إسلام ويب

زيد بن حارثة دروس وعبرللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء الإسلام بتشريع رباني مستقيم مبطل لعادات الجاهلية، ومن ذلك ما حصل لزيد بن حارثة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضية التبني وإبطال الله له قولاً وتطبيقاً، وأجرى تنفيذه على يد نبيه صلى الله عليه وسلم، ونفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك دون أن يكتم شيئاً مما عوتب به، فلا مجال للطاعنين في شريعته أن يفتروا عليه شيئاً.

    1.   

    قصة زيد بن حارثة قبل الإسلام

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    إخوتي في الله! يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [الأحزاب:37].

    حديثنا في هذه الخطبة عن هذه الآية، من هو زيد هذا؟ وما هي قصته التي وردت في هذه الآية؟ وما هي العبر والعظات التي أراد الله عز وجل إيصالها للخلق من خلال هذه الآية.

    زيد هذا هو حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي من بني كلب، من قبائل تغلب، من عرب شمال الجزيرة العربية، قبل الإسلام أغارت بعض القبائل على قبيلته فأخذته من يد أمه وهو صغير، وباعوه في مكة، فاشتراه حكيم بن حزام لـخديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها وأرضاها، ولما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبت زيداً هذا لمحمد صلى الله عليه وسلم، فكان عبداً مملوكاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما جاء وفد الحجيج من قبيلته دخلوا مكة، فرأوا زيداً فعرفوه وعرفوا مكانه، فرجعوا إلى أهله فقصوا خبره على أبيه، فجاء أبوه وعمه إلى مكة لفداء زيد وشرائه ممن هو في يده، ولا يعلمون في يد من هو، لما دخلوا مكة سألوا فعلموا أنه مملوك لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فجاءوا إليه فطلبوا منه فداء زيد، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الكريم الأمين أبى أن يأخذ منهم فدية زيد، وأنصفهم أيما إنصاف، فقال: أدعو زيداً فأخيره بيني وبينكم، فإذا اختاركم ذهبتم به، وإذا اختارني بقي معي، فدعي بـزيد فلما جاء زيد عرفه أهله، فقال: أعرفتهم؟ قال: نعم، ثم خيره بين أن يمضي مع أبيه وعمه، أو يبقى مع محمد في مكة، فاختار زيد رضي الله تعالى عنه البقاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، اختار البقاء عبداً مع محمد في مكة على الحرية مع أهله وذويه، وفي وطنه، وفي بيته، في شمال جزيرة العرب، وليس هذا بعجب، اختار محمداً صلى الله عليه وسلم والبقاء معه على كل ما يمكن أن يقدمه الواحد منا اليوم، اختار محمداً وليس ذلك بالعجب، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان مغناطيس القلوب، تهواه الأفئدة، وتحن إليه النفوس، ويحبه الحي والجماد، ألم يحن الجذع عليه وبكى حين فارقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان يقف على الجذع يخطب فلما اتخذ له المنبر رقى المنبر وترك الجذع فسمع الصحابة بكاء الجذع حنيناً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الحيوان إذا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل عليه يشكو إليه حاجته، دخل يوماً حديقة وفجأة يرى دموع الجمل تسقط من عينه ويحن إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فيقول: ( إن هذا الجمل يشكو إلي أنك تجيعه وتُدئبُه )، ويسبح الحصى في كفه عليه الصلاة والسلام، ويمضي في الطريق فتسلم عليه الحجارة، ويأتي للنحر في حجة الوداع وهو ينحر البدن ومعه مائة من البدن، وذلك مجموع ما قدم به من المدينة وما جاء به علي من اليمن، فلما بدأ ينحر عليه الصلاة والسلام جعلت البدن تتسابق كل واحدة منهن تريد أن تنحر على يده الشريفة صلى الله عليه وسلم، فنحر ثلاثاً وستين بيده، وأمر علياً أن يكمل ما بقي، وهذا الحدث الذي نتحدث عنه حصل لرسول الله في الجاهلية قبل بعثته صلى الله عليه وسلم، اختار زيد البقاء مع محمد صلى الله عليه وسلم، وفضله على أهله، وحينها أعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج به إلى الحجر والناس مجتمعون حول الكعبة، وقال: أشهدكم بأن زيداً ابني يرثني وأرثه: على عادة العرب في التبني، ونسبة الغير إليهم، فنسبه إلى نفسه، وأعلن أنه ولد له يرث أحدهما الآخر، على عادتهم في الجاهلية، وصار يدعى بعد ذلك زيد بن محمد.

    1.   

    زواج زيد بزينب وطلاقها وإبطال التبني

    ولما جاء الإسلام أقام الله عز وجل القسط، ووضع العدل، وأمر بأن ينسب الرجل إلى أبيه، فقال سبحانه وتعالى في أوائل سورة الأحزاب: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ[الأحزاب:5]، إذا لم تعلموا آباءهم فادعوهم بأخوة الدين، كان زيد واحداً من هؤلاء الذين شملهم هذا الحكم: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ [الأحزاب:5]، فأبطل الإسلام أن ينسب الرجل إلى غير أبيه، وأخبر بأن من انتسب إلى غير أبيه وهو يعلمه فقد كفر، يعني: كفر هذه النعمة، وهي نعمة النسب، فدعي من يومها زيد إلى أبيه، أي: زيد بن حارثة ، وسمي حب رسول الله، يعني: محبوب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    هذا الحب الكريم زوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى النساء الشريفات، وهي زينب بنت جحش ابنة عمته عليه الصلاة والسلام؛ إكراماً لمقامه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثم أخبرنا سبحانه وتعالى بما جرى لـزيد، وما في هذا الحدث من العظات والعبر، قال سبحانه: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ[الأحزاب:37]، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يتزوج بـزينب هذه، وأحب الزواج بها، لولا أنها متزوجة تحت زيد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ولكن الله سبحانه إذا شاء شيئاً هيأ له الأسباب.

    تهيئة الله لزواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب

    ألقى الله سبحانه في قلب زيد أن يفارق زينب بسبب بعض الأخلاق التي كانت تعامله بها، فهي أشرف منه نسباً وأعلى منه مقاماً، ولم ترزق منه ولداً، فإذا جرى بينها وبينه ما يجري بين الأزواج ربما ترفعت عليه ببعض الكلمات، فأراد زيد أن يفارقها، وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام مستشيراً يريد أن يفارق زينب ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي زوجه بـزينب، فجاءه يستشيره قبل الفراق، وهذا هو الدرس الأول.

    أمانة النبي صلى الله عليه وسلم في المشورة

    كان النبي عليه الصلاة والسلام في نفسه يضمر أنه يريد الزواج بـزينب لولا أنها متزوجة، بل قال كثير من أهل العلم: قد أوحى الله إليه بأن زينب ستكون إحدى نسائه، لما جاءه زوجها يستشيره في فراقها قال ما قال الله عز وجل عنه: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:37]، هذه الوصية التي ينبغي أن يتلفظ بها كل مستشار في شيء بين الزوجين، فإن الإصلاح بين الزوجين خير من الفراق بينهما، فهذا الرجل يريد أن يفارق زوجته، والنبي صلى الله عليه وسلم يأمره أمر إرشاد وأمر نصح وتوجيه بأن يمسك عليه زوجته، وأن يبقى محافظاً على العصمة، أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:37]، (اتق الله) أي: لا تنسب إليها ما ذكرت من الأخلاق التي تعاملك بها، فهذا مما يجري بين الزوج وزوجته، وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلحة المستشير على ما يريده هو في نفسه؛ لأن المستشار مؤتمن، قدم عليه الصلاة والسلام مصلحة زيد على ما يتمناه هو في نفسه، قال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:37]، وهذا خلق عال في الاستشارة، ينبغي للإنسان أن يقدم ما يريده المستشار وما يصلحه على ما يريده هو ويتمناه لنفسه، أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:37]، هي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل زوج يريد أن يفارق زوجته كما في صحيح مسلم ، قال عليه الصلاة والسلام: ( لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر )، الكمال عزيز، وقل أن تجد امرأة سالمة من العيوب، إن كرهت منها خلقاً ما دامت مؤمنة فإنك لو أنصفت ستجد فيها عشرات الأخلاق الحسنة، ( لا يفرك ) أي: ( لا يبغض مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر )، وفي سورة أخرى يخبر سبحانه وتعالى عن مقابل هذه السورة، وهي: فيما إذا كانت المرأة هي التي تخاف النشوز والترفع من الزوج، فقال: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128]، الصلح خير من الفراق، هذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المقام: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ [الأحزاب:37]، أي: أن الله عز وجل سيظهر الأمر الذي أردته، وسيزوجك بـزينب علانية، وسيظهر هذا للناس أجمعين، وإن حاولت اليوم أنت إخفاءه: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37].

    1.   

    حكمة الله في إبطال التبني على ريد رسول الله صلى الله عليه وسلم

    إنما هناك سؤال مهم أيها الإخوان! لماذا قدر الله عز وجل هذا الحادث، ولماذا أراد سبحانه وتعالى أن يكون تنفيذ هذا الحكم على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألغى التبني في أول السورة، وقال: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ[الأحزاب:5]، فاستجاب الناس لهذا التعليم، وانتسب من كان يعرف أباه إلى أبيه، ومن كان لا يعرف أباه صرح للناس علانية بأنه من مجهولي النسب، كما جاء في الحديث أن أبا بكرة قال للناس: أنا ممن لا يعلم أبوه، فأنا أخوكم في الدين، فاستجاب الناس لهذا التعليم الرباني، والحكم الشرعي، ودعي كلُّ واحد منهم إلى أبيه، وأبطلوا التبني، لكن بقي العمل الذي يحتاج إلى قوة أكبر من مجرد الأمر بالألفاظ، بقي آثار هذا الحكم في واقع الناس، بقي أن الناس لا يزالون يتزوجون والواحد منهم يتحرز ويتحفظ أن يعتقد بأن هذا الذي كان يدعى إليه لم يصبح اليوم ولداً له، ومن هؤلاء زيد، حيث كان يدعى إلى محمد، وكان متزوجاً بهذه المرأة، فأراد الله عز وجل أن يبطل هذا الحكم وما يترتب عليه من الآثار أبلغ إبطال، فأراد سبحانه وتعالى أن يتزوج الرجل زوجة الرجل الذي كان ينسب إليه، فإن زوجة الولد لا تحل للوالد كما هو معلوم، فأراد أن يزيل من النفوس كل آثار التبني، وأن يبطل من النفوس كل اللواحق التي تلحق بالتبني، فأراد أن يتزوج الرجل من المؤمنين زوجة هذا الولد الدعي الذي كان ينسب إليه: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا [الأحزاب:37]، لكنه حكم جليل كبير على النفوس وشاق عليها أن يتزوج الرجل زوجة الولد الذي كان ينسب إليه، تغيير ليس بالسهل، وتبديل ليس بالهين، نقل المجتمع من حالة إلى حالة أخرى، وهنا يحتاج الناس حينما يكلفون بعمل على خلاف عادتهم وحينما يكلفون بعمل على خلاف أخلاقهم إلى نصب قدوة حية أمامهم، يرونها تفعل فيفعلون بفعلها، وعلى قدر عظم العادة وتمكنها وترسخها في النفوس تحتاج إلى قدوة كبيرة تغير ذلك الحكم أمامهم، ولما كان هذا الحكم متوغلاً في نفوسهم مستقراً في قلوبهم نصب الله سبحانه وتعالى الرسول الأعظم قدوةً لهم في هذا الحكم، فزوجه بزوجة الدعي الذي كان ينسب إليه حتى يخف على الناس تقبل هذا الحكم، وحتى يسهل على الناس الالتزام بهذا الشرع، فزوجه سبحانه وتعالى من فوق سبع سموات، زوجه زينب بنت جحش من غير عقد، ومن غير ولي، ومن غير مهر، فقال: (زوجناكها) تولى العقد الله سبحانه وتعالى وحده، ودخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير عقد، ومن غير هبة، ومن غير شهود، وأولم عليها في اليوم الثاني، فأطعم الناس خبزاً ولحماً حتى تركوه، فتولى الله هذا العقد، وكان المعقود له رسوله صلى الله عليه وسلم.

    يدلنا هذا الحدث يا معاشر الناس، يا معاشر المؤمنين، على أهمية القدوة العملية لتغيير أخلاق الناس وعادات الناس، وعلى قدر ترسخ العادة وعلى قدر قبحها يحتاج الناس إلى قدوة كبيرة تكون أمامهم، وسواءٌ في ذلك الخير والشر، إذا أردنا أن نغير عادة في بيوتنا فإننا نحتاج إلى قدوة حية، إن صلاتك ركعتين أمام أبنائك وبناتك وزوجتك في البيت خير من الكلام الكثير بالأمر بالصلاة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام وهو يتكلم عن صلاة الرجل في بيته، ( فإن الله جاعل من صلاته في بيته خيراً )، فعلك أنت للخير أمام الناس ويجعلهم يفعلونه على هون، يفعلونه بسلاسة وطواعية، يفعلونه بغير تكلف، وقد رأينا بأعيننا كيف تتغير المجتمعات، حينما يتغير كبراؤها، وكيف تنحرف المجتمعات حينما ينحرف كبراؤها، الناس ألفوا التغير إذا تغيرت القدوات، وهكذا العادات القبيحة إذا رأى الناس الكبار منهم، إذا رأى الناس المقدمين منهم، يقدمون أنفسهم أسوة في الخير، أسوة في الصالحات، سهل على الناس الاقتداء بهم، وكم من عادة في المجتمع تحتاج إلى تغيير، كم من عادة في المجتمع تحتاج إلى تبديل، ولكنها لن تتبدل ما دام الكبار والأشراف يغضون الطرف عنها، فإذا قدموا أنفسهم قدوة لغيرهم، إذا قدموا أنفسهم أسوة لغيرهم دخلوا في قوله عليه الصلاة والسلام: ( ومن سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة )، عادات كثيرة في الأفراح وفي الأتراح، عادات بئيسة قبيحة في أعراسنا وفي عزائنا، تحتاج إلى تبديل، تحتاج إلى تغيير، ولكنها لن تتغير إلا إذا وجدت القدوة من الكبار فسهل على الصغار الاقتداء بهم، والتأسي بأفعالهم، وهذا ما أراد الله عز وجل في هذا الحدث العظيم أن يبينه للناس، نصب رسوله صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة فزوجه زينب، ورغبه في زواجها، وتولى سبحانه وتعالى زواجها خشية من أن يتحرج النبي صلى الله عليه وسلم في الزواج بها، ولأمر ما جعل الله سبحانه وتعالى زيداً هو الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لما هم رسول الله بزواج زينب بعد أن فارقها زيد قال لـزيد : لا أجد خيراً منك يخطب علي زينب، فذهب زيد يخطبها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لأمر ما شرع الله عز وجل هذا الحكم الجليل، نحن بحاجة أن نفهم عن الله عز وجل مراده من وراء هذا القصص القرآني: لما قضى زيد منها وطراً زُوِّجَها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي هذا بيان أنه لا حرج على الإنسان أن يحب امرأة أو أن يتعلق قلبه بها، ما دام لم يقترف إثماً، ولم يقع في محرم بنظرة إليها، أو بمراسلة لها، أو بتخبيب على زوجها، وإفساد لها، أو بغير ذلك، فهذا كان في رسول الله صلى الله عليه وسلم: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ [الأحزاب:37].

    وفي هذه القصة إشارة إلى أن الرجل المستشار ينبغي له إذا كان خيراً أميناً أن يسعى في الإصلاح بين الزوجين ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

    وفيها إشارة أيضاً إلى أن الخلافات الزوجية التي تحصل بين الأزواج لن يعدم الإنسان من ورائها خيراً، مهما كانت الخلافات، ومهما كبرت المشكلات، فإن الإنسان قد يكره شيئاً والله عز وجل يقدر له فيه الخير: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [البقرة:216]، وفي القصة درس آخر نتحدث عنه في الخطبة الثانية.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    تعلق النبي صلى الله عليه وسلم بكل طيب

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    إخوتي في الله! زيد كان حِبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحب إلا طيباً، والسيرة العملية لـزيد أثبتت هذا، وبينت خاتمة زيد، وكيف عاش زيد، عاش زيد مجاهداً في سبيل الله، لا يرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشاً أو سرية وفيها زيد إلا جعل زيداً أميراً عليها أو في رأسها، وكان الأمر كذلك، خرج زيد مجاهداً في غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقبض شهيداً في غزوة مؤتة في أرض الروم، خرج يوم مؤتة فقتل شهيداً رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو أمير الجيش، وهو آخذ بالراية.

    وهذا فيه أعظم دلالة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يتعلق قلبه إلا بكل طيب، ولا يحب إلا ما كان طيباً، وهكذا سائر أحبابه عليه الصلاة والسلام، وعلى رأسهم الصديق و الفاروق، و عثمان، و علي، والعشرة المبشرون بالجنة رضي الله عنهم أجمعين، وزوجاته من أحبابه عليه الصلاة والسلام، فلا يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا طيباً، فمن ادعى خلاف ذلك فقد جنى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله جل شأنه يقول: وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ [النور:26].

    1.   

    تبليغ النبي صلى الله عليه وسلم لجميع ما أمره الله بإبلاغه

    ومن دروس هذه القصة ما أخبرت به عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: (لو كان رسول الله كتم شيئاً مما أمره الله بإبلاغه للناس لكتم هذه الآية)؛ لأن هذه الآية كانت معاتبة له عليه الصلاة والسلام، وبياناً لما في نفسه، وإخباراً للناس بما أضمره رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ [الأحزاب:37]، يعني: تخشى مقولة الناس وتخشى كلام الناس أن يقولوا: محمد تزوج زوجة دعية، والله أولى وأحق وأجدر بأن تخشاه وتخافه، وتسارع إلى تنفيذ أمره، ومع كل هذا العتاب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفس طيبة منصاعة طائعة لله، وقرأ هذه الآية على الناس دون وجل أو تردد، ولو كان رسول الله كاتماً شيئاً لكتم هذه الآية وأمثالها، فإن في أول السورة يقول الله عز وجل له: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1]، ولو وجه هذا الخطاب إلى أحدنا اليوم لغضب واحمرت وجنتاه، وقال له: وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:48]، ونزل عليه قوله سبحانه وتعالى: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى [عبس:1-5] يعني: تكبر وترفع عن الاستجابة للدين: فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى [عبس:6-7]، كان طامعاً عليه الصلاة والسلام في أن يسلم أشراف قريش، فكان حريصاً على إسلامهم، وربما في وسط هذا الحرص ترك ما ينبغي أن يقوم به في حق بعض صغار أصحابه فخرج عليه الصلاة والسلام بنفس طيبة مطمئنة يقرأ على الناس ما كلفه الله ببلاغه، فبلغهم هذه الآيات، لو كان كاتماً شيئاً لكتم الآيات التي عوتب بها، فكيف يدعي بعد ذلك بعض الناس أنه عليه الصلاة والسلام كتم حقوقاً لآل البيت لم يبينها للناس، أو نحو ذلك من المفتريات المكذوبات، ما كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، ولا أوصى بالخلافة من بعده لأحد، حتى قالت عائشة : (لقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه على صدري بين سحري ونحري، وما أوصى بشيء)، ولو كان مأموراً بأن يوصي لأحد، أو كان مأموراً بأن يبلغ حقاً لأحد لما تراجع عليه الصلاة والسلام عن إبلاغ هذا الحق، كيف وقد بلغ الناس ما عوتب به في شخصه عليه الصلاة والسلام، وبهذا شهد علي رضي الله عنه لما سئل: ( هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؟ فقال: لا، ما خصنا بشيء )، والحديث في صحيح مسلم ، هكذا كان عليه الصلاة والسلام أميناً على هذا الوحي، مبلغاً لرسالة الله، مؤدياً لها كما وصلت إليه، حتى استشكل بعض الناس: كيف يبلغ عليه الصلاة والسلام قوله سبحانه وتعالى في السور القصار: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، كيف يبلغ هذه الألفاظ مع أن جبريل قال له: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، فكان يكفيه أن يقول: هو الله أحد، وأعوذ برب الفلق، وأعوذ برب الناس، ولكن خفي عليهم أن الرسول عليه الصلاة والسلام مأمور بأن يبلغ الناس كلما جاء به جبريل، وجبريل جاء بقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، فبلغها عليه الصلاة والسلام كما جاء بها جبريل، فقال للناس: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق:1]، و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس:1]، وما شابهها من الآيات، فلم يترك حرفاً واحداً للناس فيه بلاغ إلا بلغهم، ولم يترك خيراً للناس إلا ودلهم عليه، حتى قال الصحابة: (ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائر يقلب جناحيه في السماء إلا وعندنا فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر)، فمن ادعى خلاف ذلك فقد خونه عليه الصلاة والسلام في أداء الأمانة، خونه في إبلاغ الرسالة، كذبه فيما ائتمنه الله عز وجل عليه.

    نسأل الله أن يلهمنا الرشد، وأن يجنبنا مساوئ الأخلاق والاعتقاد، اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات، اللهم اغفر لمن حضر هذه الجمعة ولوالديه، وافتح للموعظة قلبه وأذنيه، أنت ولي ذلك والقادر عليه.

    اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، واخذل الكفرة والمشركين، أعداءك أعداء الدين، اللهم يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015618773

    عدد مرات الحفظ

    723697347