إسلام ويب

شرح الورقات [16] - القياس - قياس الشبهللشيخ : يوسف الغفيص

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أركان القياس أربعة، وهي: الأصل والفرع والحكم والعلة، وقد بين العلماء شروط كل ركن وعلاقته بالأركان الأخرى، كما ذكروا أن من أبواب أصول الفقه الحظر والإباحة، واختلفوا في الأصل في الأشياء هل هو الحظر أم الإباحة؟ ومن مباحث أصول الفقه التي ذكرها العلماء الاستصحاب وترتيب الأدلة، وأن الترتيب يكون من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة.

    1.   

    تابع باب القياس

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد، وآله وأصحابه أجمعين.

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومن شرط الفرع أن يكون مناسباً للأصل، ومن شرط الأصل أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين].

    شرط الفرع وعلاقته بالأصل

    قول أبي المعالي الجويني رحمه الله تعالى: (ومن شرط الفرع أن يكون مناسباً للأصل) هذا في القياس، والقياس فيه فرع وأصل، وعلة وحكم.

    قوله: (ومن شرط الفرع) أي: الحكم المسكوت عنه، فهو يسمى في الاصطلاح: الحكم المسكوت عنه، مع أنه في الحقيقة ليس ثمة حكم مسكوت عنه، لكنهم أرادوا أنه لم يصرح بذكر حكمه.

    قوله: (ومن شرط الفرع أن يكون مناسباً للأصل) فهذه المناسبة تكشفها العلة؛ ولهذا إنما كانت العلة لتبين هذه المناسبة بين الفرع والأصل، فحيث انتفت المناسبة بين الفرع والأصل فيعني انتفاء العلة، فلا يصح القياس.

    قوله: (ومن شرط الأصل أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين). هذا في موارد الاحتجاج في الخلاف، ولكن من حيث الاستدلال الشرعي فهو يطرد ما يكون ثابتاً عنده.

    شروط العلة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومن شرط العلة أن تطرد في معلولاتها فلا تنتقض لفظاً ولا معنى ].

    العلة لها شروط: أن تكون وصفاً ظاهراً ومنضبطاً، فإذا خلت من ذلك فهذا يكون به تأخر لدرجة العلة، أو ارتفاع لها، وهذا له تفصيل في كتب الأصول، في الوصف الملائم، والوصف المناسب، والمناسب المرسل، والمناسب الملائم، والمناسب المؤثر، فبعضهم يقسمها إلى ثلاثة أقسام، وبعضهم إلى غير ذلك، فيفرقون بين ما يسمونه ملائماً، وما يسمونه مؤثراً، وما يسمونه مرسلاً.

    شرط الحكم وعلاقته بالعلة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ ومن شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات، أي: في الوجود والعدم فإن وجدت العلة وجد الحكم ].

    بحيث أنها إذا انتفت العلة انتفى الحكم، فيكون تبعاً لها؛ لأن الحكم في الترتيب وإن سمي ركناً، لأنهم يقولون: أركان القياس أربعة: الأصل، والفرع، والعلة التي هي: الوصف الظاهر المنضبط .. إلى آخره، والحكم هو: النتيجة، فالحكم تبع للعلة، فحيث ارتفعت العلة ارتفع الحكم، وحيث لا علة فلا قياس؛ ولهذا أبلغ مباحث دليل القياس هو مبحث العلة؛ لأنه الموجب للإلحاق.

    قال المصنف رحمه الله: [والعلة هي الجالبة للحكم، والحكم هو المجلوب للعلة].

    قوله: (العلة هي الجالبة للحكم)، أي: هي التي بها يقع الحكم، فهي الموجب لوجود الحكم، والحكم هو المجلوب فهو النتيجة، وهو مسبب عن السبب، إذا اعتبرته على الترتيب العقلي فالعلة سبب، والحكم مسبب.

    1.   

    باب الحظر والإباحة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأما الحظر والإباحة، فمن الناس من يقول: إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة فيتمسك بالأصل وهو الحظر، ومن الناس من يقول بضده وهو: أن الأصل في الأشياء أنها على الإباحة إلا ما حظره الشرع].

    ومنهم من قال بالتوقف، هذه ثلاثة مذاهب ذكرها أبو المعالي في الأصل: هل الأصل الحظر، أم الإباحة، أم التوقف؟ وهي مذاهب مشهورة لأهل الأصول وللنظار من المتكلمين الذين كتبوا في هذه المسائل، وقد يقال -كما ذكر ذلك بعضهم أيضاً-: بأن هذه المسألة ليس فيها إطلاق على كل تقدير، وتحتمل القول المقيد ولا تحتمل القول المطلق.

    1.   

    باب الاستصحاب

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ومعنى استصحاب الحال: أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي].

    هذا معنى استصحاب الحال: أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي، لكن إذا نظرنا وجدنا أن الشريعة أعطت أحكاماً كلية؛ ومرجع ذلك إلى أن هذا الاستصحاب في الأصل هو استصحاب للحكم الشرعي، لكن أصبح الحكم الشرعي هنا حكماً كلياً، كما في المطعومات، مثلاً: أعطت الشريعة في الطعام حكماً ولكنه كلي؛ لأنه في الشريعة على الإباحة؛ لقول الله سبحانه: قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً [الأنعام:145] فالشريعة أعطت أن الأصل فيه الإباحة، فكل واحد من أفراد هذا الأصل الكلي يكون داخلاً في هذا الحكم الشرعي.

    1.   

    باب ترتيب الأدلة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وأما الأدلة: فيقدم الجلي منها على الخفي، والموجب للعلم على الموجب للظن ].

    هذا في ترتيب الأدلة، قوله: (وأما الأدلة) وكذلك في الدلالات، معروف أن الدليل فيه جهتان: جهة الثبوت، وجهة الدلالة، جهة الثبوت: إما أن تكون في عينه، أو في أصله، فمثال أن تكون في عينه القياس في فرع معين، هل هو من القياس المعتبر أو ليس كذلك؟ فهذا ثبوت العين، أو حديث رواية مفردة، فتبحث في ثبوت هذه الرواية من عدم ثبوتها، وأما أن تكون في أصله، فمثاله: أن نقول: أصل دليل الاستحسان، هل هو حجة أم لا؟ ثم إذا قلنا: إنه حجة؛ بحثنا في رتبته، هل يقدم على قول الصحابي أو على المصلحة المرسلة، أو ما إلى ذلك؟ وعلم ترتيب الأدلة ترتيب الدلالات هو من جوهر علم الأصول، بل هذا هو فقه علم الأصول، أما تسمية الأدلة وتسمية الدلالات ابتداءً؛ فهذا في الغالب أنها مقدمة سهلة، كأن نقول: القياس حجة، والاستحسان حجة، والمصلحة حجة، أو نقول: فيها خلاف، والراجح أن هذا حجة. هذا تسمية، لكن أين الفقه الأبلغ في الترتيب؟ سواء ترتيب الجنس أو ترتيب العين، كأن نقول: القياس يقدم على قول الصحابي، أو نقول: قول الصحابي يقدم على القياس. هذا ترتيب في الأصل، ثم إذا رتبنا الأصل وقلنا: إن قول الصحابي يقدم على دليل القياس، أو قلنا العكس: إن القياس يقدم على قول الصحابي. فنبحث في موضوع الاطراد من عدمه؛ ولهذا في ظاهر مذهب الإمام أحمد يقدم قول الصحابي على القياس؛ فنجد أن كثيراً من المتأخرين إذا سموا مذهبه سموه هكذا، من أصحابه وغيرهم، وفي مذهب الإمام أبي حنيفة يعتد بالقياس، فيقولون: إن القياس مقدم على أقوال الصحابة. ولكن عند التحقيق والبحث نجد أن هذا وإن أمكن اعتباره أصلاً في أحد المذهبين، إلا أنه لا يلزم أن يفرع عليه، فقد يقارن قول الصحابي من الحال العلمية المعتبرة عند أبي حنيفة ما يدع قياساً لقول الصحابي، وقد يقال: إن القياس من الاقتضاء الشرعي ما يقدم الإمام أحمد وجهاً من القياس على أثر عن الصحابي؛ فهذا التفصيل أيضاً لا تخلو منه المسائل، ومما يحسن تتبعه.

    ومثله فقه الدلالات، فلما نقول مثلاً: الترتيب بين الدلالات بين المنطوق والمفهوم، فإذا قلنا: المنطوق حجة، والمفهوم -كما هو معلوم- صور بعضهم يجعلها سبعاً، وفيها خلاف، فإذا قلنا: تلك الصور من المفهوم معتبرة، فجعلنا المنطوق حجة، وباباً من المفهوم حجة، بقينا هنا في الترتيب، فنقول: المنطوق مقدم على المفهوم، وهذه الجملة هي مقدمة سهلة، لكن الشأن في المقدمات التي بقيت، هل هذا حقيقة منطوق لهذا الحكم، أو أنه منطوق لحكم آخر؟ أحياناً يأتي منطوق ومفهوم فيبين أن الأول منطوق، وأن الثاني مفهوم، وهذا هو الذي يوقع التوهم؛ لأنه إذا بان أن الأول منطوق والثاني مفهوم، تبادر إلى الذهن مباشرة أن المنطوق يقدم على المفهوم، فمن أين يجيء التوهم في مثل هذا؟

    يجيء التوهم في مثل هذا أنه منطوق ولكنه ليس في محل البحث، مثل حديث بئر بضاعة: في حديث أبي سعيد الخدري في السنن: ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، وحديث ابن عمر المشهور بـ(حديث القلتين): (إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث ) فحديث ابن عمر منطوقه: ( إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث )، ومفهومه: أن ما دون القلتين يحمل الخبث، فإذا جئنا إلى محل الحكم ما هو؟ إذا كان في مسألة ورود النجاسة التي لم يظهر أثرها الأوصاف الثلاثة عند الفقهاء على ماء قليل دون القلتين، فإن أعملنا مفهوم حديث القلتين قلنا: يكون نجساً؛ لأنه إن ظهرت فيه النجاسة فهذا بالإجماع يكون نجساً، لكن الكلام في ماء قليل دون القلتين على هذا القصد لتصوير المسألة، وهو المقصود في المذهب عند ذكرهم للقليل، فنقول: على حديث القلتين من حيث دلالة المفهوم يكون نجساً، وقد يقال: إن حديث بئر بضاعة: ( إن الماء طهور لا ينجسه شيء ) منطوقه يفيد: أنه لا ينجس إلا بالتغير، والتغير مجمع عليه، وصريح في الشريعة، فتكون نتيجة البحث لدى البعض، أن الراجح: أنه لا ينجس ما دام لم يظهر عليه أحد الأوصاف الثلاثة؛ لأننا نستدل هنا بحديث منطوق يقابله مفهوم، وإذا تعارض المنطوق والمفهوم فالمنطوق مقدم على المفهوم، وحديث بئر بضاعة هو منطوق، لكنه ليس منطوقاً في محل الحكم، فإذاً ليس الشأن في أن تقول: المنطوق يقدم على المفهوم، فهذا شأن يسير، لكن الشأن أن تتبين أن هذا منطوق أو ليس منطوقاً، وهذا مفهوم أو ليس مفهوماً، والمفهوم هل هو من المفهوم المعتبر أم لا؟ ثم إذا تحقق أنه منطوق وهذا مفهوم، ننتقل إلى المقدمة الثالثة، وهي: هل المنطوق هذا في محل الحكم، أم لا؟ وهكذا يتسلسل النظر حتى يصبح كنتيجة في الأخير أننا قدمنا المنطوق على المفهوم.

    ومثله العام المحفوظ، والعام المخصوص؛ فهذا في الترتيب بين الدلالات، يقولون: العام المحفوظ يقدم على العام المخصوص الذي دخله التخصيص، فهذا أيضاً يحتاج إلى مقدمات وإلا فهو كجملة يسهل تسميتها.

    ومثله في الأقيسة، فربما عدلوا عن الجلي إلى الخفي؛ ولذلك كأن في كلام أبي المعالي رحمه الله إشارة إلى ترك العمل بدليل الاستحسان؛ لأن من أخص أوجه الاستحسان عند الحنفية: ترك العمل بالقياس الجلي إلى القياس الخفي.

    فهو هنا يقول: (وأما الأدلة: فيقدم الجلي منها على الخفي). هذا هو الأصل لا شك، لكن هل يعدل عنه بما يسمى عند الأحناف وغيرهم الاستحسان؟

    الراجح: أنه يعدل عنه، ويكون هذا الخفي إنما أثر عليه تسميته، وإلا فهو في حقيقة الأمر في الشريعة أقوى من الثاني عند تقديمه عليه، فإذا خطر على العقل الأول أنه خفي وما يقابله جلي فقد يتبادر حكم العقل هنا، فيقول: إن الجلي أولى، لكن هذا توهم فرضه الاسم، أنه سمي هذا جلياً، وسمي هذا خفياً، وإلا فهو في حقيقة الأمر وفي نفس الأمر في مثال القياس الجلي والقياس الخفي، وما يكون على دليل الاستحسان منهما، هذا الجلي في حقيقته ليس جلياً في هذا المحل، وذلك الخفي ليس خفياً في ذلك المحل، لكنه الخفاء الإضافي الذي رتب على هذا المصطلح، ومثله قوله: (والموجب للعلم على الموجب للظن)، فيقدم الإجماع القطعي على بعض الأدلة الظنية، وهذا مطرد في الأحكام.

    وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وأصحابه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    أو الدخول بحساب

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3086718651

    عدد مرات الحفظ

    753385242