إسلام ويب

فضل الجهاد في سبيل اللهللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر الجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وسبيل عزة المسلمين، وهو أفضل الأعمال، يفوق سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، وهناك نماذج مشرقة من المجاهدين الصادقين الذين وجدوا السعادة في هذا السبيل، الذي يرفع درجة الإنسان ويرقيه إلى أعلى منازل الأعمال الصالحة.

    1.   

    بيان منزلة الجهاد في سبيل الله

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    فضل الجهاد على عمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج

    أيها الإخوة في الله! روى الإمام مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال: ( كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: لا أبالي ألا أعمل بعد الإسلام عملاً إلا أن أسقي الحاج -يعني: أن أتفرغ لسقاية الحجاج الماء من زمزم- وقال آخر: لا أبالي ألا أعمل بعد الإسلام عملاً إلا أن أعمر المسجد الحرام -يعني: أن أتفرغ فيه للطاعة والعبادة- وقال ثالث: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم، قال النعمان : فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقال لهم: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله، وهو يوم جمعة -أي:كان هذا يوم الجمعة قبل الخطبة- ولكن إذا صليت الجمعة دخلت عليه -يقصد الرسول صلى الله عليه وسلم- فأستفتيه فيما اختلفتم فيه، ففعل رضي الله تعالى عنه، فأنزل الله عز وجل قوله في سورة التوبة: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التوبة:19-22] ).

    أيها الأحباب! هذه الحادثة تبين لنا أن تفاوت الناس في العظمة عند الله بقدر أعمالهم: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ[التوبة:20]، وفي الآية قبلها نفي التسوية بين العبادات، ونفي التسوية بين الصلحاء والأبرار، فهم لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ[التوبة:19]، وإن كانوا جميعاً صلحاء، ولا يستوون عند الله وإن كانوا جميعاً أبراراً، ولا يستوون عند الله وإن كانوا جميعاً من أهل الإيمان: قال الله: أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ[التوبة:19]، لا يستوون؛ لأن أعمالهم لا تستوي فأعظم الناس درجة عند الله من كان أشدهم نفعاً لهذه الأمة.

    سبب كون الجهاد ذروة سنام الإسلام

    عباد الله! لقد كان الجهاد ذروة سنام الإسلام؛ لأن به تتحقق كل المصالح لهذا الدين، الجهاد شرعه الله يوم ما شرعه للحفاظ على هذا الدين من أعدائه، ولنشره بين الأمم، فكان بقيامه قيامٌ لهذا الدين، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في حديث معاذ المشهور لما سأله عما يدخله الجنة، قال له عن هذا الدين: ( وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله )، فالجهاد في سبيل الله يوم شرعه الله شرعه لمصالح لا تقوم قيامة هذا الدين إلا به، ولولا الجهاد في سبيل الله في زمن رسول الله وفي زمن أصحابه من بعده وفي زمن دول الإسلام المتلاحقة لما وصل الإسلام إلى هذه الأرض، ولما وصل الإسلام إلى ما وراء النهر، فبالجهاد في سبيل الله دخلت أمم الفرس في دين الله، وبالجهاد في سبيل الله دخلت أمم الروم في دين الله، وبالجهاد في سبيل الله في عهد قريب في أيام الدولة العثمانية دخلت أوروبا الشرقية كلها في دين الله، بالجهاد في سبيل الله ينتشر الدين، وتحمى بيضته، وتحمى أمته، فلا غرابة أن يكون الجهاد ذروة سنام أعمال الإسلام.

    عباد الله! جاء في الحديث الذي يبين فيه النبي عليه الصلاة والسلام المقارنة بين عبادة الجهاد وعبادة الصلاة والصيام ونحوها من العبادات القاصرة على النفس، في سنن الترمذي بسند صحيح قال: (مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم خارجون في الجهاد بشعب فيه عيينة عذبة)، أي: فيه عين عذبة من الماء، في فجوة بين جبلين، الأرض طيبة للزرع، والماء عذب، (فمال بعض الصحابة إلى الدعة) والراحة والسكون مع هذه المغريات، ومع هذه الملذات، (فقال يحدث نفسه: لو أقمت ها هنا تركت الناس يذهبون إلى ما يذهبون إليه)، وأنا أقيم هنا حول الماء العذب في الأرض الطيبة، (فقال له عليه الصلاة والسلام: لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله خيرٌ من عبادته في بيته سبعين سنة )، (مقام) يعني: قومة واحدة، وقفة واحدة في سبيل الله خير من عبادة أحدكم في بيته سبعين سنة، ثم قال له: ( ألا تحب أن يغفر الله لك ويدخلك الجنة؟ اغز في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة )، يعني: بقدر ما تحلب الناقة، (وجبت له الجنة )، ويقول في الحديث الآخر: ( قيام أحدكم في سبيل الله ساعة خير له من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود ) : أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ [التوبة:19]، لا يستوون؛ لأن الإنسان يعز قدره، ويرتفع مقداره، وتعلو درجته بقدر ما يبذله في خدمة دين الله تعالى، وبقدر ما يبذله في مجاهدة نفسه، والتغلب على شهواتها، والخروج من دائرة طبعه، والخروج من مشتهيات نفسه إلى تحقيق مراد الله تعالى في هذه الأرض، ليس شيء أعز على الإنسان من نفسه، ليس شيء أغلى على الإنسان من روحه، فإذا بذل الإنسان روحه، وإذا قدم ماله، وإذا ترك أهله وولده، كل ذلك ابتغاء رفع راية لا إله إلا الله، فلا شك ولا ريب أن قدره يعلو، ودرجته ترتفع، ولذلك لا يمكن أن يدركه أحد بصلاة ولا صيام ولا نحو ذلك من العبادات القاصرة.

    1.   

    نماذج مشرقة من سير المجاهدين

    عباد الله! ومما حفظه لنا التاريخ رسالة أرسلها أحد المجاهدين في الثغور، وهو العالم المجاهد الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله ورضي عنه، أرسلها إلى أخيه وصاحبه وزميله في العلم، القائم في الحرم، القاضي الفضيل رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أرسل له قصيدة فيها بيان تفاوت ما بين المجاهد والعابد، ولا تزال كتب التاريخ تروي لنا هذه الحادثة، يقول الحافظ ابن عساكر رحمه الله في ترجمة عبد الله بن المبارك عن أحد تلاميذه، يقول: أملى علي عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودعته للخروج، وأرسلها معي إلى الفضيل بن عياض في سنة سبعين ومائة، وفي رواية: سنة سبع وسبعين ومائة للهجرة، قال فيها:

    يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب

    من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب

    أو كان يتعب خيله في باطلٍ فخيولنا يوم الصبيحة تتعب

    ريح العبير لكم ونحن عبيرنا وهج السنابك والغبار الأطيب

    ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب

    لا يستوي وغبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب

    هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب

    قال: فلقيت الفضيل بن عياض بكتابه هذا في المسجد الحرام، فلما قرأه ذرفت عيناه، وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصحني، ثم قال: هل أنت ممن يكتب الحديث؟ قلت: نعم، قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك لنا كتاب أبي عبد الرحمن، وأملأه الفضيل بن عياض فقال: حدثنا منصور بن المعتمر، عن أبي صالح عن أبي هريرة ( أن رجلاً قال: يا رسول الله! علمني عملاً أنال به ثواب المجاهدين في سبيل الله، قال: هل تستطيع أن تصلي فلا تفتر؟ وتصوم فلا تفطر؟ فقال: يا رسول الله! أنا أضعف من أن أستطيع ذلك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: فوالذي نفسي بيده لو طوقت ذلك ما بلغت المجاهدين في سبيل الله، أو ما علمت أن فرس المجاهد ليستن في طوله فيكتب له بذلك حسنات )، أي أن فرس المجاهد إذا ذهب ورجع وهو مربوط في حبله فآثاره كلها مكتوبة حسنات للمجاهد في سبيل الله. قال سبحانه: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [التوبة:20]، أي: الذين فازوا بكل مطلوب، ونجوا من كل مرهوب، أما الموت فإن الناس جميعاً يموتون، هو الموت لا منجى منه، والذي نحاذر منه هو ما بعد الموت فإنه أدهى وأفظع، الموت آتٍ لا محالة على كل نفس، فإن كل نفسٍ ستموت في الأجل الذي كتبه الله، كما قال عليه الصلاة والسلام: ( إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب )، الموت آتٍ على كل نفس في ميعاده، في أجله الذي حدده الله: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]، ولكن كيف يحيا الإنسان قبل هذا الموت؟

    أيها الأحباب! حفظ لنا التاريخ نماذج ممن ركنوا إلى شهواتهم ولذائذهم، وأبوا أن يخرجوا أنفسهم من هذه الشهوات والملذات، ونماذج أخرى تغلبت على كل ذلك، في عهد الإسلام الأول، في دار الإسلام الأولى في المدينة حفظ لنا التاريخ نموذجين لسيدين وكبيرين من أهل المدينة:

    الأول: عبد الله بن أبي، والثاني: سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه وأرضاه، سعد بن معاذ من كبراء الأنصار، و ابن أبي كان يوشك أن يتوج بتاج الملك في المدينة، ولما قدم الإسلام إلى المدينة تباينت مواقف الرجلين:

    الأول: أبى إلا أن يسعى جاهداً في الحصول على تلك الشهوات التي كان يطمع في الحصول عليها قبل الإسلام، فنافق، وتربص بالمؤمنين الدوائر، وعمل ما عمل، ثم مات، فزالت هذه الدنيا بما كان يتمناه، مات، لكن كيف مات؟ أنزل الله عز وجل يوم موته قوله: وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ [التوبة:84]، كانت هذه هي خاتمته، والآخر مات أيضاً، بعد أن تنازل عن رئاسته للإسلام، مات بعد أن بذل نفسه للإسلام، مات بعد أن بذل ماله للإسلام، أسلم ويوم أسلم لم يبق دار في الأنصار إلا ودخله الإسلام، وعاش جندياً تحت قيادة محمد صلى الله عليه وسلم يحضر المشاهد وهو في مقدمة أصحابه وأنصاره، وأصيب رضي الله تعالى عنه يوم المحنة، يوم الشدة، يوم الحصار على المدينة، أصيب بسهم في أكحله، في أسفل رجله، فضربت له خيمة في المسجد يزوره صلى الله عليه وسلم بين الوقت والوقت، ومات متأثراً بتلك الجراح، وزالت الدنيا أيضاً، لكن كيف زالت عن سعد ؟ قال عليه الصلاة والسلام: ( لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ )، وقال وهو قائم على قبره: ( إن للقبر ضمة لو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ )، وأرسلت إليه قطعة حرير من أحد الملوك هدية، فعجب الصحابة من شدة لينها، فقال: ( أتعجبون من لينها؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة ألين منها ) الناس تتباين مواقفهم، وتتفاوت درجاتهم بحسب ما يقدمون لدينهم ولأمتهم، ونحن لا نشك أبداً بأن من استطاع أن يتغلب على نفسه فترك شهوات نفسه، ترك اللذائذ بعد أن بسطت بين يديه، وترك الأموال والمناصب والجاه بعد أن تيسرت له الأسباب، وفتحت أمامه الأبواب، من ترك كل هذا وراء ظهره وخرج يتبع شعف الجبال، ويعيش حياة الكد والنكد والتعب، كل ذلك من أجل راية الإسلام، لا نشك بإذن الله إلا أنه ممن قال الله فيهم: الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ [التوبة:20-21].

    إن هناك أسباباً يرتقي بها الإنسان إلى أن يكون في مصاف العظماء، العظماء لهم شأن، العظماء لهم تاريخهم، العظماء لهم أعمالهم ولهم صفاتهم، ولكن حب هؤلاء العظماء بصدق، الانتماء اليهم بجد، الدعاء لهم في حياتهم ومماتهم، مما يلحق الإنسان بدرجاتهم، فقد كان أعظم حديث حدث به الصحابة كما قال أنس : فما كان علينا شيء أحب إلينا بعد الإسلام منه يوم أن سمعنا هذا الحديث: ( المرء مع من أحب ).

    حب الجهاد في سبيل الله، وحب المجاهدين في سبيل الله مما يرتقي به الإنسان عند الله عز وجل درجات، الجهاد لم يفضل إلا لما تترتب عليه من المنافع، الجهاد كما شرعه الله بالآداب التي سنها الله، بالأحكام التي حددها هذا الدين لهذه العبادة العظيمة عبادة الجهاد، يوم تقوم هذه العبادة على الوجه الذي أراده الله فلا شك ولا ريب أن أربابها وأصحابها القائمين بها لا يدركهم أحد، فضلاً عن أن يسابقهم في منزلتهم أحد، نسأل الله من فضله العظيم أن يرزقنا رضوانه، وأن يلحقنا بعباده الصالحين.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    الارتقاء بالنفس إلى درجة المجاهدين في سبيل الله

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    إخوتي في الله! فتح الله عز وجل للناس أبواباً ليتفاضلوا بالأعمال فيها، وقد قال عليه الصلاة والسلام في الحديث: ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له )، فتح باب العمل، وأخبر الناس بأنهم يتفاضلون ويتفاوتون بأعمالهم.

    وهناك أبواب تجرى بها الأجور على الإنسان حياً وميتاً، ومن أعظمها: الجهاد والرباط في سبيل الله، ومنها كذلك أعمال أخرى إذا لم يتسن للإنسان القيام بهذه العبادة فليعمل بما يسر له: ( اعملوا فكل ميسر لما خلق له )، جاء في الحديث: ( أربعة تجرى عليهم أجورهم بعد موتهم: المرابط في سبيل الله )، يعني: الذي مات وهو يحرس في حدود بلاد الإسلام، في الحدود بينهم وبين بلاد الكفار، من مات وهو مرابط فإن عمله لا ينقطع، ( أجري عليه عمله بعد الموت، ومن علم علماً أجري عليه عمله ما عمل به بعده )، فكل من علم علماً، قل هذا العلم أو كثر، في فرض كان ذلك العلم أو في نفل، كل من علم علماً مما جاء به رسول الله فإن الله يجري له أجره بهذا العلم ما عمل بهذا العلم بعده، وقال: ( ومن تصدق بصدقة أجريت عليه صدقته ما بقيت )، يعني: ما دامت هذه الصدقة باقية فإن الأجر جارٍ عليه وهو في قبره، ( ورجل ترك ولداً صالحاً فهو يدعو له ).

    هناك أبواب للخير فتحها الله للتسابق والتنافس، وبها تعلو الدرجات، وترتفع المقامات، وليس بالأحساب، ولا بالأنساب، ولا بالمناصب، ولا بالجاه والشارات، ولا بالمنازل الاجتماعية، إنما بالعمل الصالح وحده يتفاوت الناس عند الله سبحانه وتعالى، وبغير ذلك ليس بينه وبين أحدٍ من عباد الله صلة ولا رحم، فتح لنا أبواب التسابق، وفتح لنا جنةً عرضها السموات والأرض، يتبوأ بها الإنسان منزلاً بقدر عمله.

    جاء رجلٍ إلى سيد الواعظين في زمنه، ابن السماك الواعظ البليغ الذي إذا قال أبلغ في المقولة، قال له: عظني، فوعظه بكلمتين مختصرتين، قال له: إياك أن تقدم على جنة عرضها السموات والأرض وأنت لا تجد لك فيها موضع قدم، الجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين العاملين، فخذ لنفسك نصيباً فإن الموت آتٍ لا محالة، والناس يتفاوتون بعد مماتهم كما كانوا يتفاوتون في حياتهم، سابق إلى جنة عرضها السموات والأرض بعملك، ودع عنك الخمول، دع عنك الكسل، دع عنك التواني، دع عنك الركون إلى الملذات والطيبات، فلسنا لهذا خلقنا، إنما خلقنا لأمر جليل، وشأن عظيم، وليس الشأن كل الشأن أن تحيا لنفسك بقدر ما يكون هدفك في هذه الحياة ما تحوزه وما تظفر به من مرضاة الله، هذا هو شأن العظماء، هممهم أكبر من نفوسهم، تطلعاتهم أكبر من شهواتهم، فمن عاش بهذه الهمة رزق من الأجر والمثوبة بقدر همته، وكل ذلك يحتاج إلى جهاد، ولهذا جاء في أحاديث كثيرة كما في مسند الإمام أحمد وغيره: ( أفضل الجهاد من جاهد نفسه )؛ لأن النفس والتغلب على شهواتها ولذاتها تحتاج أيضاً إلى جهاد، تحتاج إلى كفاح، الصلاة تحتاج إلى جهاد وكفاح، والصدقة تحتاج إلى جهاد وكفاح، والذكر والاشتغال به يحتاج إلى جهاد وكفاح، كل ذلك يحتاج إلى مجاهدة النفس، ولكن كلما ارتقى العبد في هذه المراتب، وكلما تدرج في هذه المنازل وصل إلى أعظمها وأشرفها، وهي أن يجود بنفسه، أن يجود بماله، فيقدم المال، وتساق النفس رخيصة، وهذا أفضل ما يؤتيه الله عز وجل العبد في هذه الدنيا، أفضل ما يعطيه الله للإنسان في هذه الدنيا أن يقتل في سبيل الله، وأن يذهب ماله في سبيل الله، بعض الناس يظن أن هذه مصيبة، ويظن أن هذه بلية، والأمر ليس كذلك، ما قيمة المال إذا لم يبلغك جنان الله؟ ما قيمة النفس إذا لم تسع بها إلى أن تسعد في الحياة الأبدية، ( ولذلك لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً يقول: اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين، الرجل لا يدري ما معنى هذه الدعوة، فقال له عليه الصلاة والسلام: إذاً يعقر جوادك، ويهراق دمك )، هذا هو أفضل ما يؤتيه الله عباده الصالحين، أن يذهب المال في سبيل الله، فيعقر الجواد، وتذهب النفس في سبيل الله، (ويهراق دمك)، فمن بلغ هذه المرتبة فقد بلغ أفضل مراتب عباد الله، لكن هو قبل ذلك محتاج إلى مراتب من الجهاد: ( اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له ).

    نسأل الله بأسمائه الحسنى أن يبلغنا رضوانه، وأن يأخذ بأيدينا إلى ما يرضيه عنا.

    اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل الكفرة والمشركين، أعداءك أعداء الدين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015326980

    عدد مرات الحفظ

    723615568