إسلام ويب

وظيفة هذه الأمة العلم والتعليمللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمة محمد عليه الصلاة والسلام -كما لا يخفى- هي أمة (اقرأ)، وتعتبر أول كلمة وصلت سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم من السماء، فالعلم والتعليم وظيفتها، وما أجمل الاهتمام بعلم الدين والدنيا مجتمعين، وما أحسن أيضاً أن يهتم بتعليم الأبناء والبنات ما ينفعهم حتى يسعدوا أنفسهم؛ ويسعدوا بعد ذلك غيرهم.

    1.   

    مشاكل التعليم المعاصر

    مشكلتنا أيها الإخوة: انعدام الاطلاع والمعرفة لدى الآباء والأمهات, وصارت الدراسة وظيفية روتينية, يذهب الطفل إلى المدرسة أشهراً من السنة ليحصل في الأخير على شهادة انتقال من الصف إلى الصف الذي يليه، لكن إذا بحثت عما حصل لا تجد شيئاً، مشكلتنا في المدرس، ومشكلتنا في الطالب، ومشكلتنا في الأب والأم، وصدق الأديب الشاعر حين قال وهو يخاطب مهنة التعليم:

    يا خيرة الأقوال وضعوك بالأغلال

    ليس المدرس مخلصاً والطفل غير مبال

    فذا لنيل شهادة وذا لنيل المال

    أصبحت الدراسة في حياتنا وسيلة من أجل الحصول على الوظيفة، بل وسيلة من أجل الحصول على القرطاس الذي به نتوظف، ليس وراء تلك المهمة مهمة، وهذا الذي أدى بنا إلى ما نحن فيه.

    نحن بحاجة أيها الإخوة أن نعيد إلى أذهاننا وأذهان أبنائنا أهمية العلم والتعلم، وأننا لن نسود, بل لن نجد مكاننا بين الأمم إلا إذا تعلمنا، فأمم الأرض اليوم لا تحترم إلا المتعلمين.

    نحن بحاجة إلى أن نربي أنفسنا وأبناءنا على الجد والاجتهاد والمصابرة من أجل تحصيل شيء من العلوم, وهذا لن يكون إلا إذا بذلنا في سبيل ذلك ما نحن محتاجون إلى بذله.

    يتكلم المؤلف عن مظاهر فشت في المجتمع العربي وعلاجها, يقول: حرمان الطفل من أسرة تحفزه على القراءة يعد من أكبر العوامل في إعراض الأطفال عن القراءة, وفي استطلاع أجرته الرابطة الأمريكية لمجالس الآباء تبين أن (82%) من الأطفال الذين لا يحبون القراءة لم يحظوا بتشجيع آبائهم وأمهاتهم, كيف سيقرأ الطفل وكيف سيتعلم الطفل إذا لم يغرس فيه مكانة العلم وأهمية العلم وحب التعلم؟ وهناك مشكلة أخرى ونحن بأمس الحاجة إليها, أن نغرس في أذهان أبنائنا وبناتنا احترام العلم وحملة العلم، احترام المعلم وتبجيله؛ ليعرف قدر المعلومة التي يتلقاها, ولا يحظى الإنسان بشيء من العلم إذا لم يعرف للمعلم قدره، وقديماً قال الأول وهو يوصي الإنسان بإكرام المعلم لينال شيئاً مما عنده:

    إن المعلم والطبيب كلاهما لا ينصحان إذا هما لم يكرما

    فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه واصبر لجهلك إن جفوت معلما

    حينما لا تحترم الأمة المعلم فإن المعلم لن ينتج شيئاً على أرضها، حينما لا يُحترم المعلم فإن الطفل لن يستفيد منه شيئاً، ولا عجب إذا جاءت النصوص آمرة بتوقير العالم: ( ليس منا من لم يوقر كبيرنا, ويرحم صغيرنا, ويعرف لعالمنا حقه )، فنحن بحاجه إلى أن نربي أبناءنا على احترام العلم واحترام المعلم حتى ينشأ على حب هذا العلم فيأخذ حظه منه, إذا قرأنا تاريخ أمتنا حين سادت, وحين شرفت, نجد أن من أعظم مقوماتها احترامها للعلم والعلماء، فقد كان الواحد منهم يقف متأدباً بين يدي معلمه أدباً أشد من أدبه حين وقوفه بين يدي أبيه وأمه.

    يقول الإمام الشافعي رحمه الله وهو يتحدث عن تقليبه لأوراق الكتاب بين يدي الإمام مالك : إني أتصفحه تصفحاً رفيقاً خشية أن يسمع ذلك مالك رحمه الله.

    ويقول شعبة بن الحجاج: لا يزال الرجل يسمعني حديثاً، فأظل له عبداً ما حييت، أي: يَسترقُّني وأكون في أسره؛ لأنه علمني حديثاً واحداً، فكيف إذا علمه ما هو أكثر من ذلك.

    الأمة بحاجة إلى أن تعيد وظيفة المعلم إلى المكانة اللائقة به حتى تستفيد منه الأجيال، والمعلم أيضاً بحاجة إلى أن ينصب نفسه قدوة صالحة أمام المتعلمين، فإن المتعلم لا يستفيد من شيء كما يستفيد من أدب معلمه.

    وقد كانت النساء أمهات الأطفال النجباء الذين برزوا لما كبروا وراء بروزهم، فقد كانت وراءهم أسر تحثهم على أن يقتدوا بالمعلم في أخلاقه وسلوكه، فأم الإمام مالك وهو طفل صغير جهزته بثيابه وأعدته لترسله إلى حلقة العلم, وقالت له: ائت حلقة ربيعة , يعني: ربيعة بن أبي عبد الرحمن , شيخه, ائت حلقة ربيعة ، فخذ من أدبه قبل أن تأخذ من علمه, وقديماً قال ابن المبارك رحمه الله ورضي عنه: نحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم، فالعلم وحده لن يؤتي الثمار إذا لم يمزج ويصاحبه الأدب, فنحن إلى قليل من الأدب أحوج منا إلى كثير من العلم.

    إن معاني التربية على الفضيلة، والتربية على المعرفة والقراءة، والتربية على السلوك الحسن, مهمة تشترك فيها مؤسسات عديدة, ليست المدرسة وحدها هي المسئولة عن ذلك وإن كانت تبوء بقسط عظيم منه, نحن بحاجة إلى أن نحيي في أنفسنا الشعور بالمسئولية عن هذه المهمة ليشارك كل واحد منا بقدره وحصته.

    نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه, ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    مسئولية الاهتمام بتعليم الأولاد

    الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولي الصالحين, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    إخوتي في الله! مما يشجعنا على القيام بهذه المهمة وهذه المسئولية أن نستشعر عظم نعمة الله علينا بالولد، فالولد من أعظم نعم الله على الإنسان في هذه الدنيا, فإنه امتداد لك بعد موتك, وقد جاء في الحديث: ( أن الرجل يتبعه يوم القيامة حسنات أمثال الجبال, فيلتفت إليها، ويقول: أنى لي هذا؟ -من أين لي هذا؟- فيقال له: باستغفار ولدك لك )، فالولد نعمة عظيمة تستفيد منه في دنياك وفي أخراك, والقرآن قص علينا أخبار الأنبياء وهم يجأرون إلى الله تعالى يطلبونه الولد: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ [الصافات:100] دعا زكريا ربه أن يرزقه ولداً صالحاً, ودعا إبراهيم ربه أن يرزقه ولداً صالحاً, ومنَّ الله عز وجل علينا في سورة النعم -سورة النحل- بنعمة الولد، فقال: جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ [النحل:72], فنعمة الولد من أعظم نعم الله عز وجل عليك، فينبغي أن تكون عاقلاً حصيفاً حريصاً على شكر هذه النعمة واستغلالها الاستغلال الأمثل، وينبغي أن تستثمر جهدك ووقتك ومالك في هذا الولد, فتثمر فيه جهودك, فتنتفع به حياً وميتاً، ولن ينتفع الولد بشيء كانتفاعه بالتأديب والتعليم الحسن؛ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: ( ما نحل والد ولداً أفضل من خلق حسن ), فأفضل ما تعطيه لولدك أن تعلمه, وأن تربيه, وأن تؤدبه، أما ما وراء ذلك من أمور دنياه فسيتولاها الله, فقد خلقه, وكتب رزقه, وغنياً أو فقيراً، وشقياً أو سعيداً، وهو في بطن أمه, وإنما أوكلت إليك مهمة التربية والتعليم؛ كما قال سبحانه في كتابه الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6], قال ابن عباس ترجمان القرآن: أدبوهم وعلموهم, فهذا معنى وقايتهم النار, أدِّبه وعلِّمه, وبذلك تنفعه وتنفع نفسك.

    كم هو التفريط من بعض الآباء والأمهات حين يوقظ الأبناء والبنات للذهاب للمدرسة مع أنهم لم يصلوا الفجر في ذلك اليوم؟ ونشأ أبناؤنا على تعظيم ما ينبغي أن يؤخر, والاستهانة والتأخير لما ينبغي أن يقدم ويعظم، نحن بحاجة إلى أن نعيد ترتيب الأولويات في أذهان أبنائنا وبناتنا، وفي مقدمتها التعليم والتربية، ونحن إلى التربية أحوج، وها نحن نرى البشرية كيف تعيش حين تتخلف التربية عن التعليم, وكيف يتحول التعليم إلى أسلوب تعذيب وباب جحيم يفتح على البشرية، وصدق الله حين وجه نبيه موسى لما أراد أن يعلمه قال: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى [طه:12-13], قال العلماء: أدبه ثم علمه, ونحن بحاجة إلى أن نتبع هذا الأسلوب؛ الاعتناء بالتربية مع التعليم، والاعتناء بإقامة الدين مع الدنيا، والاعتناء بالتثقيف بالإسلام مع التثقيف بأمور الدنيا, وإلا شابهنا الكفار في أخلاقهم وسلوكهم, الذين يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7].

    ومن الأخطاء عند كثير من الناس اختيار المدرسة لمعايير دنيوية صرفة، إما لاعتنائها باللغة, وإما لاعتنائها ببعض البرامج التعليمية, أو غير ذلك, غافلين عن حصة الولد وحظه وحقه من التربية الإيمانية, والتربية الدينية، فينشأ طفلاً بعيداً عن الله, غافلاً عن الآخرة, حظي بطرف بسيط من علوم الدنيا لكنه غافل عما هو أهم وأغلى من ذلك وهو التبصير بطريق الآخرة.

    فنحن بحاجة أيها الأحباب إلى أن نعيد إلى أنفسنا استشعار قيمة هذه المسئولية, وأن نقرأ, وأن نثقف أنفسنا حول الوسائل التي تعيننا على تربية أبنائنا وتعليمهم, وفي هذا الكتاب الصغير الحجم، الكبير القدر، الكثير من التجارب والقصص التي تثقف الأب والأم وتعينه إذا أراد فعلاً أن يصنع طفلاً متعلماً أو ابنة متعلمة، عنوان الكتاب: طفل يقرأ، نحن بحاجة أن نصنع أطفالاً يقرءون، بحاجة أن نعلم أبناءنا وبناتنا وسنرى عاقبة ذلك خيراً في دنيانا وأخرانا.

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يصلح لنا ذرياتنا, اللهم يا حي يا قيوم! يا ذا لجلال والإكرام! يا أرحم الراحمين! هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا [الفرقان:74], رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات, والمسلمين والمسلمات, الأحياء منهم والأموات, إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه, وافتح للموعظة قلبه وأذنيه, أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201].

    اللهم انصر الإسلام والمسلمين, وأعز الإسلام والمسلمين.

    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    1.   

    أمة اقرأ

    النبي صلى الله عليه وسلم المعلم القدوة

    الحمد لله رب العالمين, نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله, وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم, وشر الأمور محدثاتها, وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة.

    إخوتي في الله! روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه قول الله جل شأنه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:28-29] ), وفيها أمر له صلى الله عليه وسلم بتخيير نسائه بين البقاء معه على ما هن فيه من العيش وبين التسريح بإحسان إذا كن يردن الحياة الدنيا فيطلبنها عند غير النبي صلى الله عليه وسلم, ( لما نزلت هذه الآيات بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة , فهي أحب نسائه إليه, وقال لها: إني أريد أن أعرض عليك أمراً فلا تعجلي حتى تستشيري أبويك, قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلى عليها الآيات, فقالت رضي الله تعالى عنها وأرضاها: أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ والله إني أختار الله ورسوله والدار الآخرة ), ولكن طلبت منه رضي الله تعالى عنها طلباً، فقالت: ( ولا تخبر أحداً من نسائك بالذي قلت )، تطمع رضي الله تعالى عنها في أن تختار باقي النساء مفارقة رسول الله لتخلو هي برسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: ( لا تسألني واحدة منهنّ إلا أخبرتها بالذي قالت )، فلم يلب لها رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الطلب، ثم بين عليه الصلاة والسلام السبب الباعث له على ذلك، فقال: ( إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً, ولكن بعثني معلماً ميسراً )، فهذا ما بعث به صلى الله عليه وسلم؛ التعليم والتيسير.

    العلم وظيفة هذه الأمة

    فهذه الأمة هي أمة العلم والتعليم, ولما قامت بهذه المهمة كانت هي قائدة هذه الأمم على الأرض، وكانت المعلمة الرائدة المزكية لأخلاق الناس.

    ‏أيها الأحباب العلم والتعليم وظيفة هذه الأمة, وبها تسود, وإذا تنكرت لها عاشت في قافلة الأمم وفي ذيلها، يقول عليه الصلاة والسلام وهو يتحدث عن العلم وتعليم الناس الخير: ( إن الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى الحيتان في البحر ليصلون على معلم الناس الخير )، فهو المعلم صلى الله عليه وسلم, وهو الداعي أيضاً إلى تعليم الناس الخير، وأهل السماء وأهل الأرض جميعاً يصلون ويدعون للمعلم، ولم يترك النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته شيئاً إنما ترك العلم، كما قال: ( وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً, وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر ), فالعلم شرف الأمم, ونحن في زمن فاقت فيه بعض الأمم بسبب ما عندها من العلوم، ولكنها العلوم المنقوصة، علوم الدنيا في معزل وغيبة عن علوم الآخرة، وتلك هي عادة الكفار؛ كما قال الله عز وجل عنهم: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ [الروم:7], سبقونا لما حازوا السبق في بعض علوم الدنيا, وأفلسوا من علوم هي موجودة لدينا، فجدير بهذه الأمة أن تسعى لتتعلم فتجمع بين علم الدنيا وعلم الآخرة، فتسعد البشرية بعلومها.

    كم سعدت الإنسانية حين تعلمت أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكم نرى اليوم من شقاء البشرية لما تأخرت وجهلت أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

    استشعار المسئولية في العلم والتعليم

    العلم والتعليم مهمتنا -أيها الإخوة الكرام- ونحن نستقبل عاماً دراسياً جديداً، فبعد يومين نبعث بفلذات أكبادنا إلى المدارس، فجدير بنا أن نعطي لهذه المهمة حقها من الاعتناء والرعاية والاهتمام.

    نحن بحاجة أن نستشعر مسئوليتنا في تعليم أبنائنا، فالتعليم بمعناه الشامل مسئوليتنا في تثقيف أبنائنا وتربيتهم التربية الصحيحة، سواء كنا أولياء للأمور أو معلمين ومعلمات في المدارس، أو موجهين وموجهات في وسائل التوجيه المختلفة, مهمتنا إزاء هذه الوظيفة الكبيرة مهمة التعليم, أن يستشعر كل واحد منا حاجته إلى بناء الإنسان المسلم الذي يقرأ ويتعلم، والخطاب أولاً موجه إلى الأب والأم في البيت, كيف يصنع ولداً وبنتاً يحب القراءة، يقرأ ويتعلم، تلك مهمة جسيمة, الأب بحاجة إلى أن يتثقف فيها, والتربويون أطالوا الكلام وأكثروا التآليف حول مهمة الأسرة في تربية الولد والبنت على القراءة, وعلى حب التعليم والتعلم، ولكن المشكلة في غيبة الآباء والأمهات عن هذه الوظيفة, يستغرب بعض الناس كيف تجهل أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهي الأمة التي افتتحت نبوة نبيها صلى الله عليه وسلم بالأمر بالقراءة، فكان أول ما نُبئ عليه الصلاة والسلام وأول ما أنزل عليه من القرآن الأمر بأن يقرأ: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [العلق:1-4]، العلم والتعليم، يأمره بالقراءة مرتين, ويشير إلى مهمة القلم ووظيفة القلم, وهذه الأمة اليوم هي آخر أمم الأرض تعلماً وتعليماً، فما السبب؟ إنه تفريط الآباء والأمهات في العلم والقراءة، هذا الكتاب الجميل لأحد التربويين المشهورين في زماننا يبحث فيه مبحثاً لطيفاً؛ كيف نربي الطفل على القراءة؟ ويضع هذا الإشكال بين أيدي القارئين, لماذا؟

    يقول: لدينا سؤال كبير يتردد على كثيرٍ من الشفاه, لماذا لا يقرأ الطفل العربي ولا يحتفل بالكتاب كما يفعل الطفل الأمريكي أو الأوروبي أو الياباني, مع أن أول كلمة في أول آية في أول سورة نزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم هي كلمة اقرأ؟

    يقول: الجواب يكمن في أن هذه الأمة شهدت مدة من الانقطاع الحضاري, استمرت ثمانية قرون على الأقل, في هذه المدة نسينا ما أسسه الإسلام لدى الأجيال الأولى من حب للمعرفة وتقدير للعلم وأهله, ولا ينفعنا القول: إننا أمة اقرأ؛ لأن الأطفال يقرءون في البلاد المتقدمة ليس لأنهم يعرفون فضل العلم, ولا لأنهم يعرفون دور العلم في الحياة؛ ولكن لأن الكبار يقرءون، وحين يقرأ الكبار والصغار فهذا يعني أن ممارسة القراءة صارت جزءاً من ثقافة المجتمع, وهذا هو الذي نبحث عنه؛ أن تتحول المعرفة إلى عادة يومية, يمارسها الناس كما يمارسون الطعام والشراب والرياضة والذهاب إلى أعمالهم، معظم الناس لدينا لا يعرفون أن عليهم أن ينفقوا على تعليم أولادهم وتثقيفهم بمستوى إنفاقهم على إطعامهم وكسائهم وترفيههم بالألعاب المختلفة, وهناك أسر كثيرة تعتقد أن تثقيف الأولاد هو من مسئولية المدارس، وبعضها أسلم صغاره لقنوات الأطفال، الغث منها والسمين، وبعضها وضع أكواماً من الألعاب بين يدي الصغار من أجل إشغالهم عنهم، ولكن كل هذا لن يصنع الطالب المتعلم.

    ثم قص قصة لأحد الشباب الذين يدرسون في الولايات المتحدة, زاره أقاربه من العرب فأراد أن يريهم منظراً يتكرر في الغرب ولا يعرفه العرب في بلدانهم، قال: زارني بعض الأصدقاء العرب وكنت أحرص على أن أذهب بهم إلى مكتبة قريبة من بيتي، وأقول لهم: سأريكم شيئاً لا ترونه في بلادنا, وكانوا يبدون دهشتهم حين يرون الناس وقد انتظموا في صفوف طويلة كي يدفعوا أثمان الكتب التي اشتروها، إن مساحة الطابق الأرضي لم تكن كافية لاصطفاف الناس, فكانوا يصطفون على سلم الدور الثاني, ومن الممكن أن يظل الشخص واقفاً عشرين دقيقة حتى يتمكن من دفع ثمن الكتاب الذي يحمله, أو ما يحمله من مجلات ومواد تعليمية أخرى.

    الناس لدينا معشر العرب يقفون في صف طويل من أجل دفع ثمن ما يأكلون أو يشربون أو يلبسون, ولا ينفقون على تثقيف عقولهم وعقول أبنائهم شيئاً يذكر، وحين تقول للناس: خصصوا من مصروفكم الشهري (5%) لشراء الكتب يستكثرون ذلك؛ لأن معظمهم لا ينفق أي شيء.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245771

    عدد مرات الحفظ

    723993444