إسلام ويب

كتاب الصلاة [5]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من مكارم هذا الدين وكمالاته أنه حث على ستر العورات مطلقاً داخل الصلاة وخارجها، وقد جعل للعورة حدوداً تختلف بالنسبة للرجل عن المرأة الحرة والأمة. كما توسع الفقهاء في ذكر أحكام انكشاف العورة في الصلاة، وكيفية صلاة من لا يجد ما يستر عورته، وصلاة العراة جماعة، وغير ذلك.

    1.   

    من أحكام ستر العورة

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله، نبينا محمد، وآله وأصحابه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب ستر العورة: وهو الشرط الثالث ].

    حكم ستر العورة في الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [باب ستر العورة، وهو الشرط الثالث].

    قوله: (وهو الشرط الثالث) أي: من شروط الصلاة، وهذا الذي عليه جماهير الفقهاء؛ أن ستر العورة شرط من شروط الصلاة.

    وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه واجب وليس شرطاً، والراجح ما ذهب إليه الجمهور؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار )، فدل على أن ذلك شرط، وهذا مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ )، فقوله: ( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ) دليل على أن ستر العورة شرط من شروط صحة الصلاة، أي: لا تصح الصلاة إلا بالإتيان بهذا الشرط، وهو الذي عليه الجماهير من أهل العلم، وبعضهم جعله واجباً وليس شرطاً، وبعضهم جعله شرطاً مع الذكر، فيسقط في حال النسيان. والأصح الأول: أنه شرط مطلقاً.

    حكم ستر العورة خارج الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [ وسترها عن النظر بما لا يصف البشرة واجب ].

    ستر العورة في النظر بما لا يصف البشرة واجب على المكلف، وهذا مما جاءت به الشريعة؛ أن ستر العورة في خارج الصلاة واجب عن النظر، فلا يصح أن يلبس ثوباً يصف البشرة.

    حد عورة الرجل

    قال المصنف رحمه الله: [ وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة، وعنه أنها الفرجان ].

    أما الرجل فعورته ما بين السرة والركبة، وهذا الذي عليه الجماهير من أهل العلم وهو المعتبر، وهو الذي جاءت بمقتضاه الأدلة.

    وهل الركبة داخلة في العورة أو ليست داخلة؟ على قولين: والذي عليه الجمهور؛ أن عورة الرجل ما بين السرة إلى الركبة، وهذا المعتبر، وأما ما جاء في انكشاف فخذ النبي صلى الله عليه وسلم فإنه عرض على غير القصد، كما جاء في حديث أنس ، فهذا لا يدل على أن الفخذ ليس عورة، وإن كان رواه البخاري في الصحيح، لكنه عرض، وبعضهم يجعل الرواية مما اختلف فيه من جهة الرواية، ولكن على كل حال من جهة طرق الاستدلال فهذه حالٌ عرضت لا تقارن بالأحوال التي هي حال مستقرة، ولا تقارن بالأقوال، فهذا هو معتبر الجمهور في أنهم لم يجعلوا حديث أنس رضي الله تعالى عنه لما انحسر الإزار عن فخذ النبي صلى الله عليه وسلم في ركض الخيل دليلاً على ذلك؛ لأن أنساً رضي الله عنه قال: (وأجرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر، وانحسر الإزار عن فخذ النبي صلى الله عليه وسلم)، وهذا عرض وهو في حال حرب. فقوله: (وأجرى في زقاق خيبر) أي: في الطرق الضيقة، فهذا عرض فيكون اتقاؤه في مثل هذا مما يتعذر، ولم يذكر أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ترك هذا الأمر على حاله، إنما ليفيد به أن حال النبي صلى الله عليه وسلم كان في شأن من أمره، وهذا عندي من الحال المبتدعة، فلم يعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة كانوا يتجوزون في ذلك في الأحوال المعتادة، فهذا لا يصح الاستدلال به على أنه ليس عورة، ولهذا ذهب الجماهير من أهل العلم إلى أن هذا الحديث يتأول على هذا الوجه، وهو المناسب لها، فإن ما ورد مطلقاً لا يعطي أحكاماً عامة، وإنما ما ورد مقيداً فإنه يعطي حكماً مقيداً، ومعلوم بالمنطق والنظر أن الحكم يلاقي الدليل في دلالته، فإذا كان الدليل على هذا التقييد من الحال صار الحكم الذي يلاقيه على هذا التقييد من الحال؛ ولهذا في حال الحاجة والضرورة يتجوز في ذلك كما هو معروف.

    حد عورة الأمة

    أما الأمة فقال المصنف: (والأمة ما بين السرة والركبة) جاء عن الإمام أحمد في الأمة روايات، وفي المذهب أقوال، فهذا مما قيل في المذهب وهي رواية عن الإمام أحمد عند جماعة من أصحابه، والأظهر أن الأمة ليست كالرجل في عورتها. وفي مذهب أحمد قولان مشهوران غير ما ذكر، أحدهما: أن عورة الأمة ما لم يظهر غالباً وعادة منها كالقدمين والساعدين ونحو ذلك، وهذا قول لطائفة من الأصحاب، وهذا القول يكون على هذا التقدير أدنى من قوله: ما بين السرة والركبة؛ لأن ما يظهر عادة وغالباً من الإماء، كجزء من الساقين لا يبلغ الركبتين، وجزء من الساعدين وهكذا.

    والقول الثاني في المذهب: أن عورة الأمة دون ذلك، بمعنى أنه يجب عليها أن تستر الساقين ونحو ذلك. وبعضهم يفرق بين الأمة البرزة والأمة الخفرة التي لا تظهر عادة خارج البيوت.

    والذي عليه عامة الفقهاء أنهم يفرقون ما بين الأمة والحرة، وهذا هو المشهور عند أكثر الفقهاء، ولكن جعل عورة الأمة كعورة الرجل ما بين السرة والركبة هذا فيه نظر؛ لأن هذا لم يأت به دليل، ولم تمض به سنة، وليس هو من اقتضاء الشريعة، والعموم من الأدلة في أحكام المرأة ينافيه، وهذا فيه بعد، والله أعلم.

    قوله: (وعنه أنها الفرجان) يعني: وعن الإمام أحمد أن العورة في الرجل والمرأة الفرجان، فلا يكون الفخذ عورة، وهذه رواية مرجوحة. وأما جعلها في الأمة كذلك فهذه رواية حكاها بعض الأصحاب عن أحمد ولكنها بعيدة، بل نص الشيخ تقي الدين رحمه الله على أن هذا غلط على الإمام أحمد وعلى الشريعة، وهذا ظاهر، فلا يصح أن يقال: إنها الفرجان في حقها، فهذا بعيد، وليس هو فيما يظهر من قول أحمد ، وإنما فهم عنه خطأً كما نبه عليه بعض المحققين من أصحابه.

    حد عورة الحرة في الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [ والحرة كلها عورة إلا الوجه، وفي الكفين روايتان ].

    قوله: (والحرة) أي: المرأة الحرة (كلها عورة إلا الوجه، وفي الكفين روايتان) يعني: في الصلاة المرأة الحرة تكشف وجهها، وكذلك في الكفين روايتان كما قال المصنف، والراجح: أنه يجوز للمرأة أن تكشف الوجه والكفين، ولا تغطي وجهها في الصلاة، وهذا هو فعل نساء النبي صلى الله عليه وسلم أنهن لا يغطين وجوههن في الصلاة، فلا تغطي المرأة وجهها في الصلاة، بل تنهى عن ذلك، إلا إذا كان ثمة أجانب بين يديها، فإذا خشيت ذلك غطت وجهها، كما في بعض الأحوال التي يزدحم فيها الرجال بمقارب مكان النساء. والكفان تكشفهما المرأة كذلك على الراجح في مذهب الإمام أحمد.

    وأما القدمين فالراجح من المذهب أنها تغطى في الصلاة، والقول الثاني للفقهاء وهو مذهب الإمام أبي حنيفة وهو قول في مذهب الإمام أحمد : أن القدمين يجوز كشفهما في الصلاة، وهو اختيار ابن تيمية رحمه الله، وفيما يظهر أن هذه المسألة فيها بعض السعة؛ لأن هذا مما جرت العادة بظهوره.

    قال المصنف: [ وأم الولد، والمعتق بعضها كالأمة، وعنه كالحرة ].

    قوله: (وأم الولد، والمعتق بعضها) على روايتين: هل هي كالحرة أو كالأمة؟

    المستحب للرجل من ثياب في الصلاة والمجزئ في ذلك

    قال المصنف رحمه الله: [ ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين، فإن اقتصر على ستر العورة أجزأه، إذا كان على عاتقه شيء من اللباس. وقال القاضي: يجزئه ستر العورة في النفل دون الفرض ].

    قوله: (ويستحب للرجل أن يصلي في ثوبين) لأن هذا يكون من اتخاذ الزينة، ويريدون بالثوبين: الإزار والرداء؛ لأن هذا هو الأصل في العرف وفي اللباس، وكذلك ما كان من العادة، فتشرع الصلاة بما جرت العادة والعرف بلبسه؛ لأن هذا من الزينة، والله يقول: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ[الأعراف:31]، فهذا هو المشروع: أن يصلي في ثوبين، أي: بالإزار والرداء على حسب تلك الحال الأولى.

    قال: (فإن اقتصر على ستر العورة أجزأه)، أي: إن لم يصل الرجل في ثوبين واقتصر على ستر العورة أجزأه ذلك، وهذا بإجماع العلماء أنه إن ستر العورة أجزأه ذلك، ولا يلزمه أن يصلي في ثوبين، لكن هل يجب عليه أن يجعل على عاتقيه شيئاً من اللباس، أو لا يجب ذلك؟ هذا محل خلاف، وقد ثبت في الصحيحين: ( أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الثوب الواحد فقال: أو لكلكم ثوبان؟! ) فهذا الحديث فيه إشارتان: الإشارة الأولى: أن الأكمل الصلاة لبس الثوبين.

    الإشارة الثانية: أنه يدل على أن الصلاة في الثوب الواحد صحيحة، ولكن الجمهور من الفقهاء يقولون: يكفي ستر العورة، وعن الإمام أحمد روايتان: الرواية المشهورة في المذهب: أنه يجعل على عاتقه منه شيئاً، لما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يصل أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء )، والرواية الثانية عن الإمام أحمد وهي مذهب الجمهور، أن ذلك لا يلزم؛ لما ثبت في الصحيح: ( وإن كان ضيقاً فاشدده على حقوك )، فهذا يدل على أنه يصلي بالثوب الواحد ولا يكون على عاتقه منه شيء.

    لكن لا شك أن هذا خلاف السنة، وأنه يكره أن يصلي في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء، فإن لم يتمكن إلا كذلك أجزأه ذلك إجماعاً؛ لأن الإمام أحمد لا يجعله شرطاً، بل يجعله واجباً، ففي مذهب الإمام أحمد لو صلى في ثوب واحد ليس على عاتقه منه شيء صحت صلاته، ويكون قد ترك ما يجب عليه إذا كان الثوب الواحد لا يفي إلا بستر العورة، فإذا كان الثوب الواحد لا يستطيع أن يجعل على عاتقه منه شيئاً كفاه إجماعاً، أما إذا كان يستطيع أن يتقي ذلك، فهل يجب أو لا يجب؟ على قولين: الجمهور على عدم الوجوب، والمذهب على الوجوب، ولكن السنة ظاهرة في أن هذا خلاف ما شرع، فلا ينبغي التجوز فيه، فأقل أحواله -إن لم نقل: إنه واجب- هو الكراهة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا يصل أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ).

    وهذا مما ينبه إليه الناس في حال النسك؛ لأنهم يلبسون الإزار والرداء، ثم تجد بعضهم إذا أراد أن يصلي ألقى الرداء بجانبه، أو وضعه على عنقه، ولفه عليه، وهذا مما لا يشرع وهو خلاف الأدب؛ لأن مراعاة الأعراف في ذلك مقصودة ومطلوبة.

    وقوله: (وقال القاضي: يجزئه ستر العورة في النفل دون الفرض) هذا قول لطائفة من أصحاب أحمد ، ولم يجعلوا ذلك واجباً في النفل بل جعلوه في الفرض.

    المستحب للمرأة من ثياب في الصلاة والمجزئ في ذلك

    قال المصنف رحمه الله: [ ويستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمار وملحفة، فإن اقتصرت على ستر عورتها أجزأها. وإذا انكشف من العورة يسير لا يفحش في النظر لم تبطل صلاته، وإن فحش بطلت ].

    قوله: (ويستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمارٍ وملحفة) هذا هو المشروع؛ لأنه أستر لها (فإن اقتصرت على ستر عورتها) التي سبق ذكرها (أجزأها) ذلك.

    انكشاف العورة في الصلاة

    قوله: (وإذا انكشف من العورة) قدر (يسير لا يفحش) عادةً (في النظر لم تبطل صلاته) كما لو ظهر جزء من تحت السرة مثلاً، أو ما يقابلها من ظهره، أو جزء من أول الفخذ، فهذا الانكشاف اليسير لا يبطل الصلاة، لما ثبت في حديث عمرو بن سلمة وهو حديث مروي في السنن، رواه أبو داود و النسائي وغيرهما، فهذا لا تبطل به الصلاة على الراجح.

    وبعضهم قدر ذلك بالدرهم ونحوه.

    (وإن فحش) أي: ما ظهر من العورة (بطلت) أي: الصلاة، وعليه يكون المذهب عند الإمام أحمد أنهم يفرقون إن انكشف من العورة يسير لا يتقى عادة لم تبطل، وإن انكشف فاحش عادة وهو ما يقابل اليسير بطلت، وهذه الطريقة بالتفريق بين الحالين هي ما عليه الجمهور من الفقهاء، لكنهم يختلفون في التقدير، فبعضهم يجعل ذلك معتبراً بالعادة، وبعضهم يجعل ذلك مقدراً ولا يرد إلى العادة، فمنهم من قدره بقدر درهم ونحوه، كما هو المشهور في مذهب الإمام أبي حنيفة . والأظهر ما عليه مذهب الإمام أحمد ؛ لأن التقدير هنا ليس فيه نص؛ فيقال: ما جرت العادة بالاغتفار فيه مع أن الأصل وجوب اتقاء ذلك، فليس المقصود في المذهب أنه يجوز أن يكشف القدر اليسير من العورة، بل المقصود أنه لو عرض فانكشف يسير منها بغير قصده، فهل يبطل ذلك الصلاة أو لا يبطلها؟

    نقول: إن كان يسيراً كما لو ارتخى الإزار أسفل من السرة يسيراً، فهذا ما قصده فهل هذا يبطل الصلاة؟

    المعتمد في المذهب أن هذا لا يبطل الصلاة، لكن لو كان فاحشاً بطلت الصلاة، كما لو انكشف نصف الفخذ فهذا لا يكون يسيراً عادة.

    1.   

    الصلاة في ثوب حرير أو مغصوب

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن صلى في ثوب حرير أو مغصوب لم تصح صلاته، وعنه تصح مع التحريم ].

    هذه مسألة فيها روايتان عن الإمام أحمد ، وهما رأيان مشهوران للفقهاء: من صلى في ثوب حرير هل تصح صلاته أو لم تصح؟

    أما في ثوب الحرير فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الحرير، وقال: ( إنهما حرام على ذكور أمتي ) كما في الصحيح، فلبس الحرير محرم إلا فيما استثني في الشريعة، وإذا صلى في ثوب حرير هل تصح صلاته أو لا تصح؟ على روايتين عن الإمام أحمد، والمشهور في المذهب: أن صلاته لا تصح، وكذلك الصلاة في الثوب المغصوب فيه روايتان أيضاً، ومثله الصلاة في الدار المغصوبة، فالمشهور من المذهب: أن الصلاة لا تصح لا في الثوب الحرير ولا في الثوب المغصوب، وبعضهم فرق بين الحالين؛ فصحح من حيث الحكم الوضعي الصلاة في ثوب الحرير، لأنه ستر عورته بما يحرم، لكن لا يتعلق به حق آدمي، بخلاف الثوب المغصوب، فإنه ستر عورته بما يتعلق به حق آدمي، فلا تصح الصلاة.

    1.   

    حكم الصلاة في الثوب النجس إذا لم يوجد غيره

    قال المصنف رحمه الله: [ ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً صلى فيه وأعاد على المنصوص، ويتخرج ألا يعيد بناءً على من صلى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه، فإنه قال: لا إعادة عليه ].

    قوله: (ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً صلى فيه) أي: يعلم أنه نجس وجب عليه الصلاة فيه، (وأعاد على المنصوص) أي: عن المنصوص عن الإمام أحمد ، (ويتخرج) التخرج بمعنى: أنه ليس من نص الإمام رحمه الله، وإنما يتخرج على أقواله وعلى مذهبه أنه لا يعيد، وبمعنى آخر أنها رواية مخرجة، أو قول مخرج عن أحمد وليس من منصوصه، والتخريج على أقوال الإمام طريقة معروفة يستعملونها في المذهب وغيره، فيقال: (ويتخرج) أي: ليس من نص الإمام؛ ولهذا لم يقل: وعنه، وإنما قال: ويتخرج؛ لأنها ليست رواية منصوصة (ألا يعيد بناءً على من صلى في موضع نجس لا يمكنه الخروج منه، فإنه قال: لا إعادة عليه)، فخرجوا أشبه ما يكون بالقياس، بمعنى: أنه جاء عن الإمام أحمد النص: أن من صلى في موضع نجس لا يمكنه التحرز منه، والتحرز عنه إلى غيره، قال: إنه لا يعيد، قالوا: فكذلك نخرج على هذه الرواية المنصوصة في المكان النجس والموضع النجس الصلاة في الثوب النجس، لكن منصوصه الأول.

    1.   

    بعض الأحكام المتعلقة بالعورة في الصلاة عند عدم وجود الستر

    الأولى في موضع ستر العورة عند فقدان الأكمل في الستر

    قال رحمه الله: [ ومن لم يجد إلا ما يستر عورته سترها، فإن لم يكف جميعها ستر الفرجين ].

    أي: يبدأ بالأغلظ، وهذا متفق عليه.

    قال: [ فإن لم يكفهما جميعاً ستر أيهما شاء، والأولى ستر الدبر على ظاهر كلامه، وقيل: القبل أولى ].

    هذه أحوال ضيقة في الوقوع، لكنها لو وقعت يتحرى ما يكون أستر له بحسب الحالة التي هو عليها.

    أخذ ما يستر العورة في الصلاة عن طريق الإعارة والهبة والشراء

    قال: [وإن بذلت له سترة لزمه قبولها إن كانت عارية].

    قوله: (إن كانت عارية) لأن العارية لا تملك، ويقول: لا منة فيها، وقالوا: بخلاف الهبة فلا يلزمه قبولها، والصحيح أنه يلزمه أن يقبل الهبة فيما يكون من شرط الصلاة، فإذا وهب له ماء وليس معه ماء وجب عليه قبوله، ولا يلجأ إلى التيمم، وإذا وهب له سترة يستر بها عورته وجب عليه قبولها، فإذا تمكن منها، سواءً كان بعارية أو كان بهبة أو كان بشراء، كل ذلك مما يجب، حتى لو كانت هبة. وأما مسألة أنه يكون هناك منة أو ما إلى ذلك فهذا مما لا منة فيه؛ لأن هذا ليس هو المنة المذمومة في الشريعة، وقبول الهبة والهدية لو كان لا يقع إلا منةً لما قبلها النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كانت الهدية لا تقع إلا منةً، والمنة تلزمها وتتعلق بها مطلقاً فهذا التعليل لا يصح، بل متى بذلت له بسبب مباح، سواءً كان بعارية أو هبة، أو تمكن من شرائها من باب الأولى، كل ذلك يلزمه، ليحقق ما وجب عليه.

    كيفية صلاة من لم يجد ما يستر به عورته

    قال: [ فإن عدم بكل حالٍ صلى جالساً يومئ إيماءً، وإن صلى قائماً جاز. وعنه: أنه يصلي قائماً ويسجد بالأرض ].

    إذا لم يجد سترة فهل يصلي قاعداً أو يصلي قائماً؟ وهل يأتي بالسجود أو يومئ إيماءً؟ على قولين في مذهب الإمام أحمد ، وهذه من المسائل التي لا نص فيها، لكنهم اعتبروها بحديث عمران الثابت في صحيح البخاري : ( صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب ) فهل المقصود الاستطاعة الحسية، أو يدخل فيها ما يتعذر في الفطرة والعادة أن يكشف عورته؟ هذا محل نظر واجتهاد، وليس فيه نص. ولكنه إن صلى على هذه الحال تقليداً لهذا الرأي، وهما رأيان مشهوران للفقهاء، فصلاته صحيحة ولا يعيدها، فليس أحد الوجهين بين الصحة عن الآخر. وربما فرق بين كونه بحضرة أحد أو ليس بحضرة أحد، كما لو تمكن الكفار من بعض المسلمين فصار على هذه الحال، وحضرته الصلاة في أسر الكفار، فهل يصلي هكذا أو يصلي هكذا، وهنا قد يفرق بين حال لا يراه فيها الناس، وحال يراه فيها الناس، وهذا مما يحتمل في النظر والفتوى.

    التمكن من ستر العورة أثناء الصلاة

    قال: [ وإن وجد السترة قريبة منه في أثناء الصلاة ستر وبنى، وإن كانت بعيدة ستر وابتدأ ].

    قوله: (وإن وجد السترة قريبة منه في أثناء الصلاة) وقد دخل الصلاة بما تقتضي الشريعة سقوط الوجوب عنه والفرضية عنه، بمعنى: أنه لما دخل الصلاة ما كان يمكنه أن يجد سترة فدخل معذوراً، ثم تمكن منها أثناء الصلاة، فهذا هو المقصود بقوله: (ستر وبنى). أما لو دخل مهملاً متساهلاً بترك ستر العورة أو جزء منها، ثم سترها أثناء الصلاة، وبمعنى آخر: لو دخل غير مبالٍ بستر جزء بين من عورته، ثم ناوله شخص ثوباً، فهذا لا يصح أن يبني على ما سبق، إنما مقصودهم هنا بالبناء على ما سبق من دخل في الصلاة معذوراً.

    وقوله: (وإن كانت بعيدة ستر وابتدأ)؛ لأنه لا بد له من قطع الصلاة.

    صلاة الجماعة عراة

    قال: [ وتصلى العراة جماعة، وإمامهم في وسطهم ].

    لو قدر هذا من حيث الوقوع، أو إذا وقع هذا صلى العراة وإمامهم وسطهم؛ لأن تقدم الإمام مستحب، واتقاء النظر إلى العورات واجب.

    قال: [ وإن كانوا رجالاً ونساءً صلى كل نوع لأنفسهم، وإن كانوا في ضيق صلى الرجال واستدبرهم النساء، ثم صلى النساء واستدبرهن الرجال ].

    كل ذلك مبني عند الفقهاء على اتقاء النظر إلى العورات.

    1.   

    بعض ما يكره في الصلاة من صفات اللبس

    السدل في الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [ ويكره في الصلاة السدل، وهو: أن يطرح على كتفيه ثوباً ولا يرد أحد طرفيه على الكتف الأخرى ].

    قوله: (ويكره في الصلاة السدل)، وعنه يحرم، وهو أن يطرح على كتفيه الثوب لا يرد على عاتقه أو على الكتف الآخر منه شيء؛ لأن هذا مما يشغله في الصلاة، وقيل: هو من باب التشبه، وأما إذا لف الثوب على أحد كتفيه، أو أدخل فيه اليدين إن كان له يدان لم يكن هذا من باب السدل.

    اشتمال الصماء في الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [ واشتمال الصماء وهو: أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره. وعنه أنه يكره، وإن كان عليه غيره ].

    قوله: (اشتمال الصماء وهو أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره)، هذا محل الخلاف، يعني: هل اشتمال الصماء المنهي عنه هو أن يضطبع وأن يتجلل الثوب الواحد فيكون هذا هو اشتمال الصماء مطلقاً أم أن اشتمال الصماء يختص بأن يكون ليس عليه غيره؟

    هذا فيه قولان للفقهاء، وهما روايتان عن الإمام أحمد ، والراجح: أن اشتمال الصماء المنهي عنه وفي المذهب خلاف، بل هذا مما يحرم أو مما يكره. فالراجح: أن اشتمال الصماء هو أن يضطبع يعني: يتجلل بثوب واحد ليس عليه غيره، أما إن كان عليه غيره فهذا لا يعد من اشتمال الصماء.

    تغطية الوجه والتلثم واللفت في الصلاة

    قال: [ ويكره تغطية الوجه والتلثم على الفم والأنف، ولف الكم، وشد الوسط بما يشبه شد الزنار ].

    تغطية الوجه في الصلاة مما يكره، وكذلك التلثم على الفم والأنف ولف الكم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وألا أكفت الثياب ولا الشعر )، ومثله شد الوسط بما يشبه الزنار، وأما إذا كان الشد المعتاد الذي قد يحتاجه صاحب الحرفة لحرفته ونحو ذلك، فهذا مما لا بأس به.

    الإسبال في الصلاة

    قال المصنف رحمه الله: [ وإسبال شيء من ثيابه خيلاء ].

    إسبال الثياب خيلاء هذا من المحرم، كما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم )، فهذا مما يحرم، ولكن الصلاة صحيحة، وهذا الذي عليه الجماهير، وبعض الفقهاء قال: إن صلى في ثوبٍ مسبلٍ خيلاء لم تصح وهذا بعيد، فالصحيح أن الصلاة تصح، بمعنى: لا يجب عليه أن يعيدها، ولكن الإسبال المذكور هو من المحرمات.

    1.   

    ذكر بعض ما يجوز ويحرم ويكره من اللباس

    لبس ما فيه صورة حيوان

    قال المصنف رحمه الله: [ فصل: ولا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان في أحد الوجهين ].

    هذا مما نهت عنه الشريعة؛ لأن التصاوير المحرمة أمر بإزالتها، فلبسها أو لبس الثياب التي تكون الصور فيها بينة هذا مما يجب اتقاؤه، إلا إن كان غائباً في محل يسير من الثوب، فهذا رخص فيه بعض العلماء، وهذا الذي جاء فيه الحديث: ( إلا رقماً في ثوب )، أي: يكون غائباً يسيراً، أما إذا كانت الصورة كالشعار على الصدر أو على الظهر بينة فهذا بالإجماع أنه لا يصح، ولا ينبغي للمسلم أن يكون هذا من عادته في لبسه أو في لبس ولده، وأما إذا كان رقماً غائباً جزءاً يسيراً، فهذا تجوز فيه بعض أهل العلم؛ لحديث: ( إلا رقماً في ثوب ).

    لبس ثياب الحرير وافتراشه

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يجوز للرجل لبس ثياب الحرير أو ما غالبه الحرير، ولا افتراشه إلا من ضرورة، فإن استوى هو وما نسج معه فعلى وجهين ].

    لبس الحرير وما غلب فيه لا يصح، وكذلك افتراشه؛ لما ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنه حرام على ذكور أمتي ).

    قوله: (فإن استوى هو وما نسج معه) بمعنى: تداخل على غيره، (فعلى وجهين) سبق معنا: أن الوجهين يراد بهما وجهان للأصحاب، بخلاف الروايتين فعن الإمام نفسه.

    والأشبه والأرجح، وهو اختيار ابن عقيل وطائفة: التحريم؛ لعموم الخبر؛ لأن هذا يسمى حريراً، فما دام أنه قدر بين فهو معتبر باللبس، بمعنى: لو لم يكن إذا نسج مع غيره لو قدرته وحده هذا الغير لما قام هذا الثوب به، وبمعنى آخر: إذا نسج الحرير مع غيره، أليس إذا قدرت خلو هذا الثوب من الحرير فهل يقدر وجوده بالثاني وحده أو لا يقدر وجوده؟ لا يقدر وجوده.

    فإذاً: الثوب في الحقيقة قام به، ولم يقم بالثاني، فكذلك يكون مما يحرم.

    لبس المنسوج والمموه بالذهب

    قال المصنف رحمه الله: [ ويحرم لبس المنسوج بالذهب والمموه به، فإن استحال لونه فعلى وجهين ].

    كذلك المموه، وهو ما يطلى بماء الذهب، فهذا كله مما يحرم على الرجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الذهب حرام على الرجل، كما جاء في الأحاديث الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان جمهورها في الأكل والشرب، لكن في بعض الروايات ما يدل على ما هو فوق ذلك.

    الأحوال التي يرخص فيها في لبس الحرير

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن لبس الحرير لمرض، أو حكة، أو في الحرب، أو ألبسه للصبي فعلى روايتين ].

    هذه الأحوال التي يرخص فيها في لبس الحرير، ومن ذلك إذا كان لمرض وأصبح لا بد له منه، ومثله لحكة، أي: لا بد له منه، وأما عارض المرض الذي لا يلزمه فيه، أو الحكة التي لا يلزمه الحرير فيها فهذا كغيره، وليس كل مرض أو كل حكة كذلك، وإنما إذا قدر أن الطبيب قال له ذلك، وهذا كان يقع في سالف الأزمان، وربما لا وقوع له الآن. مثل كذلك في حال الحرب، فعن الإمام أحمد في حال الحرب روايتان، وقد لبس خالد بن الوليد الحرير في حال الحرب.

    قال: [ ويباح حشو الجباب والفرش به، ويحتمل أن يحرم ].

    قوله: (ويباح حشو الجباب والفرش به) أي: بالحرير، (ويحتمل أن يحرم).

    أما الوجه الأول فهو معتبر بأنه لا يباشره إذا كان حشواً، وقوله: (ويحتمل أن يحرم) لأنه مستعمل له.

    والاحتمال هو ما يمكن قوله في المذهب احتمالاً في الفتوى، ولم ينصوا عليه، وهذا هو الفرق بين الاحتمال والوجه، أما الوجه فما نص على تسميته في الحكم، والاحتمال ما يمكن قوله، وهذا يسميه بعض كبار الأصحاب بالاحتمالات، فيقال: ذكره الموفق وجهاً في المذهب، أو رواية مطلقاً أو ذكره روايةً منصوصة، أو ذكره رواية مخرجة، أو ذكره احتمالاً، فهذه خمس طرق في المسائل التي يعرض لها المصنف، وكل مصطلح من هذه المصطلحات الخمسة له دلالته، فأقواها في المذهب الرواية المنصوصة، وأدناها الاحتمال، وفوق الاحتمال الوجه، وفوق الوجه التخريج، وفوق التخريج مطلق الرواية، وبعدها في القوة الرواية المنصوصة الصريحة.

    وبالنسبة للتخريج هناك التخريج على أقوال الإمام، وهناك التخريج في المذهب، لكن غالب ما يستعملونه في أقوال الإمام يكون للإمام فيه نص، مثلاً الإمام أحمد عندما سئل عن المسألة التي ذكرها المصنف سابقاً: لا يجد إلا مكاناً نجساً ولا يمكن أن ينفكك عنه، قال: يصلي ولا يعيد. فخرجوا عليها لو لم يجد إلا ثوباً نجساً، يعني: لو قدر أن شخصاً كان في حبس وليس معه إلا ثوب نجس أو في حال تشبه ذلك، بمعنى لم يتمكن إلا من الصلاة في ثوب نجس، فالرواية المنصوصة أن الذي يصلي في المكان النجس لا يعيد، ولكن في الثوب النجس لا يعيد تخريجاً، وليست رواية منصوصة، وإنما هي تخريج على الأولى أنه لا يعيد.

    مقدار ما يباح من الحرير في الثوب الملبوس

    قال رحمه الله: [ ويباح العلم الحرير في الثوب إذا كان أربع أصابع فما دون. وقال أبو بكر يباح وإن كان مذهباً ].

    قوله: (ويباح العلم الحرير) أي: تعليم الثوب بالحرير، وهو أن يكون طرة فيه، وقدره كما قال المصنف: (إذا كان أربع أصابع فما دون).

    وهذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الترخيص فيه، أي: العلم من الحرير، كما جاء في حديث عمر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاثٍ أو أربع )، أي: من الأصابع، فعلم الحرير في الثوب يسوغ.

    وأما الذهب ففيه خلاف مشهور في المذهب، والراجح: أنه لا يصح الذهب في اللباس مطلقاً ولو كان يسيراً.

    [ وكذلك الرقاع ولبنة الجيب، وسجف الفراء ].

    كل ما كان على قدر العلم في الثوب وهو موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع من الحرير يساغ، وما زاد لم يسغ.

    لبس المزعفر والمعصفر للرجل

    قال: [ ويكره للرجل لبس المزعفر والمعصفر ].

    قوله: (ويكره للرجل لبس المزعفر) أي: الثوب الذي أصابه الزعفران (والمعصفر) الذي أصابه العصفر، وهذا ثابت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن لبس المزعفر وعن لبس المعصفر، لكنه لو أصاب الثوب وصلى به فصلاته صحيحة.

    ولهذا كانت هذه من المسائل التي على خلاف مذهب الجمهور، لكن لسعة معرفة الإمام أحمد رحمه الله بالروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتجد أنه يتتبع مثل هذه المسائل، فنهي الشارع عن المزعفر والمعصفر ونحو ذلك، هذا كله من باب الكراهة وليس من باب التحريم، وإذا كان من باب الكراهة تبين أن هذا لا يدخل في مسائل الشروط أصلاً؛ لأن مسائل الشروط لا تتعلق بما يكره.

    وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017245771

    عدد مرات الحفظ

    723967976