إسلام ويب

حسن الظن بالله تعالىللشيخ : أحمد سعيد الفودعي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لعبادة القلوب مكانتها في الشريعة إذ هي العقيدة التي تورث فعلاً وتركاً، وحسن الظن بالله واحدة من تلك الأعمال القلبية التي حث عليها الشرع الحنيف، وقد ذكر القرآن والتاريخ نماذج ممن أحسنوا الظن بالله فصدقهم الله، وممن أساءوا الظن بالله فجزاهم بظنهم.

    1.   

    عقيدة حسن الظن بالله تعالى

    الحمد لله رب العالمين، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحشر:18].

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

    أما بعد:

    فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    إخوتي في الله! حديثنا اليوم عن عبادة جليلة من عبادات القلوب، عبادة بها يدر الله عز وجل على هذا الإنسان خيره في الدنيا والآخرة، عبادة من عبادات القلوب بها يستجلب الإنسان مصالح الدين والدنيا، وبها يصلح الإنسان عاجله وآجله، إنها عبادة حسن الظن بالله تعالى، فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الصافات:87]، ماذا يعتقد الإنسان في الله، ما هو ظنه في الله، فإن الله عز وجل يعامل العبد بمقتضى ظنه به، فكما تظن بالله تجد، وهذا ما دل عليه قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي، الذي رواه الشيخان: البخاري و مسلم ، ( يقول الله سبحانه وتعالى: أنا عند ظن عبدي بي, وأنا معه حين يذكرني )، (أنا عند ظن عبدي بي)، قال العلماء معناه: أنا قادر على أن أفعل به ما يظن، فمن ظن أن الله سيغفر له غفر له، ومن ظن أن الله سيفرج كربه فرج كربه، ومن ظن أن الله سيشفي مريضه شفى مريضه، ومن ظن بأن الله لا يغير عليه الحال لم يغيره، ومن ظن بأن الله لا يقدر على تفريج كربته عامله الله عز وجل بظنه؛ فلم يفرج من كربه شيئاً: ( أنا عند ظن عبدي بي, فليظن بي ما شاء )، هذه العبادة الجليلة؛ حسن الظن بالله تعالى، أن يحسن الإنسان تصوره في الله، أن يحسن الإنسان ظنه بالله، العبادة الصحيحة القائمة على معرفة الله المعرفة التي جاء بها الكتاب، والتي جاءت بها السنة.

    العقيدة الصحيحة تورث في القلب حسن الظن بالله تعالى، فإن الإنسان لا يمكن أن يحسن ظنه بشخص إلا إذا علم منه الصفات الجميلة، لا يمكن أن يحسن ظنه بشخص وهو يعلم أنه خائن، لا يمكن أن يحسن ظنه بشخص وهو يعلم أنه ضعيف، لا يمكن أن يحسن ظنه بشخص وهو يعلم أنه غير قادر على نصر من ينتصر به، وهكذا، فلن يحسن الظن حتى يمتلئ القلب يقيناً بأن الله سبحانه وتعالى هو المتصف بكل جميل، هو المتصف بكل كمال، فمعرفة الإنسان بالله عز وجل وبأسمائه وصفاته، واعتقاد الإنسان ما جاء به الكتاب وصحيح السنة من الأخبار عن الله هو الذي يورث في القلب ركوناً إلى الله، هو الذي يورث في القلب اعتماداً على الله، هو الذي يورث في القلب تفويضاً إلى الله، هو الذي يورث في القلب حسن ظن بالله، أما إذا فسدت العقائد وفسدت القلوب ولم تعرف القلوب ربها حق المعرفة؛ فإنها لا يمكن أن تحسن الظن به، وهذا هو المحك الذي وقع فيه المنافقون، هذه هي الآفة التي ابتلي بها من ابتلي ممن أساءوا الظن بربهم؛ أساءوا الظن بربهم لأنهم لم يعرفوه، أساءوا الظن بربهم؛ لأنهم جهلوه، فمن علم ربه أحسن الظن به، فالله عز وجل له الصفات العليا، له المثل الأعلى، له الأسماء الحسنى، متصف بكل كمال، متصف بكل جميل، وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، فحق له سبحانه وتعالى أن يحسَن الظن به، كيف لا تحسن الظن بعد علمك بأنه سبحانه وتعالى الغفور الرحيم، العزيز الحكيم، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، الذي بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير؟ يسمع ويرى، يبصر ويتكلم، يراقب عبده في السر والعلن، لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء، ولا يعجزه شيء، ولا يئوده حفظ أحد من خلقه، فإنه القادر على كل شيء، العالم بكل شيء، المحيط بكل شيء، إذا علم الإنسان هذه العقيدة، وربط عليها قلبه، فإن هذا يجره حتماً إلى إحسان الظن بالله، وإذا رزق العبد هذه العبادة: إحسان ظنه بالله، فإنها والله الدواء لكل كرب، هي والله المفتاح لإزالة كل مصيبة؛ ولهذا قال الصالحون من قبلنا: استعمل في كل مصيبة تطرقك حسن الظن بالله؛ فإنها والله المفتاح الأقرب لحل كل بلية تنزل بالإنسان؛ أن يحسن ظنه بالله، وأن يعلم حينها بأن الله عز وجل قادر على أن يغير الحال من حال إلى حال.

    1.   

    نماذج في حسن الظن بالله

    وسأضرب لكم أمثلة سريعة من تاريخ الصالحين، وفي مقابلها من تاريخ من أساءوا الظن بالله، وكيف كانت النتائج:

    هاجر وولدها في واد غير ذي زرع

    في صحيح البخاري ، وهو أصح الكتب بعد كتاب الله، وليس من أخبار كان يا ما كان، جاء إبراهيم عليه السلام بامرأته هاجر وولدها الرضيع ووضعهما في وادي مكة، بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم:37]، ليس فيه زرع ولا ماء، ليس فيه أنيس ولا جليس، ووضع بجانبهما جراباً فيه تمر، وسقاءً فيه ماء، ليس إلا قليل من التمر، وليس إلا قليل من الماء، وتولى الرجل منصرفاً، أعطاهم القفا، فلحقته المرأة المسكينة الضعيفة الفقيرة الوحيدة وبجانبها الرضيع، تقول له: يا إبراهيم، إلى من تتركنا؟ لماذا تضعنا في هذا الوادي وتذهب؟ فلم يلتفت إليها، فلما قالت الثالثة قالت له: آلله أمرك بهذا؟ هل الله هو الذي أمر بهذا؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا، إذا كان الآمر هو الله فإنه على كل شيء قدير، إذا كان الآمر هو الله فإنه لا يعزب عن علمه شيء، إذاً لا يضيعنا، وكان ما كان، كانت النتيجة بعد أن نفد الماء، وانتهى التمر، ورأت الصبي كما في صحيح البخاري وهو يتلمظ، يتلوى من شدة الجوع، ومن شدة العطش، لكنها محنة تزول عن قريب، محنة يأتي الفرج بعدها بلحظات، رأت الطفل وهي في الوادي الذي ليس فيه أحد، لا طعام ولا ماء، رأت الطفل يتلمظ من شدة الجوع، وقد يبس اللبن من ثديها، فلم تجد بداً إلا أن تذهب يميناً وشمالاً لعلها تجد من ينقذها، فرقت الصفا، والتفتت يميناً وشمالاً فلم تر أحداً، ونزلت مسرعة إلى جهة المروة، ولما كانت في بطن الوادي أسرعت المشي جداً، حتى إذا صعدت على المروة مشت قليلاً، فرقت المروة فلم تجد شيئاً، وظلت هكذا ذاهبة آيبة سبع مرات، ولما كانت في المرة الأخيرة على المروة سمعت صوت الملك، فرأته وهو يحفر بجناحه، ورأت الماء وهو يثور على الأرض، حفر بجناحه في الأرض فثار الماء، قال لها: من أنت؟ قالت: أنا هاجر ؛ أم ولد إبراهيم ، فقال لها: إلى من وكلكما؟ لماذا ترككما في هذا المكان؟ قالت: إلى الله، فقال: لقد وكلكما إلى كاف، أي: وكلكما إلى من يكفيكما فلا تهتما، قال لها في الرواية الأخرى: لا تخافوا الضيعة، لا تخافوا الهلاك، فإن هذا الغلام وأبوه يبنيان في هذا المكان بيت الله، ثم قالت له: بشرك الله بخير، وكان ما كان، طعما من ذلك الماء، وأرسل الله عز وجل من يزيل عنهما الوحشة، وصدق ظنها بالله.

    إبراهيم عليه السلام يقذف في النار

    وإبراهيم عليه السلام لما كُتِّف، وأشعلت النيران الضخمة ليلقى فيها؛ جاءه الملك فقال له: ألك حاجة؟ قال: حسبي الله، يكفيني الله، فإنه قادر على فعل ما أريد وزيادة، حسبي الله ونعم الوكيل، وصدق الله عز وجل ظنه، قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69].

    الصحابة وقت عقد صلح الحديبية

    محمد عليه الصلاة والسلام لما عاهد كفار قريش وقت الحمية؛ جمعوا القوة، وصدوا عن سبيل الله؛ كما قال الله عز وجل: إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ [الفتح:26]، ومنعوا العباد، منعوا المعتمرين الذين خرجوا لا يريدون حرباً، ولم يعدوا لها سلاحاً، يريدون الطواف بالبيت، يريدون ذكر الله، جعلت قريش الكافرة في قلوبها حمية الجاهلية، وصدوا عن سبيل الله، وأرادوا قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه، واضطر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب معهم صلحاً، عرف بعد ذلك بصلح الحديبية، وفيه ما فيه من الشروط الجائرة، وكان فيه: أن من جاء مسلماً من مكة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فإن على النبي صلى الله عليه وسلم أن يرده إلى أهل مكة، يرده إليهم ليعذبوه، يرده إليهم لينالوا منه، من جاء مسلماً فعليكم أن تردوه إلينا، ومن جاء منكم إلينا لا نرده إليكم، وكان من شروط الصلح: أن ترجعوا هذا العام، ولا تدخلوا، بعد أن أحرموا، بعد أن لبوا.

    فكان من شروط الصلح ما كان فيه من شروط جائرة، أخذ بعض المسلمين الحمية لدين الله، فجاء عمر رضي الله عنه وقال: ( يا رسول الله! ألسنا المسلمين وهم الكافرون؟ قال: بلى, قال: ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى, قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: بلى, قال: فلم نعط الدنية في ديننا, فلنقاتل حتى يباد الآخِر منا )، لكنه عليه الصلاة والسلام أخبره بأن هذا توجيه من الله، والله إذا تكفل بعباده لا يضيعهم، قال له كما في صحيح البخاري : ( إني رسول الله, ولن يضيعني الله أبداً )، وذهب عمر إلى أبي بكر فأخبره بالخبر، فقال أبو بكر نفس الكلمة؛ إنه رسول الله، ولن يضيعه الله أبداً، ثم ماذا كان؟ جعل الله هذا الصلح مقدمة لجملة من الانتصارات بعده، جعل الله عز وجل صلح الحديبية تفرغاً ليقابل النبي صلى الله عليه وسلم أعداءه اليهود في خيبر، ففتحت خيبر بمزارعها وحدائقها، وغنموا ذهبها وفضتها، وغنم المسلمون مالاً كثيراً، جعل الله عز وجل فتحاً كبيراً؛ لأنه إذا تكفل بعبده لن يضيعه، وجعل صلح الحديبية مفتاحاً وتمهيداً لفتح مكة؛ فإن قريشاً هي التي نقضت العهد، قريش هي التي كفرت، وهي التي اعتدت، فنصرهم الله عز وجل عليها، وجاءهم الفتح الأكبر، وسمى الله عز وجل صلح الحديبية فتحاً، فأنزل بعد الصلح: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا [الفتح:1]، حتى استغرب عمر وقال: ( يا رسول الله, أفتح هو؟ قال: نعم )، والحديث في البخاري .

    إذا توكل العبد على الله عز وجل، وإذا أحسن العبد ظنه بالله؛ فإن الله عز وجل لا يتركه.

    قضاء دين الزبير بن العوام

    توفي الزبير بن العوام رضي الله عنه وعليه من الدين مليونان ومائتا ألف، وماله لا يبلغ مائة ألف، فكيف يمكن أن يقضى ذلك الدين الكثير من التركة القليلة اليسيرة؟ جاء بابنه قبل أن يموت، وقال له - كما في صحيح البخاري أيضاً، يا بني! إن عجزت في شيء فاستعن بمولاي، قال عبد الله : ولم أدر ماذا يريد، فقلت له: من مولاك؟ قال: الله، قال عبد الله بعد ذلك: فوالله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عن الزبير دينه، فيقضي عنه الدين، لما مات الزبير جيء بالتركة وجيء بأحد التجار؛ حكيم بن حزام لينظر في قدر التركة مع الديون، فقال حكيم وهو لا يدري كم الدين، قال: التركة إذا جمعت فإنها لا تقضي مائة ألف درهم، فكيف وهو لا يدري بأن الدين يفوق المليونين، قال له عبد الله : فكيف إذا علمت بأن الدين ألفي ألف، يعني: مليونين ومائتي ألف، ولكن الله الذي أحسن الزبير به الظن وتوكل عليه سبحانه وتعالى تكفل بقضاء الدين، فحصلت أمور ما كانت في حسبان أولاده، ولا في حسبان ورَّاثه، قومت الأموال فبلغت خمسين مليوناً ومائتي ألف، أقبل الناس على شراء تركة الزبير ومزارعه، يدفعون مبالغ ضخمة ومبالغ هائلة ما كانت في الحسبان، والخبر في صحيح البخاري ، ليس من أخبار كان يا ما كان، ورثت المرأة الواحدة من زوجاته ما يزيد على ألف ألف، أي: ما يزيد على مليون، وكان متزوجاً بأربع نسوة، إنه الله، عندما يحسن العبد به الظن سبحانه وتعالى، فإنه قادر على إزالة كل كربة، قادر على تفريج كل هم، قادر سبحانه وتعالى على كشف كل ضيق، إنه الله القادر على كل شيء، الذي أحاط بكل شيء رحمة وعلماً، كما بلغ علمه كل شيء بلغت رحمته كل شيء، ولكن متى يحسن هذا العبد الظن بربه، إنه لن يصل إلى هذا المقام إلا إذا عرف ربه حق المعرفة.

    1.   

    آثار حسن الظن بالله

    الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    إخوتي في الله! حسن الظن بالله عبادة تترتب عليها عبادات، وتجرك إلى عبادات كثيرة، فمن أحسن الظن بالله سيترك الحرام؛ لأنه يعلم بحسن ظنه بربه أن الله سيخلف عليه ما هو خير له، فمن لم يترك الحرام شحاً به وبخلاً، من لم يترك الحرام لأنه يظن أنه لن يعوض عنه فقد أساء بالله الظن وما أحسن، ولو أحسن بالله الظن لأيقن بأن الله سيخلف عليه بما هو خير له، من أحسن بالله الظن جره حسن ظنه بالله إلى إنفاق كل غال ونفيس في مرضاة الله، فينفق الأموال لأنه يظن أن الله يخلف له ما هو خير منها، ويبذل النفس لأنه يظن أن الله عز وجل سيقلبه إلى ما هو خير مما هو فيه، يبذل الولد لأنه يظن أن الله عز وجل قادر على الخلف بخير منه، إذا أحسن العبد ظنه بربه جره ذلك إلى ألوان من العبادات.

    1.   

    ما ينبغي أن يتنبه له المؤمن في حسن الظن بالله

    ومما ينبغي التنبيه إليه: أن حسن الظن بالله لا ينافي الخوف من الله، فإن من إحسان الظن بالله أن يظن الإنسان بأن الله عز وجل يؤاخذ بالذنب، أن يظن الإنسان أن الله عز وجل يعاقب بالذنب، من حسن الظن بالله أن تظن بأن الله يغار كما أخبر عن نفسه، ( وغيرته أن تؤتى محارمه )، أن تظن بأن الله عز وجل يغضب إذا انتهكت حدوده، فهذا من حسن الظن بالله، إذا كان بني الإنسان كما يقول الشافعي رحمه الله، إذا فعل فيهم شيء يغضبهم فلم يغضبوا فهذا يدل على أنهم ليسوا أسوياء، ومن استغضب فلم يغضب فهو حمار، ليست لديه أحاسيس ولا مشاعر، الله عز وجل متصف بكل كمال، يغضب سبحانه وتعالى، يغار سبحانه وتعالى إذا انتهكت حدوده ومحارمه، فإنه يغار وغيرته كما أخبر عليه الصلاة والسلام: ( وغيرته أن تؤتى محارمه )، من حسن الظن بالله أن تظن بأن الله عز وجل يؤاخذ بالذنب ويعاقب عليه، وأنك عرضة لسخطه إذا فعلته، ومن إحسان الظن بالله بالمقابل أن تظن به الخير إذا فعلت الطاعة، فإنك إذا فعلت طاعة عليك أن تحسن به الظن في أن يتقبلها منك ويثيبك عليها عشرة أضعافها وأضعافاً مضاعفة، وهذا ما دلت عليه نصوص الشريعة، في صحيح مسلم يقول عليه الصلاة والسلام: ( يقول الله تعالى: أذنب عبدي ذنباً فقال: يا رب! أذنبت ذنباً فاغفره لي, فقال الله: علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويعاقب بالذنب, غفرت لعبدي )، أحسن الظن بالله وعلم أن له رباً بالمرصاد، يأخذ بالذنب ويعاقب بالذنب، ففزع إلى التوبة، فزع إلى الاستغفار، ( علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويعاقب بالذنب، فقال: غفرت لعبدي ).

    إن إحسان الظن بالله يقتضي أن تحسن العمل؛ لأن إحسان ظنك بالله، يعني: أن تعتقد بأنه سبحانه وتعالى شكور، حليم، غفور، فتتعبد له بمقتضى هذه الأسماء؛ ولذلك قيل للحسن البصري رحمه الله، الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء، قيل له: إن قوماً يسيئون العمل ويزعمون أنهم يحسنون الظن بالله، فقال: كذبوا، لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل.

    فلا تظنن بربك ظن سوء فإن الله أولى بالجميل

    ولا تظنن بنفسك قط خيراً وكيف بظالم جان جهول

    وقل يا نفس مأوى كل سوء أترجو الخير من ميت بخيل

    وظن بنفسك السوءى تجدها كذاك وخيرها كالمستحيل

    وما بك من تقى فيها وخير فتلك مواهب الرب الجليل

    وليس بها ولا منها ولكن من الرحمن فاشكر للدليل

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

    اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، يا حي يا قيوم اجعل أعمالنا كلها صالحة، واجعلها لوجهك خالصة، ولا تجعل لأحد فيها شيئاً، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم انصر الإسلام وأعز المسلمين، واخذل الكفرة والمشركين، أعداءك أعداء الدين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل كيده في نحره وأشغله في نفسه واجعل تدميره في تدبيره يا قوي يا عزيز، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم انصر المجاهدين في فلسطين، اللهم أعنهم ولا تعن عليهم، وانصرهم ولا تنصر عليهم، وكن لهم ولا تكن عليهم يا قوي يا عزيز، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة:201].

    اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    نماذج ممن أساءوا الظن بالله عز وجل

    إخوتي في الله! في المقابل هناك أناس أساءوا الظن بربهم فوقعوا في أنواع الردى، وقعوا في أنواع الهلاك، جلبوا على أنفسهم سخط الله ونقمته في الدنيا والآخرة، أساءوا الظن بربهم فأفسدوا الدين والدنيا، أساءوا الظن بالله فخربوا الدنيا والآخرة، وأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، أساءوا الظن بربهم، ظنوه عاجزاً، ظنوه جاهلاً، ظنوه قاصراً، ظنوه بأنه لن ينصر المؤمنين، ظنوه بأنه لن يفرج كرب المكروب، أساءوا الظن بالله، وذلك الظن السيئ أوقعهم في أنواع من المهالك، وأذكر لكم نماذج:

    ظن اليهود بأن حصونهم مانعتهم من الله

    تحصن اليهود كما حكى الله عز وجل عنهم في سورة الحشر، تحصن اليهود في حصونهم المنيعة، وظنوا بالله عز وجل ظن السوء، ظنوا بأن الله عاجز أن يسلط عليهم جنده ورسله، ظنوا بأن الله عز وجل عاجز أن يوصل إليهم رماح المؤمنين وسيوف المؤمنين، تحصنوا فاتكلوا واعتمدوا على حصونهم، على دورهم، وظنوا بالله عز وجل ظن السوء، لكن لما أساءوا بالله الظن أتاهم الله عز وجل من باب ما كان في الحسبان، أتاهم من باب ما كانوا يتوقعون أن يأتيهم منه، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر:2]، الحصون قائمة، والأبواب مغلقة، والدروب مسدودة، ولن يستطيع المؤمنون الوصول إليهم، لكن أتاهم الله من طريق ما كانت في الحسبان، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا [الحشر:2]، أتاهم سبحانه وتعالى من مواطن الثبات، أتاهم من قلوبهم، من مواطن القوة التي بها يحصل الثبات، والتي بها تحصل القوة، والتي بها يحصل الصبر، أتاهم من هذه القلوب فأفرغها من القوة، أتاهم من هذه القوة فأفرغها من الأمن، ملأها خوفاً، ملأها ضعفاً، ملأها خوراً، فنادوا بالاستسلام قبل أن يصل إليهم الناس، ونادوا بالصلح قبل أن يطلبه منهم الناس، ونادوا بالخروج من بيوتهم وأرضهم مقابل أن تسلم دماؤهم، فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الحشر:2]، وصالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يخرجوا بدوابهم وما حملته هذه الدواب من الأموال، لكن لما عزت عليهم بعض الأموال، كالذهب المعلق على الجدران، والذهب المعلق على الأبواب، وبعض الأشياء النفيسة على الأبواب والجدران، صاروا يقلعونها من الأبواب والجدران والسقوف ليحملوها على دوابهم فيخرجوا بها، وصدق فيهم قول الله: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ [الحشر:2]، اعتبروا! فإن كل من وقع فيما وقعوا فيه نزل به ما نزل بهم، اعتبروا يا أولي الأبصار، فإن من أساء الظن بالله أتاه الله من حيث لم يحتسب.

    خذلان المنافقين للمسلمين في معركة أحد وظنهم بالله ظن السوء

    المنافقون بعد غزوة أحد بين الله عز وجل سبب ما وقعوا فيه، والمنافقون اليوم يقعون في نفس الآفة، يخبر سبحانه وتعالى عن سبب خذلانهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ما هذا المنكر العظيم؟ فما هذه الزلة الكبيرة؟ وما هذا البيع للأمم؟ وما هذا البيع للأوطان؟ ما هذه التضحية بكل غال ونفيس من هؤلاء العملاء؟ إلا لأنهم ظنوا بالله ظن السوء، ظنوا أن الله لن ينصر المؤمنين، ظنوا أن الله عز وجل سيديل اليهود على المؤمنين، ظنوا بأن الله عز وجل سيسمح لليهود ليستأصلوا المسلمين ويقطعوا شأفتهم، ظنوا بأنه في ثلاثة أيام ستكون المعركة محتسمة لصالح اليهود، وستنتهي المشكلة، وسيقفزون على تلك الأرض ليحكموها، ظنوا بالله ظن السوء، ظنوا أن الله سيخذل قراء القرآن، سيخذل أرباب المساجد، سيخذل العُبَّاد الذين يدعون مساء صباح، ظنوا بالله ظن السوء، فأصابهم ما أصاب المنافقين بعد أحد، ظن المنافقون بالله ظن السوء بعد أحد، وقالوا كما قال الله عز وجل عنهم: أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا [آل عمران:154]، لو كانوا يطيعوننا ويسمعون كلامنا ما قتلوا، لو كانوا يسمعوننا ما نزلت بهم هذه المصيبة، وبين الله أن هذا الكلام مبعثه سوء الظن بالله؛ لأنهم ظنوا بالله ظن أهل الجاهلية، الجهلاء الذين لا يعرفون الله، الجهلاء الذين لا يؤمنون بوعد الله، الذين قال سبحانه وتعالى عنهم: يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [الصف:8].

    يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [التوبة:32]، الذين لا يؤمنون بهذه الوعود؛ يظنون أنه كلما لاحت لائحة الحرب، كلما زأرت البنادق، كلما صوتت الطائرات يظنون بأن معسكر الإيمان سيبيد، وأن معسكر الإيمان سيفنى، ويخيب الله عز وجل هذه الظنون مرة بعد أخرى، إنهم لم يقعوا فيما وقعوا فيه إلا لأنهم ظنوا بالله عز وجل ظن الجاهلية.

    ظن العصاة أن الله لا يعلم كثيراً مما يعملون

    وفريق آخر يأتون يوم القيامة حسرى، يأتون يوم القيامة نادمين، سود الوجوه، متأسفين، يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليحسنوا فيها، فيبين سبحانه وتعالى أن ما هم فيه إنما سببه سوء الظن بالله تعالى، وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت:19-21]، كانوا يستترون بالمعاصي في الدنيا من وراء الجدران، من رواء الأبواب، ويظنون بأن هذا سيذهب، وأن الله عز وجل لا يطلع عليه، وأن الله عز وجل لا يقدر على أن يقيم من يشهد عليهم، ظنوا هذا الظن، ظنوا بأن الله عز وجل لن يفعل بهم هذا، فقال لهم سبحانه وتعالى مخبراً عن أعضائهم: وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ [فصلت:22]، لما كنتم تفعلون المعصية ما كنتم تذهبون لتختفوا عن أعضائكم، ما كنتم تستترون عن سمعكم وأبصاركم وجلودكم، وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ [فصلت:22]، هذا الظن الخبيث، ظنكم أن الله لا يعلم، ظنكم أن الله لا يطلع، ظنكم أن الله لا يراقب أعمالكم، هذا الظن الخبيث هو الذي جركم إلى الوقوع في أنواع المعاصي، قال لهم بعدها: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [فصلت:23]، خسرتم أنفسكم، خسرتم دينكم، خسرتم أهليكم، واليوم تعذبون في نار جهنم خالدين مخلدين فيها أبداً، وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [فصلت:23]؛ ولهذا قال إبراهيم عليه السلام لقومه: فما ظنكم برب العالمين، لماذا تعصون الله، وتشركون به، وتحاربونه، وتصدون عن سبيله، ما ظنكم برب العالمين، ليسأل كل واحد منا نفسه: ما ظني برب العالمين؟ فمن أحسن بالله عز وجل الظن قاده حسن الظن بالله إلى كل خير، ومن أساء بالله الظن جره ذلك الظن السيئ إلى كل ردءٍ وهلاك.

    نسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يرزقنا حسن الظن به وحسن الاعتماد عليه.

    أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015315049

    عدد مرات الحفظ

    723575457