إسلام ويب

فضل التوحيد وحقيقتهللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التوحيد هو الغاية العظمى التي من أجلها خلق الخلق، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب؛ لذلك كان له الفضل والمزية العظمى في الدنيا والآخرة، والتوحيد ليس شعارات وأقوالاً دون أعمال، فينبغي علينا أن نتعلم مهمات التوحيد.

    1.   

    فضائل التوحيد ومنزلته

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    فضل كلمة التوحيد

    إخوتي في الله! روى الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده -وغيره من أهل دواوين السنة- عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله عز وجل يستخلص يوم القيامة على رءوس الناس رجلاً من أمتي، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل مد البصر، فيقول الله عز وجل له: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمتك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا يا رب، فيقول الله له: ألك عذر أو حسنة؟ قال عليه الصلاة والسلام: فيبهت الرجل، فيقول: لا يا رب )؛ لشدة الموقف ولهول ما رأى من الأعمال السيئة، كل سجل مد البصر، فيسأل هذا السؤال: ( ألك عذر أو حسنة؟ ) فيقول تحت تأثير هذا الوقع؟ ( لا يا رب! فيقول الله عز وجل له: إن لك عندنا حسنة واحدة، لا ظلم عليك اليوم )، ثم قال عليه الصلاة والسلام: ( فتخرج له بطاقة مكتوب فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول الله عز وجل: أحضروه، فيحضر، ويرى كفتي الميزان في الكفة الأولى تسعة وتسعون سجلاً، كل سجل مد البصر قد دونت فيها أنواع المعاصي والسيئات، وفي الكفة الثانية هذه البطاقة، فيقول هو بنفسه: يا رب! وما تفعل هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟ فيقول الله عز وجل له: لا ظلم عليك اليوم، ثم توضع السجلات والبطاقة، قال عليه الصلاة والسلام: فتطيش السجلات وتثقل البطاقة )، لا إله إلا الله هذه الحسنة الثقيلة، الحسنة العظيمة، حسنة التوحيد، حسنة الشهادة لله عز وجل بالوحدانية، والإيمان بأصول الإيمان الستة التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام. أيها المؤمنون! جاء في مستدرك الحاكم وصحيح ابن حبان وغيرهما ( أن موسى عليه السلام قال: يا رب! علمني شيئاً أذكرك به، وأدعوك به )، أي: علمني ذكراً، وخصني به من بين الناس لعلو مرتبتي عندك، ولقربي منك، ( فقال الله سبحانه: يا موسى! قل: لا إله إلا الله، فقال: يا رب! كل الناس يقولون ذلك )، أي: الناس كلهم يذكرونك بهذا الذكر، وأنا أريدك أن تخصني بذكر عمن سواي، فقال سبحانه وتعالى: ( يا موسى! لو أن السموات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع وضعن في كفة، ووضعت لا إله إلا الله في كفة، لمالت بهن لا إله إلا الله )، أيها المؤمنون هذه هي الحسنة الثقيلة التي عليها نعول، وبها نرجو الله، وعليها مدار النجاة والسلامة، من فقدها خاب وخسر، ولو بلغت حسناته وممادحه ومحاسنه عنان السماء، لو خسرها فإن عمله هباءً منثوراً، كما قال الله في كتابه: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].

    عائشة رضي الله تعالى عنها تذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أحد أقاربها من أهل الجاهلية وهو ابن جدعان، وكان رجلاً كريماً جواداً، سخر أمواله كلها في خدمة حجاج بيت الله، رجل شجاع، جواد كريم، يغيث الملهوف، ويعين صاحب الحاجة، مات على الكفر والإشراك قبل البعثة، فـعائشة تذكر للنبي صلى الله عليه وسلم الخصال الحميدة التي كانوا يذكرون بها ابن جدعان وما مات عليه، فقالت له: ( يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين )، لم يكن ممن يؤمن بالله واليوم الآخر، الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالرسل جميعاً، والإيمان بالكتب جميعاً، والإيمان بالملائكة، والإيمان بقدر الله، أصول الإيمان الستة من لقي الله تعالى مؤمناً بها فإنه إلى خير لا محالة، كما في مستدرك الحاكم، قال عليه الصلاة والسلام: ( من قال: لا إله إلا الله نفعته يوماً من الدهر، أصابه قبل ذلك ما أصابه )، وإن قدر على الإنسان أن يدخل النار بسبب ذنوبه وسيئاته، فإنه بإيمانه الإيمان الذي جاء به محمد بن عبد الله، بإيمانه بهذا الإيمان، سيخرج يوماً من النار لا محالة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال ذرة من خير ). أيها المؤمنون الإيمان بالله، التوحيد الخالص لله أهم ما نسعى لاكتسابه في هذه الدنيا، ولتصحيحه، ولتكميله، ولملاقاة الله سبحانه وتعالى عليه: ( يا ابن آدم! لو لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم جئتني لا تشرك بي شيئاً غفرت لك ما كان منك ولا أبالي )، (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقي الله يشرك به شيئاً دخل النار)، أعظم ما يتمناه المؤمنون العارفون أن يموت الواحد منهم وأن يخرج من هذه الدار على هذه العقيدة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة )، و( من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة )، هذه العقيدة الصحيحة الصافية الساطعة، التي تجيب عن كل الإشكالات في صدر الإنسان في هذه الحياة، معرفة الله، معرفة رسله، معرفة كتبه، معرفة شرعه، والخروج من هذه الدنيا بهذا المعتقد أغلى ما يظفر به الإنسان في هذا الوجود.

    1.   

    أعمال الحج وأثر التوحيد في ذلك

    أيها المؤمنون كنا قد تحدثنا عن فريضة الحج، الحج فرضه وفضله، والحج تاريخه، عرفنا من خلال الحديث الطويل الذي سردناه بأن الحج فريضة ضاربة في عمق التاريخ، الأنبياء جميعاً حجوا بيت الله، والأنبياء جميعاً رددوا هذه الكلمة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كلهم يقول: ( لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك )، كلهم جاءوا من أجل هذه الكلمة، لبيك لا شريك لك لبيك، بها أرسلوا، ومن أجلها أنزلت عليهم الكتب، وشرعت لهم الشرائع، وكلهم جاءوا لتحقيق هذا المقصود على هذه الأرض، كلهم بعثوا من أجل أن يقول الناس: لا إله إلا الله، اقرأ القرآن بتدبر تجد أن الله عز وجل يحكي لك قصص أنبيائه، ويبين لك لماذا جاءوا: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[الأعراف:65]، وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[الأعراف:73]، وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ[هود:25] إلى أن قال: أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود:26]، وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ[الأعراف:85]، وهكذا، حتى قال الله عز وجل في تلك الآية العامة: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:25]، كل الرسل جاءوا بهذه الوظيفة الشريفة: أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[النحل:36]، كل الرسل جاءوا من أجل تحقيق هذه القضية: أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ[النحل:36]، كلهم يدعون إلى هذا المقصد، ولذلك كان الحج فريضة من هذه الفرائض التي تذكر الإنسان المؤمن بقدم هذه السلسلة، وأنه يسير وفق خطة طويلة سلكها قبله أنبياء الله عز وجل على اختلاف الأزمان، واختلاف البيئات والأماكن، دين الله عز وجل الذي أنزله إلى الناس واحد، ليس له ثانٍ، دين الله الذي فرضه على البشرية من عهد آدم عليه السلام، حتى يرث الله الأرض ومن عليها دين واحد، وهو دين التوحيد، دين الاستسلام لله عز وجل وحده، دين العبودية لله عز وجل وحده، الرسل جميعاً جاءت متفقة حول هذا المعنى، إنما تختلف في الأحكام، تختلف في الحلال والحرام، بحسب اختلاف البيئات، والأزمان، ومصالح البشر، فيوماً يحرم الله عز وجل عليهم شيئاً؛ لأن في تحريمه المصلحة، ويوماً آخر يحله لهم؛ لأن في تحليله المصلحة، وعلى هذا جاءت الرسل، جاء الرسول لينسخ بعض الأحكام السابقة التي جاء بها الرسول السابق في الحلال والحرام، أما التوحيد، أما إخلاص الوجهة لله، فهذا مما اتفقت عليه الأنبياء جميعاً، فمن كفر بواحدٍ منهم ففد كفر بدينهم جميعاً قال تعالى: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، كذبوا المرسلين جميعاً، وهو لم يرسل إليهم إلا نوح كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:123]، كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:160]، كلهم كانوا مكذبين للمرسلين جميعاً؛ لأن التكذيب بالواحد الذي يدعو إلى الدين ذاته، يدعو إلى العقائد ذاتها، يدعو إلى المقصود ذاته، التكذيب بالواحد من هؤلاء تكذيب لهم جميعاً، فكل واحدٍ منهم يأتي يصدق الذي قبله، ويبشر بالذي بعده: وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ [الصف:6]، أي: مصدق ما جاء به موسى من قبلي: وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف:6]، هكذا كانت السلسلة، كل واحدٍ يأتي يكمل من سبقه، ويبشر بالذي يأتي من بعده، فإذا كذب واحد من الناس بواحدٍ من هؤلاء فهو كافر بهم أجمعين. اليهود اليوم كفارٌ بـموسى، والنصارى اليوم كفار بـعيسى؛ لأنهم لم يؤمنوا بمحمد الذي بشر به موسى، وبشر به عيسى، كفار بأديان الله كلها، فريضة الحج تأتي في هذا السياق تذكر الناس بأن دين المؤمنين واحد، وأن جميعهم وجهتهم واحدة، وهو إقامة الدين لله خالصاً، كلهم يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، والأنبياء جميعاً لبوا بكلمة التوحيد، جابر رضي الله تعالى عنه يصف لنا كيف حج النبي صلى الله عليه وسلم في حديث طويل رواه مسلم في صحيحه، لكنه بدأ وصف أفعاله عليه الصلاة والسلام بقوله: ( فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد )، فسر هذه الكلمة العظيمة: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، فسرها بالتوحيد، قال: ( فأهل رسول الله بالتوحيد )، يعني: رفع صوته بالتوحيد، بهذه التلبية: لبيك لا شريك لك لبيك، ثم تأتي بعد ذلك أعمال الحج، وكلها تذكير بهذه القضية، تذكير بإفراد الله عز وجل وحده بالعبادة، في أول عمل يفعله الإنسان الطواف بالبيت، ثم صلاة ركعتين، شرع الله عز وجل في هاتين الركعتين أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]، وفي الركعة الثانية بعد الفاتحة: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، وهما سورتا الإخلاص، إخلاص الدين لله، في السورة الأولى إخلاص العبادة لله، وأنه لا أحد يستحق أن يعبد مع الله في هذا الوجود: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون:1-3]، وفي السورة الثانية سورة الإخلاص: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، إخلاص الكمال لله، وإخلاص الوصف الأكمل لله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:1-4]، وبهذا يتذكر الحاج .. يتذكر الطائف أنه جاء هنا لتحقيق التوحيد لله، ومنابذة المشركين والكفار فيما هم عليه من الأديان الباطلة، ثم يرقى الصفا، وأول ما يقوله على الصفا إذا رقاه ما قاله عليه الصلاة والسلام: ( لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده )، يقولها ثلاث مرات على الصفا، ثم ينزل ويقولها ثلاث مرات على المروة، ثم يرجع ويقولها ثلاث مرات على الصفا، وهكذا في كل طوفة يقولها مرات، يذكر نفسه بهذه العقيدة، ثم إذا جاء يوم عرفة، الموقف الأعظم، أجل المواقف وأعظمها عند الله في هذه الفريضة، أعظم كلمة يقولها الإنسان يوم عرفة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( أفضل الدعاء دعاء عشية عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير )، أفضل كلمة في أفضل موقف أن يقول الإنسان هذه الكلمة الشريفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ( أفضل الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله )، فريضة الحج وأعمال المناسك تذكر الإنسان بهذه القضية، قضية التوحيد ومنابذة الشرك والكفر، ولهذا من أول يوم رفعت فيه القواعد لهذا البيت ومن أول لحظة، قال الله عز وجل لـإبراهيم : وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ [الحج:26] أي: دللناه عليه، وعلمناه إياه، ومكناه منه: وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ [الحج:26] أي: طهر بيتي من جميع أدران المعاصي والذنوب والسيئات، وأعظمها الشرك، الشرك أعظم المعاصي وأكبر الخطايا، وأعظم الدنس والرجس، قال الله في ثنايا كلامه سبحانه وتعالى عن آيات الحج في سورة الحج، قال: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ [الحج:30]، فالشرك رجس، ونجس معنوي، ينجس هذا القلب الطاهر، ينجس هذه المقاصد وهذه المعاني الناصعة الطاهرة الشريفة، ومن أجل هذا شرع الله عز وجل شرائعه التي تذكر الإنسان بهذه الحقيقة، وأنه مطالب في كل لحظة وفي كل زمان وحين، أن يحقق هذا المقصود، وأن يحقق توحيد الله، توحيد الله بالعبادة، فلا يعبد إلا الله، ولا يَصرف شيئاً من العبادة لغير الله.

    عجب والله من هؤلاء المغرورين الذين يسبحون بحمد المخلوقات صباحاً ومساءً، يدعون علياً، ويدعون فلاناً وفلاناً، يلجئون إليهم في طلب الحاجات، والله يقول: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، ومن دعا غير الله فقد صرف شيئاً من العبادة لغير الله، عجباً من هؤلاء يتحدثون عن البراءة من المشركين، يتكلمون عن البراءة من الشرك وهم يمارسونه صباح مساء، بغض النظر هل هم معذورون أو غير معذورين، لكن صرف شيء من العبادة لغير الله هو أهم ما ينبغي للإنسان العاقل إن كان عاقلاً أن يوجه همه إليه. وقبل أيام قرأت على أحد مواقع الإنترنت بأن أحد هؤلاء الكبار، أحد هؤلاء الآيات ينادي بأن تصرف الكعبة المشرفة إلى مقام فلان، يتوجه الناس إلى قبر فلان ليصلوا إليه، أي توحيد يتكلمون عنه؟ وأي براءة من الشرك يتحدثون عنها؟ إن المسلم مطالب بأن يكون صادقاً في عقيدته؛ أن يتوجه بهذه العبادة لله وحده، فلا يدعو إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا يثق إلا بما عند الله، ولا يعتمد تمام الاعتماد فيما لا يقدر عليه إلا الله إلا على الله، هناك عبادات قلبية، وعبادات بدنية، الله عز وجل وحده هو الذي يستحقها، فمن صرف منها شيئاً لغير الله فقد أشرك، من ذبح لغير الله فقد أشرك، ومن دعا غير الله فقد أشرك، ومن نذر لغير الله فقد أشرك، ومن عبد غير الله فقد أشرك، هذا هو الشرك الذي يجب على البشرية أن تنأى عنه وأن تحاربه، وأن يبذل الناس جهدهم في محاربته، ليس بكلمات تشقشق، وفتن تثار هنا وهناك تحت مبررات البراءة من الشرك، البراءة من المشركين، نحن أحوج ما نكون إلى أن ندعو إلى البراءة من الشرك والمشركين، لكن أن نعرف ما هو الشرك، وأن نعرف من هم المشركون، وأن نعرف متى يخرج الإنسان عن دين الله، هذه الدعوة التي جاء بها الأنبياء جميعاً، وفريضة الحج واحدة منها.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    حقيقة التوحيد

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    أيها الإخوة! من التوحيد أن يعتقد المسلم اعتقاداً جازماً أنه لا متصرف في هذا الكون على الحقيقة إلا الله، ولا مدبر لهذا الكون إلا الله، فلا يستطيع أحدٌ أن يحيي وأن يميت وأن يرزق وأن يمنع إلا الله، الناس يتصرفون لكن تصرف الأسباب، والله عز وجل قادر على إبطال هذه الأسباب متى شاء، يعطل سبحانه وتعالى السبب متى أراد، كما قال الشاعر وهو يتكلم عن الطبيب:

    إن الطبيب له علم يدل به ما دام في أجل الإنسان تأخير

    حتى إذا وافته المنية قال:

    حار الطبيب وخانته العقاقير

    الأسباب تبقى أسباباً، فلا متصرف في هذا الوجود على الحقيقة إلا الله، الله الذي أبطل عمل النار يوم ألقي فيها إبراهيم عليه السلام، الله هو الذي يتصرف في الموجودات، فمن اعتقد أن أحداً يضر وينفع، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، من اعتقد بأن أحداً من الخلق كائناً من كان هذا المخلوق يتصرف في شيء من هذا الكون فقد وقع في الإشراك بالله، أشرك في الله رباً، واعتقد أن هناك رباً مع الله يتصرف، وهذا ما يعتقده كثير من هؤلاء، يعتقدون أن بعض أئمتهم يتصرفون في الكون، ويصرحون بهذا، وكتبهم طافحة بهذا؛ أن الأئمة يتصرفون في الكون، وأن لهم مقاماً لم يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، أيها المؤمنون نحن بحاجة أن نعلم ما هو الشرك، ومن هم المشركون حتى نتجنب الشرك والإشراك على بصيرة.

    الكمال المطلق لله وحده

    من التوحيد أن يؤمن الإنسان بأنه لا يستحق الكمال المطلق إلا الله، ليس أحدٌ في هذا الوجود يستحق أن يوصف بالكمالات كلها على وجه الإطلاق إلا الله، الله وحده هو الذي يتسمى بالأسماء الحسنى، يعني: البالغة النهاية في الحسن والكمال، وهو سبحانه وتعالى وحده المتصف بالصفات العليا، التي لا يشابهه أحدٌ في صفاته، وهاتان قضيتان تحدث الله عنهما في كتابه، قال تعالى: وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، وقال: وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى [النحل:60]، له الوصف الأعلى، فلا يشابهه ولا يشاركه أحد في أسمائه وصفاته، فمن اعتقد بأن أحداً من المخلوقات يشابه الله عز وجل في شيء من هذه الأسماء، أو يشاركه في شيء من هذه الصفات، فقد أخل بالتوحيد، ووقع في الشرك، وكثير ممن يدعي منابذة الإشراك يقعون في شيء من المكفرات في هذا الباب، المسلمون بحاجة إلى أن يرجعوا إلى دينهم فيفهموا ما هي عقيدة التوحيد التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام، ويعتقدوها في قلوبهم، ويربوا عليها أبناءهم حتى يعرف الواحد منا متى يخرج الإنسان عن هذه الملة والعياذ بالله.

    منابذة المشركين وعقائدهم

    أيها الإخوة! في الحج لطائف عجيبة، في فريضة الحج وفي مناسك الحج مواقف متعددة، أرساها النبي عليه الصلاة والسلام لينابذ بها أهل الإشراك، وليخالفهم ما أمكنت مخالفتهم، وليتبرأ منهم ما أمكن التبرؤ منهم في كل عمل، يمكن أن يخالف به المشركين خالفهم به في حجة الوداع عليه الصلاة والسلام، منذ اللحظة الأولى عند التلبية كما قال جابر : (أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد، وقال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك)، وكان الناس في الجاهلية يحجون ويعتمرون، ويلبون، ولكنهم يشركون حتى في التلبية، يقولون: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، فهم يعتقدون بأن المالك الحق هو الله وحده: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[العنكبوت:61]، فهم يعلمون أن الله هو الخالق وحده، ولكنهم أشركوا في العبادة معه غيره، أشركوا لما عبدوا غيره، لما دعوا الأصنام، لما طلبوا حاجاتهم من الأصنام، لما توجهوا إلى هذه الموتى، الأصنام عبارة عن تماثيل تمثل أقواماً صالحين ماتوا، فهم يدعون الصنم ويعتقدون بأن هذا الصنم يشفع لهم، ومن مثل له هذا الصنم يشفع لهم عند الله ليقضي لهم الحاجات: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى[الزمر:3]، وهي هي دعوة القبوريين، هي هي دعوة الذين يدعون أصحاب القبور ويطلبون منهم الحاجات، ندعوهم ونتوسل بهم إلى الله ليقضي لنا الحاجات: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، فهم يقولون في اللحظة الأولى: إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، ثم خالفهم عليه الصلاة والسلام بهذه التلبية، وخالفهم بعد ذلك في أعمال المناسك كلها، في كل فرصة أمكنه أن يخالفهم خالفهم، كانت قريش تسمي نفسها الحمس، يعني: فوق الناس، في مرتبة أعلى من سائر الناس، فكان الناس إذا خرجوا إلى عرفة الناس كلهم والقبائل العربية كلها تخرج لتقف على عرفات إلا قريش، فقريش تقف في مزدلفة عند المشعر الحرام، لمكانتها، ولسمو رفعتها، فإنها لا تغادر الحرم، تبقى في حدود الحرم، أما الناس .. أما الرعاع فإنهم يخرجون ليقفوا في عرفة، لما خرج النبي عليه الصلاة والسلام يوم التاسع قال الراوي جابر : ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، يعني: سيفعل كما كان قومه يفعل، فجاوزه عليه الصلاة والسلام، وخرج منه ووقف مع الناس في عرفات، وقال الله له في كتابه في سورة البقرة: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199]، أي: اخرجوا بعد ذلك ليلة العيد من حيث خرج الناس، أفيضوا من حيث أفاض الناس، كما أن الناس يفيضون من عرفة فأفض أنت وقومك معهم من عرفة: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [البقرة:199]، خالفهم عليه الصلاة والسلام، وخابت آمال قريش، وذهبت تلك الآمال التي يعلقونها ببقاء السؤدد لقريش فوق الناس، ووقف عليه الصلاة والسلام مع سائر الناس في عرفة، لما أراد الخروج من عرفة كان الناس في الجاهلية يخرجون من عرفة قبل غروب الشمس، فحرص عليه الصلاة والسلام ألا يغادر عرفة إلا بعد أن غاب القرص، لما سقط قرص الشمس كاملاً خرج عليه الصلاة والسلام من عرفة ليخالف المشركين، ولما وصل مزدلفة وبات فيها إلى الفجر كانت قريش تقول في جاهليتها: أشرق ثبير كيما نغير، يخاطبون الشمس التي تشرق فوق الجبل، ويسمى ثبير، لا يخرجون من مزدلفة إلا بعد أن ترتفع الشمس فوق ثبير، فخرج عليه الصلاة والسلام من مزدلفة قبل أن تطلع الشمس، كل هذا وفي كل فرصة يجدها عليه الصلاة والسلام مناسبة لأن يعلن مخالفة المشركين في هديهم، في اعتقادهم، في سلوكهم، في تصوراتهم، يفعل ذلك عليه الصلاة والسلام ولا يبالي. أيها المؤمنون أصبح اليوم مبدأ الولاء من المشركين الصياح: الموت لإسرائيل الموت لأمريكا، الموت والحياة بيد الله عز وجل وحده، ولا ينفعنا الدعاء عليهم بهذه الألقاب، ونحن نشابههم ونشاركهم في مناهجهم وأعمالهم صباح مساء، ليس من ديننا كثرة اللعن للكفار، يقولون: اللعن عبادة، الله عز وجل لم يتعبدنا بأن نلعن أحداً، بل قال عليه الصلاة والسلام كما في الحديث الصحيح: ( ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء )، صحيح أن الله لعن أقواماً في كتابه، ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواماً في صحيح سنته، لكنه لم يتعبدنا، لم يرتب على ذلك أجراً ولا ثواباً، لم يقل لنا: من لعن فلاناً فله كذا من الحسنات، ومن لعن فلاناً فله كذا من الثواب والدرجات، لم يتعبدنا باللعن، غاية ما هنالك أن اللعن مرخص به لمن يستحق اللعن، لكنه ليس عبادة، لكنه ليس قربة، عائشة تخاطب النبي عليه الصلاة والسلام وقد لعنت اليهود لما دعت على النبي عليه الصلاة والسلام، وتخاطبه لماذا لا يلعنهم، قال عليه الصلاة والسلام: ( ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش، ولا البذيء )، البراءة من المشركين ليست كلمات يشقشق بها بعض المنافقين، ويصيحون بها كما يريدون، البراءة من المشركين منابذة مناهجهم، مخالفة أعمالهم، مخالفة مظاهرهم التي يختصون بها، كيف ينابذون المشركين وهم عونٌ لهم وآلة في أيديهم، يطبقون على أيديهم ما أرادوا، أي منابذة للمشركين وأنا غير مرة قلت لكم على هذا المنبر تلك الكلمة العظيمة التي قالها إمام الحنابلة في عصره أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله قال: إذا أردت أن تعرف قدر الإسلام عند أهل الزمان فلا تنظر إلى تزاحمهم على أبواب المساجد، ولا إلى ضجيجهم بلبيك في الموقف، وإنما انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة، إذا أردت أن تعرف قدر الإسلام في نفس إنسان لا تقسه ببعض الأعمال الظاهرة التي يؤديها بعض المنافقين وبعض المسلمين، لا تنظر إلى زحامهم على أبواب المساجد، ولا إلى ضجيجهم في الموقف بلبيك، ولكن انظر إلى مواطأتهم لأعداء الشريعة، أين هم من أعداء الشريعة، أين هؤلاء الذين يدعون بمنابذة الكفر والشرك والإشراك من أعداء الشريعة، أين هم من إعانة أعداء الشريعة، أين هم من الإعانة ضد المسلمين وبلدان المسلمين، أين هم من منابذة الشريعة التي جاء بها محمد عليه الصلاة والسلام، بهذه المعايير يعرف المنابذ للشرع من القائم به، الموالي لدين الله من المخالف له، وليس بمجرد كلمات تقال هنا وهناك، وإحداث مظاهر وفوضى لا يقصد في غالبها إلا الضرر بالمسلمين، والضرر بالضعفاء والمساكين.

    الحاجة إلى تعليم مهمات التوحيد

    أيها الإخوة! نحن بحاجة في هذا الموسم العظيم -موسم الحج- أن نتذكر هذه المعاني العظيمة، هذه المعاني الصافية، معاني التوحيد وإخلاص الدين لله عز وجل وحده، فمن أخلص دينه لله فقد فاز بخيري الدنيا والآخرة، نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

    اللهم يا حي يا قيوم! برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم انصر عبادك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، وانصرهم ولا تنصر عليهم، وكن لهم ولا تكن عليهم.

    عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.

    وصل اللهم وسلم على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017294213

    عدد مرات الحفظ

    724067498