلامي الذي لا يخلو منه بيت.

    فنحن نشهد أن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك قد تحقق وقد رأيناه؛ فآمنا وصدقنا، ولكن علينا بعد هذا أن نستسلم لحكم الله، فليس يكفي أن نؤمن بالقدر دون أن نعمل بالشرع، فهما خطابان من أمر الله لابد من إعمالهما معاً، فإيماننا بالقدر يقتضي منا ألا نخاف إلا الله، وأن نعلم أن الموتة التي كتاب الله علينا سنموتها قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنْ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ[آل عمران:185]، أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ[النساء:78]، ونحن نعلم أن الموت إنما هو بيد ملك الموت الذي يرسله الله لقبض روح من أراد قبض روحه، وأن ذلك لا يمكن أن يتقدم ولا أن يتأخر؛ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ[الأنعام:61]، ونعلم أن أمريكا وغيرها من أعداء الله لا يملكون لأحد من أنفسهم ولا ممن سواهم حياة ولا موتاً ولا نشوراً؛ وَإِنْ يَسْلُبْهُمْ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ[الحج:73]، مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ[الحج:74]، هذا الموقف يقتضي منا أن نعمل، وأن نبادر لنصرة الله ورسوله.

    1.   

    الواجب على الأمة الإسلامية تجاه الحرب غير العسكرية

    وهنا تكثر أسئلة الشباب: ما هو العمل؟ ومن أين نبدأ؟ وما جهدنا؟ وهل من المناسب أن ينطلق شباب الأمة فيتعدى الحدود إذا لم يؤخذ على الحدود فيتجاوز إلى دولة أخرى لتضعه في سجونها، ثم إذا نجا من تلك السجون ذهب إلى سجون دولة أخرى، هل هذا هو الحل؟

    الجواب: ليس هذا حلاً، ولا هو جهادكم المطلوب منكم، ولكن عليكم أن تعلموا أنكم قد غزيتم في عقر دركم، وأن وسائل الإعلام غزو، وأن الغزو الفكري أعظم من الغزو العسكري، وأن عليكم أن تتشبثوا بالعزة التي كتب الله لكم؛ فقد كتب الله العزة لأوليائه المؤمنين؛ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ[المجادلة:21]، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[الحج:40]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ[محمد:7]؛ فلكم العزة التي كتب الله لكم: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ[المنافقون:8]، وقد كتب الله الذلة والمسكنة والصغار على أعدائكم، لكن لابد أن تراجعوا أنفسكم وأن تعلموا أن النصر الذي وعدكم الله مشروط، فحققوا هذا النصر، واعلموا أن القفز حرق المراحل، وتعدي درجات السلم ليس ممكناً؛ فلابد أن يسير الانسان بخطا وئيدة؛ فالجهاد الهجومي ذروة سنام الإيمان، وقد جاءني عدد كثير من أولاد المسلمين من جنسيات مختلفة، وقد كانوا مقصرين في الصلاة، فكلهم يقول: أنا أريد أن أجاهد في سبيل الله، فأقول: يا أخيي! أو يابنيي! إن الجهاد في الذروة وأنت في الحضيض؛ فعليك أولاً بالصلاة، فإذا أتقنتها فكر بعد ذلك في الجهاد، إن من لا يستطيع أن يصبر على السجود في الصلاة لا يستطيع أن يصبر على قصف الطائرات والصواريخ.

    1.   

    مراحل الخطة الإسلامية لنجاح مشروع الأمة ونصرة الدين

    إن مراجعة الإيمان وبناء النفوس المطمئنة، الصادقة مع الله أهم وأولى من أن نزج بأنفسنا في أفغانستان، أو في فلسطين، أو في الشيشان، أو أن نسير؛ فيحال بيننا وبين الوصول إليها؛ لذلك علينا أن نتذكر الخطة الإسلامية التي لا يمكن أن ينجح عمل هذه الأمة إلا إذا سار عليها، فهذه الخطة تمر بسبع مراحل:

    المرحلة الأولى منها: بناء الفرد المسلم، معناه: أن يكون كل فرد منا على مرضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إيماناً وتصديقاً وامتثالاً واجتناباً وتكويناً وتربية واستعداداً.

    فإذا حصل هذا لعدد كبير منا؛ حينئذ تأتي المرحلة الثانية، وهي مرحلة بناء الأسرة المسلمة في حق كل واحد منا، فكل واحد منا عليه أن يحاول بناء أسرة مسلمة، فالأحكام الشرعية كثير منها لا يختص بالفرد في خاصة نفسه، وإنما يتعلق بالتعامل في داخل الأسرة، ولا بد من تطبيقها، فهو مرحلة سابقة لمرحلة الجهاد.

    فإذا قام عدد من الأسر المسلمة التي تحقق رضا الله ورسوله؛ تأتي المرحلة الثالثة وهي: إقامة المجتمع المسلم، الذي يحقق حقوق الجوار، وحقوق المسلم على المسلم، وحق التآخي، والصدق، والإخلاص، وعدم الغش، ويحقق القيم الإسلامية المجتمعية كلها.

    ثم بعد ذلك تأتي المراحل الرابعة، وهي: بناء الجماعة المسلمة، التي تسهر على مصالح المسلمين، وتقدمها على مصالحها الخاصة، وتضحي في سبيلها بالنفيس والغالي، وتتقدم لاستقبال الرصاص، فتحل أزرار القميص وتقول: وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى[طه:84].

    ثم بعد هذا تأتي المرحلة الخامسة، وهي: بناء الدولة المسلمة، التي تقيم شرع الله على عباد الله في أية رقعة من رقاع هذه الأرض الواسعة الشاسعة، وتقيم الحكم على وفق ما أقامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون.

    فإذا تحقق ذلك جاءت المرحلة السادسة، وهي: إقامة الخلافة الإسلامية التي تجمع الدول الإسلامية كلها، وتكون رمز وحدتهم وهي التي تستطيع إعلان الجهاد على أعداء الله.

    ثم تأتي المرحلة السابعة، وهي: إعلان الجهاد على من حاد الله ورسوله، هي أستاذية العالم، وإنما يعلن الجهاد حينئذ من استطاع أن تكون له دولة يعلن منها الجهاد، وله جيش؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعلن الجهاد على المشركين في العهد المكي وإنما أعلنه في العهد المدني، بعد أن قامة له دولة، فجهاد المسلمين أولاً بإقامة جيش من المسلمين تتحقق فيهم صفات التمكين؛ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ[الحج:41].

    فالمراحل تمر بإعداد الفرد المسلم ثم بعد ذلك بناء الأسر على وفق مرضاة الله ورسوله، ثم بعد ذلك إقامة المجتمع المسلم الصالح الذي يطبق ما أمر الله به، وهو مدرسة الجهاد، ثم بعد ذلك إقامة الجماعة المسلمة الراشدة التي تنوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعلاء كلمة الله، وإقامة دولة الإسلام، ثم بعد ذلك إقامة دولة الإسلام، ثم بعدها إقامة الخلافة، ثم إعلان الجهاد على أعداء الله.

    إن هذه المراحل لا بد أن تخضع لتخطيط إستراتيجي منهجي، يقوم على أساس الوسائل والأهداف الوسيطة التي لا يمكن أن يقوم بها إلا أهل الحل والعقد من المسلمين، وهم الذين يجمعون ثلاث صفات، هي: العلم، والعدالة، وجزالة الرأي، وقد قال مالك رحمه الله: (لا أراها اليوم تجتمع في واحد، فإن لم تجتمع، فورع عاقل، فبالعقل يسأل وبالورع يكف) وفي رواية: (يعف).

    ثم إن هذا الجهاد المطلوب لا يدخل فيه جهاد المحتلين لبلاد الإسلام؛ فالفلسطينيون يجب عليهم أن يجاهدوا حتى قبل إقامة الأسر وقبل إقامة الدولة الإسلامية، والأفغان كذلك ما دامت أمريكا تحتل بلادهم يجب عليهم الجهاد ويجب على المسلمين نصرتهم ومساعدتهم جميعاً، ويجب عليكم جميعاً أن تشاركوا في ذلك، وهكذا كل بلد من بلاد الإسلام احتله أعداء الإسلام وغزوه؛ فيجب على أهله مباشرة أن يجاهدوا وأن يقاتلوا، ويجب على المسلمين أن ينصروهم وأن يؤازرهم بكل ما يستطيعون من أنواع النصرة، وإذا لم يفعلوا فهم الآثمون، والله غني عنهم وعن نصرتهم، وسينصر الله أولياءه، وسيحق الحق بعز عزيز أو بذل ذليل، والعاقبة للمتقين، ولا بد أن يقيم الله سبحانه وتعالى علم الجهاد، ولا بد أن ينصر الله سبحانه وتعالى هذا الدين، ولا بد أن يقمع الكفرة والملحدين، وسيكون ذلك قريباً إن شاء الله سبحانه وتعالى.

    والله ولي التوفيق.

    والله أكبر ولله الحمد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    1.   

    الأسئلة

    دعاء القنوت عند النوازل وبيان بعض أحكامه

    السؤال: ما حكم قنوت النوازل؟ وما وقته؟ وهل يجوز تعميمه بدعاء المسلمين فلم يقتصر فيه على الدعاء لقوم ولا على قوم؟ وهل له أدعية مخصوصة؟

    الجواب: الدعاء جند لا يرد، وهو من أعظم جيوش المسلمين، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يرد القدر إلا الدعاء، وأنه يصطرع في السماء مع البلاء، وبين صلى الله عليه وسلم كذلك أن هذا الدعاء هو العبادة لله سبحانه وتعالى، ومن أهمه: القنوت في الصلاة؛ أي: الدعاء فيها؛ فإنه مما يرفع به الله البلاء، وهو تذكير للأمة كذلك بهمومها ومشاركة في الجهاد فيها، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في النوازل؛ فقد قنت باستنجاء المستضعفين من المؤمنين بمكة، وقنت كذلك في الدعاء على رعل وذكوان وعصية، وقنت كذلك بالدعاء على عامر بن الطفيل ومن معه؛ فكل ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم.

    ووقت هذا القنوت هو في آخر ركعة من أية صلاة، سواءً أن كانت سرية أو جهرية، والأفضل في ذلك صلاة الفجر، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت فيها، وقد كان خلفاؤه يقنتون، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يمد يديه في قنوت الفجر، وهذا الذي ورد رفع الصوت به هو القنوت في صلاة الفجر.

    ويجوز تعميمه بالدعاء للمسلمين؛ لأنه دعاء -كما ذكرنا- لكنه يقع في النوازل بالدعاء للمسلمين في تفريج كرب معين أو أزمة معينة، ولا حرج في تسمية أشخاص أو تسمية أهل بلد أو نحو ذلك؛ فذلك من الهدي النبوي الوارد فيه.

    وليس له أدعية مخصوصة، بل قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( اللهم أنج المستضعفين من المسلمين، اللهم أنج سلمة بن هشام و عياش بن أبي ربيعة ) ويسمي أقواماً بمكة؛ فلا حرج في ذلك، وكان يدعو على قبائل من العرب فيقول: ( عصية عصت الله )، ويقول: ( اللهم العن رعل وذكوان وعصية )، فلا حرج في مثل ذلك كله.

    ويجوز الجهر به في أي وقت، لكن الأفضل الإسرار به إلا في صلاة الفجر، مثل غيره من الأدعية.

    اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3048310839

    عدد مرات الحفظ

    738663325