إسلام ويب

كتاب الطهارة [2]للشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قسم العلماء الماء إلى ثلاثة أقسام: طاهر، وطهور، ونجس، فاتفقوا في الطهور، واختلفوا في كون الطاهر رافعاً للحدث أو لا، كما اختلفوا في النجس في مسائل منه، ومما له تعلق بهذه المسائل مسألة اشتباه الطاهر بالنجس، وفيها تفصيل بينه أهل العلم.

    1.   

    أحكام الماء الطهور

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله: [ ماء طهور وهو الباقي على أصل خلقته، وما تغير بمكثه أو بطاهر لا يمكن صونه عنه، كالطحلب، وورق الشجر، أو لا يخالطه كالعود والكافور والدهن، أو ما أصله الماء، كالملح البحري، أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه، أو سخن بالشمس أو بطاهر، فهذا كله طاهر مطهر، يرفع الأحداث ويزيل الأنجاس، غير مكروه استعماله ].

    بيّن المصنف رحمه الله فيما سبق ما عليه أكثر الفقهاء من جهة اصطلاحهم على تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام، وسبق معنا أن هذا الخلاف قدر منه في المعنى، وقدر منه اصطلاح في اللفظ، وتفريعاً على هذا بيّن الماء الطهور الذي يكون طاهراً في نفسه، مطهراً لغيره.

    ثم ذكر المؤلف بعض الأوجه والأوصاف التي لا ترفع ولا تسلب الماء الطهورية.

    قوله: (وهو الباقي على أصل خلقته).

    ما كان باقياً على أصل الخلقة مطلقاً فهذا هو الطاهر المطهر بإجماع العلماء، وهذا لا يختلفون فيه، سواء من قسم الماء إلى قسمين أو إلى ثلاثة أو إلى غير ذلك.

    قوله: (وما تغير بمكثه).

    ما تغير بمكثه فكذلك، وقد حكى الإجماع غير واحد أنه يكون طاهراً مطهراً، وقال بعض الفقهاء بكراهته، لكن هذا خلاف العامة، ثم إنه ليس خلافاً في طهوريته، وإنما هو في استعماله.

    قوله: (أو بطاهر لا يمكن صونه عنه).

    تقييد بما لا يمكن صونه عنه بالطاهر الذي يمكن صونه عنه، فما تغير بطاهر لا يمكن صونه عنه، فإنه لا يكون مؤثراً.

    قوله: (كالطحلب وورق الشجر، أو لا يخالطه كالعود والكافور والدهن).

    وهنا للفقهاء كلام في الطاهر الذي لا يمكن صون الماء عنه، فبعضهم فرق بين ما كان من المذرور أو من السائل، وبين ما كان غير ذلك، والمشهور في المذهب عدم التفريق.

    قوله: (أو ما أصله الماء، كالملح البحري).

    إنما قال: (البحري) إخراجاً لما سماه الفقهاء: الملح المعدني، فإنه يسلب الماء الطهورية على أحد القولين عند الفقهاء، وعلى القول الثاني: يجعلون الملح البحري والملح المعدني واحداً.

    قوله: (أو ما تروح بريح ميتة إلى جانبه، أو سخن بالشمس).

    هذا باعتبار الأصل، إذا تروح بريح ميتة بجانبه، أو سخن بالشمس فإنه يبقى على طهوريته، وهل يكره أو لا يكره؟ فيه خلاف في مذهب الإمام أحمد وغيره، والراجح أنه لا يكون مكروهاً.

    قوله: (أو بطاهر، فهذا كله طاهر مطهر).

    طاهر مطهر، وهذا حد الماء الطهور عندهم.

    قوله: (يرفع الأحداث ويزيل الأنجاس، غير مكروه استعماله).

    على ما ذكر المصنف، وإن كان الاستعمال في بعض هذه الصور فيه خلاف، فـالشافعي كره الوضوء بماء سخن بالشمس، وكذلك ما جاور نجاسةً فتروح برائحتها، فقد كرهته طائفة، وهو رواية عن الإمام أحمد ، ولكن الراجح في هذه المسائل ما ذكره أبو محمد رحمه الله، أن الجامع في هذه الصور، يكون طاهراً مطهراً، ليس مكروه الاستعمال.

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن سخن بنجاسة، فهل يكره استعماله؟ على روايتين ].

    على روايتين عن أحمد ، والراجح أنه لا يكره.

    1.   

    أحكام الماء الطاهر

    قوله: [ فصل.

    القسم الثاني: ماء طاهر غير مطهر، وهو ما خالطه طاهر، فغير اسمه أو غلب على أجزائه، أو طبخ فيه فغيّره ].

    الماء المختلط بغيره من الطاهرات فغير اسمه

    فالقسم الثاني من أقسام المياه: (ماء طاهر غير مطهر)، وهذا هو الذي جرى فيه الخلاف الاصطلاحي كما سبق، والمصنف هنا وصفه بأوصاف، فقال: (وهو ما خالطه طاهر فغيّر اسمه)، وسبق أن من يقولون: إن الماء طاهر ونجس، لا يسمى هذا عندهم ماءً، فإن المصنف أدخل في الماء الطاهر ما خالطه طاهر فغيّر اسمه.

    فإذاً: النظر في حكمه عند تغير اسمه، فإذا كان النظر في حكمه بعد تغير اسمه، فصار يسمى: خلاً، من يقول بأن الماء ينقسم إلى قسمين، يقول: تسمية هذا ماءً لا معنى له، لا أنهم ينازعون في كونه يستعمل في الطهارة، ولهذا فإن ابن تيمية رحمه الله لما قال: إن الماء لا يكون كذلك، بل هو على قسمين، هذا الذي خالطه طاهر فغير اسمه كالخل مثلاً إذا أضيف إلى الماء فصار يسمى خلاً، لا يقول ابن تيمية : إنه يتوضأ به، ولا يتفرع عنه أنه يتوضأ به، فهذا وجه بين أن ما خالطه طاهر فغير اسمه لا يرفع الحدث. كأنه يقول في القسم الثاني: إن الطاهر على أوجه.

    الوجه الأول: ما خالطه طاهر فغير اسمه، فهذا لا يرفع به الحدث لكونه ليس ماءً، وعلى هذا الوجه من أوصاف الطاهر فالخلاف لا يزال لفظياً.

    الماء المختلط بغيره من الطاهرات ولم يغير اسمه

    الوجه الثاني في القسم الثاني.

    قوله: ( أو غلب على أجزائه، أو طبخ فيه فغيّره ).

    وهذا يكون أوسع من جهة ما سماه في الأول، وهو ما تغير اسمه، إذا خالطه فغلب على أجزائه ولو كان اسم الماء باقياً عليه، لم يتغير، فإنهم يجعلونه طاهراً ليس مطهراً، وبهذا المعنى: أن الأول خالطه طاهر فغير اسمه، وفي الثاني لم يغير الاسم، ولكنه غلب على أجزائه، سواء كان هذا المخالط في المذهب مذروراً أو كان أجزاءً ليست مذرورة، والشافعية فرقوا بين المذرور كالطحين ونحوه، وبين ما ليس كذلك، كالخشب والعود وأوراق الشجر ونحوها، وفي المذهب لا يفرقون.

    فإن المقصود عندهم أنه إذا غلب على أجزائه صار عندهم طاهراً غير مطهر، فإن أثرت هذه الغلبة في الأجزاء إلى تغير الاسم، فهذا أصرح عند الفقهاء في كونه لا يرفع به الحدث، على هذا الوصف الثاني من الوجه الثاني من الطاهر الخلاف فيه له حقيقة؛ لأنه عندهم لا يزال يسمى ماءً، لكن كثر فيه غيره كثرة لم ترفع اسمه، فما دام أنها لم ترفع الاسم، فعلى المذهب يجعلونه طاهراً ليس مطهراً، وهذا رأي الجمهور، وعلى القول الثاني: يجعلونه طاهراً مطهراً؛ لأن معتبرهم في تمييز الماء معتبر بالتسمية، وطريقة ابن تيمية يقول: ما دام أنه يسمى ماءً صحت الطهارة به، فهذا القسم الثاني الخلاف فيه له معنى.

    الماء الذي تغير أحد أوصافه بطاهر

    قال المصنف رحمه الله: [ فإن غير أحد أوصافه، لونه أو طعمه أو ريحه، أو استعمل في رفع حدث، أو طهارة مشروعة كالتجديد وغسل الجمعة.. ].

    إذا تغير أحد الأوصاف: اللون أو الطعم أو الرائحة فإنه لا يكون مطهراً في المشهور من المذهب، وهو مذهب مالك و الشافعي، وهذا الوجه الثالث من الطاهر أضيق من الثاني؛ لأن الثاني يقولون فيه: غلب على أجزائه، وفي الثالث: لا يقولون: غلب على أجزائه، إنما تغير فيه وصف اللون أو الطعم أو الرائحة، وأنت تعلم أن تغير الوصف إما أن يتغير بالنجاسة، فيكون نجساً، وإما أن يكون تغيره بطاهر، وما زال اسم الماء باقياً عليه، حتى يخرج الأول، ولم يكن غالباً على أجزائه حتى يخرج الثاني، فهذا فيه خلاف مشهور، ففي مذهب مالك والشافعي ، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد أنه يكون طاهراً ليس مطهراً، طاهراً في نفسه لا يرفع به الحدث، وهذه الرواية هي المنصوصة عن الإمام أحمد والمنصورة عند أكثر أصحابه.

    أحكام الماء المستعمل

    قوله: (أو استعمل في رفع حدث، أو طهارة مشروعة، كالتجديد وغسل الجمعة).

    كذلك ما استعمل في رفع الحدث، أو طهارة مشروعة، أي: ليست واجبة، كتجديد الوضوء وغسل الجمعة، وكذلك اختلف المذهب في الماء على هذه الصفة، فمنهم من جعله طاهراً ليس مطهراً، ومنهم من جعله طهوراً يرفع به الحدث ويزال به النجس، ولكن المشهور في المذهب أن ما رفع به الحدث فإنه لا يعد من الماء الطهور، بل هو من الماء الطاهر.

    والراجح في هذا القسم: أنه من الماء الطهور؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وبعض أزواجه من إناء واحد، وكانوا يغتسلون في الإناء الواحد وما يتقون ذلك، فلو كان ما ينفصل يصير طاهراً ليس مطهراً ما أمكن استتمام الطهارة به من غيره، وكانوا يتوضئون بالصاع ونحوه، ويغتسلون به، وبأقل من الصاع، وهذا في الجملة. ويغلب على الظن في العادة أن الماء يقع في الإناء سواء كان في رفع الحدث، أو في الطهارة المشروعة كالتجديد، وما كانوا يتقون ذلك، ولا سيما أنه يعرض لهم في السفر ونحوه قلة الماء، وما كانوا يتقون ذلك، فهذا القسم الراجح فيه أنه من باب الماء الطهور، ما استعمل في رفع الحدث، أو من باب أولى في الطهارة المشروعة، كتجديد وضوء ونحوه، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد ، وإن كانت ليست المشهورة عند الأصحاب، وهو اختيار جماعة من التابعين، وإحدى الروايتين عن الإمام مالك ، والقول الثاني للإمام الشافعي ، وهو ظاهر عمل الصحابة رضي الله عنهم فهذا القسم الرابع من أوجه الماء الطاهر فيه خلاف قوي، وهو خلاف له معنى، وليس خلافاً اصطلاحياً بل هو خلاف حقيقي.

    قال المصنف رحمه الله: [ أو غمس يده فيه قائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثاً ].

    كذلك إذا غمس القائم من نوم الليل يده فيه، هذا في المذهب يجعلونه على الراجح عند الأصحاب رحمهم الله طاهراً ليس مطهراً، إذا غمس القائم من نوم الليل يده فيه، ويخصون نوم الليل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( فإنه لا يدري أين باتت يده )، والبيات إنما يكون ليلاً، فخصه بنوم الليل من هذا الحرف.

    والعلة في هذا النهي على الصحيح تعبدية، ولما كانت العلة تعبدية في مورد الطهارة التي بناها الشارع على تسمية أحكامها، ظهر -والله أعلم- أن هذا على سبيل الندب وليس على سبيل الوجوب، وأن النهي فيه ليس على سبيل التحريم، وإنما هو على سبيل الكراهة، فهو من باب الأدب على الراجح، وإذا كان من باب الأدب والنهي للكراهة تفرع عنه أنه لا يسلب الماء الطهورية، وهذه إحدى الطريقتين في مذهب الإمام أحمد .

    والطريقة الثانية في مذهب الإمام أحمد : يسلب الماء الطهورية، سواء قلنا: بوجوب غسل اليدين، لمن قام من نوم الليل، أو بعدم وجوبه، والراجح أنه ليس بواجب، بل يستحب، والنهي فيه للكراهة، ولا يسلب الماء طهوريته، وهذا كله مقدر في الماء القليل، أما إذا كان الماء ليس قليلاً، فإن الحكم هنا ليس وارداً؛ لأن قوله: ( فلا يغمس يده في الإناء )، إنما هو في الماء القليل، وهو ما كان في الآنية، والآنية ماؤها قليل، ومن فقه المصنف رحمه الله وتحريره في أقوال الفقهاء، وفي مذهب الإمام أحمد خاصة، أنه أطلق الروايتين هنا، وقال: فهل يسلبه طهوريته على روايتين، فصار الطاهر عند الفقهاء أربعة أقسام:

    القسم الأول: ما تغير اسمه، وهذا تسميته من جهة الحكم، أنه لا يرفع به الحدث، وهذا هو المتوجه عند عامة أهل العلم، لكن هل يسمى ماءً طاهراً أو لا يسمى ماءً؟ ولا يدخل في أقسام المياه، وهذا بحث في الجملة لفظي.

    القسم الثاني: ما غلب على أجزائه، وهذا فيه خلاف قوي، وفي المذهب أنهم لا يصححون الوضوء به، بل يجعلونه طاهراً لا يرفع الحدث.

    القسم الثالث: ما تغير لونه أو طعمه أو رائحته بطاهر، وهذا الراجح فيه أنه لا يتأثر.

    القسم الرابع: ما استعمل في رفع الحدث، أو غمس القائم من نوم الليل فيه يده، أو في تجديد طهارة مشروعة، أو ما إلى ذلك في تجديد الوضوء، أو الطهارة المشروعة كغسل الجمعة، وهذا له معنى وليس بحثاً لفظياً، ولا فيه مادة لفظية، بل هو خلاف في المعنى، ولهذا التزم ابن تيمية رحمه الله أنه في هذا يجعله من باب الطاهر المطهر، وإلا لو منع الطهارة به، للزمه أن يقسم الماء إلى ثلاثة أقسام.

    أقوال العلماء في الماء الذي أزيل به نجاسة

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن أزيلت به النجاسة فانفصل متغيراً، أو قبل زوالها ].

    انتقل المصنف إلى الماء النجس، قال: وإن أزيلت به النجاسة، فانفصل متغيراً -أي: بالنجاسة- تغير لونه، أو طعمه، أو رائحته، أو قبل زوال النجاسة، فهو نجس.

    قال المصنف رحمه الله: [ فهو طاهر إن كان المحل أرضاً، وإن كان غير الأرض فهو طاهر في أصح الوجهين، وهل يكون طهوراً؟ على وجهين ].

    أي: إذا تغير لون الماء أو طعمه أو رائحته بالنجاسة صار نجساً بالإجماع، ومستند هذا الإجماع أن هذا هو ماهية الماء النجس، فإن الماء النجس ليس عيناً مبتدأة على هذه الصفة، وإنما هو ماء تغير بالنجاسة، ولو لم يكن نجساً بالإجماع لما كان لماهية الماء النجس تحقق على هذا التقدير، ولهذا حكي الإجماع فيه، أن الماء إذا تغير بالنجاسة، فإنه يكون نجساً.

    وأما إذا انفصل الماء غير المتغير بالنجاسة وقد لاقاها، قال المصنف: بعد زوال النجاسة أو قبل زوالها، فإن كان قبل زوالها فإنه يبقى نجساً، ولو لم يظهر عليه أثر النجاسة، باللون أو الطعم أو الرائحة، وإن كان بعد زوالها، فهو طاهر في مذهب الإمام أحمد ، قال: إذا كان المحل أرضاً، وأما إن كان المحل ليس أرضاً، فهو طاهر في أصح الوجهين، وهل يكون مطهراً، أو يكون طهوراً مطهراً لغيره؟ على وجهين.

    وخلاصة هذه المسألة: أن الماء النجس يقدر عند الفقهاء على وجهين: قدر متفق عليه، وقدر مختلف فيه، والقدر المتفق عليه هو الماء الذي تغير بالنجاسة، وهذا بإجماع العلماء أنه ماء نجس، إذا تغير لونه أو طعمه أو رائحته بالنجاسة.

    القسم الثاني: وهو الذي فيه الخلاف المشهور، ما لاقى النجاسة ولم يتغير، فهذا في الجملة على قسمين: إما أن يكون قليلاً، وإما أن يكون كثيراً، فإن كان كثيراً وقد لاقى نجاسة ولم يتغير فإنه يبقى على طهوريته، وإن كره بعضهم في بعض مقاديره الوضوء منه، لكنه عند الجماهير والعامة من العلماء يبقى على طهوريته، إذا كان كثيراً، لكن بعض مقادير الكثير يكره كثير من الفقهاء الوضوء منه، وإن كانوا يقولون: إنه باق على طهوريته، لكن يكرهونه بمعنى أنه يجتنب عند وجود غيره، وهذه الكراهة ليست مطلقة، بل مقدرة في بعض مقادير الكثير، حتى يخرج ماء البحر ونحوه.

    فإذاً: إذا كان الماء كثيراً وقد لاقى نجاسةً ولم يتغير بها، فإنه يكون على طهارته وطهوريته، ويستثني الأصحاب -بناءً على نظرهم في مذهب الإمام أحمد - بول الآدمي والنجاسة المائعة، فجعلوا لها حكماً سيأتي ذكره في كلام المصنف، لكن في بقية النجاسات هم على قول الجملة من الفقهاء.

    أقوال العلماء في الماء الذي لاقى نجاسة ولم يتغير أحد أوصافه وهو قليل

    الوجه الثاني من القسم الثاني: إذا لاقى الماء نجاسةً ولم يتغير أحد أوصافه: الطعم أو اللون أو الرائحة، وهو قليل، سواء على قدر من يقول: إن القليل هو ما دون القلتين، أو كان قليلاً بموجب العرف، وهذا مختلف في تقديره، أعني: القليل أو الكثير، فـأبو حنيفة يقول: إنه إذا حرك أحد طرفيه ولم يتحرك الطرف الآخر فهذا يجعله كثيراً، وما تحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر فيعد قليلاً، والمشهور من مذهب أحمد و الشافعي أن القليل ما دون القلتين، والكثير ما فوقهما على حديث عبد الله بن عمر

    والبحث في القليل والكثير هذا بحث آخر، لكن من حيث الحكم، فإن الماء إذا كان قليلاً، ووقعت فيه النجاسة ولم يظهر فيه تغير في أحد أوصافه، فهذا فيه نزاع مشهور:

    القول الأول وهو قول الجمهور من الفقهاء، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد ، وإحدى الروايتين عن الإمام مالك ، وكذلك في مذهب أبي حنيفة والشافعي ، أن الماء هنا يكون نجساً.

    القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد ورواية عن الإمام مالك وقول في مذهب الشافعي وغيره، أنه يكون طاهراً وليس بنجس.

    سبب اختلاف العلماء في الماء الذي لاقى نجاسة ولم يتغير أحد أوصافه وهو قليل

    وهذا من مشهورات الخلاف في مسائل المياه، والاستصحاب فيه يحتمل القولين، فإن من يقول: إنه طاهر، يقول: إن الاستصحاب يدل عليه؛ لأن الأصل في المياه الطهارة، ولكن يمكن استصحاب حكم النجاسة فيه؛ لأنه يقال: ماء نجس، وهو مظنة التغير بالنجاسة، فالأصل فيه النجاسة حتى يستبين استحالتها فيه، فما ينبه إليه؛ لئلا يتوهم الناظر أن القول بطهارته يعضده دليل الاستصحاب ولا بد، بل دليل الاستصحاب يمكن تقديره على القولين، وليس صريحاً في أحد القولين.

    وأما من الأحاديث المفصلة في هذا، فالظاهر من النصوص أن هذا الماء يكون نجساً، وهذا ما جاء في حديث عبد الله بن عمر : ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث )، فإنه لولا هذا التقدير لما كان للحديث دلالة، ولا يقال هنا: إنه مفهوم، بل هذه دلالة يقتضيها الخطاب من جهة منطوقه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث )، فلما كان هذا الحكم متميزاً في القلتين، فإنه يقتضي بالضرورة ولو قدر تسميتها مفهوماً، فإنه معتبر على هذا التقدير، مع أن جعل هذا من باب المفهوم في هذا المثال فيه مراجعة، ولا يسلم أن هذا مناسب لأحد أقسام المفهوم في الأصول، إنما الشاهد أن هذا الحديث ليس في تقدير المتغير بالنجاسة؛ لأن المتغير بالنجاسة لوناً أو طعماً أو رائحةً لا خلاف فيه، فإنما هو في تمييز أحكام النجاسة إذا لاقته ولم يتبين للمكلف أثرها، وهذا هو الذي يقتضيه هذا الحديث، ولو لم يقل بذلك لما كان للحديث حكم يقتضيه، وما كان لذكر القلتين معنى، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ).

    فهذا لا ينافي ما جاء في حديث أبي سعيد : ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء )؛ لأن ماء البئر ماء كثير، ولأنه لا يعلم وقوع النجاسة فيه.. إلى آخره، هذا من جهة الاستدلال.

    ومن جهة النظر فإن هذا الماء القليل وقعت فيه نجاسة، فإذا كان ينجس بالإجماع إذا تغير لوناً أو طعماً أو رائحةً، فكذلك إذا علم وقوع النجاسة فيه ولم يعلم استحالتها؛ لأنه هو الأصل.

    ولهذا الأقرب والله أعلم عملاً بدليل الاستصحاب أن يقال: إن الاستصحاب يدل على نجاسته، وتعبير بعض الفقهاء رحمهم الله، ولا سيما المتأخرين منهم لما يقولون في هذا: ما وقع فيه نجاسة ولم تغيره، والحقيقة أنه لم يظهر فيه تغير، من جهة لونه أو طعمه أو رائحته، ولهذا فإن بعض النجاسات يكون لونها كلون الماء، وبعض النجاسات يكون لونها مبايناً للون الماء، فإذا علم المكلف أن هذه النجاسة التي لونها لون الماء وقعت فيه بقدر أكثر من هذه النجاسة التي لونها ليس لون الماء، وربما هي نجاسة واحدة فينجس.

    وعلى هذا التقدير إذا قلنا: إن العبرة باللون والطعم والرائحة، سنقول: إن هذا الإناء يكون طاهراً، وهذا الإناء يكون نجساً، وهذا تفريق بين المتماثلات، لو قدر أن نجاسة واحدة هي في أحد الحالين لونها كلون الماء، وفي الحالة الثانية مباينة للون الماء، فهذا غيرت لونه، وهذا الإناء لم تغير لونه، وهي بقدر واحد، أو ربما قل: إنها في الذي لونه لون الماء أكثر، إذا قدرنا أن الاعتبار فقط باللون والطعم والرائحة، لزم أن نقول: إن هذا الإناء يكون طاهراً، وهذا يكون نجساً، وهذا تفريق بين المتماثلات، إنما اعتبرت الشريعة اللون والطعم والرائحة فيما لا علم للمكلف به، فإذا كان المكلف لا يعلم فالأصل: ( أن الماء طهور لا ينجسه شيء )، كما ثبت في حديث أبي سعيد ، وهو حديث صحيح، أي: حديث بئر بضاعة، وقد صححه الإمام أحمد ، وكذلك حديث القلتين، هو حديث محفوظ، وقد جود إسناده الإمام أحمد واحتج به في غير جواب من أجوبة أصحابه، فكلا الحديثين محفوظ، حديث ابن عمر الذي هو حديث القلتين، وحديث بئر بضاعة عن أبي سعيد ، فحديث بئر بضاعة فيه أصل، وهو أن الأصل في الماء أنه طاهر، فكيف يعلم المكلف أثر النجاسة من عدمها، إذا كان المكلف لا يعلم وقوع النجاسة فيه فالعبرة بالتغير، لكن حيث علم أن النجاسة وقعت فيه وهو قليل -بمعنى أنه ليس مظنة الاستحالة-، فهذا كأنه أظهر من حيث الترتيب في النظر، أظهر من مسألة الرائحة؛ لأن الرائحة قد تنتابه من غيره ويقع فيها اشتباه، ويحصل في تقديرها اختلاف، وربما قال هذا: إن رائحة النجاسة فيه، وقال الآخر: إن رائحة النجاسة ليست فيه، وكذلك الطعام، هذه أمور لا تقدر.

    هذا والله أعلم! أن مورده من الشريعة فيما لا علم للمكلف به، فما دام أن المكلف لا يعلم به فيقال له: الأصل في الماء الطهارة، كما مضى الإجماع به، وجاء به الكتاب والسنة والإجماع أن الأصل في الماء الطهارة، فإن تغير لونه أو طعمه أو رائحته صار نجساً إجماعاً، فإذا كان نجساً إجماعاً بالرائحة التي يحصل فيها اشتباه فمن باب أولى إذا وقعت فيه نجاسة متيقنة، شاهدها المكلف أو علمها علماً يقينياً، وكذلك الماء قليل، أما أن يقال: مع علمه لا بد من ظهور اللون أو الطعم أو الرائحة، فهذا يستلزم أن النجاسات التي يلاقي لونها لون الماء، كبول الآدمي أحياناً، فإنه ربما كان لونه لون الماء، وما ظهر فيه لون أو طعم أو رائحة، فهذا يلزم منه أن يقال: يصح الوضوء به ويكون طاهراً، وإذا وقع وقد تغير بعض اللون لا يكون كذلك، وهذا تفريق بين المتماثلات.

    فالراجح أن الماء إذا وقعت فيه نجاسة فهو نجس؛ لأن العلم هنا من جنس العلم باللون أو الطعم أو الرائحة الذي مضى فيه الإجماع، فهذا على قدره، وربما في بعض الموارد يكون أبلغ ثبوتاً من الرائحة؛ لأنه علم يقيني، وإنما جعل اللون أو الطعم أو الرائحة معياراً مضى الإجماع به لكونه كاشفاً لهذا العلم الذي هو وقوع النجاسة فيه، فإن اللون إذا ظهر أو الطعم أو الرائحة، عرف المكلف بوقوع النجاسة فيه، وأنها لم تستحل، فكذلك إذا علم المكلف ذلك في ماء قليل، لا تستحيل النجاسة فيه عادةً، كالماء الذي يكون في الأواني فلا تستحيل النجاسة فيه عادةً.

    وهذا يبينه ما جاء في حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث )، فالذي يظهر بدليل الاستصحاب ودليل السنة، ومقتضى النظر وعدم التفريق بين المتماثلات في الشريعة، وهذا يمكن أن يكون وجهاً من القياس اللازم والصريح، بهذه المقتضيات من الأدلة: أن ما عليه جمهور العلماء وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، أن الماء إذا كان قليلاً فإنه يكون نجساً بوقوع النجاسة فيه، ولا يبحث في شأنه.

    فإن قيل: فما حد القليل والكثير؟ قلنا: الراجح فيه: أن القليل ما دون القلتين، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث )، فهذه حقيقة شرعية، ولا تقدم عليها الحقيقة العرفية؛ لأن الحقيقة الشرعية مقدمة على العرفية؛ ولأن العرفية هنا غير منضبطة، فهذا تقرير من الشارع، وتقدير القلتين سيأتي، وقد قدرها بعض المتقدمين كالإمام أبي داود ، بأنه ذراع وربع طولاً وعرضاً وعمقاً، باليد المتوسطة.

    أقوال العلماء في الماء الذي خلت به امرأة

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن خلت بالطهارة منه امرأة فهو طهور، ولا يجوز للرجل الطهارة به في ظاهر المذهب ].

    أي: إذا خلت بالطهارة منه امرأة فهو طهور، ولا بد أن تكون المرأة قد خلت به لطهارة حدث وليس لتجديد على الراجح من المذهب، أما إذا كان تجديداً فالراجح من المذهب أيضاً أنه لا يسلبه الطهورية، وإذا خلت به المرأة لطهارة كاملة فهو طهور، فإن قيل: ألم يقولوا قبل بأن ما انفصل في الطهارة يكون طاهراً ليس مطهراً في إحدى الروايتين، قيل: هو هنا ليس في الماء المنفصل؛ لأن هذه المسألة مقدرة بحكم خلوة المرأة به، وليس بكونه منفصلاً عنها، أي: ليس الاعتبار أنه فصل ما أصاب أعضاءها فوقع فيه، هم قدروه على خلاف ذلك، فالمؤثر هنا: أن المرأة خلت فيه، وهذا فيه حديث الحكم بن عمرو الغفاري : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة )، وهذا محمول عند الأصحاب على أنه يجعل الماء طاهراً غير مطهر.

    والقول الثاني في المسألة: أن هذا لا يؤثر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الماء لا يجنب )، كما رواه أبو داود وغيره، وتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه من إناء واحد، فدل على أن مخالطة المرأة في الطهارة في بعضها كمخالطتها في سائرها، لما توضأ النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه من إناء واحد، لزم من ذلك أن بعض أجزاء الطهارة يكون فضل المرأة، وما كان قدر بالجزء فإن حكم الكل يكون عليه، وهذا القول هو الراجح، ولا سيما أن حديث الحكم بن عمرو الراجح فيه عدم حفظه، أي: أنه حديث ليس بمحفوظ، وأقوى منه في الباب ما جاء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم.

    ولهذا فإن الإمام أحمد رحمه الله في بعض المنصوص عنه، إنما حكى كراهته عن الصحابة، وهذا هو الصحيح، قال: كرهه جماعة من الصحابة، وأما الحديث فالراجح فيه أنه ليس بمحفوظ.

    1.   

    أحكام الماء النجس

    قال المصنف رحمه الله: [ فصل: القسم الثالث: ماء نجس: وهو ما تغير بمخالطة النجاسة، فإن لم يتغير وهو يسير فهل ينجس؟ على روايتين ].

    وهذا الذي سبق، والراجح فيه أنه نجس.

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن كان كثيراً فهو طاهر، إلا أن تكون النجاسة بولاً أو عذرةً مائعة ].

    استثنوا في الماء الكثير غير المتغير، البول والعذرة، وقصدوا من الآدمي العذرة المائعة، فيجعلونه نجساً إلا في أحوال استثنوها.

    قال المصنف رحمه الله: [ ففيه روايتان، إحداهما لا ينجس، والأخرى ينجس إلا أن يكون مما لا يمكن نزحه؛ لكثرته فلا ينجس ].

    فهاتان الروايتان عن الإمام أحمد ، وهو إذا كان كثيراً وأصابه بول، أو عذرة الآدمي، فهل يكون نجساً؟ أو ليس بنحس؟ على روايتين عن الإمام أحمد ، والراجح في مذهب الإمام أحمد أنه يكون نجساً، ما لم يشق نزحه.

    وهذا الخلاف في مذهب الإمام أحمد رحمه الله مقدر لما أشار إليه المصنف ما لا يمكن نزحه، وأما الماء الذي يكون بالغ الكثرة كماء البحر، والأنهار، ومجامع المياه الكبرى، فهذا لا يرد فيه هذا الخلاف، ولو بال الآدمي في جانب من البحر ما قيل: إن البحر يكون به نجساً، لم يقل بهذا أحد، وكذلك مجامع المياه الكبرى، إنما هو في الماء الكثير عندهم وهو أكثر من قلتين، لكن لم يبلغ في الكثرة أنه يتعذر نزحه، فهذا هو محل الخلاف فيما ذكروه.

    تطهير الماء النجس

    قال المصنف رحمه الله: [ وإذا انضم إلى الماء النجس ماء طاهر كثير طهره ].

    كيف يطهر الماء النجس؟ بمكاثرته بالطاهر.

    قول المصنف: ( وإذا انضم إلى الماء النجس ماء طاهر كثير طهره ).

    الطاهر سبقت أقسامه عندهم، فإذا كان الطاهر كثيراً طهره إذا لم يبقَ فيه تغير بأن زال اللون أو الطعم أو الرائحة؛ لأنه إما أن تكون نجاسته عندهم بتغير لونه أو طعمه أو رائحته، وإما أن تكون نجاسته عندهم بكونه قليلاً وقعت فيه النجاسة، فإن كانت نجاسته بملاقاته النجاسة وهو قليل فخروجه من القلة إلى الكثرة بالطاهر يرفع أثر النجاسة عنه، وإن كان موجب النجاسة اللون أو الطعم أو الرائحة زال حكمه بزوالها.

    قال المصنف رحمه الله: [ إن لم يبق فيه تغير، وإن كان الماء النجس كثيراً فزال تغيره بنفسه أو بنزح، بقي بعده كثير طهر ].

    أي: لا بد أن يكون الذي بقي كثيراً، إذا كان الماء نجساً وهو كثير فزال تغيره بنفسه أو بنزح بقي بعد النزح كثيراً فإنه يكون طاهراً، أما إذا لم يبق بعد النزح إلا قليل، فإنه يكون نجساً؛ لأنه على ما سبق في الترتيب يكون قليلاً لاقى نجاسةً، هذا سبب الاستثناء في قوله: وبقي بعده كثير، إذا بقي قليلاً صار من القليل الذي لاقى نجاسةً.

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن كوثر بماء يسير أو بغير الماء فأزال التغيير لم يطهر، ويتخرج أنه يطهر ].

    أي: يتخرج على مذهب الإمام أحمد أنه يطهر، وهذا هو الراجح، أنه ما دام أنه زال تغيره أو مكاثرته بالماء وهو قليل، فهو على كل تقدير تزول نجاسته.

    قال المصنف رحمه الله: [ والكثير ما بلغ قلتين، واليسير ما دونهما وهما خمسمائة رطل بالعراقي، وعنه أربعمائة ].

    هذا هو الراجح في حد القليل والكثير من مذاهب الفقهاء كما سبق، اعتباراً بحديث عبد الله بن عمر ، وإن تكلم فيه إلا أن الراجح فيه أنه حديث محفوظ، وقد جوده الإمام أحمد واحتج به.

    قال المصنف رحمه الله: [ وهل ذلك تقريب أو تحديد على وجهين ].

    يعني: هل هذا على سبيل التحديد والمعيار، أو أن ذلك على سبيل التقريب، فما قاربه أخذ الحكم، فهذا فيه وجهان، وسبق معنا أن الوجهين للأصحاب، وليس للإمام.

    حكم الماء المشكوك في طهارته

    قال المصنف رحمه الله: [ وإذا شك في نجاسة الماء، أو كان نجساً فشك في طهارته بنى على اليقين ].

    لأن الأصل أن اليقين لا يزول بالشك، فإذا شك في نجاسة الماء، أو كان نجساً فشك في طهارته، فالعبرة باليقين، فإن كان اليقين أنه طاهر، فهذا هو الأصل، ولا يعمل بشكه في كونه نجساً، وعكسه كذلك، إن كان يعلم أنه نجس لما سبق من أوصاف النجس، فإنه بشكه في طهارته لا يصيره هذا الشك طاهراً.

    أقوال العلماء في الماء الطاهر الذي اشتبه بالنجس

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن اشتبه الماء الطاهر بالنجس، لم يتحر فيهما على الصحيح من المذهب ويتيمم ].

    أي: لأنه لا يكون واجداً للماء الرافع لحدثه، وهذا هو الراجح في مذهب الإمام أحمد ، والقول الثاني في المسألة أنه يتحرى.

    قال المصنف رحمه الله: [ وهل يشترط إراقتهما أو خلطهما، على روايتين ].

    ولا يشترط على الراجح من المذهب ذلك، أي: إراقة الماء النجس والطاهر، الذي اشتبه على المكلف، المصنف يقول: إنه يتيمم، وهذا هو الصحيح من المذهب، وهو الراجح من حيث النظر والشريعة، ولا يشترط على الصحيح من المذهب لصحة التيمم إراقتهما ولا خلطهما، ومن اشترط ذلك -وهي الرواية الثانية عن الإمام أحمد - قال: حتى يقع عند تيممه أنه ليس واجداً للماء.

    قال: وإذا لم يقع ذلك، أي: الخلط والإراقة، صادف أنه تيمم وهو واجد للماء، ولكن هذا بعيد؛ لأن وجود الماء المقصود في قول الله جل وعلا: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [النساء:43] ليس هو الوجود الحسي فحسب، بل يشمل الوجود الحسي والوجود الحكمي، ولهذا من كان مريضاً عاجزاً عن استعمال الماء يتيمم، أليس تيمم بقول الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً [النساء:43]، أم نقول: إن الآية ما دلت على فعله؟ فالآية أريد بها: (فلم تجدوا ماءً)، سواء كان ليس واجداً له حساً، أو حكماً، بمعنى: أنه واجداً له ولكنه عاجز عن استعماله؛ لأن قصر الآية على الوجود الحسي ليس له معنى في الشريعة، بل الحكم الثاني مراعاة في الشريعة أقوى؛ لأن الماء إذا كان استعماله يضر بالمكلف، حرم استعماله، بخلاف من لم يجد الماء حساً، فإنه ربما انتظر بعض الوقت، أو إلى آخر الوقت، وهذا عند كثير من الفقهاء لا يلزمه، بل يصح له أن يتيمم ويصلي، فتقدير الشريعة للعجز الحكمي أو الوجود الحكمي أقوى من تقديرها للوجود الحسي.

    إذاً: الراجح فيما سبق أنه لا يتحرى، والتحري في المياه لا يصح على الراجح من مذهب الإمام أحمد ، وهو الراجح، والله أعلم، من حيث النظر، أنه إذا اشتبه الماء الطاهر بالنجس فإنه لا يتحرى بينهما، بل يتيمم.

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن اشتبه طهور بطاهر، توضأ من كل واحد منهما، وصلى صلاة واحدة ].

    وإن اشتبه طاهر بطهور توضأ من كل واحد منهما، وصلى، توضأ من هذا غرفة، ومن هذا غرفة، أو توضأ من كل واحد منهما، فإنه إذا توضـأ من الطاهر ارتفع حدثه، فإذا توضأ من الطهور ارتفع حدثه، وإذا توضأ من الطاهر فإنه لا يضره، سواء توضأ منهما من كل واحد غرفة، أو توضأ وضوءً كاملاً من هذا، ووضوءً كاملاً من هذا، وصلى صلاة واحدة.

    أقوال العلماء في الصلاة بالثياب المشتبهة بالنجسة

    قال المصنف رحمه الله: [ وإن اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة، صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس وزاد صلاة ].

    وهذا من تقدير إصابة الثوب الطاهر متحقق، فهو من هذه الجهة يقع به التحقق، لكن النظر فيه والتردد فيه من جهة تكليف المكلف أن يصلي الصلاة الواحدة غير مرة، النظر فيه أو التردد فيه ليس من جهة التحقق، فإن التحقق يقع ولا بد، لأنه أمر مدرك، إنما التردد فيه أنه يلزم عليه أن الشريعة تكلف المكلف أن يصلي الصلاة الواحدة غير مرة، فإذا قدر أن الثياب النجسة عشرة أثواب، واختلطت بطاهرة، لزمه أن يعيد الصلاة إحدى عشرة مرة، ولو كانت النجسة عشرين ثوباً لزمه أن يعيد الصلاة إحدى وعشرين، وهذا في ما يظهر أنه ليس مما يتجه في النظر والفقه، ولهذا فإن القول الثاني في المسألة في مذهب الإمام أحمد وغيره، وهو قول أبي حنيفة وقول الإمام الشافعي وأبي ثور أنه يتحرى، وهذا قول أرجح؛ لأنه إنما قيل: لا يتحرى في ما سبق؛ لأن له بدلاً من حيث الشريعة، كما في اشتباه الماء الطاهر بالنجس، فإنه لا يتحرى بل يتيمم، أما هنا فإنه ليس له بدل، والشريعة إنما كلفت المكلف بالفعل مرة واحدة وأن يتقي الله في ما استطاع، واستطاعته بوقوعه مرة واحدة؛ لأن التكليف مرة واحدة، فإن قيل: إنه يستطيع أن يصلي خمس صلوات أو عشر صلوات، قيل: هذه الاستطاعة ليست هي الاستطاعة الشرعية، الاستطاعة الشرعية: هي من حيث وقوع الفعل على ما أمر الشارع به، والشارع نهى عن تكرار الصلاة، ولهذا لو أن شخصاً صلى الظهر، ثم قال: أريد أن أصلي صلاة الظهر خمس مرات، قيل: هذه مخالفة شرعية، فهو إذا تحرى هنا ناسب قصد الشريعة في قول الله جل وعلا: فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وقوله: لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].

    فالراجح في هذه المسألة هو القول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة و الشافعي أنه لا يصلي في كل ثوب صلاة، بل يتحرى ويصلي صلاة واحدة.

    1.   

    الأسئلة

    معنى قوله: (الذي لا يمكن صون الماء عنه)

    السؤال: ما معنى أن تتخلل بالماء الطهور الطاهر، الذي لا يمكن صون الماء عنه؟

    الجواب: أن يكون الطاهر مما يمكن صون الماء عنه، كما في الطاهرات التي يختص بها الآدمي، وهو الذي يتعمد وضعها في الماء من عدمه، كالقمح مثلاً، فإنه يصان الماء عنه عادةً، وأحياناً يكون بعض الطاهرات لا يمكن صون الماء عنه كالطحلب مثلاً، وما ينتج بسبب حركة المياه، أو بسبب ركود المياه، فهذه أعيان طاهرة، لكن لا يمكن صون الماء عنها؛ لأنها تتكون بسبب وجود عوامل، من حيث الركود والجريان ومن حيث الحرارة وعدمها، أي: لها موجبات من حيث طبيعتها في تكونها، فهذا لا يمكن صون الماء عنه، ولهذا لا يجعلونه مؤثراً على طهارة الماء.

    حكم الملابس التي يغسلها الكفار

    السؤال: ما حكم لبس الثياب التي يغسلها الخدم الكفار؟

    الجواب: بدهي أن الملابس التي يغسلها الخدم الكفار ما فيها شيء، هي ملابس للمسلمين، إنما الخلاف في ملابس غير المسلمين، وهذا سيأتي، وأن الأصل فيه الطهارة أيضاً، إلا أنهم كرهوا ما لاقى محل العورات، ومحل النجاسات.

    مدى صحة حمل حديث (القلتين) على حديث أبي سعيد: (الماء طهور لا ينجسه شيء)

    السؤال: لو حمل حديث ابن عمر في القلتين، على حديث أبي سعيد : ( الماء طهور لا ينجسه شيء )، ألا يكون أولى، خصوصاً أنه أجود من حديث ابن عمر ؟

    الجواب: أما من حيث الإسناد فحديث أبي سعيد أجود إسناداً من حديث القلتين، لكن حديث القلتين صالح للاحتجاج أيضاً، هذا من حيث الإسناد، أما من حيث الحمل فليس هو من باب حمل هذا على هذا؛ لأن حديث أبي سعيد إنما هو في الأصل: ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء )، وحديث ابن عمر هو في تميز الماء القليل والكثير، ولكن لا يرتب أن يقال: حديث أبي سعيد : ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ) منطوق، وحديث ابن عمر مفهوم والمنطوق مقدم على المفهوم، إن كان الأخ يريد هذا فهذا بعيد، صحيح أن المنطوق مقدم على المفهوم، ولكن المنطوق الذي في حديث أبي سعيد ليس ملاقياً لحكم المفهوم الذي في حديث ابن عمر ، ولو قدر ملاقاته له، فهذا ناطق بطهورية الماء، وهذا ناطق بعدم طهوريته لقيل: المنطوق لاقى في المحل حكم المفهوم، فيقدم عليه، لكن الصحيح أن حديث أبي سعيد إنما هو في تقرير الأصل في الماء وهو كثير، وحديث عبد الله بن عمر في ما علم المكلف وقوع النجاسة فيه وهو قليل؛ لأن حديث أبي سعيد وهو حديث بئر بضاعة سببه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ من هذه البئر، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ( أتتوضأ منها، وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن )، مظنة النجاسة، والبئر ماؤها كثير، والأظهر فيها أنها بئر، وإن لم تكن جارية، فإنها بئر يجتمع فيها الماء؛ لأنه لا يقدر في الآبار التي يقصدونها إلا أحد وجهين:

    أولاً: إما البئر بمعنى البئر الجارية التي يجتمع ماؤها من غور الأرض، فيكون ماءً كثيراً متجدداً، والناس ينزعون منها.

    وإما أنها تكون مثل بعض الآبار عند الأعراب التي لا ينبع من الأرض لها ماء، ولكنها تكون في غائط من الأرض، فإذا جاءت السيول اجتمع فيها الماء، فإذا قيل: البئر ليس على هذا وليس على هذا، فهذه ليست البئر المعروفة، فالآبار في الغالب وفي العادة مظنة الماء الكثير، فحديث أبي سعيد إنما هو في المياه الكثيرة، فهو يناسب أن يقال: إن النجاسة إذا وقعت أو كانت مظنونة، فأولاً: حديث أبي سعيد النجاسة ليس مقطوعاً بها، إنما هي مظنة الوقوع عند وضوء المكلف بهذا الماء، فإنه على مظنة هل نزحت هذه النجاسة أو لم تنزح، يعرض أنه يقع فيها النجاسة ما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنها وقعت الآن فيها النجاسة، والنجاسة تزول بنزحها، أو باستحالتها، أو بأسباب أخرى، فهذا مظنة، والماء كثير، بخلاف ما قدر في الحكم عند جمهور الفقهاء، الذين بنوا على حديث القلتين: إنما يقصدون به أنه ليس في المظنة، بل في الحقيقة المجزوم بها، يعلم أن النجاسة وقعت في الماء.

    ثانياً: أنه ماء قليل ليس كماء البئر، ففارق مدلول حديث بئر بضاعة من وجهين:

    الأول: أنه في المقطوع به الذي يجزم بوقوع النجاسة فيه عند فعل المكلف الطهارة به، قبل استحالتها، وحديث بئر بضاعة يعرض فيه ذلك.

    الثاني: أنه قليل، فلا يظهر أن حديث بئر بضاعة يمكن حمله على حديث القلتين على هذا التقدير، بل هذا في معنى وهذا في معنى آخر.

    سبحانك الله وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3017294213

    عدد مرات الحفظ

    724041333