إسلام ويب

كتاب الطهارة [9]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • النجاسات التي يجب تطهيرها أنواع مختلفة، فهناك لعاب الكلب والخنزير ويطهر بغسل الإناء بالماء سبع مرات إحداهن بالتراب، وهناك الأرض النجسة والتي تطهر بالشمس والريح أو بأن يصب عليها ذنوب من الماء، وهناك الخمر وتطهر بالتخلل، وهناك بول الجارية الذي يطهر بالغسل، أما بول الغلام فيطهر بالنضح، وكل ذلك من أحكام الشريعة الغراء التي حثت على الطهارة واجتناب النجاسة.

    1.   

    ما تزال به النجاسة

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب إزالة النجاسة.

    لا يجوز إزالتها بغير الماء، وعنه: أنها تزال بكل مائع طاهر مزيل، كالخل ونحوه ].

    قوله: (باب إزالة النجاسة)، المراد عند الفقهاء بهذا الباب: ما يكون من الأحكام الشرعية التي جعلها الشارع لرفع حكم النجاسة وأثرها، فإذا كانت النجاسة طارئة فإنها تزال، وهذه الإزالة إذا وردت على محل تكون بجملة من الأوجه بعضها مجمع عليه كإزالتها بالماء، فإن النجاسة تزول بالماء بالإجماع، وبعضها محل خلاف بين الفقهاء كما سيأتي، والأصل في وجوب ذلك هو: ما أمرت به الشريعة من الانفكاك عن النجاسة، وما جعل في الشريعة من كون إزالتها شرطاً في الصلاة، إذا كان محلاً للصلاة، فإن براءته من النجاسة يكون شرطاً لصحة الصلاة فيه، وأما إذا كان في غير باب الصلاة، فإن الانفكاك عن النجاسة مما أمرت به الشريعة.

    أقوال العلماء في إزالة النجاسة بغير الماء

    قوله: (لا يجوز إزالتها بغير الماء) هذا المذهب عند الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول الجمهور من الفقهاء، وهو مذهب مالك ، و الشافعي ، وقول بعض كبار أصحاب الإمام أبي حنيفة ، كـمحمد بن الحسن الشيباني: من أن النجاسة لا بد في إزالتها من الماء.

    القول الثاني في المسألة: وهو رواية عن الإمام أحمد : أنه يصح إزالة النجاسة بكل مائع طاهر مزيل، ولو لم يكن الماء، وهذا هو مذهب الإمام أبي حنيفة . ويقيد في فقه القول الأول وهو قولهم: بأن النجاسة لا تجوز إزالتها بغير الماء، فهذا لا يعني أن حكم النجاسة يكون ثابتاً إلا بزوالها بالماء في سائر الموارد، فلهم أوجه من الاستثناء، كما سيأتي في زوال النجاسة بغير فعل الآدمي أصلاً، وإنما إذا استعمل الآدمي المائع، فإنه لا بد أن يكون الماء عند الجمهور، ويكون غير الماء في مذهب الإمام أبي حنيفة ، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد ، إذا تحقق بهذا المائع ما يكون مزيلاً لهذه النجاسة، كما أشار إليه المصنف، قال: (كالخل ونحوه).

    واستدل الجمهور على قولهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقة ذنوب من ماء على بول الأعرابي، وما وصف الله به الماء من كونه طهوراً، فدل على أنه طاهر في نفسه مطهر لغيره، والخلاف في هذه المسألة قوي، وهو: هل النجاسة تزول بغير الماء؟ وهذا خلاف مشهور، ولكن التنبيه الفاضل فيه: أنه لا يستلزم من ترجيح القول الأول وهو المذهب منع حصول الطهارة في المحل بغير الماء مطلقاً، كما سيأتي بالتفصيل إن شاء الله.

    1.   

    نجاسة الكلب والخنزير

    سبب تخصيص الكلب والخنزير بغسل نجاستهما

    قال المصنف رحمه الله: [ ويجب غسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً إحداهن بالتراب ].

    وإنما ذكروا الكلب لما جاء فيه من الأثر، فإنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما من غير وجه: ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أولاهن بالتراب )، وفي حديث عبد الله بن المغفل : ( وعفروه الثامنة بالتراب )، وإن كان المقدم عند جمهور من يقول بذلك: أنها سبع، وليست ثماناً، أولاهن بالتراب أو إحداهن بالتراب، وقدم الإمام أحمد أن تكون أولاهن بالتراب.

    وقوله: (والخنزير) أي أنهم قالوا في الخنزير ما قالوه في الكلب، قالوا: لأنه أغلظ حكماً في كتاب الله بخلاف الكلب، فإنه رخص في أمره ما رخص، فرخص في كلب الصيد، وكلب الغنم، وكلب الزرع، وكلب الصيد كما قال الله تعالى: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ [المائدة:4]، ومع أنه يصيب بفمه إلا أن الشريعة أجازت أن يؤكل صيده، ولم يشترط فيه غسل المحل.

    قالوا: فترخيص الشريعة فيه أخف مما جاء في الخنزير، فإن الخنزير مغلظ، وما اعتبر بوجه من الانتفاع مطلقاً، فدل على أن نجاسته أغلظ، وما ذكره الله في الخنزير في قوله: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ [الأنعام:145]، فهذا بيّن في القرآن في كونه رجساً، وإذا كان كذلك فيكون الخنزير ملحقاً بالأولى، وهذا الذي جعل المصنف يقول: (ويجب غسل نجاسة الكلب) لوجود النص، والخنزير باعتبار كونه أعلى شأناً في الشريعة من جهة الانفكاك عنه.

    كيفية غسل نجاسة الكلب والخنزير

    قال المصنف رحمه الله: (سبعاً إحداهن بالتراب)، ولو قدم الأولى، ففي بعض الروايات عن الإمام أحمد يكون أولى؛ لما جاء في بعض حروف الحديث في الصحيح: ( أولاهن بالتراب )، وإن كان ورد في بعض حروف الحديث: ( إحداهن بالتراب )، وعلى الصحيح من المذهب سواء كانت الأولى أو إحداهن فإنه يتحقق المقصود من إزالة نجاسة الكلب والخنزير، وطائفة من الفقهاء خصوا ذلك بالكلب وحده، ولم يجعلوا الخنزير مثله مع قولهم بنجاسته، قالوا: لأن ما ورد في الكلب إنما يكون خاصاً على خلاف الأصل، فإن الأصل أن النجاسة تزال بما تجري العادة بزوالها.

    وقالوا: وما جعله الشارع في الكلب يكون خاصاً فيه، وهؤلاء الذين لم يجعلوا الخنزير كالكلب وخصوا الكلب بالحكم هم فريقان من الفقهاء: منهم من يقول: بأن موجب أمر الشارع بغسل الإناء سبعاً هو النجاسة، ولكن هذا في نجاسة الكلب خاصة وانفكاك الشريعة ونهيها وتغليظها في الخنزير وترك الانتفاع منه بوجه لا يدل بالضرورة على أن نجاسته هنا تكون أغلظ، فيجب فيها ما يجب في الكلب، وقالوا: فما جاء في الكلب هو على خلاف الأصل فيقيد به، فهؤلاء فريق.

    وطائفة أخرى: وهو مذهب الإمام مالك خصوا ذلك بالكلب، قالوا: لأن الأمر بغسل الإناء سبعاً ليس للنجاسة، مع قول مالك بأن الكلب نجس في بعض أحواله، وللمالكية تفصيل في هذا فيما يكون منه نجساً وما لا يكون، لكن لم يعتبر ذلك بالنجاسة، وإنما اعتبر ذلك بالتعبد وقال: إنما هو تعبد؛ ولهذا أوجب مالك رحمه الله أن يغسل الإناء سبعاً لا لكونه نجساً، وإنما على سبيل التعبد.

    فهذه جملة أقوال الفقهاء في هذه المسألة، أما الكلب: فإن النص فيه بيّن، فيجب غسل الإناء سبعاً، وهل ذلك على سبيل التعبد، أو على سبيل إزالة النجاسة؟

    قولان للفقهاء، فجمهور من يقول بغسله سبعاً يجعلون موجب ذلك النجاسة، وطائفة أخرى، وهو مذهب مالك يوجبون غسل الإناء سبعاً، ولا يجعلون موجب ذلك النجاسة بل التعبد، وطائفة من الفقهاء كما هو مذهب أبي حنيفة: لا يوجبون التسبيع أصلاً، وإنما يقولون: إنما هي نجاسة فتغسل ثلاثاً، وهذا القول هو أضعف الأقوال؛ فإن الأمر بغسل الإناء سبعاً صريح في السنة، فيجب لزومه، أما هل هذا على سبيل النجاسة، أو على سبيل التعبد؟ فهذا محتمل، وكلا القولين فيه قوة؛ لأن الأمر بالغسل عادة إنما يكون ناشئاً عن النجاسة، وهذا مأخذ جمهور من يقول بذلك، ومأخذ مالك في كونه تعبداً قال: لأن المقصود من النجاسة إزالتها، ولا يلزم في إزالتها أن تكون سبعاً، ومأخذ مالك أيضاً فيه قوة.

    استعمال غير التراب في تطهير نجاسة الكلب

    قال المصنف رحمه الله: [ فإن جعل مكانه أشناناً أو نحوه، فعلى وجهين ].

    أي: عند أصحاب الإمام أحمد ، فمنهم: من يصحح ذلك، ومنهم من لا يصححه، وثمة وجه ثالث ذكره بعض أصحاب أحمد : قالوا: إذا كان استعمال التراب يضر بالإناء أو كان غير موجود جاز أن يستعمل الأشنان ونحوه، وأما إذا كان التراب موجوداً ولا يضر بالإناء فإنه لا يصح ذلك، فحاصل هذا الوجه: أنه لا يعدل عن التراب إلا إن كان ليس واجداً له، أو يكون مضراً بإنائه، كبعض الآنية التي قد يؤثر فيها التعفير بالتراب في جودتها أو صفائها أو نحو ذلك.

    1.   

    كيفية غسل سائر النجاسات

    قال المصنف رحمه الله: [ وفي سائر النجاسات ثلاث روايات: ].

    أي: ثلاث روايات عن الإمام أحمد، وهن أقوال للفقهاء.

    [ إحداهن: يجب غسلها سبعاً، وهل يشترط التراب؟ على وجهين ].

    وهذه أضعف الروايات عن الإمام أحمد .

    [ والثانية: ثلاثاً، والثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد، كالنجاسات كلها إذا كانت على الأرض ].

    قوله: (الثانية: ثلاثاً) أي: تغسل سائر النجاسات ثلاثاً، وقوله: (والثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد)، هذه الرواية هي أقوى الروايات المأثورة عن الإمام أحمد ، والمقصود بالقوة هنا ليس عند اصطلاح الأصحاب في المذهب، إنما المقصود بالقوة هنا: من حيث الدليل، فمن حيث الدليل أقوى الروايات عن الإمام أحمد هي: الثالثة، وأما من حيث اصطلاح الأصحاب في مذهب الإمام أحمد فالرواية الأولى والثانية أقوى عندهم، فجزم طائفة من الأصحاب بأن المذهب عن الإمام أحمد : أن سائر النجاسات تغسل سبعاً إلحاقاً لها بنجاسة الكلب.

    والرواية الثانية، أيضاً قوية في المذهب، وهي: أنها تغسل ثلاثاً.

    والرواية الثالثة: أقلها في مذهب الإمام أحمد ، ولكنها هي الأقوى من الروايات عن الإمام أحمد من حيث الدليل، وقربها منه، وهي: أن النجاسة تكاثر بالماء من غير عدد؛ لأن العدد على خلاف الأصل، فيقصر؛ وإنما قيل إنها أرجح من حيث الدليل للأوجه:

    أوجه ترجيح رواية المكاثرة بالماء في كيفية غسل سائر النجاسات

    الوجه الأول: لأنه لو نظر إلى خطاب الشارع ونصوص الكتاب والسنة لما وجد أن ثمة اشتراطاً لعدد، وإنما أمر بإزالة النجاسة، وما أمر النبي صلى الله عليه وسلم به الحائض والأعرابي قال: ( أريقوا على بوله ذنوباً من ماء )، فلم يذكر في مثل هذه النجاسات عدد لا في الحيض ولا في غيره، وتغسل المرأة ما أصاب ثوبها من الحيض، وكذا يغسل من بول الجارية ولم يذكر فيه عدداً، والناظر في النصوص التي وردت في إزالة النجاسة لا يرى فيها تقديراً بعدد، وهذا وجه.

    الوجه الثاني: أن مقصود الشريعة زوال النجاسة، وهذا لا يقدر فيه عدد؛ ولهذا قد يكون العدد ليس كافياً فيه، فقد تكون الثلاث ليست منقية في بعض الأحوال، فالعبرة بزوال النجاسة، ولا سيما إذا اعتبرت هنا معنى في الشريعة مصححاً عن كثير من الفقهاء وعليه المحققون، وهو: أن النجاسة مصححة، بل إن عامة أهل العلم وإن أطلقوا في جمل أقوال أئمتهم خلاف ذلك إلا أنهم لا ينفكون عن وجه من اعتباره، والمقصود بالمعنى هنا: هو أن النجاسة لا يشترط لزوالها النية -أي: نية الآدمي- ولهذا إذا زالت النجاسة بالاستحالة أو زالت النجاسة بالشمس ونحوها حتى ذهبت ذهاباً تاماً، فإن ظاهر الشريعة وما عليه كثير من أهل العلم: أنها تطهر بذلك بل يحكى في بعض هذه الأوجه أنه قول العامة كالاستحالة في بعض أوجهها يحكى أنه قول العامة من الفقهاء، فهذا راجع إلى معنى -سواء قدرته في الاستحالة أو في الشمس ونحو ذلك- وهو: أن النجاسة لا يشترط فيها فعل الآدمي فضلاً عن قصده، فإنه قد يقع الفعل دون القصد، كما لو أجرى ماء على أرض لا يعلم أن فيها نجاسة، ولم يقصد إزالة النجاسة، فإن الظاهر في الشريعة أن النجاسة لا يشترط فيها فعل الآدمي فضلاً عن قصده، وإذا كان كذلك اتجه القول بأن الرواية الثالثة عن الإمام أحمد ، وإن لم تكن المشهورة في مذهبه، أنها الأقوى عنه من حيث الدليل، ويستثنى من ذلك ما استثناه الشارع فحسب، وهو ما جاء في الكلب أنه يغسل سبعاً، وسبق أن الخلاف في هذا قوي: هل هو على سبيل التعبد؟ أو على سبيل النجاسة؟

    إزالة النجاسة بالتثليث والتسبيع

    وبعض الناظرين في هذه المسألة استغربوا قول مالك في جعل التسبيع تعبداً، وهذا الاستغراب غريب؛ لأن قول مالك له وجه من جهة: هل هذا على سبيل التعبد، أو ليس كذلك؟ لأن الأصل في زوال النجاسة، كما هو مقرر في القاعدة الشرعية: أنها لا تقدر بعدد، فكون الشارع قد أمر بسبع فهذا ظاهر أنه على خلاف الأصل.

    فلو قيل: إن أمر الشارع بالغسل سبعاً لا موجب له إلا إزالة النجاسة لما ولغ الكلب فيه، فنقول: لو صحت هذه المقدمة لوجب أن يكون الموجب هو: إزالة النجاسة، لكن هذه المقدمة غير مسلمة؛ لأن الشارع قد يكون إنما ذكر العدد سبعاً لتقدير معنى فوق إزالة النجاسة، وهو: إزالة الضرر، لما كانت الكلاب تألف الناس كما هو معروف وتنتاب أحوال الناس، والله سبحانه وتعالى حفظ العباد فجعل ما يضرهم ظاهراً لهم، فيعرفون أنه ضار فينفكون عنه، فهذا الذي فيه خفاء في حاله، وهو مما يبتلى به الناس، ولا يسلمون منه، حدد الشارع لهم ذلك حماية لهم عن الضرر.

    فإذاً: لا يمكن أنه يقدر فقط بأن موجبه إزالة النجاسة، بل هو يحتمل ما هو أكبر من إزالة النجاسة؛ ولهذا فإن قول مالك فيه قوة من هذا الوجه، وإن كان القول الآخر كذلك، ولكن إنما المقصود: أن طريقة مالك في فهم الحديث ليست مستغربة، كما ذكر بعض الفقهاء المتأخرين رحمهم الله.

    إذاً: تبين أن الراجح من الروايات عن أحمد من حيث الدليل: أنها تكاثر بالماء، وإن كان الراجح من حيث المذهب: الرواية الأولى أو الثانية، والمصنف اختار في مذهب الإمام أحمد الثانية: أنها تغسل ثلاثاً، لكن التثليث ليس فيه نص.

    وبعضهم التمس التثليث من حديث: ( إذا قام أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً )، وهذا فيه بعد؛ لأن الجمهور على عدم وجوب ذلك. والأصل أن النجاسة لا تثبت بالشك، والأصل طهارة اليد، فليس في السنة ما يدل على التثليث في رواية صحيحة من حيث الثبوت، صحيحة من حيث الدلالة.

    1.   

    تطهير الأرض النجسة بالشمس والريح

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا تطهر الأرض النجسة بشمس ولا ريح ].

    هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، والرواية الثانية عن الإمام أحمد : أن الأرض تطهر بذلك، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وهذا هو الراجح: من أن النجاسة لا يشترط لزوالها فعل الآدمي فضلاً عن قصده، فإذا زالت بالشمس والريح فإنه من حيث الحس أن زوال أثر البول عن محل أصابه بتعاقب الشمس عليه زمناً طويلاً أبلغ من زواله بذنوب من ماء، فهذا لو أخذ من حيث الجانب الحسي، فلا يقال: إن الشريعة صححت هذا بالنص الصريح في بول الأعرابي، وجعلته مطهراً للمحل، ولم تصحح أن الشمس إذا تعاقبت زمناً طويلاً على هذا المحل لا تكون مبرئة له، فلا يرى الناظر بعد هذا التعاقب من الشمس زمناً لا يرى أثراً للون النجاسة ولا لطعمها ولا لرائحتها، فهذا زوال بيّن للنجاسة.

    والراجح في أمر النجاسة: أنه لا يشترط فيها فعل الآدمي فضلاً عن قصده، والتحديد فيها بعدد يقصر على ما وردت به الشريعة، وهو: الكلب، وأما الخنزير فأمره كما ذكر الإمام أحمد قال: هو عندي أقوى من الكلب. وهذا فيه احتمال قوي من حيث النظر، وهو من الأحوال النادرة كما تعرف في حال المسلمين، إنما الشيء الذي فيه كثرة حتى يكون فقه الناظر في مسألة النجاسة فيه اتصال، فلا تجزؤ فيه المسائل.

    ومما يشكل على هذا الكلام أو قد يظهر للبعض أن ثمة إشكالاً في أول المسائل لما ذكر المصنف: أن النجاسة لا تطهر بمائع غير الماء، فهل يمكننا أن نصحح القول: بأن النجاسة لا يشترط لزوالها فعل الآدمي فضلاً عن قصده، مع قولنا: بأنها لا تكون بمائع غير الماء؟ فمن يقول: بأن الشمس والريح لا تطهر يطرد على قوله من أنها لا تطهر النجاسة بمائع غير الماء.

    ولكن من يقول: بأنها تزول بغير فعل الآدمي وقصده، قال: تزول بالشمس والريح والاستحالة.

    فهل يمكن أن يصحح هذه الطريقة مع قوله: بأن المائع غير الماء لا يستعمل في إزالتها؟ فقد يبدو تمانع بين الأمرين، والصحيح: أنه ليس ثمة تمانع بينهما؛ لأن زوال النجاسة بالشمس ونحوه بيّن في العادة والحس والإدراك، وإنما أشكل أمر المائع غير الماء؛ لكونه ليس مبيناً للنجاسة، ومزيلاً لها، مع ما يقع به من الإيهام في إزالتها؛ ولهذا وقع بعض الأشكال التي كانت في العرف القديم؛ ولهذا يذكرون الخل وغيره.

    استعمال المنظفات الحديثة لإزالة النجاسة

    ولكن الآن أصبحت المنظفات السريعة هذه فاعلة، فأدنى يسير من هذا المائع إذا وضع على المحل انتهت الرائحة والشكل، مع أنه ما وضع فيه إلا شيء يسير أحياناً ولا يكون غسلاً بل شبه مسح، لكن لنفاذ المواد المركبة فيه من حيث الرائحة، ومن حيث بعض الاعتبارات في هذا، فلا يرى المحل إلا وقد زال منه الأثر.

    فهل هذا يكون كافياً أو لا يكون كافياً؟ ولا سيما أن هذا قد يرد على محل يابس جامد، فهذا يحتمل التخفيف من جهة، لكن إذا ورد على محل مثل: الفرش، فإنه لو أراد أن يستعمل الماء لإزالة أثر البول عن السجاد -كما يسمى- أو الفرش ما كفى قدر اليسير منه؛ لأنه أحياناً يصير مائتين مل غرام، أو قدر بسيط، فيستعمل القدر البسيط، ومع ذلك تجد رائحته نفاذه، أو بعض الرغوات السائلة، وهذا يشكل حقيقة، لا من جهة أنه اشترط ما هو أكثر من فعل الآدمي، لكن يشكل أن ما فعل الآدمي هنا: هل هو مزيل أو موهم للإزالة؟ بخلاف الماء، فإن إبانته للنجاسة ظاهر.

    ثم إنه قد يستعمل ما ليس سائلاً أصلاً ولا مائعاً، والفقهاء تكلموا في المائع، لكن الآن أصبح من الطرق في الإزالة ما ليس مائعاً، فهذا محل نظر فقهي على كل حال، فهذا مما يحتمل البحث، ولا سيما تجدد بعض الصفات المعاصرة في إزالة الآثار التي قد يزيلونها باعتبارها نجاسة، أو باعتبارها وسخاً، يعني: من يستعمل هذه الأشياء لا يقصد بالضرورة أن هذه للنجاسة أو للأوساخ فقد يكون هذا الأثر أثر نجاسة، أو أثر ما دون النجاسة من الأوساخ وما يصيب الثياب بغير ماء أصلاً، أو بغير مائع أصلاً، فلا يكون الماء مركباً فيها، بل لا يكون المائع بجملته كذلك.

    وهذا على كل حال محل بحث، أعني: ما كان مائعاً ليس الماء أو لم يكن مائعاً هذا محل بحث، وهو فعل الآدمي.

    أما في الأحوال الطبيعية كالشمس والريح والاستحالة والتقادم، فهذا لا شك وهو مما يعرف بالعادة أنه يبين الأثر؛ لأن الميتة الآن تموت في الصحراء، ثم إذا مضى عليها زمن طويل ما بقي منها إلا عظام يابسة ليس فيها الحد الأدنى من الرطوبة؛ ولهذا من يقول من الفقهاء: بأن عظام الميتة طاهرة، كما هو مذهب أبي حنيفة وطائفة، يجعلون ما تبقى منها طاهراً، وإن كان في الأول يقولون: إنها ميتة نجسة، لكنها ما أصبحت الآن إلا عظاماً، وهذه العظام طاهرة عند الحنفية.

    إذاً: خلاصة الأمر: أن النجاسة في فعل الآدمي: هل يستعمل فيها المائع غير الماء؟

    الفقهاء ذكروا المائع، ويذكر الآن ما كثر في الحال المعاصرة من غير المائعات أصلاً، وهذا محل نظر فقهي؛ لأنه يحتمل أن فيه إيهاماً في التطهير؛ لأنك ترى أنه يوضع قدر يسير منه على المحل، فلو كان مائعاً أو كان ماءً، وما جرت العادة أنه يكون مطهراً فهو مطهر، وأما ما زاد على ذلك فيقصر على ما أمر به الشرع من التسبيع في الكلب، والخنزير أمره محتمل، وهو كما استشكله الإمام أحمد ، وقال: إنه أقوى من بعض الوجوه، وإن كان هذا لا يلزم طرده، فهو محتمل النظر على كل حال، وفيه خلاف محفوظ بين الفقهاء: هل يلحقوه بالكلب أم لا؟ وأما ما عدا ذلك، فيقال: الاعتبار بزوال النجاسة، فإن كان بفعل آدمي فهو بالماء، وإن كان بغير فعل الآدمي فبحسب ما جرت به العادة، وما أجراه الله من الطبيعة في الأشياء كتعاقب الشمس والريح ونحو ذلك، والاستحالة، وأما إذا كان فعل الآدمي بمائع غير الماء، أو لم يكن بمائع فهذا محتمل للبحث والنظر والتدقيق.

    وأما من يقول: بأنه إذا كان مائعاً غير الماء، واستعمله الآدمي، أو حتى لم يكن مائعاً كما في بعض الأشياء المعاصرة، من يقول: بأن ذلك يصح؛ لأن العبرة بزوال النجاسة، وقد زالت.

    يقال: لو صحت هاتان المقدمتان لصحت النتيجة، لكن الشأن في صحة المقدمتين، أما أن العبرة بزوال النجاسة فهذه مقدمة صحيحة، ولكن الشأن في صحة المقدمة الثانية، وهي قد زالت، فلو ثبت أنها زالت انتهى الإشكال، لكن هل هي زالت، أو حصل إيهام بزوالها؟ فمن حيث النظر الحسي: يحتمل أنها زالت، ويحتمل أنه حصل إيهام بزوالها.

    وقوع النجاسة في الماء القليل

    وهذا مثل قول الجمهور في مسألة الماء إذا كان يسيراً ووقعت فيه النجاسة، فطريقة طائفة من الفقهاء أنهم قالوا: لا يكون نجساً إلا بالتغير، والجمهور يقولون: إنه يصير نجساً.

    فمن يقول: بأنه لا يصير نجساً تارة يرجح بأسلوب أو بلغة التقرير، فيقول: إنه ماء وقعت فيه النجاسة ولم تغيره، فما دام أنها لم تغيره إذاً: لا حكم لها، فهذا هو الشأن في هذه المقدمة. وبماذا يعلم عدم التغير؟ إن قالوا: إنه يعلم باللون والطعم والرائحة، قيل: إن الشارع ما قصرها على هذه الأشياء، والحديث بذلك كما هو معروف لا يصح، ولو صح الحديث، والحكم مجمع عليه: أن النجاسة إذا ظهر لونها أو طعمها أو رائحتها، فهذا بالإجماع أن المحل أو الماء يكون نجساً، والحديث فيه ضعف من جهة كونه رواية، لكن الحكم مجمع عليه، ولكن هل الإجماع على أن اللون والطعم والرائحة يقتضي ثبوت النجاسة؟ بمعنى: هل هو إجماع على نفي ما سواها؟ لا. بل هو إجماع على أن هذه الأوجه معرفة بنجاسة الماء، ولكنه ليس إجماعاً على نفي ما زاد على ذلك، وسبق أن علم المكلف بوقوع النجاسة في الماء قد يكون أبلغ من مطلق الرائحة أو اللون أو الطعم أو نحو ذلك؛ لأن هذا يدخله الاشتباه، فالرائحة يدخلها اشتباه، هل هذه الرائحة من هذا المحل، أو من محل مجاور؟ وقد يقول شخص: إن فيه رائحة، وقد يقول آخر: لا. هذه رائحة البئر، وهذا الإناء أخذ من هذا البئر، والبئر فيه هذه الرائحة، والذي فيه بعض هذا الاستغراب فإنه يحتمل الاشتباه، لكن هؤلاء الذين استغربوا أمر الإناء الذي أخذ من البئر هل وقعت فيه نجاسة؟ وهل تعرض للنجاسة؟ قالوا: رائحته، وقال البعض: ليس كذلك، هذا الذي يحتمل، لكنهم إذا كانوا يعلمون وقوع النجاسة فيه، وهذا لا يحتمل التردد؛ لأنه علم صريح.

    فهذا الوصف من العلم ما جاءت الشريعة بإلغائه فيما يظهر والله أعلم، كما أنها اعتبرت وصف اللون والطعم والرائحة، فاللون متصل بحاسة البصر، والطعم متصل بحاسة الذوق، والرائحة متصلة بحاسة الشم، فمن الذي ألغى ما يتصل بحاسة العقل؟ أو بمدرك العقل وهو: العلم المدرك أنه يشاهد أن النجاسة وقعت فيه؟ هذه أوصاف كاشفة، لكن إذا كان مكلفاً يعلم، فهذا الوصف ثابت ولا يصح رفعه؛ ولهذا فإن قول الجمهور -كما سبق- أبلغ من قول غيرهم، وأرجح من قول غيرهم، ولا يشكل عليهم ما جاء في حديث أبي سعيد كما سبق.

    وإنما المقصود هنا: أن تطهير النجاسة بهذه الأشياء هي محل نظر، فاليابسات المعاصرة أو المائعات المعاصرة، هذه محل بحث، ولكن لا يتوهم فيه أن يقال: مقصود الشريعة زوال النجاسة، وقد زالت، نقول: لو صحت هاتان المقدمتان لصحت النتيجة، ولكنه منازع في الثانية، هل زالت أو توهم زوالها؟ لأن الرائحة أحياناً قد تكون يسيرة، وقد تكون هذه المواد الكيمائية المركبة رائحتها كما هو معروف نافذة، فنفاذها يوهم بإنفكاك المحل عن النجاسة، والاعتبار والأساس في موضوع النجاسة قبل أن يكون بالرائحة هو: بالعلم بوجودها، لكن إنما كان الماء كذلك؛ لأنه مطهر.

    1.   

    التطهير بالاستحالة

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا الخمرة إذا انقلبت بنفسها ]، قوله: (ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة)، هذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ويستثنون من ذلك الخمر، فإنها تطهر بالاستحالة، وهذا هو المعنى الذي ذكرت أن بعض أوجه زوال النجاسة يكون بغير فعل الآدمي عند عامة أهل العلم، ومحله الخمر إذا استحالت بنفسها، فإذا استحالت بنفسها فعند عامة أهل العلم تكون طاهرة، فإذاً: لما صححوا هذا المعنى في الخمر، مع أنها عندهم عين نجسة، دل على عدم إطلاق إزالة النجاسة إلا بفعل الآدمي؛ لما ذهب عامة أهل العلم حتى قال الموفق رحمه الله: لا نعلم فيه خلافاً، وذكر ذلك غيره: أن الخمر بنفسها إذا تخللت طهرت، فدل على أن ثمة محلاً عند عامة أهل العلم تزول النجاسة بغير فعل الآدمي.

    فإذاً: هذا تصحيح للأصل؛ ولذلك من يطرد ذلك في أمر الشمس والريح ونحو ذلك، فإنما هو بنى على أصل، وأصله معتبر عند الفقهاء، وهو فوق كونه تبعاً للأصل هو قول محفوظ لطائفة كما هو معروف.

    قال: [ وإن خللت لم تطهر، وقيل: تطهر ].

    قوله: (وإن خللت لم تطهر) هذا فيه قولان مشهوران للفقهاء، وما ذكره المصنف هو المذهب، وهو مذهب الإمام مالك .

    والقول الثاني: أن الخمر تطهر بالتخليل، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة . وهذا كله على مذهب الأئمة الأربعة من أن الخمر نجسة بعينها، وهو الذي عليه الأئمة الأربعة والجماهير من أهل العلم.

    1.   

    تطهير الأدهان المتنجسة

    قال المصنف رحمه الله: [ ولا تطهر الأدهان النجسة، وقال أبو الخطاب : يطهر منها بالغسل ما يتأتى غسله ].

    قوله: (ولا تطهر الأدهان النجسة)؛ لأن امتيازها وأثر الماء عليها لا يكون محققاً، وهذا هو الراجح، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وقالت طائفة: بأنها تكاثر بالماء حتى تطفو عليه ثم تزال ويكون هذا تطهيراً، وهذا فيه بعد.

    1.   

    خفاء موضع النجاسة وكيفية غسله

    قال المصنف رحمه الله: [ وإذا خفي موضع النجاسة لزمه غسل ما يتيقن به إزالتها ].

    وهذه مسألة خلاف بين العلماء: هل يعتبر ذلك بالتحري، أو يعتبر ذلك بما يتيقن؟

    الذي عليه الجمهور: أنه إذا علم النجاسة وخفي موضعها كاليسير من البول يصيب ثوبه أو سرواله، فالجمهور وهو مذهب الإمام أحمد ، و مالك ، وأكثر الفقهاء يقولون: يجب أن يغسل من ثوبه أو لباسه ما يعلم به يقيناً أنه أتى على المحل الذي أصابه البول، وقالت طائفة من الفقهاء: بأنه يتحرى، ويكفي غلبة الظن، وبعضهم أطلق التحري، والراجح: الأول، وهو ما عليه الجمهور من الفقهاء؛ لأن النجاسة متيقنة في هذا المحل، فلا بد أن يخرج من هذا اليقين بيقين، فإن اليقين لا يزول بالشك، فهو الآن تيقن النجاسة في ثوبه، أو في لباسه، وهذا اليقين لا يرفعه الشك، فلو صححنا التحري لصححنا رفع النجاسة المتيقنة بما هو من الشك، فصار على خلاف قاعدة الشريعة: اليقين لا يزول بالشك، فلو أخذنا بالقول الثاني لأزلنا اليقين بالشك، وهذا على خلاف القاعدة الشرعية، فلا يقال بالتحري، وبعضهم يقول: إن الشريعة راعت التحري وجاءت بالتحري، وهذا ليس فيه اطراد، فهناك بعض الأحكام لا يتأتى فيها اليقين ولكن اعتبرت المظنة فيها، ولكن اعتبار الشريعة بأن اليقين لا يزول بالشك أقوى ثبوتاً واطراداً من التحري؛ لأن التحري ليس له اطراد كثير؛ ولذلك تجد أن التحري ورد مثلاً في حديث سجود السهو، كحديث عبد الله بن مسعود في الصحيح: ( إذا شك أحدكم في صلاته قال: فليتحر )، ومع ذلك فهذا التحري المذكور في حديث ابن مسعود وإن كان في الصحيح، إلا أن الجمهور، ومنهم الإمام أحمد حملوه على العمل باليقين، (فليتحر) أي: يعمل باليقين؛ ولهذا جعلوا حديث ابن مسعود : ( فليتحر إذا شك في صلاته ولا يدري كم صلى ) جعلوه على معنى حديث أبي سعيد : ( إذا شك أحدكم في صلاته فلا يدري أصلى ثلاثاً أم أربعاً فليطرح الشك وليبن على ما استيقن )، فحديث ابن مسعود عند الجمهور بمعنى حديث أبي سعيد ، وما جعلوه للتحري معنى زائداً على قصد اليقين.

    فإذاً: إطلاق أن الشريعة اعتبرت التحري مطلقاً هذا فيه تجوز، فالشريعة اعتبرت التحري في محال لها اختصاص، لكن الاعتبار باليقين أقوى ثبوتاً وأقوى اطراداً، وحرف اليقين ما حمل عند الفقهاء على خلافه، مثل ما جاء في حديث أبي سعيد ( فليطرح الشك وليبن على ما استيقن )، هذا حرف مفصح عند الفقهاء بالحكم، لكن حرف التحري الذي جاء في حديث ابن مسعود ، بعض الفقهاء فهم منه التحري بمعنى: الأخذ بغالب الظن، وهذه طريقة طائفة، ومنهم المصنف، ولكنه قصرها على الإمام؛ لأن الإمام له من ينبهه، فجوز له الموفق التحري إذا شك في الصلاة، قال: إن كان عنده غلبة ظن صح ذلك؛ لأن الإمام له من ينبهه، والجمهور يقولون: حتى لو كان عنده غلبة ظن، وحتى لو كان إماماً لا يخرج إلا بيقين، ما دام أنه ما تيقن أنه صلى أربعاً، فلا يبالي بغلبة ظنه ولو كان إماماً، ويعتبرها ثلاثاً، وهذا هو الراجح.

    1.   

    تطهير بول الغلام والجارية

    قال المصنف رحمه الله: [ ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام النضح ].

    وهذا محل خلاف بين الفقهاء، وما ذكره المصنف هو مذهب الإمام أحمد نص عليه في رواية عدد كثير من أصحابه، وهو المذهب يقيناً عند الحنابلة، وهو مذهب طائفة من أهل العلم، وهو مذهب الإمام الشافعي ، وطائفة من أهل الحديث.

    والقول الثاني للإمام أبي حنيفة وطائفة: أن بول الغلام يغسل كما يغسل بول الجارية، وهذا اعتباراً بالأصل عند أبي حنيفة ومن وافقه، واعتباراً بالقياس على غيره، فالأصل في ذلك هو الاعتبار بالقياس. والراجح هو: القول الأول؛ لأن هذا مستثنى، والتخفيف فيه من الشارع، وليس الاستثناء فيه معتبراً بقياس أو استنباطٍ، فإنه لو كان معتبراً بوجه من الاستنباط، أو بوجه من القياس لما صح ترك الأصل له، فإن الأصل غسل النجاسة، والأصل غسل البول، لكن إنما جزم بهذا القول؛ لأن النص فيه صريح، وهذا جاء فيه جملة من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما، كحديث أم قيس بنت محصن في الصحيحين، وحديث لبابة بنت الحارث في السنن، وحديث علي بن أبي طالب ، وحديث أبي السمح ، وهذه الأحاديث مخرجة في السنن، ومسند الإمام أحمد ، وكلها دالة على أنه: ( يغسل من بول الجارية )، وهذا هو الأصل، ( ويرش من بول الغلام )، ولما جاء في حديث علي و أبي السمح : ( يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام ).

    وحديث أم قيس بنت محصن في الصحيحين: ( أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن لها لم يبلغ أن يأكل الطعام، قالت: فبال في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بماء، فنضحه على ثوبه نضحاً، ولم يغسله غسلاً )، والعرب تفرق بين النضح والغسل، وهذا من الأمر البدهي المدرك، فحديث أم قيس بنت محصن قالت: ( فدعا بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله غسلاً )، ونحوه في الدلالة حديث لبابة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها، وكذلك ما جاء في حديث أبي السمح ، وعلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام ).

    ولهذا أصح المذاهب في هذا، هو: مذهب الإمام أحمد ، وهو؛ وسط بين مذهبين، بين مذهب من يقول: بأن من لم يأكل الطعام ينضح نضحاً سواء كان ذكراً أو أنثى، وهذا بعيد وخلاف السنة، وبعضهم ما بلغه في الأمر إلا حديث أم قيس بنت محصن فظن أنه في الطفل الذي لم يأكل الطعام ولو لم يكن ذكراً، لكن ما جاء في حديث علي ، و أبي السمح بيّن أنه يميز بين بول الجارية وبول الغلام، ( يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام )، بل حتى عند التحقيق لو لم يرد ذلك فقد يتجه أن يقال: إن حديث أم قيس إنما هو استثناء فيقصر على مورده وأنه غلام؛ لأنها قالت: فأتت رسول الله بابن لها، فلا تلحق به الجارية إلا بطريقة القياس ولا يتأتى هنا، ولكن هذا كله لا حاجة إليه إذا نظرت جملة الروايات في هذا الباب، فجملة الروايات معرفة بالتمييز بين بول الجارية وبول الغلام، فضلاً عن كون بول الجارية باقٍ على الأصل.

    والمذهب الثاني: أن الغلام الذي لم يأكل الطعام يجب الغسل، فهذا أيضاً على خلاف حديث أم قيس ، وغيره من الروايات الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا فإن الراجح في هذه المسألة بيّن، وإن كان هذا لا يدل على كونه طاهراً، فبعض الفقهاء من أصحاب أحمد قالوا: إنه يدل على عدم نجاسته، وهذا بعيد؛ لأنه لو لم يكن نجساً لما أمر بنضحه، وإنما هو تخفيف في شأنه، وأما الحكمة في هذا فهي معتبرة عند الشارع، وإن كانت ليست معينة لنا، وقد التمس بعض أهل العلم لها بعض أوجه الالتماس، وهي محتملة.

    نقف هنا، والله الموفق والهادي، والحمد لله رب العالمين.

    وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3015618433

    عدد مرات الحفظ

    723697240