إسلام ويب

ساعات الليل بين الغفلة والغنيمةللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر فصل الشتاء ربيع المؤمنين، وأفضل ما استغلوه فيه قيام الليل؛ فإنه عبادة من أجمل العبادات، التي تقرب العبد من مولاه، ويستعين المسلم على إدراكها بقوة الإيمان، والأخذ بالوسط من النوم والطعام والشراب وغير ذلك.

    1.   

    أصناف الناس تجاه قيام الليل

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    إخوتي في الله! في هذه اللحظات نذكر أنفسنا كيف يعيش المسلم في فصل الشتاء, الشتاء أقبل بليله الطويل ونهاره القصير, فكيف يستوعب المسلم هذه الساعات؟ وما الذي ينفعه فيها؟

    ذكر الإمام المنذري رحمه الله تعالى أثراً وصححه عن سلمان رضي الله تعالى عنه، أنه أتاه أحد صغار الصحابة طارق بن شهاب رضي الله عنه ليبيت عنده في الليل, وينظر كيف يصنع سلمان , فبات عنده ليلة فلم ير طول قيام في الليل, ولكن لما جاء السحر قام سلمان رضي الله تعالى عنه فصلى, فأخبره بعد ذلك طارق بن شهاب ، فقال له: صلوا هذه الصلوات, يعني: حافظوا على هذه الصلوات, فإنها تكفير لهذه الجراحات, يعني: للذنوب والآثام, ما لم تصب المقتلة, ثم أخبره عن أصناف الناس في الليل.

    أنت جئت لترى كيف أصنع في الليل؟ فيقول له: خذ كلامي قبل أن ترى فعلي, قال له: إذا صلى الناس العشاء انصرفوا في الليل على ثلاثة أصناف: رجل عليه ولا له, ورجل له ولا عليه, ورجل لا له ولا عليه.

    أما الرجل الذي عليه ولا له فرجل اغتنم الليل وغفلة الناس فركب فرسه في معاصي الله, ليل أحمر يقضى في أنواع المعاصي, طويل لكنه حسرات وآلام يوم القيامة, يقضى في معاصي الله على اختلافها, منها الكبائر ومنها ما دون ذلك, ومنها ما يستبشعه الناس كالخمر والزنا وغيره, ومنها ما لا يستبشعه الناس كالجلوس للقال والقيل والغيبة والنميمة, اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس وركب فرسه في معاصي الله.

    وأما الرجل الذي له ولا عليه فرجل اغتنم ظلمة الليل وغفلة الناس فقام يصلي.

    وأما الرجل الذي لا له ولا عليه فرجل صلى ثم نام حتى أصبح, صلى العشاء ثم نام حتى طلع الفجر فهو سالم من الإثم, ولكن قد فاته ثواب قيام الليل واغتنامه, لا له ولا عليه.

    1.   

    الحث على اغتنام الوقت بالذكر وقيام الليل

    نتحدث عن هذا الليل الطويل الذي نمضيه في فصل الشتاء, وذاك النهار البارد القصير كيف ينبغي للمسلم أن يغتنم هذه الساعات؟

    بوب الترمذي رحمه الله تعالى في سننه: باب ما جاء في الصوم في الشتاء, ثم ذكر حديثاً بسنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود : ( الصيام في الشتاء الغنيمة الباردة ).

    هكذا كان الشرع ينظر إلى فصل الشتاء بأنه غنيمة ولكنها باردة, تنالها من غير قتال, ومن غير سفك للدماء ولا بذل للأموال, غنيمة تزداد بها درجاتك وحسناتك, وتكسب بها خيراً في دنياك وأخراك بدون كبير عناء.

    وجاء في بعض الآثار تسمية الشتاء بأنه ربيع المؤمن, كما أن فصل الربيع ربيع البهائم والدواب, فالدواب تنتظر فصل الربيع بفارغ الصبر، كما أخبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أنه إذا جاء فصل الربيع, وتفتحت الأزهار أقبلت البهائم تأكل مما تخرج الأرض حتى تسمن أجسادها.

    قال: ( إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم ) , تكثر الحيوانات من الأكل في الربيع حتى أن بعضها لا يحسب حساباً للعاقبة فيموت بسبب الحصر, وبعضها يقارب الهلاك, وبعضها يكون حكيماً فيسمن جسده.

    هكذا تنتظر البهائم فصل الربيع, والشتاء ربيع المؤمن.

    سماه ربيع المؤمن؛ لأن به تسميناً لدينه وزيادة له, فالنهار قصير يسهل عليه أن يصومه دون عناء طويل, والليل طويل يسهل عليه أن يأخذ حصته من القيام والتلاوة والذكر والتسبيح دون عناء طويل.

    ذكر الله في الليل

    خير ما تستغل به هذه الليالي القيام لذكر الله سبحانه, قيام الليل بين يدي الله, وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على عباده الذي يدخلون الجنة بأنهم كانوا يقضون ليلهم في هذه الدنيا ركعاً سجوداً: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:63-64].

    هذا بياتهم وهذا ليلهم: سُجَّدًا وَقِيَامًا [الفرقان:64], أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ [الزمر:9] طائع في ساعات الليل وأوقات الليل, سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9].

    أخبر سبحانه وتعالى بأن الجنة أعدها لأصحاب القيام والاستغفار: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:15-18].

    يطيلون القيام ليلاً، فإذا جاء وقت السحر شغلوه بأنواع الاستغفار.

    ويقول أحدهم بعد قيام طويل كما روي عن سفيان , يقول: اللهم إن مثلي يستحي أن يسألك الجنة, ولكن أسألك أن تقيني من النار, بعد هذا الشغل الشاغل بعبادة الله والانتصاب بين يديه يستحي الواحد منهم أن يرى نفسه أهلاً لأن يكون من أهل الجنة, ولكنه يستغفر ويندم ويتوب على ما فعل, وقد فرغ من عبادة هي من أجل العبادات.

    قيام الليل دأب الصالحين

    قيام الليل دأب الصالحين وسيرتهم، فالمتقون أنهم يشغلون ليلهم بذكر الله أو بالنوم, فيجمعون في ليلهم بين النوم وبين الذكر والتلاوة والصلاة لله, وليس في ليلهم غفلة, ليس في ليلهم لهو ولا لعب, هكذا أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم ).

    الصالحون قبلنا كثير لكنهم جميعاً يجمعهم شيء واحد أنهم كانت لهم حصص من الليل, كانت لهم أجزاء من الليل يشغلونها تقرباً إلى الله، يرجون ثوابه, ويخافون عقابه.

    فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح

    مباهاة الله ملائكته بمن يصلي بالليل

    الله سبحانه وتعالى يرضى عن العبد ويفرح به ويضحك منه, ويباهي به الملائكة حين يقوم من نومه تاركاً الفراش اللين الوثير والزوجة الحسناء ويقوم من أجل أن يصلي, هكذا يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: ( عجب ربنا من رجلين: رجل ثار عن وطائه ولحافه ), ترك الوطاء يعني: الفراش اللين الممهد الموطأ, وترك اللحاف الغطاء الدافئ الجميل, ( رجل ثار عن وطائه ولحافه من بين أهله وحبه ), يعني: ترك زوجته وهي محبوبته, وهو من يرضى أن يبقى بجوارها, (وقام يصلي, فيقول الله سبحانه وتعالى: يا ملائكتي! انظروا إلى عبدي هذا ماذا أراد؟ ترك وطاءه ولحافه من بين أهله وحبه ثم قام يصلي ).

    هكذا يباهي الله عز وجل بالإنسان المؤمن حين يقدم مرضاة الله سبحانه وتعالى على ما تشتهيه نفسه, ( ورجل آخر كان في سرية فانهزمت فتذكر ما له في الانهزام إذا انهزم معهم, وما له في الرجوع إذا رجع فقاتل, فرجع حتى يراق ) , يعني: حتى يقتل ( فيعجب الله سبحانه وتعالى من تقديمه مرضاة ربه حتى يرضى بأن يراق دمه وتزهق روحه ) في سبيل أن يرضى الله سبحانه وتعالى, يستحق المؤمن أن يعجب منه ويفرح به حين يشغل نفسه بمرضاة الله.

    نحن في هذه الليالي الطويلة أيها الإخوة! أحوج ما نكون أن نذكر أنفسنا بموعظة يحيى بن معاذ رضي الله تعالى عنه حين قال: الليل طويل فلا تقصره بغفلتك, والإسلام مضيء فلا تدنسه بآثامك.

    الليل طويل لا تقصره بالرقاد إذا كنت من أهل الرقاد, وأولى بك وأحرى ألا تقصره بأنواع المعاصي, أنواع القيل والقال, وأنواع الوقوع فيما حرم الله, الليل طويل فاغتنمه فيما ينفعك, وكما قال عليه الصلاة والسلام: ( اغتنم خمساً قبل خمس, ومنها: فراغك قبل شغلك ). وبعض أهل العلم يقول: الليل وقت الفراغ والنهار وقت الشغل, فاغتنم فراغك في الليل قبل شغلك في النهار.

    اغتنم في الفراغ فضل ركوع فعسى أن يكون موتك بغتة

    كم صحيح مات من غير سقم ذهبت نفسه الصحيحة فلتة

    1.   

    الأسباب المعينة على قيام الليل

    استعن يا أخي بالأسباب التي تعينك على اغتنام الليل بركعتين تنفعانك عند الله, من هذه الأسباب:

    تقليل الذنوب في النهار

    أن تقلل من الذنوب في النهار, وأن تتوب منها, فكم منا من يتمنى أن يقوم لله في الليل, ولكنه لا يقدر بسبب ذنوبه،كما قال الحسن: قال رجل: يا أبا سعيد! إني أعد طهوري أريد أن أقوم فلا أقوم, قال: أنت رجل قيدتك ذنوبك.

    وقال سفيان رضي الله تعالى عنه: أذنبت ذنباً فحرمت قيام الليل خمسة أشهر, قيل له: وما هذا الذنب؟ قال: دخلت السوق فرأيت رجلاً يبكي، فقلت: هذا مراء.

    ظن به سوءاً في الباطن, وكم هي الذنوب والآفات التي نقع فيها بقلوبنا قبل جوارحنا, ظن السوء بأحد من عباد الله إلى غير ذلك من معاصي القلب.

    المعاصي سبب حائل بين الإنسان وبين الخيرات, وكما قال عليه الصلاة والسلام: ( إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ).

    أخذ الراحة في النهار

    ومن أسباب الإعانة على قيام الليل: أن يأخذ الإنسان قسطه من النوم والراحة وسط النهار, أي: القيلولة.

    مر الحسن رضي الله تعالى عنه على السوق فرآهم منهمكون, منشغلون في دنياهم وسط النهار, فقال: ما أظن ليل هؤلاء إلا ليل سوء, فإنهم لا يقيلون. فمن أمضى نهاره في الركض منذ أن يستيقظ في الصباح وحتى يأتي الفراش في آخر الليل فإنه يستبعد منه أن يقوم في الأسحار متهجداً مستغفراً. فاستعن بأخذ الراحة في أوقات النهار, واستعمل هذا الجسد كالمطية, أرحه حيناً لتركب عليه حيناً آخر.

    تذكر الآخرة

    ومن الأسباب المعينة على قيام الليل: أن تتذكر الآخرة وطول الرقاد في القبر بعد الموت, أمامك رقاد طويل, أمامك سبات طويل في القبر فلا تقصر لياليك بطول الرقاد, لا تقصر أوقاتك بالغفلات, أمامك نوم طويل فاغتنم ساعات عمرك في الليل بأنواع الركعات التي تقربك إلى الله.

    وقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول أمرهم قاموا سنة كاملة كما ذكر ابن جرير بعد أن أنزل الله عز وجل عليهم: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا [المزمل:1-4]. قال ابن جرير : قاموا حتى تورمت أقدامهم، حتى نزل قول الله سبحانه وتعالى: فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ [المزمل:20], وكان بين نزول الآية الأولى والثانية سنة, سنة والصحابة يربون هذا النوع من التربية, القيام أكثر الليل حتى تتورم الأقدام؛ لما لصلاة الليل من أثر في صنع نفس الإنسان المؤمن.

    ترك السهر في غير مصلحة

    ومن أعظم الأسباب ترك السهر في غير مصلحة بعد صلاة العشاء, كما جاء في سنن الترمذي وغيره: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء )؛ لأنه إذا نام قبل العشاء ربما جره النوم حتى ضيع الصلاة, ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء, والحديث بعدها ).

    كانت من عادات المجتمع إلى زمن قريب أن الناس بعد العشاء كلهم ينصرف إلى النوم, وهي عادات وتقاليد استشربها الناس وأخذوها من دينهم, فدينهم رباهم على أنه إذا قضيت صلاة العشاء يتوجه الناس إلى النوم, هكذا يقضي المؤمن ليله, فليس في ساعات ليله حظ للهو واللعب والغفلة, وليس في ساعات ليله نصيب لليل الغافلين, إذا صلى العشاء انصرف إلى نومه ليكون في الأسحار من المتهجدين المستغفرين.

    وقد ثبت أن عمر رضي الله عنه كان يضرب بعض الناس بالدرة بعد العشاء إذا رآهم ساهرين, ويقول لهم: انصرفوا فلعلكم ترزقون حظاً من صلاة, انصرف إلى النوم لعل الله عز وجل أن يعينك على أن يكون لك حظ من الصلاة في آخر الليل.

    التقليل من تناول الطعام

    ومن الأسباب المعينة على قيام الليل: ألا يكثر الإنسان من الطعام لا سيما في الليل قبل المنام, فإنه إذا ثقل بطنه ثقل نومه, وقد جاء في الآثار أن إبليس تبدى لـــــيحيى بن زكريا عليه السلام قال له: إني أريد أن أنصحك, قال: أنت لا تنصحني, ولكن أخبرني عن أصناف بني آدم, أنا لا أنتظر منك نصيحة, ولكن إن كنت صادقاً فأخبرني عن أصناف الآدميين.

    قال: أصنافهم عندنا ثلاثة: صنف نعمل ونكر حتى نلهيه أو حتى يقع في المعصية, ثم بعد ذلك يبادر إلى الاستغفار ويتوب فيخرب علينا ما صنعنا, ولا نزال كذلك لا نيأس منه ولا ييأس منا, نحن وإياه في سجال، يوم له ويوم عليه.

    وصنف آخر هم في أيدينا مثل الكرة يلعب بها الصبيان, فهذا قد كفانا مؤنة نفسه, أي: هذا أراحنا من التعب والنصب في إغوائه؛ لأنه في أيدينا كالكرة بأيدي الصبيان.

    وصنف ثالث: كلما أردنا أن نزيغه لم نقدر عليه, وهم المعصومون مثلك.

    فقال له يحيى : دعني من هذا, ولكن أخبرني هل قدرت على شيء مني في يوم ما؟

    صحيح أنه معصوم, والشيطان لا يقدر على أن يوقعه في الذنب أو المعصية أو المخالفة, ولكن هل استطاع الشيطان أن يأخذ حصة من عمره ولو يسيرة؟ قال: نعم. قال: وما هو؟

    قال: في ليلة من الليالي قربت الطعام فلم أزل أشهيه إليك حتى أكلت أكثر من حاجتك فنمت في تلك الليلة, ولم تصل فيها.

    1.   

    منزلة قيام الليل وفضله

    نحن بحاجة أيها الإخوة أن نتزود، فإن أمامنا سفراً طويلاً يحتاج إلى الزاد, وأمامنا موازين، الكفة الواحدة فيها تتسع للسموات والأرض ومن فيهن, فجدير بالإنسان أن يستغل ساعات عمره في ملء الصحاف بما ينفعه عند الله, ومن أجل ما يشتغل به الإنسان: الصلاة, وأفضل هذه الصلاة بعد الفريضة الصلاة في الليل.

    أما الصلاة على العموم فقد قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: ( الصلاة خير موضوع ), خير ما كلف به الإنسان الصلاة, وقال: ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ), وقال: ( ما من عبد يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة, وإذا قام العبد يصلي جيء بذنوبه كلها فوضعت بين كتفيه, فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه ذنوبه ), هذه الصلاة عموماً.

    وأما قيام الليل خصوصاً فقد قال عليه الصلاة والسلام: ( عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم, ومطردة للداء, وتكفير للسيئات ).

    وقال وهو يبين منزلة قيام الليل بين الصلوات, ( أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل ), أي: أن أفضل الصلوات بعد الصلوات الخمس المكتوبة أن يصلي الإنسان بالليل، لما لصلاة الليل من خاصية تميزها فهي بعيدة عن الاشتغال بالناس, وهي بعيدة أيضاً عن الرياء والسمعة, إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5], أخبره سبحانه وتعالى: إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6].

    فالقيام في الليل هو ناشئة الليل, أي: الصلاة التي تنشؤها في الليل: أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6], هي شديدة عليك وتحتاج منك إلى مجاهدة وصبر ولكنها (أقوم قيلاً)، أي: أنفع الصلوات النوافل أثراً في نفسك ورفعة في درجاتك, إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا [المزمل:6].

    1.   

    وقت قيام الليل

    صلاة الليل تبدأ بعد العشاء وتنتهي بطلوع الفجر, فكل صلاة يصليها المسلم بعد العشاء فهي من قيام الليل, ولكن الليل مراتب ومنازل وبعضه أفضل من بعض, ولو صلى الإنسان بعد العشاء ما تيسر له فإنه من القائمين في الليل, وهذا من رحمة الله, وهذا محض إحسان الله أن يتفضل علينا بأن نقوم حال الاستيقاظ وحال النشاط, وحال طرد الوسواس عنا, ثم نكتب بعد ذلك من القانتين القائمين الذاكرين. فما الذي يحول بينك وبين أن تصلي بعد العشاء نصف ساعة أو ساعة أو أقل من ذلك أو أكثر؟

    بعد العشاء يبدأ قيام الليل, كما نقوم في رمضان, ولكن بعض الليل أفضل من بعض.

    ففي الليل ساعة كما في صحيح مسلم : ( إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله تعالى فيها شيئاً من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه ), وأفضل الليل الثلث الأخير, فإنه وقت النزول الإلهي, ينزل فيه الله إلى السماء الدنيا، فيقول: ( هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ ).

    العروض الإلهية: عروض التوبة، عروض العطاء، عروض المغفرة، والإنسان نائم, فيا لها من حسرة ويا لها من خسارة، كم يخسر الإنسان حين يضيع هذه الساعات الثمينة من عمره, وما ذاك إلا لتفريطه, بعض ساعات الليل أشرف من بعض, وأقرب ما يكون الرب كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال: ( أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر ) , فاحرص أيضاً أن تكون قريباً منه, احرص على أن تكون ساجداً ذاكراً في هذه الساعات لا سيما في هذه الليالي الطويلة.

    أسأل الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه, وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.

    أقول ما تسمعون, وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه.

    1.   

    عدد ركعات قيام الليل

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    أيها الإخوة أقل قيام الليل ركعتان يوتر بعدهما الإنسان بركعة, وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من قام بعشر آيات كتب من الذاكرين, ومن قام بمائة آية لم يكتب من الغافلين, ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين ) فالناس مراتب.

    أقلها أن تقوم الليل بعشر آيات، ثم أن تقوم الليل بمائة آية حتى لا تكتب من الغافلين, لو قرأت سورة الواقعة وسورة (قل هو الله أحد) فقد أتممت مائة آية, ورفع الله عز وجل عنك هذا العيب وهو عيب الغفلة, إذا قمت لله بمائة آية لم تكتب من الغافلين, ولو قمت بألف آية كتبت من المقنطرين، يعني: من أصحاب القناطير المقنطرة في الثواب.

    والقناطير المقنطرة لا يعدها ولا يعلمها إلا الله, وألف آية في المفصل من القرآن من تبارك حتى آخره, لو قرأ الإنسان في ليلة جزئي تبارك وعم في صلاة كتب من المقنطرين, فما أعظم فضل الله! وما أشد كسل بني آدم!

    والليل أقله -يا أخي- حتى تكتب من القائمين أن تصلي العشاء في جماعة, فقد قال عليه الصلاة والسلام: ( من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل, ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله ).

    وقال رسولنا صلى الله عليه وسلم: ( أمدكم الله بصلاة هي خير لكم من حمر النعم ), (حمر النعم) النوق الحمر, وكانت أعز الأموال وأغلاها على العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم, ولو كان في زماننا لسمى أموالاً غيرها, ( أمدكم الله بصلاة هي خير لكم من حمر النعم: الوتر بين العشاء والفجر ), وأقله ركعة, كما قال عليه الصلاة والسلام: ( فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة ), إذا خشيت الفجر فأوتر قبل الفجر بواحدة، وهذا خير لك من حمر النعم.

    وقال عليه الصلاة والسلام: ( إذا قام الرجل يصلي وأيقظ أهله فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات ), والذاكرون الله كثيراً والذاكرات أخبر عنهم في كتابه بأنه أعد لهم مغفرة وأجراً عظيماً.

    لك مغفرة وأجر عظيم أن تقوم في الليل فتصلي ركعتين وتوقظ أهلك فيصلون أيضاً ركعتين, إذا قام الرجل من الليل وأيقظ أهله فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.

    1.   

    آثار قيام الليل على العبد

    قيام الليل سبب أكيد لانشراح النفس وبسط الصدر وسعة العيش, فقد أخبرنا عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي سمعتموه غير مرة: ( إذا نام أحدكم فإن الشيطان يعقد على قافيته ثلاث عقد: نم عليك ليل طويل فارقد, فإذا قام وذكر الله انحلت عقدة, فإذا توضأ انحلت عقدة, فإذا قام فصلى انحلت عقده كلها, فأصبح نشيطاً طيب النفس ), (طيب النفس) وهو جزء أكيد من النعيم، كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: ( وطيب النفس من النعيم ).

    أعظم نعيم يسعى إليه الناس في هذه الدنيا أن يعيش الواحد منهم طيب النفس، ومن أجل سعادة النفس وطيبها تجمع الأموال, وتنال المناصب والجاهات, وهذا سبب أكيد لتحصيل هذا المقصود العظيم أن تقوم فتذكر الله وتتوضأ وتصلي ركعتين.

    1.   

    استغلال نهار المؤمن وقت الشتاء

    وأما في النهار, فالنهار ينبغي أن يكون نهار صوم, فقد قال عليه الصلاة والسلام: ( أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم ) , أفضل الصيام في النافلة بعد رمضان أن يتنفل الإنسان بالصوم في شهر الله المحرم, هذا الشهر الذي نحن فيه, أفضل الصيام أيامه, وأفضلها صيام عاشوراء, وتعلمون جميعاً أن الله عز وجل جعله كفارة سنة, وأفضل مراتبه أن يصوم الإنسان يوماً قبله ويوماً بعده, فيصوم ثلاثة أيام, وأدناها بعدها أن يصوم عاشوراء وتاسوعاء, وأقلها أن يصوم يوم عاشوراء ولا ينبغي أن يحرم نفسه من صوم عاشوراء.

    كان الصحابة يصومون ويصومونه الصبيان, حيث قالت الصحابية كما في صحيح مسلم : ( فإذا أراد الطفل الطعام جعلنا له اللعبة من العهن ) يعني: من القطن, ( نلهيه بها حتى يكون الغروب ) . الصبيان يعودونهم صيام عاشوراء حتى يعتاد الولد ابناً أو بنتاً على طاعة الله.

    أفضل الصيام الصيام في هذه الأيام, وقد جاء أحد الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه أن يدله على عمل صالح يدخل به الجنة, فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم جلداً قوياً قادراً على الصيام, قال له: ( عليك بالصيام فإنه لا عدل له ) الصيام لا مساوي له ولا مكافئ.

    نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يعيننا على أنفسنا, وأن يأخذ بأيدينا إلى كل خير, وأن يجعل ما نقول حجة لنا لا حجة علينا.

    اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة:201].

    اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.

    اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين, اللهم اخذل الكفرة والمشركين، أعداءك أعداء الدين, اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك يا قوي يا عزيز!

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    خطوات الشيطان في إغواء الإنسان

    والشيطان له خطوات كما قال الله في سورة النور: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [النور:21] (خطوات): بعضهم يدعوه إلى الكفر, فإن يئس دعاه إلى البدعة, فإن يئس دعاه إلى الكبيرة, فإن يئس دعاه إلى الصغيرة, فإن يئس دعاه إلى الاشتغال بالمباحات، النوم والشراب والطعام واللباس ونحو ذلك من التوسع في أنواع المباحات, فإن يئس ورآه مشتغلاً دعاه إلى المرتبة السادسة, وهي مرتبة الجهاد والنزال, فيسلط عليه أعداءه فينالون منه, فإذا هو صبر نال منزلة المقربين الذين أخبر عنهم سبحانه وتعالى بأنهم نالوا منزلة الإمامة بالصبر واليقين, كما قال شيخ الإسلام: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.

    هكذا نال الشيطان حظاً يسيراً من هذا النبي الكريم, وهو إلهاؤه في تلك الليلة عن القيام والذكر فيها.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3042200834

    عدد مرات الحفظ

    731368867